المحاضرة 5: جدال بيع الغفران | خدمات ليجونير
 

المحاضرة 5: جدال بيع الغفران

فِي عامِ 1517، بَعْدَ أَنْ سَمَحَ الْبَابَا لِيُو الْعاشِرُ بِبَيْعِ الْغُفْرَانِ فِي أَرَاضِي الْكَنِيسَةِ الْكاثُولِيكِيَّةِ، وَدَبَّرَ صَفْقَةً مَعَ الأَمِيرِ أَلْبِرْت مِنْ بْرانْدِنْبُرْغ، لِيَتَمَكَّنَ مِنْ نَوَالِ الْحُقُوقِ الْحَصْرِيَّةِ لِعَائِدَاتِ بَيْعِ الْغُفْرَانِ فِي أَلْمَانْيَا، إِلَّا فِي تِلْكَ الْمَناطِقِ الَّتِي يَحْظُرُ فِيهَا الْقانُونُ، وَهْيَ الْمَناطِقُ الَّتِي تَشْمَلُ مِنْطَقَةَ سَاكْسُونْيَا، وَبِفَضْلِ سُلْطَةِ فْرِيدرِيك الْحَكِيمِ لَمْ يُسْمَحْ لِلْكَنِيسَةِ أَنْ تَبِيعَ الْغُفْرَانَ فِي تِلْكَ الْمِنْطَقَةِ تَحْدِيدًا. لَكِنْ إِذْ وَصَلَ بَيْعُ الْغُفْرَانِ إِلَى أَلْمَانْيَا، حَدَثَ ذَلِكَ فِي قِيادَةِ رَاهِبٍ دُومِينِيكِيٍّ يُدْعَى يُوهان تِيتْزِل، وَكانَ تِيتْزِل مَعْرُوفًا بِطُرُقِهِ الْخَلَّاقَةِ فِي التَّسْوِيقِ.

وَمَا كَانَ يَحْدُثُ هُوَ التَّالِي، أَنَّهُمْ عِنْدَما كَانُوا يَذْهَبُونَ إِلَى الْمُدُنِ أَوِ الْقُرَى الأَلْمَانِيَّةِ، كانَ يَحْدُثُ هَذا بِاحْتِفالاتٍ وَمَسِيراتٍ. يَبْدَأُ مَوْكِبٌ مَهِيبٌ وَفِي مُقَدِّمَتِهِ صَلِيبٌ يَحْمِلُ عَلامَةَ الْبَابَا. بِالإِضَافَةِ إِلَى ذَلِكَ، كانَ هُناكَ مَرْسُومٌ بَابَاوِيٌّ يُحْمَلُ أَمامَ الْمَوْكِبِ عَلَى وِسادَةٍ مَخْمَلِيَّةٍ مُطَرَّزَةٍ بِالذَّهَبِ. وَعِنْدَمَا يَصِلُ الْمَوْكِبُ إِلَى الْقَرْيَةِ، كَانَ النَّاسُ يَتَجَمَّعُونَ بَيْنَما يَعِظُ تِيتْزِل إِحْدَى عِظاتِهِ الْمَشْهُورَةِ. وَالْمَوْضُوعُ الأَساسِيُّ لِعِظاتِهِ فِي هَذِهِ الْمُناسَباتِ كَانَ تَحْرِيكَ قُلُوبِ الْمُزَارِعِينَ حِيالَ الْمُعْضِلَةِ الَّتِي يُعَانِيهَا أَقْرِباؤُهُمْ الَّذِينَ تُوُفُّوا فِي الْمَطْهَرِ. وَكانَ يَقُولُ لَهُمْ أُمُورًا مِثَالَ "أَتَسْمَعُونَ صُراخَهُمْ؟ أَتَسْمَعُونَهُمْ يَرْجُونَكُمْ هَذَا الْيَوْمَ أَنْ تَشْتَرُوا هَذَا الْغُفْرَانَ لِتُقَلِّلُوا مِنَ الْفَتْرَةِ الَّتِي يَقْضُونَهَا فِي الْمَطْهَرِ؟" وَمِنْ ثَمَّ بِالطَّبْعِ، الْجُمْلَةُ الشَهِّيرَةُ الَّتِي أَلَّفَها تِيتْزِل، الَّتِي تُتَرْجَمُ مِنَ الأَلْمَانِيَّةِ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ فِي عِبارَةِ "كُلَّمَا عُمْلَةٌ فِي الصُّنْدُوقِ رَنَّتْ، رُوحٌ مِنَ الْمَطْهَرِ تَحَرَّرَتْ".

مُجَدَّدًا، كَمَا سَبَقَ أَنْ قُلْتُ، لَمْ يَتَمَكَّنْ تِيتْزِل مِنْ أَنْ يَتَجَاوَزَ الْحُدُودَ إِلَى سَاكْسُونِي، لَكِنَّ عَدَدًا كَبِيرًا مِنَ الْفَلَّاحِينَ مِنْ مِنْطَقَةِ وِيتِنْبُرْغ قَامُوا بِالرِّحْلَةِ الْقَصِيرَةِ إِلَى الْمِنْطَقَةِ الْمُجَاوِرَةِ، وَاغْتَنَمُوا لأَنْفُسِهِمْ فُرْصَةَ شِراءِ الْغُفْرَانِ بِالنِّيابَةِ عَنْ أَقْرِبائِهِمْ الْمُتَوَفِّينَ. وَهَذا الْعَمَلُ تَحْدِيدًا هُوَ مَا أَفْقَدَ مَارْتِن لُوثَر أَعْصَابَهُ بِصِفَتِهِ أُسْتَاذَ لاهُوتِ وَدِراساتِ الْكِتابِ الْمُقَدَّسِ فِي جَامِعَةِ وِيتِنْبُرْغ. لِذا، فَفِي حَالَةِ الْغَضَبِ هَذِهِ، كَتَبَ لُوثَر بِلُغَةٍ مُقْتَضَبَةٍ وَوَاضِحَةٍ أُطْرُوحَةً مِنْ 95 بَنْدًا يُعَارِضُ فِيهَا فَسادَ بَيْعِ الْغُفْرَانِ هَذَا. وَقَدْ حَثَّتْهُ بِالتَّحْدِيدِ طَرِيقَةُ التَّعْبِيرِ عَنِ الْفِكْرَةِ بِخَاصَّةٍ طَرِيقَةُ تِيتْزِل، الرَّاهِبِ الدُّومِينِيكِيِّ، وَاعْتَقَدَ أَنَّ تِيتْزِل كانَ يَتَجَاوَزُ ما تَسْمَحُ بِهِ الْكَنِيسَةُ بِالْفِعْلِ فِي حَالَةِ تَوْزِيعِ الْغُفْرَانِ. فِي الْوَاقِعِ، أَوْضَحَ الأَمِيرُ أَلْبِرْت أَنَّ قِيمَةَ الْغُفْرَانِ تَعْتَمِدُ عَلَى أَنْ يَتَحَلَّى مَنْ يَشْتَرِيهَا بِرُوحِيَّةِ تَوْبَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، لَكِنَّ كُلَّ هَذَا لَمْ يَظْهَرْ بِسَبَبِ تِقْنِيَّاتِ تِيتْزِل فِي التَّسْوِيقِ.

لِذَا، لَمْ تَكُنْ مُعارَضَةُ لُوثَرَ فِي الْبِدايَةِ ضِدَّ رُومَا نَفْسِها، بَلْ ضِدَّ عَمِيلِ الْكَنِيسَةِ هَذَا الَّذِي اقْتَنَعَ لُوثَرُ بِأَنَّهُ يُسِيءُ تَقْدِيمَ الْكَنِيسَةِ. لَكِنْ فِي الْوَقْتِ عَيْنِهِ كَانَتْ هُناكَ عَوَامِلُ مُرْتَبِطَةٌ فِي الْعَمَلِيَّةِ كُلِّها، طَرَحَ لُوثَرُ أَسْئِلَةً جِدِّيَّةً حَوْلَها. لِذَا كَتَبَ أُطْرُوحَةً مِنْ 95 بَنْدًا بِاللُّغَةِ اللَّاتِينِيَّةِ، بِلُغَةِ الْعُلَمَاءِ وَلَيْسَ لُغَةَ الشَّعْبِ. وَيَوْمَ عِيدِ جَمِيعِ الْقِدِّيسينَ، وَهْوَ يُصَادِفُ يومًا مقدَّسًا، لَيْلَةَ عِيدِ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، حَوَالِي الظُّهْرِ، سارَ لُوثَرُ عَابِرًا شَوارِعَ مَدِينَةِ وِيتِنْبُرْغ، يُرافِقُهُ أَصْدِقَاؤُهُ مِنَ الْمُزَارِعِينَ، وَوَصَلُوا إِلَى كَنِيسَةِ الْقَلْعَةِ، وَهُناكَ عَلَّقَ أُطْرُوحَةً مِنْ 95 بَنْدًا عَلَى حَائِطِ الْكَنِيسَةِ فِي وِيتِنْبُرْغ.

مِنَ النَّظْرَةِ الأُولَى بَدَا أَنَّ لُوثَرَ كانَ يَقُومُ بِتَخْرِيبٍ لِلْمُمْتَلكاتِ، أَوْ يُقَلِّلُ مِنِ احْتِرامِ كَنِيسَةِ الْقَلْعَةِ بِتَعْلِيقِهِ أَوْراقًا عَلَى بَابِها، لَكِنْ بِالْوَاقِعِ، الْبَابُ الأمامِيُّ لِكَنِيسَةِ الْقَلْعَةِ كانَ لَوْحَ إِعْلاناتِ الْجامِعَةِ. وَمَا كانَ لُوثَرُ يَطْلُبُهُ فِي هَذِهِ الْبُنُودِ الخَمْسةِ والتِّسْعينَ، الْمُعَدَّةِ بِاللُّغَةِ اللَّاتِينِيَّةِ، هُوَ أَنْ تَقُومَ إِدَارَةُ الْجَامِعَةِ بِالْمُشاوَرَةِ حِيالَ الأَمْرِ خَلْفَ الأَبْوابِ الْمُغْلَقَةِ، أَنْ تُجادِلَ لاهُوتِيًّا حِيالَ النِّقاطِ الَّتِي أَثارَها لُوثَرُ فِي الأُطْرُوحَةِ. لَكِنْ حَدَثَتْ بَعْضُ الأُمُورِ الَّتِي لَمْ يَتَوَقَّعْهَا لُوثَرُ، أَوَّلُهَا أَنْ لا أَحَدَ مِنَ الأَكادِيمِيِّينَ تَجاوَبَ مَعَ الدَّعْوَةِ، لَمْ يَحْضُرْ أَحَدٌ لِمُناقَشَةِ هَذِهِ الْبُنُودِ.

لَكِنَّ بَعْضَ التَّلامِيذِ الْخَلَّاقِينَ رَأَوْا الأُطْرُوحَةَ مُعَلَّقَةً عَلَى الْبَابِ، وَكانَ بِإِمْكانِهِمْ قِراءَةُ اللَّاتِينِيَّةِ، وَفَهِمُوا أَهَمِّيَّةَ قَصْدِ لُوثَرَ وَأَسْئِلَتِهِ. وَمِنْ ثَمَّ، وَبِدُونِ مَعْرِفَةِ لُوثَرَ أَوْ إِذْنِهِ حَتَّى، عَمَدُوا عَلَى تَرْجَمَةِ الأُطْرُوحَةِ إِلَى اللُّغَةِ الْعامِّيَّةِ، وَهْيَ اللُّغَةُ الأَلْمَانِيَّةُ، وَاسْتَفَادُوا مِنِ اخْتِراعِ السَّيِّدِ غُوتِنْبُرْغ الأَخِيرِ، فَطَبَعُوا الْكَثِيرَ مِنَ النُّسَخِ، حَرْفِيًّا آلافَ النُّسَخِ. وَقِيلَ إِنَّهُ فِي غُضُونِ أُسْبُوعَيْنِ، تَمَّ إِيجادُ نُسْخَةٍ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَلْمَانِيَّةٍ، وَفَجْأَةً، هَذِهِ الرَّغْبَةُ الشَّخْصِيَّةُ بِنِقاشٍ أَكَادِيمِيٍّ مَعَ الْعُلَماءِ، أَمْسَتْ شَأْنًا عَامًّا شَدِيدَ الأَهَمِّيَّةِ.

قامَ كارْل بَارْت بِتَصْرِيحٍ، مَفادُهُ أَنَّ مَا حَدَثَ هُناكَ كانَ يُشابِهُ تَسَلُّقَ رَجُلٍ أَعْمَى لِسُلَّمٍ فِي بُرْجِ الْكَنِيسَةِ. وَعِنْدَمَا يَفْقِدُ تَوازُنَهُ، يَمُدُّ يَدَهُ لأَيِّ شَيْءٍ يُساعِدُهُ عَلَى التَّمَسُّكِ بِتَوَازُنِهِ، وَتَجِدُ يَداهُ حَبْلًا. وَمِنْ دُونِ مَعْرِفَةِ الرَّجُلِ الأَعْمَى، يَكُونُ مُعَلَّقًا بِجَرَسِ الْكَنِيسَةِ، فِي بَرَاءَتِهِ يُوقِظُ جَمِيعَ الَّذِينَ فِي الْمَدِينَةِ. لأَنَّ آخِرَ مَا أَرادَ لُوثَرُ الْقِيامَ بِهِ، أَوْ مَا تَوَقَّعَ الْقِيامَ بِهِ، أَنْ يَبْدَأَ احْتِجاجًا أَوْ إِصْلاحًا. أَرَادَ أَنْ يُنَاقِشَ الْمَسَائِلَ اللَّاهُوتِيَّةَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِكُلِّ مَسْأَلَةِ الْغُفْرَانِ.

فِي الْوَقْتِ عَيْنِهِ الَّذِي عَلَّقَ فِيهِ تِلْكَ الأُطْرُوحَةَ وَبَدَأَ النَّاسُ بِالتَّجاوُبِ مَعَهُ، كَانَ لُوثَرُ يَنْظُرُ إِلَى الْكَنِيسَةِ وَالْبَابَا نَظْرَةَ احْتِرامٍ. عَلَى الرَّغْمِ مِنْ فُقْدَانِ الْوَهْمِ الَّذِي عانَى مِنْهُ عامَ 1510، فِي خِلالِ حَجِّهِ إِلَى رُومَا، إِلَّا أَنَّهُ كانَ لا يَزالُ يَرْغَبُ بِأَنْ يَكُونَ ابْنَ الْكَنِيسَةِ الْمَطِيعَ. لِذَا، وَفِي وَسَطِ كُلِّ هَذِهِ الْجَلَبَةِ، كَتَبَ شَرْحًا بِلُغَةٍ أَهْدَأَ بِكَثِيرٍ عَنْ كُلٍّ مِنَ الْبُنُودِ، وَأَرْسَلَ نُسَخًا عِدَّةً مِنْهَا إِلَى الأَمِيرِ أَلْبِرْت. فِي الْوَقْتِ عَيْنِهِ، أَرْسَلَ تِيتْزِل حُجَجَهُ إِلَى الأَمْيرِ أَلْبِرْت، وَتَذَمَّرَ حِيالَ تَدَخُّلِ لُوثَرَ فِي جَمْعِ عَائِداتِ بَيْعِ الْغُفْرَانِ. لِذَا لَمْ يَهْدَإِ الأَمِيرُ أَلْبِرْت لِشَرْحِ لُوثَرَ الْهَادِئِ، وَأَرْسَلَ نُسَخًا مِنْ شَرْحِ لُوثَرَ عَنِ الأُطْرُوحَةِ إِلَى رُومَا وَإِلَى الْبَابَا، فِي احْتِجاجٍ عَلَى لُوثَر.

جُزْءٌ مِنَ الْمُؤامَرَاتِ الَّتِي كانَتْ تَحْدُثُ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ، هِيَ مُنافَسَةٌ فِي أَلْمَانْيَا بَيْنَ الرَّهْبَنَةِ الدُّومِينِيكِيَّةِ وَالرَّهْبَنَةِ الأُوغُسْطِينِيَّةِ. كانَ تِيتْزِل يُمَثِّلُ الدُّومِينِيكِيِّينَ، وَلُوثَرُ يُمَثِّلُ الأُوغُسْطِينِيِّينَ. لِذَا وَصَلَتْ كُلُّ هَذِهِ الأُمُورِ إِلَى رُومَا وأدَّتْ إِلَى الْمَزِيدِ وَالْمَزِيدِ مِنَ الانْشِقاقِ. عِنْدَمَا قَرَأَ الْبَابَا الأُطْرُوحَةَ، كانَ رَدُّ فِعْلِهِ الأَوَّلِيُّ وَفْقَ بَعْضِ الْمُؤَرِّخِينَ: "هَذَا عَمَلُ رَاهِبٍ أَلْمَانِيٍّ ثَمِلٍ سَيَتَجَاوَزُ الأَمْرَ فِي الصَّباحِ"، إِلَّا أَنَّ لُوثَرَ لَمْ يَتَجَاوَزِ الأَمْرَ فِي الصَّباحِ. وَبَدَأَتِ الْمَسْأَلَةُ تَنْتَشِرُ، إِذِ ازْدادَ عَدَدُ الْمُنْخَرِطِينَ فِي الْجِدالِ.

فِي عامِ 1518، كَتَبَ يُوهانُ تِيتْزِل أُطْرُوحَتَهُ الْخَاصَّةَ رَدًّا عَلَى لُوثَرَ، وَأَرْسَلَها إِلَى وِيتِنْبُرْغ، حَيْثُ أَحْرَقَ طُلَّابُ الْجَامِعَةِ أُطْرُوحَةَ يُوهان تِيتْزِل. مُجَدَّدًا، كانَتِ الْمَسْأَلَةُ تَتَعَظَّمُ، وَكانَ هُناكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُطالِبُونَ بِاسْتِدْعاءِ لُوثَرَ إِلَى رُومَا لِيُحاكَمَ بِتُهْمَةِ الْهَرْطَقَةِ. وَكانَ الْبَابَا نَفْسُهُ مَيَّالًا إِلَى الانْصِياعِ إِلَى تِلْكَ الطَّلَباتِ، وَكانَ لِيُجْبِرَ لُوثَرَ بِأَنْ يَذْهَبَ إِلَى رُومَا لِمُحاكَمَةِ الْهَرْطَقَةِ، إِلَّا أَنَّ فْرِيدِريك الْحَكِيمَ تَوَسَّطَ بِالنِّيابَةِ عَنْ لُوثَرَ وَأَقْنَعَ الْبَابَا بِالتَّخَلِّي عَنِ الأَمْرِ بِإِحْضارِ لُوثَرَ إِلَى رُومَا. وَما كانَ لُوثَرُ لا يَزالُ يَرْجُوهُ، هُوَ نِقاشٌ لاهُوتِيٌّ يَتَمَكَّنُ فِي خِلالِهِ أَنْ يدفَعَ مُمَثِّلِي الْكَنِيسَةِ لِيَتَجادَلُوا حَوْلَ الْمَسائِلِ الْمَطْرُوحَةِ فِي بُنُودِهِ الْخَمْسَةِ وَالتِّسْعِين.

إِحْدَى أَكْثَرِ النَّواحِي السَّاخِرَةِ فِي هَذِهِ الأُطْرُوحَةِ، إِنْ قَرَأْتُمُوهَا فِي حَيَاتِكُمْ سَتُفَكِّرُونَ أَنَّها لا تَتَمَحْوَرُ حَوْلَ مَوْضُوعِ عُقْدَةِ التَّبْرِيرِ، الَّذِي أَمْسَى لاحِقًا مِحْوَرَ الإِصْلاحِ. لَكِنَّ تَرْكِيزَ الأُطْرُوحَةِ الأَسَاسِيَّ كانَ عَلَى مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْغُفْرَانِ، وَعَقِيدَةِ خَزِينَةِ الاسْتِحْقاقاتِ الَّتِي تَأَسَّسَتِ الْمَسْأَلَةُ عَلَيْها. تَذَمَّرَ لُوثَرُ فِي بِدايَةِ الأُطْرُوحَةِ مِنْ أَنَّ طَرِيقَةَ تِيتْزِل بِنَقْلِ الْفِكْرَةِ بِعِبارَتِهِ الْمَشْهُورَةِ "كُلَّمَا عُمْلَةٌ فِي الصُّنْدُوقِ رنَّتْ، رُوحٌ مِنَ الْمَطْهَرِ تَحَرَّرَتْ"، قَالَ إِنَّ هَذَا يَتَجاوَزُ كُلَّ دَعْوَةٍ وَاعِيَةٍ إِلَى التَّوْبَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَيَسْتَبْدِلُ التَّوْبَةَ بِالنَّدَمِ. وَيَجِبُ أَنْ نُدْرِكَ الْفَرْقَ بِشَكْلٍ وَاعٍ دائِمًا؛ النَّدَمُ هُوَ التَّوْبَةُ الَّتِي يَحُثُّهَا خَوْفُنَا مِنَ الْقِصَاصِ، أَوْ نَلْجَأُ إِلَيْها هَرَبًا مِنَ الْجَحِيمِ، بَيْنَما التَّوْبَةُ فَهْيَ التَّوْبَةُ مِنْ دَافِعِ أَسًى عَمِيقٍ جِدِّيٍّ، وَإِدْراكِ واقِعِ أَنَّ الْمَرْءَ قَدْ أهانَ اللهَ بِخَطاياهُ. بِالطَّبْعِ، كانَ لُوثَرُ خَبِيرًا بِالتَّوْبَةِ، إِذْ أَمْضَى وَقْتًا طَوِيلًا يُعانِي بِسَبَبِها فِي الدَّيْرِ، وَظَنَّ أَنَّ هَذَا مَا كانَ يَحْدُثُ بِالْفِعْلِ فِي بَيْعِ الْغُفْرَانِ.

قَبْلَ مِئاتِ السَّنَواتِ مِنْ نَشْرِ دِيتْرِيش بُونْهُوفر كِتابَهُ، وَعُنْوَانُهُ "النِّعْمَةُ الرَّخِيصَةُ"، رَأَى لُوثَرُ حَرَكَةَ بَيْعِ الْغُفْرَانِ عَلَى أَنَّها تُقَلِّلُ مِنْ قَدْرِ الْخلاصِ، وَتُقَلِّلُ مِنْ قَدْرِ فَهْمِ نِعْمَةِ اللهِ. مَا تَبِعَ فِي السَّنَواتِ الْقَلِيلَةِ اللَّاحِقَةِ هُوَ 3 اجْتِماعاتٍ شَدِيدَةِ الأَهَمِّيَّةِ، وَمِنْ ثَمَّ الاجْتماعُ الَّذِي شَكَّلَ نُقْطَةَ التَّحَوُّلِ الْكُبْرَى، الَّذِي حَدَثَ عامَ 1521، فِي مَجْلِسِ فُورْمْز التَّشْرِيعِيِّ الإِمْبْراطُورِيِّ. لَكِنْ مَا بَيْنَ تَعْلِيقِهِ لأُطْرُوحَتِهِ وَمَجْلِسِ فُورْمز التَّشْرِيعي عامَ 1521، كانَ لُوثَرُ جُزْءًا مِنْ 3 اجْتِماعاتٍ مُهِمَّةٍ، حَدَثَ أَوَّلُها فِي أَبْرِيل من عامِ 1518 فِي هَايْدِلْبُرْغ فِي أَلْمانْيا، وَكَانَتْ مُناسَبَتُهُ نِقاشًا حَوْلَ الْفَلْسَفَةِ وَاللَّاهُوتِ، بَيْنَ الرُّهْبانِ الأُوغُسْطِينِيِّينَ وَالدُّومِنِيكِيِّينَ، يَتَعَلَّقُ بِفَلْسَفَةِ الْعُصُورِ الْوُسْطَى وَلاهُوتِهَا، وَيَتَعَلَّقُ كِلاهُما تَحْدِيدًا بِالنِّقاشِ الْكْلاسِيكِيِّ – لأُولَئِكَ الَّذِينَ يُدْرِكُونَ فَحْواهُ – بَيْنَ الإِسْمِيَّةِ وَالْواقِعِيَّةِ. لِذَا، لَمْ يَكُنْ هَدَفُ النِّقاشِ أَوِ الْحِوارِ فِي هَايْدِلْبُرْغ مُنَاقَشَةَ الأُطْرُوحَةِ أَوِ التَّبْرِيرِ أَوْ أَيٍّ مِمَّا يُشَابِهُ.

لَكِنْ طُلِبَ مِنْ لُوثَرَ أَنْ يُمَثِّلَ الْجَامِعَةَ الأُوغُسْطِينِيَّةَ مِنْ وِيتِنْبُرْغ، مَعَ عُلماءِ اللَّاهُوتِ الَّذِينَ كَانُوا سَيَلْتَقُونَ فِي جَامِعَةِ هَايْدِلْبُرْغ. وَقَدْ حَدَثَتْ بَعْضُ الأُمُورِ هُناكَ. فِي جِدالِ لُوثَرَ لِلدِّفاعِ عَنِ الأَساتِذَةِ الأُوغُسْطِينِيِّينَ مِنْ وِيتِنْبُرْغ، أَرْسَى بَعْضَ الْمَبادِئِ الْمُهِمَّةِ مِنْ لاهُوتِهِ الْخاصِّ الَّذِي كانَ يَتَطَوَّرُ مُنْذُ تِلْكَ الْمَرْحَلَةِ، حَيْثُ مَيَّزَ بَيْنَ مَا يُدْعَى "ثِيُولُوجْيَا كْرُوسِيس" وَ"ثِيُولُوجْيَا غْلُورْيا"، أَيْ بَيْنَ "لاهُوتِ الصَّلِيبِ" و"لاهُوتِ الْمَجْدِ". كانَ يَشْعَرُ أَنَّ الْكَنِيسَةَ وَقَعَتْ فِي فَخِّ تَكَبُّرِها وَتَبَجُّحِها بِرُوحِيَّةِ انْتِصارٍ، لِدَرَجَةِ أَنَّ الْكَنِيسَةَ كَانَتْ تُطالِبُ بِكُلِّ تِلْكَ الْهِباتِ الرَّائِعَةِ الَّتِي كانَتْ تُغْدِقُ بِها عَلَى الشَّعْبِ. قالَ لُوثَرُ "كَلَّا، فَالإِنْجِيلُ هُوَ لاهُوتُ الصَّلِيبِ. وَعِنْدَما نَفْهَمُ الصَّلِيبَ سَنَفْهَمُ فَحْوَى الْمَسِيحِيَّةِ". فِي ذَلِكَ اللِّقاءِ تَحْدِيدًا كانَ لُوثَرُ أَكْثَرَ مِنْ نَاجِحٍ وَلامِعٍ فِي تَقْدِيمِهِ، وَسَرَقَ الأَضْواءَ بِكُلِّ بَساطَةٍ، أَمَّا الَّذِينَ اجْتَمَعُوا مِنَ الْحُضُورِ فَذُهِلُوا تَمامًا مِنْ فِطْنَةِ لُوثَرَ وَمِنْ طَرِيقَتِهِ في التَّعَامُلِ مَعَ الْقَضايَا الْمُثِيرَةِ لِلْجَدَلِ، عَلَى عَكْسِ الصُّورَةِ الطَّبِيعِيَّةِ الَّتِي رَسَمْناها عَنْ لُوثَرَ بِأَنَّهُ قَاسٍ وَمُؤْذٍ فِي الْكلامِ.

اسْمَحُوا لِي أَنْ أَقْرَأَ لَكُمُ اقْتِباسًا عَنْ أَحَدِ الرُّهْبانِ الدُّومِينِيكِيِّينَ الَّذِينَ كَانُوا حَاضِرِينَ فِي لِقاءِ هَايْدِلْبُرْغ. وَتَجِدُونَ هَذَا فِي كِتابِ الْمُؤَرِّخِ الإِصْلاحِيِّ غُورْدُون رُوب، عُنْوَانُهُ "تَطَوُّرُ لُوثَرَ نَحْوَ مَجْلِسِ فُورْمْز التَّشْرِيعِي". أَصْغُوا إِلَى شَهَادَةِ أَحَدِ الرُّهْبانِ الدُّومِينِيكِيِّينَ الَّذِينَ كَانُوا هُناكَ، الَّذِي تَمَكَّنَ مِنْ تَناوُلِ الْغَداءِ مَعَ لُوثَرَ وَمَعَ زَمِيلِهِ سْتُونِيتْز مِنْ وِيتِنْبُرْغ، وَتَكَلَّمَ عَنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُعارِضُونَ لُوثَرَ، وَكَتَبَ الْكَلِمَاتِ التَّالِيَةَ "لَمْ تَتَمَكَّنْ حِيَلُهُمْ مِنْ أَنْ تُزَحْزِحَهُ وَلَوْ قَلِيلًا. حَلاوَتُهُ فِي الإِجابَةِ مُذْهِلَةٌ". وَقالَ عَنْ لُوثَرَ "إِنَّ صَبْرَهُ فِي الاسْتِماعِ لا مَثِيلَ لَهُ. تَلْحَظُونَ فِي تَفْسِيرَاتِهِ فِطْنَةَ بُولُسَ وَلَيْسَ سْكُوتُوس. أَجْوِبَتُهُ مُخْتَصَرَةٌ وَحَكِيمَةٌ وَنابِعَةٌ مِنَ الْكِتابِ الْمُقَدَّسِ مُباشَرَةً، مِمَّا حَوَّلَ كُلَّ مُسْتَمِعِيهِ إِلَى مُعْجَبِيهِ".

أَجِدُ أَنَّ هَذِهِ مُلاحَظَةٌ مُلْفِتَةٌ عَنْ تَصَرُّفِ لُوثَرَ هُناكَ فِي هَايْدِلْبُرْغ. لَكِنْ ما يَهُمُّنِي أَكْثَرَ مِنْ مُلاحَظَتِهِ عَنْ لُوثَرَ، هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي دَوَّنَ هَذِهِ الْكَلِماتِ. كَتَبَ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ عَالِمُ لاهُوتٍ دُومِينِيكِيٌّ شَابٌّ، يُدْعَى مارْتِن بُوتْزِر. كانَ لِبُوتْزِر لاحِقًا تأثيرٌ مذهلٌ عَلَى كاهِنٍ كَاثُولِيكِيٍّ آخَرَ، الَّذِي خَرَجَ بَعْدَ بُوتْزِر مِنَ الْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ وَانْضَمَّ إِلَى لُوثَرَ وَالإِصْلاحِ. كَانَ لَهُ تَأْثِيرٌ مُلْفِتٌ عَلَى كَاهِنٍ سْوِيسْرِيٍّ آخَرَ يُدْعَى جُون كالْفِن. مِنَ الْمُذْهِلِ أَنْ نَرَى كَيْفَ حَدَثَ هَذَا التَّواصُلُ فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ مِنَ التَّارِيخِ. بَعْدَ حَادِثَةِ هَايْدِلْبُرْغ، تَلَقَّى جُون تِيتْزِل الشَّهْرَ التَّالِي شَهادَةَ الدُّكْتُورَاه، وَكانَ يَتَقَدَّمُ وَيَتَّجِهُ نَحْوَ الْقِمَّةِ مِنْ دُونِ أَنْ يُدْرِكَ أَنَّهُ فِي غُضُونِ 12 شَهْرًا وُصِمَ بِالْخِزِي لِنَشاطِهِ فِي جِدالِ مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْغُفْرَانِ، وَبِغُضونِ الْفَتْرَةِ عَيْنِها، سَيُلاقِي حَتْفَهُ.

تَابَعَ لُوثَرُ بِالإِصْغاءِ إِلَى السُّلُطاتِ فِي رُومَا، وَطَلَبَ مُجَدَّدًا أَنْ تَكُونَ لَهُ فُرْصَةٌ لِجِدالٍ عَلَنِيٍّ مَعَ مُمَثِّلِي رُومَا لِيُحاوِلُوا التَّوَصُّلَ إِلَى اتِّفاقٍ وَتَفاهُمٍ حِيالَ الْمَسائِلِ الْمَطْرُوحَةِ. وَأَيْضًا بِفَضْلِ تَدَخُّلِ فْرِيدِريك نَاخِبِ سَاكْسُونْيا، حَدَّدَتِ الْكَنِيسَةُ الْكاثُولِيكِيَّةُ نِقاشَيْنِ، أَحَدُهُما فِي أُوغِسْبُرْغ، وَالآخَرُ فِي لِيبزيغ. فِي هَذِهِ اللِّقاءَاتِ شَارَكَ لُوثَرُ فِي نِقاشٍ، فِي اللِّقاءِ الأَوَّلِ، مَعَ عَالِمِ اللَّاهُوتِ الْكَاثُولِيكِيِّ فِي الْقَرْنِ السَّادِسَ عَشَر، الْكَارْدِينالِ كَاجِيتان، وَمِنْ ثَمَّ، فِي النِّقاشِ الثَّانِي مَعَ عَالِمِ اللَّاهُوتِ الْكَاثُولِيكِيِّ الأَلْمَانِيِّ يُوهان إِيك. لَكِنَّنَا سَنَنْظُرُ إِلَى هَذِهِ النِّقاشَاتِ وَكَيْفَ قَرَّبَتْنا أَكْثَرَ مِنْ نُقْطَةِ التَّحَوُّلِ الْكُبْرَى لِلإِصْلاحِ، الَّتِي حَدَثَتْ عامَ 1521 فِي مَجْلِسِ فُورْمْز التَّشْرِيعِي.