المحاضرة 3: اختبار البرج

سنكمل الآن في دراستنا للوثر وإصلاح القرن السادس عشر. في بداية هذه المحاضرات ذكرتُ أنه في سنوات شباب لوثر، كان يميل للمرور بأزمة حادة كل 5 سنوات. مرّ في سنة 1505 بتجربة الصاعقة التي أرسلته إلى الدير. وقد تكلمنا المرة الماضية عن سنة 1510 عندما مر بتجربة فقدان الوهم في خلال رحلته وحجه إلى روما. لكن، ربما أهم أزمة في كل حياته، ذلك المشهد الذي حدده كرجل ولاهوتيّ، ومُصلِح ومسيحي، حدث في سنة 1515 في ما يُدعى تجربة البرج.

لكن قبل أن نتكلم عن تجربة البرج، نريد أن ننقل لوثر من إيرفورت إلى ويتنبرغ. اسمحوا لي أن أبدأ بقول إنه بعد فترة قصيرة من عودته من تجربته في روما، دُعي للانتقال من إيرفورت إلى دير الرهبنة الأوغسطينية، في قرية ويتنبرغ. كانت إيرفورت مدينة كبرى في ألمانيا، وفيها جامعة كبرى، بينما كانت ويتنبرغ مجرد قرية صغيرة يقطنها حوالي 2000 شخص. وحجم المدينة أقلّ من 1.6 كيلومترًا. اسم ويتنبرغ يعني "التلة البيضاء" أو "الجبل الصغير الأبيض"، وموقعها على امتداد الرمال البيضاء، وتحدها نهر إلبه. أهمية ويتنبرغ في هذه المرحلة من التاريخ، هو أنّ تلك القرية أسسها رجل يُدعى فريدريك الحكيم، أو فريدريك ناخب ساكسونيا. إن لم تألفوا اسم فريدريك الحكيم، لا بد أن أقول في هذه المرحلة أنه كان أحد أهم من لعبوا دورًا في الإصلاح البروتستانتيّ وكل هذا، بشكل أساسي، عن غير قصد.

كان حلم فريدريك أن ينشئ مركزًا ثقافيًا وفكريًا في ويتنبرغ، ينافس الجامعة التي في هايدلبرغ وأعظم مراكز الفكر في ألمانيا. من أجل ذلك، بحث كل القرى الألمانية، وجال في الكثير من الأديرة طالبًا أن يرشحوا أفضل علمائهم الشباب للانضمام إلى جامعته الجديدة في ويتنبرغ. وتمكّن من الحصول على خدمات 3 علماء بارعين، وأحدهم كان مارتن لوثر. لم يكن لوثر قد حصل على شهادة الدكتوراه بعد. كان قد استحصل على الماجستير في دراسات الكتاب المقدس، واستُدعي إلى المدينة ليكون أستاذ الكتاب المقدس في الكلية هناك في ويتنبرغ.

بالإضافة إلى تأسيس الجامعة هناك، أراد فريدريك أن ينشئ أفضل مذخر في كل ألمانيا. كان حلمه أن يجعل ويتنبرغ، روما الألمانية. لذا، طيلة فترة 10 سنوات أو ما يُقاربها جال بحثًا عن مختلف الآثار لتجميعها، ليضمها إلى الكنيسة في ويتنبرغ فتجتذب الحجاج من كل أنحاء أوروبا لكي يقوموا بحجهم إلى ويتنبرغ، بسبب الخلاص من المطهر الذي يرافق رحلةً مماثلة. تمكن من جمع مجموعة من الآثار، أكثر من 19000 أثر، تعادل قيمة مجموع خلاصها كلها، إن بحثتم في كل منها خلال فترة حجكم، يصل مجموعها إلى 1,902,202 سنة و7 أشهر تقريبًا من الوقت تُعتقون منه في المطهر. لذا كان حلمه بتأسيس مذخر ضخم هناك في ويتنبرغ قد تحقق.

من بين الآثار التي تمكن من جمعها تشمل قشة من مذود يسوع، وشعرة من لحية يسوع، وقطعة من الصليب، وحجر عن جبل الصعود، وحتى غصن من عليقة موسى المشتعلة، كانت تلك مجموعة مميزة. كان فريدريك الحكيم يُدعى ناخب ساكسونيا، لأنه كان أحد عدة رجال في أوروبا الذين كان لهم حق بالتصويت في اختيار الإمبراطور الروماني المقدس، ذاك الذي سيترأس الإمبراطورية الرومانية المقدسة، الذي يقول عنها العلماء أنها لم تكن لا مقدسة ولا رومانية، ولا إمبراطورية حتى.

في الواقع، في سنة 1518 – كما أظنّ أنها كانت – توفي إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة ماكسيميليان، وتُرك عرش الإمبراطور شاغرًا. كان هناك 3 مرشحين أساسيين لخلافة ماكسيميليان. في المقدمة اثنان منهما والثالث في الخلفية. في المقدمة كان كل من فرنسيس، وهو ملك فرنسا حينذاك، وشارلز، الذي كان ملك إسبانيا الذي لم يتكلم الإسبانية، وكان يُعتبر غبيًا نوعًا ما حتى من قبل أبناء جيله. بينما المرشح الثالث الذي كان يُعاني للحاق بفرانسيس وشارلز، كان ملك إنجلترا، هنري الثامن. تعقدت الحبكة بينما استمر السباق، ولم يرد بابا روما في ذلك الوقت، ليو الخامس، لم يرد بشدة أن يصبح لا فرنسيس ولا شارلز إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة.

لذا، حاول أن يضغط على فريدريك ليُشارك في السباق نحو العرش ويترشح لمنصب إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة. من أجل ذلك، كرّم ليو الخامس فريدريك من خلال منحه أعظم شرف يستطيع البابا أن يمنحه لحاكم علماني، وهو رتبة الوردة الذهبية. قدّم هذا الشرف لفريدريك على أمل أن يحثّ فريدريك ليسعى إلى مركز إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة، إلا أنّ فريدريك، من أحد أسباب دعوته بالحكيم، هو أنه رفض الدعوة، ولم يهتمّ بالترشح لمنصب الإمبراطور. وفي الواقع، كان من أهمّ من صوتوا لوضع شارلز على عرش الإمبراطورية الرومانية المقدسة.

من الملفت أيضًا بالنسبة إلى فريدريك، بالإضافة إلى أنه من أحضر لوثر إلى ويتنبرغ حيث بدأ الإصلاح بكامله، فبسبب قوته السياسية في أوروبا تمكن فريدريك من أن يلعب دور حامي لوثر في خلال تلك السنوات المهمة. قال المؤرخون إنه لولا تأثير فريدريك الحكيم، لكان لوثر اصطيد وأُعدم. على الرغم من أنّ فريدريك

حافظ على ولائه للكنيسة الكاثوليكية، إلا أنه حافظ أيضًا على ولائه لجامعته، وأراد أن يتأكد أنّ لوثر لا يضطهد ظلمًا ولا يُحاكم ويعُدم. لذا، دافع عنه طيلة سنوات كثيرة جدًا، على الرغم من أنه قيل بسخرية إنّ لوثر وفريدريك لم يتحاورا أكثر من 3 مرات في كل تاريخ علاقتهما.

لكن على كل حال، عندما أُحضر لوثر إلى ويتنبرغ كأستاذ للكتاب المقدس، بدأ محاضراته في سنة 1513 وحاضر مطولًا عن سفر المزامير. أحد الأمور التي غالبًا ما نتجاهلها عن لوثر، هي أنّ لوثر كان أستاذًا في اللغة، وكان مفسرًا مذهلًا للكتاب المقدس. في الواقع، طريقته في تفسير الكتاب المقدس، بخاصة بعد تطورها، غيرت مفهوم تفسير الكتاب المقدس بأكمله من العصور الوسطى لتمسي نظرة عصرية نحو الكتاب المقدس. في العصور الوسطى، أفضل طرق تفسير الكتاب المقدس كانت من خلال استخدام ما يُدعى "الكوادريغا". الكوادريغا كانت طريقة رباعية لتفسير الكتاب المقدس؛ أن تبحثوا أولًا في المعنى الحرفي للنصّ، ومن ثمّ تجدون المعنى الأخلاقي في النص، تبحثون عن المعنى الرمزي للنص، وبالنهاية المعنى المجازي للنص. وقاد هذا إلى تخمينات غريبة وتفسيرات خيالية للكتاب المقدس، لدرجة أنّ لوثر قال إنه في ظلّ ذلك النظام أمسى الكتاب المقدس أنفًا مشمعًا، باستطاعة أي شخص أن يشكله ويشوهه ليجعله يناسب أي نظرية يريدها أن تنبع من الكتاب المقدس.

وصل لوثر تدريجيًا إلى موقف مفاده أنّ الطريقة السليمة لتفسير الكتاب المقدس هي من خلال إيجاد ما دعاه "سينسوس ليتيراليس". لنلقِ نظرة على هذا "سينسوس ليتيراليس" الذي يُترجم ببساطة "المعنى الحرفي للكتاب المقدس". يسألني بعض الناس من وقت إلى آخر سؤال إن كنتُ أفسّر الكتاب المقدس حرفيًا. لكنهم عادةً ما لا يسألون بهذه الطريقة، عادةً ما يقومون بهذا بشكلٍ سلبيّ قائلين "أنتَ لا تفسر الكتاب المقدس حرفيًا، أليس كذلك؟" وعندما يقول لي أيّ شخص "أنتَ لا تفسر الكتاب المقدس حرفيًا، أليس كذلك؟" لا أجيب بالإيجاب أبدًا، ولا أجيب بالنفي أبدًا، بل أجيب هذا السؤال دائمًا بالطريقة عينها. إن سألني أحد "أنتَ لا تفسر الكتاب المقدس حرفيًا، أليس كذلك؟" دائمًا ما يكون جوابي "بالطبع. يا للسؤال! هل من الطريقة صحيحة أخرى لتفسير الكتاب المقدس سوى تفسيره حرفيًا؟"

لكنني أفهم سبب طرح الناس لهذا السؤال. لا يقصدون ما قصده لوثر بالترجمة المعنية، أو ما أعنيه أنا. ما قصده لوثر بكلامه عن "سينسوس ليتراليس""، هو أنه يفترض بنا أن نفسر الكتاب المقدس وفق طريقة كتابته. إن كان سردًا تاريخيًا، تفسرونه وفق قوانين السرد التاريخي، إن كانت شعرًا، تفسرونه وفق قوانين الشعر، إن كان تعليميّ تفسرونه وفق تلك الشرائع وإلى ما هنالك. لكن ليس هناك ما يُدعى روح قدس يونانيّ في الكتاب المقدس. الاسم هو اسم، والفعل هو فعل. ويفترض بكم أن تعاملوا الكتاب المقدس على هذا الأساس، كما لو أنه أي كتاب آخر. بالطبع، هو لا يشابه أي كتاب آخر لأنه وحده كلمة الله، لكن على الرغم من ذلك بنى لوثر سياجًا حول جميع محاولات التفسير الخرافية المروحنة لكلمة الله. أراد أن يبحث عن المعنى البسيط والتفسير البسيط للكتاب المقدس لكي نفهم كلمة الله كما مُنحت في الآصل وكُتِبَت.

لذا، كان مبدأ تفسير الكتاب المقدس، يتطور في خلال سنين تعليمه في ويتنبرغ. وقد بدأ هذا في شرح المطول عن سفر المزامير. سنة 1515، هي السنة التي قلتُ إنه تعرض فيها إلى أهمّ أزماته، ربما في كل حياته، في ما يُدعى تجربة البرج، وقد بدأ هذا عندما مُنح مهمة الوعظ من رسالة رومية. في بداية محاضراته، بينما كان يقرأ الأصحاح الأول من رسالة رومية ووصل إلى رومية 1: 16، قرأ الكلمات التالية "لأَنِّي لَسْتُ أَسْتَحِي بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ، لأَنَّهُ قُوَّةُ اللهِ لِلْخَلاَصِ لِكُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ: لِلْيَهُودِيِّ أَوَّلًا ثُمَّ لِلْيُونَانِيِّ". ومن ثمّ، في الآية 17، التي يدعوها معظم علماء اللاهوت الآية التي تلخص كل رسالة رومية، يكتب بولس التالي "لأَنْ فِيهِ (في الإنجيل) مُعْلَنٌ بِرُّ اللهِ بِإِيمَانٍ، لإِيمَانٍ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا".

عندما اطلع لوثر ذلك النص للمرة الأولى وبدأ يقرأ عبارات لومبارد والمعلقين الآخرين من العصور الوسطى، كان يصارع مع مبدأ في الآية 17 وجده شخصيًا بغيضًا، خاصة أنّ هذه الآية تعلّم عن الموضوع الذي يُرعب لوثر أكثر من أي موضوع آخر، أساسًا موضوع بر الله. وقد عمل جاهدًا في الدير من أجل أن يخلص ضميره، وسعى بجدّ في زهده وفي حجه واعترافه وكل هذا، إذ كان طيف إله قدوس يلاحقه، وكان لوثر يعلم أنّه إن دان لوثر وفق معايير برّ الله، سيهلك لوثر بالتأكيد. كان يدرك أيضًا أنه مهما حاول جاهدًا ومهما فعل، ما كان ليتمكن من إرضاء متطلبات عدالة الله أو بر الله، لكي يتمكن من الوصول إلى السماء.

الحاجز الأساسي الذي كان يحول بين لوثر والله كان برّ الله. فهم لوثر في أعماق نفسه الهوة الموجودة بين بر الله وبين إثم الخاطئ، ولم يرَ لوثر طريقة لسد الثغرة. لكن بينما كان يقرأ هذا النص، ويدرس هذا النص ويحضر محاضراته، وصل إلى فهم جديد تمامًا، وجذري لما قاله بولس في رومية الأصحاح 1 والآية 17 إذ قال "لأَنْ فِيهِ (في الإنجيل) مُعْلَنٌ بِرُّ اللهِ بِإِيمَانٍ، لإِيمَانٍ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا"، وهي آية مأخوذة من سفر حبقوق في العهد القديم، وترد 3 مرات في العهد الجديد. توقف لوثر تمامًا، وقال "ماذا يقصد بكلامه عن هذا البر الذي هو بالإيمان، بإيمان لإيمان؟ ما المقصود بأنّ البار بالإيمان يحيا؟" وهي، كما قلت، الآية المحورية لكل عرض بولس للإنجيل الذي يقوم به في رسالة رومية.

وإذ أدرك لوثر هذا الإعلان، بدأ يفهم أنّ بولس كان يتكلم عن بر يجعله الله في نعمته متاحًا لأولئك الذين يقبلونه فحسب، وليس أولئك الذين يحققونه بالفعل، أولئك الذين يقبلونه بالإيمان، ومن خلاله بإمكان المرء أن يتصالح مع إله بار وقدوس. كانت تجري هنا خدعة لغوية أيضًا، وكانت التالية: أنّ الكلمة اللاتينية للتبرير التي كانت تُستخدم في تلك المرحلة من تاريخ الكنيسة، وهي الكلمة التي نستقي منها كلمة التبرير الإنجليزية، هي الكلمة اللاتينية "جوستيفيكاري"، وهي مأخوذة من نظام القضاء الروماني. وكلمة "جوستيفيكاري" مؤلفة من كلمة "جوستوس"، وهي العدالة أو البر، والفعل في صيغته الأساسية "فيكاري"، ومعناه "جعل المرء". لذا فهم الآباء اللاتينيون عقيدة التبرير على أنها ما يحدث من خلال أسرار الكنيسة وما إلى هناك من أمور عندما يستخدمها الله لجعل الأشخاص الخطاة أبرارًا.

لكن لوثر كان ينظر الآن إلى الكلمة اليونانية الواردة في العهد الجديد وليس الكلمة اللاتينية، كلمة "دياكايوسوني"، التي لم تعني جعل المرء بارًا، بل بالحري "أن يُعتبر بارًا، أن يُحسب بارًا، وأن يُعلن بارًا". وكانت تلك لحظة إدراك للوثر. فكر "أتعنون أنّ بولس لم يكن يتكلم هنا عن برّ الله نفسه، بل البر الذي يمنحنا إياه الله مجانًا بنعمته، للناس الذين ليس فيهم بر في ذواتهم؟" وقد تأكد من سوء التفاهم هذا من خلال قراءة مقال لأوغسطين عن الحرف والروح، علق فيه أوغسطين قائلًا إنّه في رسالة رومية، لم يكن بولس يتكلم عن بر الله، بل عن البر المتوفر للمؤمنين بالإيمان. لذا قال لوثر "انتظر. أتقصد أن البر الذي سأخلص فيه ليس بري الخاص؟" بل هو ما دعاه "جوستيسيا أليينوم"، وهو البر الأجنبي، البر الذي ينتمي بالأساس لشخصٍ آخر. هو بر "إكسترا نوس"، خارجٌ عنا، وهو بالتحديد بر المسيح.

وقال لوثر "عندما اكتشفتُ هذا وُلدتُ مجددًا بالروح القدس وانفتحت أبواب الفردوس وعبرتها". ليس هناك من طريقة لنفهم تشبث لوثر ورفضه للمساومة في عقيدة التبرير بالإيمان وحده، بعيدًا عن اختبار الولادة الثانية الذي غيّر حياته. وللمرة الأولى في حياته فهم الإنجيل، ومعنى أن يُخلّص بفضل بر شخص آخر.