المحاضرة 1: من لوثر حتى الصاعقة

في مدينة جينيف الحديثة في سويسرا هناك قسمٌ فوق المدينة يُدعى مدينة جينيف القديمة. في وسط ذلك القسم منتزهٌ كبيرٌ قرب الجامعة. أبرز ما في ذلك المنتزه هو حائطٌ كبيرٌ من الرخام، وهو يُدعى حائط الإصلاح. وبجوار حائط الإصلاح تمامًا تجدون تماثيل متعددة ورسومات أخرى في الحائط عينه عن مُصلحي القرن السادس عشر المذهلين. نرى فيه لوثر، وملانكتون، وكالفين، وبيزا، ونوكس، وبيوتزر، وزوينغلي، وآخرون أيضًا. وعلى قمة حائط الإصلاح، حُفر في الحجر الكلمات التي تلخّص شعار إصلاح القرن السادس عشر، والكلمات هي التالية "بوست تينيبراس، لوكس". اسمحوا لي أن أدوّنها لكم لئلا ننساها، "بوست تينيبراس، لوكس". وترجمة هذا الشعار هي بسيطة "بعد الظلام، نور".

والسؤال الذي يجب أن نبحث فيه هو التالي، ما كان "التينيبراس" المُقترح في الشعار؟ ما هو الظلام المُشار إليه؟ من وجهة نظر الإصلاح، يُشير الظلام إلى ما حدث تدريجيًا لكن باستمرار للكنيسة الرومانية الكاثوليكية، في خلال العصور المظلمة عبر القرون الوسطى وصولًا إلى الإصلاح. كان هناك تغيير منتظم لفهم الكنيسة المسيحية وفق الكتاب المقدس، والأهمّ هو مسألة الخلاص. وما تطوّر في روما في تلك المرحلة هو ما ندعوه في اللاهوت "الساسيردوتاليسم". قد لا تألفون هذا التعبير "الساسيردوتاليسم"، لكن ما يعنيه أساسًا هو فكرة أنّ الخلاص يتحقق بشكل أساسي من خلال خدمات الكنيسة ومن خلال الكهنوت، وبخاصة من خلال ممارسة الأسرار.

وكان تطور نظام الخلاص هذا بأكمله ضمن الكنيسة الكاثوليكية، هو ما سبّب الأزمة في إصلاح القرن السادس عشر. قبل أن نصل إلى الحوادث التاريخية التي أدّت إليه، والأشخاص الذين استخدمهم الله لتحقيقها، أريد أن أميّز أمرًا مهمًا بالنسبة إليّ، وهو أنّ المصلحين أنفسهم اعتبروا عملهم على أنه إصلاح وليس ثورة. لم ينظروا إلى نشاطاتهم على أنها ثورة منظمة ضد الكنيسة أو ضدّ المسيحية التاريخية. لكن بشكلٍ مشابهٍ لأنبياء إسرائيل في القرنين السابع والثامن ق.م. رأوا مهمتهم على أنها دعوة الكنيسة لتعود إلى شكلها الأصلي، وإلى اللاهوت الأساسي للكنيسة الرسولية، أي أنهم لم يحاولوا إنشاء أمرٍ جديد، ولم يقصدوا إنشاء شكل جديد، بل القيام بإصلاح بدعوة الكنيسة للعودة إلى جذورها وأصولها.

قرأتُ هذا الصباح في الجريدة قسمًا أقرأه كل يوم، يعلمنا ما حدث في هذا التاريخ المحدد في الماضي. ولفتني هذا الصباح عندما قرأتُ في الجريدة، أنّه في هذا التاريخ في سنة 1504 أُظهرت منحوتة مايكل آنجلو وعنوانها دايفيد للعلن. ووجدتُ هذا ملفتًا أنه حدث قبل سنة من حدوث أعظم أزمة في حياة مارتن لوثر، وقد حدثت سنة 1505. وسنتكلم عنها بعد بضع دقائق. لكني سألتُ نفسي التالي "ماذا كان مارتن لوثر يفعل في هذا اليوم من سنة 1504؟" في هذا اليوم من سنة 1504 كان عمر مارتن لوثر 21 سنة، وقد أكمل ماجستير في دراسته للآداب وتسجل في الجامعة في دراسة القانون. عندما أكمل وحصل على شهادة الماجستير في دراسة الآداب، قدّم له والده هانس مجموعة القوانين السائدة في تلك الفترة بكل فخر ووسط احتفالات.

عن عمر 21 سنة كان لوثر قد تميّز بذكائه ومعرفته، بعد أن تربى في نظام التعليم الكلاسيكي الذي كان يقتضي من التلاميذ في تلك الأيام أن يتكلموا اللاتينية بطلاقة، لأنّ اللغة اللاتينية كانت لغة الجامعة. كانت لغة المنخرطين في علم القانون. كانت لغة اللاهوتيين والأطباء والمحترفين الآخرين. لذا، تدريب لوثر في دراسته ليصبح محامياَ أفاده تمامًا في ما تبقى من حياته. وُلد لوثر في سنة 1483. وأنتم تعلمون هذا، إن كنتم قد عددتم السنوات من 1504 وعدتم 21 سنة إلى الوراء. إن أردتم أن تعرفوا موقع ولادة لوثر في التاريخ الغربي، تخيلوا التالي فحسب، وُلِدَ سنة 1483 أي أنه كان في التاسعة من عمره عندما اكتشف كريستوفر كولومبوس العالم الجديد. كيف نعرف ذلك؟ لأننا نعلم أنه سنة 1492 أبحر كولومبوس في المحيط الأزرق. كانت مختلف التغييرات والاضطرابات تحدث في العالم الغربي حينئذٍ. ولم يكن اكتشاف العالم الجديد أهمّ هذه الأحداث الجديدة التي ستحدث.

كان والداه من الفلاحين في ألمانيا في غابة الثورنجيان. وكان هانس لوثر، والده، قد ترك حقول الزراعة ليصبح عاملًا في المناجم. ونجح في هذه المهنة في منطقته لدرجة أنه، ومن خلال مهاراته الإدارية والتعهدية، تمكّن من أن يصبح مالك 6 مشاغل حديد مما رفع من شأن عائلته الاقتصادي بشكلٍ ملحوظ. لكنّ حلمه الكبير كان أنه من خلال تعليم ابنه مارتن، كان سيحظى بابنٍ يكون محاميًا بارزًا، وسيصبح ثريًا ويتمكن من العناية بأهله في آخر عمرهما. وقد تقدّم كل ذلك بشكلٍ جيّدٍ في هذا الاتجاه، إذ كان لوثر في أولى سنوات دراسته يكسب سمعةً كطالبٍ في علم القانون، لامعٌ بشكل استثنائي في حقل القانون. تذكروا هذا بينما نكمل بتحليل الدور الذي لعبه لوثر في الإصلاح البروتستانتيّ. كان لذلك علاقة وثيقة بفهمه للقانون، لأنّه استفاد من المهارات القانونية والتعليم القانوني ليطبّقه في دراسته للناموس في الكتاب المقدس.

الأزمة التي غيّرت حياته والتي غيّرت العالم إلى الأبد حدثت في تموز سنة 1505. بينما كان لوثر يسير عائداَ إلى المنزل من الجامعة، في وسط اليوم حدثت عاصفة صواعق قوية، وبينما كان يسير إذا بصاعقة تضرب الأرض على بعد خطوات قليلة من حيث كان يقف. كانت قريبة منه لدرجة أنها أوقعته أرضًا. واعتبرها على أنها رسالة من الله. ارتعب تمامًا وصرخ من خوفه "ساعديني يا قديسة حنة فأصبحُ راهبًا". سبب أنه رفع صوته إلى القديسة حنة هو لأنّ القديسة حنة، وهي أمّ مريم، كانت القديسة شفيعة عاملي المناجم، وكان لها مكانها المميز في الصلوات اليومية في منزل عائلة لوثر. لذا، في لحظة الأزمة، صرخ إلى السماء لحماية القديسة حنة.

وقد وفى بهذا العهد، وانتقل في عجلة إلى الرهبنة الأوغسطينية في مدينة إيرفورت قرب الجامعة. واختار أن يدخل هذا الدير تحديدًا لأنه عُرِفَ بأنه الأكثر تشددًا وتطلبًا من بين جميع الرهبنات، مما يعكس عمق مؤسسها القديس أوغسطين. برغبته لأن يصبح راهبًا قدم نفسه أمام باب الدير، فرحّب به رئيس الدير، فدخل وطُرح عليه السؤال الذي يُطرح على كلّ مبتدئ "ماذا تطلب؟" وكان جواب لوثر "نعمة الله ورحمتكم". أُدخِل الرهبانية كمبتدئ، ويوم رُسِم هناك كراهبٍ كانت لحظة ساخرة أكثر من أي لحظة في تاريخ الكنيسة برأيي. كانت تقاليد المراسم تقتضي أن يقدم الكهنة أو الرهبان أنفسهم أمام كرسي مذبح الكنيسة، وتوجب على الواحد منهم أن يتمدد على الأرض ويداه مفتوحتان، فيشكل بجسده شكل الصليب مرتديًا ثيابًا غير مريحة أبدًا. وفي وضعية التواضع هذه تُكمل المراسم ما هو الأمر الساخر في هذا؟

لأفسّر الفكرة يجب أن أخبركم أنني منذ سنواتٍ قليلة قدتُ جولةً في ألمانيا عبر عيني لوثر، وزرنا جميع المدن المهمة في حياته. المدينة التي وُلِدَ فيها أيزلبين التي، وفي حكمة الله، أمست لاحقًا المدينة التي توفي فيها. ذهبنا إلى ويتنبرغ حيث علّم في الجامعة ونشر أطروحاته الخمسة والعشرين على باب كنيسة جميع القديسين هناك. ذهبنا إلى فورمز حيث بدأوا النظام الإمبراطوري سنة 1521. ذهبنا إلى ليبزيغ حيث تمّت مشاورة مهمّة سنتكلم عنها لاحقًا، وبالطبع زرنا إيرفرت وذهبتُ إلى كنيسة الدير هناك ونظرنا إلى الموقع حيث رُسِم لوثر. وإليكم السخرية، في السنة التي قمنا بها بهذه الجولة كان هناك احتفال بلوثر، وانتشرت صور ورسومات لوثر في كل ما كان ألمانيا الشرقية. على كل مبنى كنيسة وكل لوحات الإعلانات في كل مكان فيها صورة لمارتن لوثر، وخلفه ظلّ بجعة.

ولم أدرك وقتئذٍ معنى ذلك حتى، لذا قمتُ بأبحاثي واكتشفتُ أنّ السبب في أنّ صورة البجعة تُزيّن تلك الإعلانات مع صور مارتن لوثر، يعود إلى الأحداث في ما كان يُدعى تشيكوسلوفاكيا في مدينة براغ، حيث نشر أستاذٌ معروفٌ هناك أعمالًا مفادها على سبيل المثال أنّ الكتاب المقدس وحده يحتوي على كلمة الله الموحى بها، ولا يمكن مساواته بمراسيم الكنيسة وتعاليمها. من أجل ذلك، ومن أجل عقائد أخرى كان يعلّمها، واجه مشاكل مع الكنيسة القائمة وحوكم على أنّه مهرطق. كان اسم الرجل جون هاسّ. كلمة هاسّ أو أوس في تشيكوسلوفاكيا تعني إوزة.

وما حدث هو أنه بينما حوكم هاسّ ورفض أن يتراجع عن كتاباته، حكم عليه الأسقف المسؤول بالموت حرقًا على الوتد. رفض هاسّ أن يتراجع وكان على وشك أن يُعدم عندما قال للأسقف المسؤول "يمكنك أن تحرق هذه الإوزة أو تطهو هذه الإوزة إن أردت، لكن ستأتي بعدي بجعة لن تتمكّن من إسكاتها". وأصبحت هذه القصة معروفة في كلّ أنحاء أوروبا، لذا عندما ظهر لوثر على الساحة رُحِّب به على أنه التحقيق النبوي لفكرة جوني هاسّ عن البجعة التي ستأتي. من أجل ذلك الملصقات وفي خلفيتها البجعة.

حسنًا، أين السخرية؟ إليكم السخرية. عندما قدّم لوثر نفسه للرسامة عند أدراج مذبح الكنيسة في الدير في إيرفورت وتمدّد على الأرض ويداه مفتوحتان، كان تمامًا أمام المذبح، وقد دُفن أمام المذبح تحت حجار الكنيسة الأسقف الذي حكم على جون هاسّ بالموت. وأودّ أن أعيد كتابة التاريخ قليلًا فأجمّله، فهذا من حقّ الوعاظ على كلّ حال. وأحبّ أن أفكّر أنه عندما قال جون هاسّ للأسقف "يمكنك أن تحرق أو تطهو هذه الإوزة، لكن ستأتي بجعة لن تتمكّن من إسكاتها". أودّ أن أفكر أنّ الأسقف أجاب هاسّ "على جثتي". لكن كما قلت، هذا ما أتمنى لو أنّ التاريخ سجله، لكنني أجمّل التاريخ نوعًا ما.

يبدو في سنوات لوثر الأولى أنه كان يميل نحو المرور بأزمة من نوعٍ ما تحدث كل خمس سنوات تقريبًا. أولها الأزمة سنة 1505 مع الصاعقة، وأحبّ أن أدعوها "الصاعقة التي غيّرت العالم". لكنه عانى من أزمة أخرى سنة 1510 عندما زار روما، وأزمة ثالثة سنة 1515 عندما مرّ بتجربة البرج حيث فهم الإنجيل للمرة الأولى في حياته. لكن أولًا يجب أن نفهم ما حدث معه عندما دخل الدير. لم تكن الأمور جيدة في المنزل. كان الأب هانس غاضبًا من ابنه إذ خيب أمله بعدم متابعة سعيه في المهنة القانونية. لوثر نفسه، عندما دخل الدير أقسم أن يصبح أفضل راهب يستطيع أن يكونه على الإطلاق، تذكر لاحقًا وقال "إن كان هناك من شخص سيصعد إلى السماء عبر الرهبنة، فلا بدّ أنه أنا". لذا، في خلال سنوات ابتدائه، ولاحقًا بعد رسامته راهبًا بالكامل، تابع في الجدول الصارم الذي تنص عليه حياة الرهبنة، ومنها الصلاة في أوقات متعددة من اليوم. وكان لذلك أثر على حياته، لأنه كان رجل صلاة منضبط طيلة أيام حياته.

لكن ليس ذلك فحسب، بل أيضًا ممارسة الاعتراف اليومي. كان لكل راهب أبٌ يعرِّفُه توجب عليه لقاءه كل يوم كجزء من الانضباط الروحي. لكنّ لوثر لم يكن يفعل شيئًا سوى إغاظة معرّفه وما تبقى من سلطات في الدير، لأنّ سائر الإخوة كانوا يدخلون ويقولون "أبتاه، قد أخطأتُ في خلال الساعات 24 المنصرمة. اشتهيتُ عشاء الدجاج الخاص بالأخ جوناثان البارحة، أو سهرتُ 5 دقائق بعد إطفاء الأضواء". كم من المشاكل يمكنكم أن تتورطوا فيها في دير مماثل؟ كانوا يعترفون بخطاياهم في 5 دقائق، وينالون الغفران، ومن ثمّ يعودون إلى مهماتهم في الدير. كان الأخ لوثر يأتي ويعترف بخطايا الساعات الأربع والعشرين طيلة 20 دقيقة أو نصف ساعة أو ساعة. أحيانًا ساعتين أو 3 ساعات، إلى أن يسأم المُعرِّف منه ويقول له "أيها الأخ مارتن لا تحضر لي هذه التجاوزات البسيطة. إن أردتَ أن تخطئ امنحني ما يستحق المغفرة".

لكن هذه طريقة عمل فكر لوثر. كان تلميذ ناموس وقانون بامتياز. كان ينكبّ على الناموس بدقة. أدرك على سبيل المثال أنّ الوصية العظمى هي أن تحب الرب إلهك من كل فكرك، ومن كل نفسك، ومن كل قوتك، وتحبّ قريبك كنفسك. وكان يعلم أنه لم ينفذ هذا طيلة ساعة بكاملها. لذا بينما قارن كامل عمق ناموس الله مع حياته وكل ما رآه هو الذنب، كان يدفعه الشغف نحو اختبار الغفران، غفران حقيقيّ ودائم. لكنّ هذا الشغف لم يتحقق قط في الدير. وسنتكلم في حصتنا المقبلة عن الأزمة التي حدثت منذ تلك المرحلة وحتى زيارته إلى روما في 1510.