المحاضرة 8: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ | خدمات ليجونير
 

المحاضرة 8: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ

نَصِلُ الآنَ إِلَى مُحَاضَرَتِنَا الأَخِيرَةِ مِنْ سِلْسِلَةِ دِرَاسَاتِ أَقْوَالِ يَسُوعَ "أَنَا هُوَ". فِي الْوَاقِعِ، إِنَّهُ الْقَوْلُ الثَامِنُ مِنْ أَقْوَالِ "أَنَا هُوَ". وَقَدْ يُثِيرُ الأَمْرُ شَيْئًا مَا فِي أَذْهَانِكُمْ إِنْ قَرَأْتُمُ التَعْلِيقَاتِ وَسَمِعْتُمْ مُحَاضَرَاتٍ أُخْرَى عَنْ أَقْوَالِ يَسُوعَ "أَنَا هُوَ"، فَعَادَةً فِي الْكَنِيسَةِ، عِنْدَمَا نَتَكَلَّمُ عَنْ أَقْوَالِ يَسُوعَ "أَنَا هُوَ"، نَجِدُ أَنَّهَا مُدْرَجَةٌ فِي قَائِمَةٍ تَتَضَمَّنُ سَبْعَةَ إِعْلانَاتٍ مُمَاثِلَةٍ، وَسَبَقَ لَنَا أَنْ عَدَدْنَا هَذِهِ السَبْعَةَ. أَمَّا الْيَوْمَ فَسَنَتَطَرَّقُ إِلَى الإِعْلَانِ الثَامِنِ الَذِي يُضِيفُهُ مُفَسِّرونَ كَثِيرُونَ إِلَى الْقَائِمَةِ، عَلَى الرُغْمِ مِنْ أَنَّ الطَرِيقَةَ الَتِي قَامَ بِهَا يَسُوعُ بِهَذَا الإِعْلانِ تَخْتَلِفُ مِنْ حَيْثُ تَرْكِيبُ الْجُمْلَةِ عَنْ أَقْوَالِ "أَنَا هُوَ" الأُخْرَى. فَسَائِرُ الأَقْوَالِ "أَنَا هُوَ" تَبْدَأُ بِالْكَلِمَتَيْنِ "إِيجُو إِيمِي": أَنَا هُوَ الْكَرْمَةُ، أَنَا هُوَ الرَاعِي الصَالِحُ، أَنَا هُوَ الْبَابُ، إِلَى آخِرِهِ. لَكِنْ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فِي الْجُزْءِ الثَامِنِ مِنْ هَذِهِ السِلْسِلَةِ، يَنْتَهِي الإِعْلانُ بِهَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ. وَهُوَ يَتَعَلَّقُ بِإِعْلانِ يَسُوعَ لِلْفَرِّيسِيِّينَ قَائِلًا: "قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ".

أَنَا أَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَجِبُ إِدْرَاجُ ذَلِكَ ضِمْنَ قَائِمَةِ الأَقْوَالِ "أَنَا هُوَ"، وَفِي الْوَاقِعِ، أَظُنُّ شَخْصِيًّا أَنَّ هَذَا الإِعْلانَ هُوَ الأَكْثَرُ إِثَارَةً مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الإِعْلاناتِ. لِكَيْ نَسْتَشِفَّ قُوَّةَ هَذَا الإِعْلانِ الَذِي يَقُومُ بِهِ يَسُوعُ، سَنُرَكِّزُ انْتِبَاهِنَا الآنَ عَلَى إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، عَلَى الأَصْحَاحِ ٨، حَيْثُ وَرَدَ هَذَا الْكَلامُ فِي الآيَةِ ٥٨ حَيْثُ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ، أَيْ إِلَى الْفَرِّيسِيِّينَ، إِلَى الْيَهُودِ "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِن". لَكِنْ لِكَيْ نَفْهَمَ مَغْزَى هَذَا الإِعْلانِ يَجِبُ أَنْ نَعودَ إِلَى بَعْضِ الْآيَاتِ السّابِقَةِ فِي الأَصْحَاحِ، وَأَنْ نُرَكِّزَ عَلَى الآيَةِ ٣١ لِنَرَى مَا حَثَّ عَلَى التَحَدُّثِ عَنْ عَلاقَةِ الْمَسِيحِ بِإِبْرَاهِيمَ. فِي الآيَةِ ٣١ يَقُومُ يَسُوعُ بِهَذَا التَعْلِيقِ. "فَقَالَ يَسُوعُ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ: إِنَّكُمْ إِنْ ثَبَتُّمْ فِي كلاَمِي فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ تلاَمِيذِي، وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ". هَذَا وَاحِدٌ مِنْ أَهَمِّ الإِعْلانَاتِ الَتِي لَفَظَهَا يَسُوعُ عَلَى الإِطْلاقِ. هَذَا لا يَعْنِي أَنَّهُ نَطَقَ بِإِعْلانَاتٍ غَيْرِ مُهِمَّةٍ، لَكِنَّ هَذَا الإِعْلانَ هَامٌّ: "إِنْ ثَبَتُّمْ فِي كلاَمِي فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ تلاَمِيذِي".

التِلْمِيذُ الْحَقِيقِيُّ لَيْسَ شَخْصًا يَحْدُثُ لَهُ بِبَسَاطَةٍ، وَعَلَى نَحْوٍ عَرْضِيٍّ وَأَحْيَانًا، أَنْ يَنْتَبِهَ لِكَلامِ الْمَسِيحِ. لَكِنَّ التِلْمِيذَ الْحَقِيقِيَّ لِلْمَسِيحِ يَثْبُتُ وَيَبْقَى، وَيُحَافِظُ عَلَى وَضْعِيَّةِ التَعَلُّمِ عِنْدَ قَدَمَيْ يَسُوعَ. يَقُولُ يَسُوعُ "إِنْ"، هَذَا هُوَ الشَرْطُ الْمُهِمُّ وَالضَرُورِيُّ. "إِنْ ثَبَتُّمْ فِي كلاَمِي فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ تلاَمِيذِي، وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ". إِذًا، إِنَّهُ يَتَكَلَّمُ هُنَا عَنِ الْحُرِّيَّةِ الَتِي يُعْطِيهَا اللهُ لِلإِنْسَانِ حِينَ يَسْتَوْعِبُ الْحَقَّ الَذِي يُعْلِنُهُ. إِذًا، هَذَا الْوَعْدُ مُعْطًى لِلأَشْخَاصِ الَذِينَ يُؤْمِنُونَ بِيَسُوعَ، كَمَا جَاءَ فِي هَذَا النَصِّ.

وَقَالَ يَسُوعُ، اُثْبُتُوا فِي ذَلِكَ، فَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ. بِالنِسْبَةِ إِلَى الأَشْخَاصِ الَذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِيَسُوعَ كَانَ هَذَا الْكَلامُ تَحْرِيضِيًّا. لَقَدْ ثَارَتْ ثَائِرَتُهُمْ. وَجَاءَ رَدُّهُمْ كَالآتِي، اسْمَعُوا، "أَجَابُوهُ: إِنَّنَا ذُرِّيَّةُ إِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ نُسْتَعْبَدْ لأَحَدٍ قَطُّ! كَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: إِنَّكُمْ تَصِيرُونَ أَحْرَارًا؟" أَنْتَ تَتَكَلَّمُ كَمَا لَوْ أَنَّنَا عَبِيدٌ، وَتَقُولُ لَنَا إِنَّكَ تَمْنَحُنَا الْحُرِّيَّةَ. لِكَيْ تَتَحَرَّرَ، عَلَيْكَ أَوَّلًا أَنْ تَكُونَ عَبْدًا أَوْ سَجِينًا، وَنَحْنُ لَمْ نُسْتَعْبَدْ لأَحَدٍ قَطُّ. لِمَاذَا؟ لأَنَّنَا أَبْنَاءُ إِبْرَاهِيمَ. نَحْنُ شَعْبُ اللهِ. إِذًا، هَكَذَا تَمَّ الإِتْيَانُ عَلَى ذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمَقَامِ الأَوَّلِ. إِنَّهُمْ يَسْتَنْجِدُونَ بِإِبْرَاهِيمَ وَبِعَلاقَتِهِمْ بِهِ لِيُنْكِرُوا حَاجَتَهُمْ إِلَى التَحْرِيرِ.

كَانَ هُنَاكَ الكَثيرُ مِنْ النَّاسِ فِي أَيَّامِ يَسُوعَ وَفِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّهُمْ لِمُجَرَّدِ أَنَّهُمْ وُلِدُوا يَهُودًا تَمَّ الأَمْرُ بِالنِسْبَةِ إِلَيْهِمْ، وَدَخَلُوا إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ. لِذَا كَانَ عَلَى بُولُسَ أَنْ يُوَضِّحَ أَنَّ الْيَهُودِيَّ هُوَ الْيَهُودِيُّ مِنَ الدَاخِلِ، وَالَذِي خُتِنَ فِي قَلْبِهِ. لَيْسَ كُلُّ مَنْ تَحَدَّرَ بَيُولُوجِيًّا مِنْ إِبْرَاهِيمَ نَالَ الْمَوَاعِيدَ الَتِي أَعْطَاهَا اللهُ لإِبْرَاهِيمَ، "لأنَّهُ بِإسْحَاقَ يُدْعَى لَه نَسْلٌ". وَالْمُشْكِلَةُ نَفْسُهَا سَائِدَةٌ فِي الْكَنِيسَةِ الْيَوْمَ. تَسْأَلُنِي: "هَلْ أَنْتَ مَسِيحِيٌّ؟" فَأُجِيبُ: "بِالطَبْعِ أَنَا مَسِيحِيٌّ. فَأَنَا وُلِدْتُ مَسِيحِيًّا. وُلِدْتُ فِي عَائِلَةٍ مَسِيحِيَّةٍ وَكُنْتُ أَذْهَبُ إِلَى الْكَنِيسَةِ. لا، لَمْ يُولَدْ أَحَدٌ مَسِيحِيًّا. لا أَحَدَ يَدْخُلُ تِلْقَائِيًّا إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ لِمُجَرَّدِ كَوْنِ وَالِدَيْهِ مَسِيحِيَّيْنِ، أَوْ لأَنَّهُمْ أَعْضَاءُ فِي الْكَنَائِسِ أَوْ مَا شَابَهَ. يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَكُونَ فِي الْمَسِيحِ لِتَكُونَ مَسِيحِيًّا. إِذًا، اقْتَرَفَ خُصُومُ يَسُوعَ هَذَا الْخَطَأَ نَفْسَهُ حِينَ قَالُوا إِنَّهُمْ ذُرِّيَّةُ إِبْرَاهِيمَ. "كَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: إِنَّكُمْ تَصِيرُونَ أَحْرَارًا؟ أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ الْخَطِيَّةَ هُوَ عَبْدٌ لِلْخَطِيَّةِ. وَالْعَبْدُ لاَ يَبْقَى فِي الْبَيْتِ إِلَى الأَبَدِ، أَمَّا الاِبْنُ فَيَبْقَى إِلَى الأَبَدِ. فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الاِبْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا". هُنَا قَامَ يَسُوعُ بِإِشَارَةٍ أُخْرَى إِلَى الْعُبُودِيَّةِ.

أَمْسُ، تَمَّ إِجْرَاءُ مُقَابَلَةٍ مَعِي حَوْلَ سِلْسِلَةِ بَرَامِجَ تَمَّ تَقْدِيمُهَا حَوْلَ اللاهُوتِ المُصْلَحِ. وَالشَخْصُ الَذِي كَانَ يُدِيرُ هَذَا الْبَرْنَامَجَ سَأَلَنِي عَنِ الْمُشْكِلَةِ الأَسَاسِيَّةِ الْقَائِمَةِ بَيْنَ اللَاهُوتِ الأُوغُسْطِينِيِّ أَوِ اللَاهُوتِ المُصْلَحِ وَشِبْهِ الْبِيلاجِيَّةِ التَارِيخِيَّةِ. قُلْتُ إِنِّي أَعْتَبِرُ أَنَّ الأَمْرَ يَتَعَلَّقُ بِالاخْتِلافِ فِي فَهْمِ الْحُرِّيَّةِ وَالإِرَادَةِ الْحُرَّةِ. أَظُنُّ أَنَّ الْمُشْكِلَةَ الأَسَاسِيَّةَ الَتِي يُوَاجِهُهَا النَاسُ فِي السِيَادَةِ الإِلَهِيَّةِ، وَالاخْتِيَارِ الإِلَهِيِّ، هِيَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ فَوْرًا "نَحْنُ نُؤْمِنُ بِأَنَّ الإِنْسَانَ يَتَمَتَّعُ بِإِرَادَةٍ حُرَّةٍ". أَنَا لا أَعْرِفُ أَيَّ أُوغُسْطِينِيٍّ فِي تَارِيخِ الْكَنِيسَةِ كُلِّهِ لَمْ يُؤَكِّدْ بِقوَّةٍ عَلَى أَنَّنَا نَمْلِكُ إِرَادَةً حُرَّةً. نَحْنُ كَائِنَاتٌ اخْتِيَارِيَّةٌ. لَقَدْ أَعْطَانَا اللهُ أَذْهَانًا وَقُلُوبًا وَمَنَحَنا إِرَادَةً. وَنَحْنُ نُمَارِسُ هَذِهِ الإِرَادَةَ طَوَالَ الْوَقْتِ. نَحْنُ نَقُومُ بِالاخْتِيَارِ فِي كُلِّ دَقِيقَةٍ مِنَ الْيَوْمِ. وَنَخْتَارُ مَا نُرِيدُ. نَخْتَارُ بِحُرِّيَّةٍ. لا أَحَدَ يُرْغِمُنَا وَيُصَوِّبُ مُسَدَّسًا نَحْوَ رُؤُوسِنَا، وَنَحْنُ لَسْنَا رِجالًا آلِيِّينَ. لَيْسَ لَدَى الرِجَالِ الآلِيِّينَ عُقُولٌ. وَلَيْسَ لَدَى الرِجَالِ الآلِيِّينَ إِرَادَةٌ. وَلَيْسَ لَدَيْهِمْ قُلُوبٌ. نَحْنُ بَشَرٌ نَقُومُ بِالاخْتِيَارِ.

لِذَا، نَحْنُ عَلَى خِلافٍ مَعَ اللهِ، لأَنَّ الاخْتِيَارَاتِ الَتِي نَقُومُ بِهَا بِحَالَتِنَا السَاقِطَةِ هِيَ اخْتِيَارَاتٌ آثِمَةٌ. نَحْنُ نَخْتَارُ وَفْقَ أَهْوَائِنا، وَهِيَ أَهْوَاءُ شِرِّيرَةٌ دَائِمًا، يَقُولُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ. وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ فِي ذُنُوبِنَا وَخَطَايَانَا رَغْمَ أَنَّنَا أَحْيَاءُ بَيُولُوجِيًّا. وَنَحْنُ نَسْلُكُ حَسَبَ دَهْرِ هَذَا الْعَالَمِ، حَسَبَ رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ، مُتَمِّمِينَ شَهَواتِ الْجَسَدِ، يَقُولُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ. إِذًا يُوَضِّحُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ أَنَّنَا نَقُومُ بِفَعَالِيَّةٍ بِصُنْعِ الْخِيَارَاتِ الَتِي تَتِمُّ مُحَاسَبَتُنَا عَلَيْها، وَالَتِي تُخْضِعُنَا لِدَيْنُونَةِ اللهِ. لَكِنْ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، يُعَلِّمُنَا الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ أَنَّنَا مُسْتَعْبَدُونَ. نَحْنُ أَحْرَارٌ مِنَ الإِكْرَاهِ، لَكِنَّنَا لا نَتَمَتَّعُ بِمَا يُسَمِّيهِ أُوغُسْطِينُوسُ "الْحُرِّيَّةَ الْمَلَكِيَّةَ". نَحْنُ لَسْنَا أَحْرارًا مِنْ ذَوَاتِنَا. وَلَسْنَا أَحْرارًا مِنْ مُيُولِنَا وَشَهَواتِنَا وَأَهْوائِنَا الآثِمَةِ. نَحْنُ عَبِيدٌ لِرَغَباتِنَا الآثِمَةِ. هَذَا مَا يُعَلِّمُنَا إِيَّاهُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ مِرَارًا وَتَكْرَارًا.

عَقِيدَةُ الإِرَادَةِ الْحُرَّةِ الإِنْسَانِيَّةِ، وَالنَظْرَةُ الْوَثَنِيَّةُ لِلإِرَادَةِ الْحُرَّةِ، تَقُولُ إِنَّ الإِنْسَانَ لَيْسَ حُرًّا مِنَ الإِكْرَاهِ فَحَسْبُ، بَلْ إِنَّ الإِنْسَانَ حُرٌّ بِمَا يَعْنِي أَنَّ إِرَادَتَهُ حِيَادِيَّةٌ. لَيْسَ لَدَيْهِ مَيْلٌ أَوْ نَزْعَةٌ أَوِ انْحِيَازٌ أَوِ انْحِرَافٌ نَحْوَ الْخَطِيَّةِ، لأَنَّ الْوَثَنِيِّينَ وَالإِنْسَانِيِّينَ يُنْكِرُونَ طَابِعَ السُقُوطِ أَسَاسًا. لَكِنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ يُعَلِّمُنَا أَنَّنَا كَائِنَاتٌ سَاقِطَةٌ لا تَزَالُ تَخْتَارُ وَتَتَّخِذُ الْقَرَارَاتِ، لَكِنَّنَا نَقُومُ بِهَا فِي سِيَاقِ سِجْنِ الْخَطِيَّةِ الَذِي نُوجَدُ فِيهِ. وَالسَبِيلُ الْوَحِيدُ لِلْخُرُوجِ مِنْ هَذَا السِجْنِ هُوَ تَحْرِيرُ اللهِ إِيَّانَا. وَهَذَا مَا لَمْ يَشَأِ الْقَادَةُ الْيَهُودُ أَنْ يَسْمَعُوهُ. لا تَقُلْ لَنَا إِنَّنَا عَبِيدٌ. نَحْنُ لَسْنَا عَبِيدًا. نَحْنُ لَمْ نُسْتَعْبَدْ لأَحَدٍ. فَقَالَ يَسُوعُ: "أَنْتُمُ ارْتَكَبْتُمُ الْخَطِيَّةَ، وَكُلُّ مَنْ يَرْتَكِبُ الْخَطِيَّةَ هُوَ عَبْدٌ". وَهُوَ لَيْسَ عَبْدًا لِلرُومَانِ بِالضَرُورَةِ. أَنْتُمْ لَسْتُمْ بِالضَرُورَةِ عَبِيدًا لِلْبَابِلِيِّينَ، لَكِنَّكُمْ عَبِيدٌ لِلْخَطِيَّةِ. وَالْخَطِيَّةُ تَمْلِكُ فِيكُمْ. الْخَطِيَّةُ تَحْكُمُ فِي أَجْسَادِكُمُ الْمَائِتَةِ. وَهُنَا تَكْمُنُ عُبُودِيَّتُكُمْ.

"وَالْعَبْدُ لاَ يَبْقَى فِي الْبَيْتِ إِلَى الأَبَدِ، أَمَّا الاِبْنُ فَيَبْقَى إِلَى الأَبَد. فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الاِبْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا. أَنَا عَالِمٌ أَنَّكُمْ ذُرِّيَّةُ إِبْرَاهِيمَ. لَكِنَّكُمْ تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي"، قالَ يَسُوعُ، "لأَنَّ كلاَمِي لاَ مَوْضِعَ لَهُ فِيكُمْ. أَنَا أَتَكَلَّمُ بِمَا رَأَيْتُ عِنْدَ أَبِي، وَأَنْتُمْ تَعْمَلُونَ مَا رَأَيْتُمْ عِنْدَ أَبِيكُم". فِي هَذَا التَبَايُنِ، يَقُولُ يَسُوعُ "أَنَا أَتْبَعُ أَبِي. أَنَا أُصْغِي إِلَى أَبِي. أَنَا رَأَيْتُ أَبِي، وَأَنَا أُتَمِّمُ مَشِيئَةَ أَبِي. وَأَنْتُمْ تَتْبَعُونَ أَبَاكُمْ وَتُتَمِّمُونَ مَشِيئَةَ أَبِيكُمْ". "أَجَابُوا وَقَالُوا لَهُ: أَبُونَا هُوَ إِبْرَاهِيمُ. قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: [لا، لا، لا] لَوْ كُنْتُمْ أَوْلاَدَ إِبْرَاهِيمَ، لَكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ إِبْرَاهِيمَ! وَلَكِنَّكُمُ الآنَ تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي، وَأَنَا إِنْسَانٌ قَدْ كَلَّمَكُمْ بِالْحَقِّ الَّذِي سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ. هَذَا لَمْ يَعْمَلْهُ إِبْرَاهِيمُ. أَنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ أَبِيكُمْ. فَقَالُوا لَهُ: إِنَّنَا لَمْ نُولَدْ مِنْ زِنًا. لَنَا أَبٌ وَاحِدٌ وَهُوَ اللَّهُ". أَتَرَوْنَ مَا يَفْعَلُونَهُ؟ فِي الْبِدَايَةِ ادَّعَوْا أَنَّ إِبْرَاهِيمَ هُوَ أَبُوهُمْ وَهَا هُمُ الآنَ يَدَّعُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ أَبُوهُمْ.

"فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: لَوْ كَانَ اللَّهُ أَبَاكُمْ لَكُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي، لأَنِّي خَرَجْتُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ وَأَتَيْتُ. لأَنِّي لَمْ آتِ مِنْ نَفْسِي، بَلْ ذَاكَ أَرْسَلَنِي. لِمَاذَا لاَ تَفْهَمُونَ كلاَمِي؟ لأَنَّكُمْ لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَسْمَعُوا قَوْلِي. أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ". يَقُولُ لَنَا العَهْدُ الجَديدُ إِنَّنَا أَبْنَاءُ الْغَضَبِ بِحُكْمِ الطَبِيعَةِ. بِحُكْمِ الطَبِيعَةِ، نَحْنُ أَبْنَاءُ الْمَعْصِيَةِ. بِحُكْمِ الطَبِيعَةِ، نَحْنُ أَبْنَاءُ الْعَدُوِّ الشِرِّيرِ. وَنَحْنُ لَسْنَا أَبَدًا أَبْنَاءَ اللهِ بِحُكْمِ طَبِيعَتِنَا. لا يُمْكِنُنَا أَنْ نَكُونَ أَبْنَاءَ اللهِ إِلَّا بِالتَبَنِّي، لأَنَّ لَدَى اللهِ وَلَدًا وَاحِدًا فَقَط، ال"مُونُوجِينْز"، الابْنَ الْوَحِيدَ الَذِي هُوَ الْمَسِيحُ.

إذًا، هُنَا دَخَلَ ابْنُ اللهِ الْوَحِيدُ فِي جَدَلٍ مَعَ خُصُومِهِ الَذِينَ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَتَمَتَّعُونَ بِعَلاقَةٍ مُمَيَّزَةٍ بِإِبْرَاهِيمَ، وَيَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَتَمَتَّعُونَ بِعَلاقَةٍ مُمَيَّزَةٍ بِاللهِ. أُكَرِّرُ، فِي ثَقَافَتِنَا، لَدَيْنَا فِكْرَةُ التَعَدُّدِيَّةِ وَنَظْرَةٌ شُمُولِيَّةٌ لِلإِيمَانِ. الدِيَانَاتُ كُلُّهَا مُتَشَابِهَةٌ، وَالدِيَانَاتُ كُلُّهَا تَدَّعِي أَنَّ اللهَ أَبُوهَا. لَكِنَّ ثَقَافَتَنَا تَقُولُ إِنَّكَ إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللهِ الآبِ، فَلا يَهُمُّ مَا إِذَا كُنْتَ تُؤْمِنُ بِيَسُوعَ. لَكِنَّ يَسُوعَ يَقُولُ إِنَّهُ لا يُمْكِنُكَ أَنْ تُؤْمِنَ بِالآبِ مِنْ دُونِ أَنْ تُؤْمِنَ بِالابْنِ. إِنْ رَفَضْتَ الابْنَ، فَأَنْتَ تَرْفُضُ الآبَ الَذِي أَرْسَلَهُ وَأَعْلَنَهُ، وَالَذِي أَثْبَتَ أَنَّهُ ابْنُهُ. إِذًا، الْقَوْلُ إِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَدَيْكَ الآبُ مِنْ دُونِ الابْنِ هُوَ مَحَطُّ نِزَاعٍ حَادٍّ هُنَا بَيْنَ يَسُوعَ وَرِجَالِ الدِينِ الْيَهُودِ فِي عَصْرِهِ.

"لَوْ كُنْتُمْ أَوْلاَدَ إِبْرَاهِيمَ، لَكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ إِبْرَاهِيمَ!" لاحِظُوا مَا يَفْعَلُهُ يَسُوعُ هُنَا، هَذَا مُهِمٌّ. ثَمَّةَ فِكْرَةٌ مُنْتَشِرَةٌ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ تُفِيدُ بِأَنَّ الْبُنُوَّةَ لا تُقَاسُ بِعِلْمِ الأَحْيَاءِ بِبَسَاطَةٍ، بَلْ وَفْقَ تَعْلِيمِ يَسُوعَ عَنِ الْبُنُوَّةِ، تُقَاسُ الْبُنُوَّةُ بِالطَّاعَةِ. أَنْتُمْ أَبْنَاءُ مَنْ تُطِيعُونَ. إِنْ أَطَعْتُمُ الشَيْطَانَ، فَأَنْتُمْ أَبْنَاءُ الشَيْطَانِ، لأَنَّ الْبُنُوَّةَ تُقاسُ بِالطَاعَةِ. إِذًا، قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ فِي الآيَةِ ٤٢ "لَوْ كَانَ اللَّهُ أَبَاكُمْ"، إِنَّهُمْ يَدَّعُونَ الآنَ أَنَّ اللهَ أَبُوهُمْ. "لَوْ كَانَ اللَّهُ أَبَاكُمْ لَكُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي، لأَنِّي خَرَجْتُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ وَأَتَيْتُ. لأَنِّي لَمْ آتِ مِنْ نَفْسِي، بَلْ ذَاكَ أَرْسَلَنِي". أَلا تَفْهَمُونَ كَلامِي؟ أَلَا تَفْهَمُونَ أَنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ فِعْلًا تَتْبَعُونَ الآبَ، لأَصْغَيْتُمْ إِلَيَّ؟ وَلَمَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَقْتُلُونِي؟ لَكِنَّكُمْ لا تَقْدِرُونَ أَنْ تُصْغُوا إِلَى كَلامِي. تَذَكَّرُوا أَنَّ يَسُوعَ قَالَ لاحِقًا "كُلُّ مَنْ هُوَ مِنَ الْحَقِّ يَسْمَعُ صَوْتِي". قَبْلَ أَنْ يُصْغِيَ أَحَدٌ إِلَى الْمَسِيحِ، عَلَى اللهِ أَنْ يُمَكِّنَهُ مِنَ الإِصْغَاءِ إِلَيْهِ.

كُلَّمَا أَقْرَأُ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ فِي الْكَنِيسَةِ صَبَاحَ الأَحَدِ، عِنْدَمَا أَنْتَهِي مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ أَقُولُ "مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ". لأَنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لا يَمْلِكُ الْجَمِيعُ آذَانًا لِيَسْمَعُوا، وَأَنَّ جُزْءًا مِنْ دَيْنُونَةِ اللهِ لِلْخَطِيَّةِ وَالْخُطاةِ اقْتَضَى بِسَدِّ آذَانِهِمْ وَوَضْعِ قُشُورٍ عَلَى أَعْيُنِهِمْ، مَا يَجْعَلُهُمْ "مُبْصِرِينَ لاَ يُبْصِرُونَ، وَسَامِعِينَ لاَ يَسْمَعُونَ". وَعِنْدَمَا يَقُومُ اللهُ بِنِعْمَتِهِ بِرَفْعِ الْعَقَبَاتِ الَتِي تَمْنَعُنَا مِنَ السَمْعِ، وَيُزِيلُ الْقُشُورَ عَنْ أَعْيُنِنَا لِنَرَى، عِنْدَئِذٍ، نَحْنُ نَرَى وَنَسْمَعُ. وَقَالَ يَسُوعُ: أَنَا أَعْلَمُ لِمَاذَا لا تُصْغُونَ إِلَيَّ، لا يُمْكِنُكُمْ ذَلِكَ.

"أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ، وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا". يَتَكَلَّمُ يَسُوعُ عَنْ إِرَادَتِهِمْ، عَنْ إِرَادَتِهِمِ الْحُرَّةِ. مُجَدَّدًا يَقُولُ النَاسُ الْيَوْمَ إِنَّهُ مَا لَمْ تَكُنْ إِرَادَتُكَ حِيَادِيَّةً تَمَامًا، مِنْ دُونِ أَنْ تَمِيلَ يَسَارًا أَوْ يَمِينًا، أَوْ أَنْ تَتَحَيَّزَ لِلْخَيْرِ أَوْ لِلشَرِّ، مَا لَمْ تَكُنْ حِيَادِيَّةً تَمَامًا، فَأَنْتَ لَسْتَ حُرًّا فِعْلًا. إِنْ كَانَ هَذَا هوَ الْحَالُ، عَلَيْنَا أَنْ نَقُولَ كَمُؤْمِنينَ إِنَّهُ لا يُوجَدُ إِنْسانٌ حُرٌّ. فَبِحُكْمِ الطَبِيعَةِ، لَيْسَتْ إِرَادَتُنَا حِيَادِيَّةً. إِرَادَتُنَا مَدْفوعَةٌ بِحَمَاسَةٍ وَرَاءَ الرَغْبَةِ فِي فِعْلِ مَشِيئَةِ الشِرِّيرِ. هَذَا مَا قَالَهُ يَسُوعُ "شَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَعْمَلُوا". أُكَرِّرُ، هَذَا لا يَعْنِي أَنَّ الشَيْطَانَ يَأْتِي وَيُرْغِمُ النَاسَ عَلَى طَاعَتِهِ. لا يُمْكِنُنَا الْقَوْلُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ "الشَيْطَانُ جَعَلَنِي أَقُومُ بِالأَمْرِ، هُوَ أَرْغَمَنِي عَلَى الْخَطِيَّةِ". لا، بَلْ يَقُولُ يَسُوعُ إِنَّ الأَمْرَ أَعْمَقُ مِنْ ذَلِكَ. أَنْتُمْ تُرِيدُونَ تَتْمِيمَ شَهَوَاتِهِ. أَنْتُمْ شُرَكَاءُ طَوْعًا فِي مُؤَامَرَاتِ إِبْلِيسَ. "ذَاكَ"، أَيْ إِبْلِيسُ "كَانَ قَتَّالًا لِلنَّاسِ مِنَ الْبَدْءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَقِّ لأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ. مَتَى تَكَلَّمَ بِالْكَذِبِ فَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ مِمَّا لَهُ، لأَنَّهُ كَذَّابٌ وَأَبُو الْكَذَّابِ. وَأَمَّا أَنَا فَلأَنِّي أَقُولُ الْحَقَّ لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِي".

يَا لَهُ مِنْ تَحَدٍّ يَضَعُهُ أَمَامَهُمْ! "مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟" قَالَ لَهُمْ: "أَنْتُمْ تُخْطِئُونَ، وَأَنْتُمُ ْعبَيِدٌ لِلْخَطِيَّةِ، أَنْتُمْ تُتَمِّمُونَ شَهَواتِ الشَيْطَانِ عَنْ طِيبِ خَاطِرٍ. وَالآنَ أَخْبِرُونِي، مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟ هَلْ رَأَيْتُمُونِي أُخْطِئُ؟ مَا كُنْتُ لأَجْرُؤَ أَبَدًا عَلَى قَوْلِ ذَلِكَ. مَا كُنْتُ أَبَدًا لأَحُثَّ أَحَدًا عَلَى الإِشَارَةِ إِلَى الْخَطِيَّةِ فِي حَيَاتِي، لَكِنَّ يَسُوعَ فَعَلَ. "فَإِنْ كُنْتُ أَقُولُ الْحَقَّ، فَلِمَاذَا لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِي؟ اَلَّذِي مِنَ اللَّهِ يَسْمَعُ كلاَمَ اللَّهِ. لِذَلِكَ أَنْتُمْ لَسْتُمْ تَسْمَعُونَ، لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنَ اللَّهِ". هُوَ لَمْ يَقُلْ إِنَّهُمْ لا يَسْمَعُونَ لأَنَّهُمْ صُمٌّ. هُوَ لَمْ يَقُلْ إِنَّهُمْ لا يَسْمَعُونَ لأَنَّهُمْ أَغْبِيَاءُ. هُوَ قَالَ إِنَّهُمْ لا يَسْمَعُونَ لأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنَ اللهِ.

عِنْدَئِذٍ، انْفَجَرَ الْيَهُودُ غَضَبًا.

فَأَجَاب الْيَهُودُ وَقَالُوا لَهُ: "أَلَسْنَا نَقُولُ حَسَنًا: إِنَّكَ سَامِرِيٌّ وَبِكَ شَيْطَانٌ؟" أَجَابَ يَسُوعُ: "أَنَا لَيْسَ بِي شَيْطَانٌ، لَكِنِّي أُكْرِمُ أَبِي وَأَنْتُمْ تُهِينُونَنِي. أَنَا لَسْتُ أَطْلُبُ مَجْدِي. يُوجَدُ مَنْ يَطْلُبُ وَيَدِينُ. اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْفَظُ كلاَمِي فَلَنْ يَرَى الْمَوْتَ إِلَى الأَبَدِ". فَقَالَ لَهُ الْيَهُودُ: الآنَ عَلِمْنَا أَنَّ بِكَ شَيْطَانًا. قَدْ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ وَالأَنْبِيَاءُ، وَأَنْتَ تَقُولُ: "إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْفَظُ كلاَمِي فَلَنْ يَذُوقَ الْمَوْتَ إِلَى الأَبَدِ. أَلَعَلَّكَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ؟"

أَلا يُرْجِعُنَا ذَلِكَ إِلَى الأَصْحَاحِ 4 مِنْ إِنْجِيلِ يُوحَنَّا، حَيْثُ تَحَدَّثَ يَسُوعُ مَعَ السَامِرِيَّةِ عِنْدَ الْبِئْرِ، وَقَالَتْ لَهُ "أَلَعَلَّكَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا يَعْقُوبَ، الَّذِي أَعْطَانَا الْبِئْرَ؟" وَهُنَا قَالُوا لَهُ: أَلَعَلَّكَ أَعْظَمُ مِنْ الأَنْبياءِ؟ أَلَعَلَّكَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ الَّذِي مَاتَ؟ وَالأَنْبِيَاءُ مَاتُوا". فَتَابَعُوا قَائِلِينَ:

الآنَ عَلِمْنَا أَنَّ بِكَ شَيْطَانًا. قَدْ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ وَالأَنْبِيَاءُ، وَأَنْتَ تَقُولُ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْفَظُ كلاَمِي فَلَنْ يَذُوقَ الْمَوْتَ إِلَى الأَبَدِ. أَلَعَلَّكَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ الَّذِي مَاتَ؟ وَالأَنْبِيَاءُ مَاتُوا. مَنْ تَجْعَلُ نَفْسَكَ؟ أَجَابَ يَسُوعُ: إِنْ كُنْتُ أُمَجِّدُ نَفْسِي فَلَيْسَ مَجْدِي شَيْئًا. أَبِي هُوَ الَّذِي يُمَجِّدُنِي، الَّذِي تَقُولُونَ أَنْتُمْ إِنَّهُ إِلَهُكُمْ، وَلَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ. وَأَمَّا أَنَا فَأَعْرِفُهُ. وَإِنْ قُلْتُ إِنِّي لَسْتُ أَعْرِفُهُ أَكُونُ مِثْلَكُمْ كَاذِبًا، لَكِنِّي أَعْرِفُهُ وَأَحْفَظُ قَوْلَهُ. أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ...

ذَاكَ الَذِي تَسْتَنْجِدُونَ بِهِ هُنَا "تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ". فَقَالَ لَهُ الْيَهُودُ: "لَيْسَ لَكَ خَمْسُونَ سَنَةً بَعْدُ، أَفَرَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ؟" قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ". وَلَيْسَ "قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ، أَنَا كُنْتُ"، بَلْ "أَنَا هُوَ الْكَائِنُ قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ".

عِنْدَمَا قَطَعَ الآبُ الْوَعْدَ لإِبْرَاهِيمَ بِأَنَّهُ بَعْدَ آلافِ السِنِينِ، بَعْدَ أَلْفَيْ سَنَةٍ، سَيَخْرُجُ مِنْ نَسْلِهِ ذَاكَ الَذِي يَفْدِي الْعَالَمَ، سَيَخْرُجُ الْمَسِيحُ الْمُتَجَسِّدُ. لا نَعْلَمُ إِلَى أَيِّ مَدًى فَهِمَ إِبْرَاهِيمُ مَغْزَى هَذَا الْكَلامِ، لَكِنَّ إِبْرَاهِيمَ آمَنَ بِوَعْدِ اللهِ وَحُسِبَ لَهُ ذَلِكَ بِرًّا. إِذًا، يَقُولُ يَسُوعُ إِنَّهُ حِينَ كَلَّمَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ الَذِي تَدَّعُونَ أَنَّهُ أَبُوكُمْ، كَانَ اللهُ يُكَلِّمُ إِبْرَاهِيمَ عَنِّي، فَتَهَلَّلَ إِبْرَاهِيمُ. لا يُمْكِنُكُمْ أَنْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ إِبْرَاهِيمَ وَأَنْ تُقَاوِمُونِي، لأَنَّ إِبْرَاهِيمَ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي. هُوَ لَمْ يَقُلْ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَمَّرَ طَوِيلًا لِيَشْهَدَ عَلَى حُدُوثِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَقُلْ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ يَنْظُرُ إِلَى الأَمْرِ مِنَ السَمَاءِ، أَيْ مَا يُدْعَى حِضْنَ إِبْرَاهِيمَ، لَكِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهُ فِي الإِعْلانِ الأَوَّلِ الَذِي أَعْطَاهُ اللهُ لإِبْرَاهِيمَ، اسْتَطَاعَ إِبْرَاهِيمُ أَنْ يَرَى الْوَعْدَ مِنْ بَعِيدٍ وَتَهَلَّلَ. وَالآنَ، يَتِمُّ هَذَا الْوَعْدُ مِنْ خِلالِ تَجَسُّدِ ذَاكَ الْكَائِنِ قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ، الْكَائِنِ قَبْلَ الْخَلِيقَةِ، وَهُوَ اللُوجُوسُ الأَبَدِيُّ الَذِي يَتَجَسَّدُ بِيَسُوعَ، ذَاكَ الَذِي يَأْتِي مِنْ حِضْنِ الآبِ، ابْنِ اللهِ الْوَحِيدِ.

إِلَيْكُمْ مُجَدَّدًا إِشَارَةً أُخْرَى إِلَى مَفْهُومِ اللُوجُوسَ الَذِي يَتَكَلَّمُ عَنْهُ يُوحَنَّا فِي الأَصْحَاحِ 1، "فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللَّهَ"، اللهُ الأَبَدِيُّ الْمَوْجُودُ مُسْبَقًا. هَذَا مَا يَقُولُهُ يَسُوعُ "قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ، إِيجُو إِيمِي، أَنَا كَائِنٌ". وَهُمْ لَمْ يَغْفَلُوا عَنْ مَعْنَى ذَلِكَ. هَذَا وَاحِدٌ مِنْ أَنْقَى وَأَبْسَطِ إِعْلاناتِ الأُلُوهِيَّةِ الَتِي يَقُومُ بِهَا يَسُوعُ عَلَى الإِطْلاقِ خِلالَ خِدْمَتِهِ. وَلَمْ يَغْفَلِ السَامِعُونَ عَنْ مَعْنَى ذَلِكَ لأَنَّهُمْ "رَفَعُوا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ. أَمَّا يَسُوعُ فَاخْتَفَى وَخَرَجَ مِنَ الْهَيْكَلِ مُجْتَازًا فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى هَكَذَا". لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَقْتُلُوهُ، لَكِنَّهُمْ أَرَادُوا قَتْلَهُ فِي تِلْكَ اللَحْظَةِ، لأَنَّهُمْ اسْتَشَفُّوا مِنْ كَلامِهِ ادِّعَاءَ أُلُوهِيَّةِ اللهِ السَرْمَدِي الَذِي يَأْتِي إِلَى هَذَا الْعَالَمِ. يَأْتِي بِصِفَتِهِ الْبَابَ. وَيَأْتِي بِصِفَتِهِ الْقِيَامَةَ. وَيَأْتِي بِصِفَتِهِ نُورَ الْعَالَمِ. وَيَأْتِي بِصِفَتِهِ الطَرِيقَ وَالْحَقَّ وَالْحَيَاةَ. وَيَأْتِي بِصِفَتِهِ الرَاعِي الصَالِحَ. وَيَأْتِي بِصِفَتِهِ الْكَرْمَةَ. إِنَّهُ الْكَائِنُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ.