المحاضرة 4: الأُرْثُوذُكْسِيَّةُ الْجَدِيدَةُ وَقَانُونِيَّةُ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ - خدمات ليجونير
 

المحاضرة 4: الأُرْثُوذُكْسِيَّةُ الْجَدِيدَةُ وَقَانُونِيَّةُ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ

أَعْتَقِدُ أَنَّ أَشْهَرَ لَاهُوتِيٍّ فِي الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ هُوَ رَجُلٌ يُدْعَى كَارْلْ بَارْتْ (Karl Barth). بَارْتْ، قَطْعًا، كَانَ أُسْتَاذًا فِي الْعَقِيدَةِ أَوِ اللَاهُوتِ النِظَامِيِّ بِجَامِعَةِ بَازِلْ (Basil) فِي سِوِيسْرَا. لَمْ تَسْنَحْ لِي الْفُرْصَةُ قَطُّ لِلِالْتِقَاءِ شَخْصِيًّا بِالْأُسْتَاذِ بَارْتْ، لَكِنَّ الْعَدِيدَ مِنْ أَصْدِقَائِي وَزُمَلَائِي فِي مَجَالِ اللَاهُوتِ تَعَلَّمُوا عَلَى يَدِهِ مُبَاشَرَةً. وَإِحْدَى الْقِصَصِ، أَوِ الْأَسَاطِيرِ، الَتِي يَرْوُونَهَا عَنْ بَارْتْ، تَقُولُ إِنَّهُ فِي إِحْدَى السَنَوَاتِ، ظَلَّ يُحَاضِرُ طَوَالَ الْعَامِ فِي بَازِلْ عَنْ لَاهُوتِ فْرِيدْرِيكْ شْلَايْرْمَاخَرْ (Frederick Schliermacher). كَانَ شْلَايِرْمَاخَرْ وَاحِدًا مِنْ أَشْهَرِ اللَاهُوتِيِّينَ فِي الْقَرْنِ التَاسِعَ عَشَرَ. وَشْلَايْرْمَاخِرْ، بِالطَبْعِ، كَانَ مِنْ أَهَمِّ الَذِينَ سَاهَمُوا فِي تَطَوُّرِ اللَاهُوتِ اللِيبِرَالِيِّ فِي الْقَرْنِ التَاسِعَ عَشَرَ. وَإِنْ كُنْتُمْ تُدَوِّنُونَ الْمُلَاحَظَاتِ، وَأَرَدْتُمْ أَنْ تَعْرِفُوا كَيْفِيَّةَ لَفْظِ اسْمِ شْلَايْرْمَاخَرْ. اعْتَدْنَا فِي كُلِّيَّةِ اللَاهُوتِ أَنْ نَكْتُبَ الْحَرْفَ الْأَوَّلَ ثُمَّ نَعْطُسَ. وَهَذِهِ سَتَكُونُ أَقْرَبَ وَسِيلَةٍ لِلَفْظِ اسْمِ شْلَايْرْمَاخَرْ.

تَعَلَّمَ بَارْتْ نَفْسُهُ، فِي أَوَاخِرِ الْقَرْنِ التَاسِعَ عَشَرَ، عَلَى يَدِ اللَاهُوتِيِّينَ اللِيبْرَالِيِّينَ فِي أُورُوبَّا. لَكِنْ بَعْدَ بِدَايَةِ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ بِقَلِيلٍ، اخْتَلَفَ بَارْتْ مَعَ لَاهُوتِ الْقَرْنِ التَاسِعَ عَشَرَ، وَسَعَى إِلَى أَنْ يُعِيدَ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ إِلَى شَغْلِ دَوْرٍ أَكْثَرَ أَهَمِّيَّةً وَجِدِّيَّةً فِي حَيَاةِ الْكَنِيسَةِ. وَلِهَذَا كَانَتْ مُحَاضَرَاتُهُ فِي بَازِلْ عَنْ فِكْرِ شْلَايْرْمَاخَرْ نَقْدِيَّةً فِي الْأَسَاسِ. وَكَمَا ذَكَرْتُ، رَوَى لِي أَصْدِقَائِي أَنَّهُمْ كَانُوا فِي فَصْلِ بَارْتْ، وَكَانَ يَضَعُ تِمْثَالًا نُحَاسِيًّا أَوْ خَزَفِيًّا، أَظُنُّ أَنَّهُ كَانَ خَزَفِيًّا، لِشْلَايْرْمَاخَرْ فَوْقَ مَكْتَبِهِ. وَبَيْنَمَا كَانَ بَارْتْ يُحَاضِرُ، كَانَ يَتَمَشَّى ذَهَابًا وَإِيَابًا أَمَامَ الطَلَبَةِ. وَبَيْنَمَا كَانَ يُحَاضِرُ عَنْ لَاهُوتِ شْلَايْرْمَاخَرْ، كَانَ يُوَجِّهُ تَعْلِيقَاتِهِ إِلَى هَذَا التِمْثَالِ الْمَوْضُوعِ عَلَى الْمَكْتَبِ، كَمَا لَوْ كَانَ شْلَايْرْمَاخَرْ نَفْسُهُ حَاضِرًا فِي الفَصْلِ. فَكَانَ يَقُولُ: "مَا رَأْيُكَ فِي ذَلِكَ، يَا فْرِيدِيرِكْ؟" ثُمَّ يَقُولُ: "وَهُنَاكَ حُجَّةٌ أُخْرَى، يَا دُكْتُورُ شْلَايْرْمَاخَرْ"، مُجَادِلًا هَذَا التِمْثَالَ الْأَبْكَمَ طَوَالَ الْفَصْلِ الدِرَاسِيِّ. وَأَخِيرًا، فِي الْيَوْمِ الْأَخِيرِ، حِينَ قَدَّمَ بَارْتْ حُجَّتَهُ الْأَكْثَرَ حَسْمًا ضِدَّ شْلَايْرْمَاخَرْ، وَجَّهَ الضَرْبَةَ الْقَاضِيَةَ لِلتِمْثَالِ، بِضَرْبَةٍ مِنْ ذِرَاعِهِ، أَسْقَطَتِ التِمْثَالَ عَنْ الْمَكْتَبِ أَرْضًا، مُحَطِّمَةً إِيَّاهُ إِلَى آلَافِ الْقِطَعِ، وَقَالَ: "كَفَانَا مِنْ فْرِيدِيرِكْ شْلَايْرْمَاخَرْ".

عَلَى أَيِّ حَالٍ، يُعْرَفُ كَارْلْ بَارْتْ بِأَنَّهُ أَبُو، أَوْ الشَخْصِيَّةُ الْمِحْوَرِيَّةُ فِي تَأْسِيسِ حَرَكَةٍ لَاهُوتِيَّةٍ اجْتَاحَتِ الْعَالَمَ فِي النِصْفِ الْأَوَّلِ مِنَ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ، وَتُسَمَّى بِالْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ الْجَدِيدَةِ. وَدُعِيَتْ أَحْيَانًا "لَاهُوتَ الْأَزْمَةِ" لِعِدَّةِ أَسْبَابٍ لَنْ أَخُوضَ فِيهَا. كَمَا دُعِيْتُ أَحْيَانًا بِبَسَاطَةٍ بِاللَاهُوتِ الْجَدَلِيِّ. لَكِنَّ الِاسْمَ الْأَشْهَرَ لِهَذِهِ الْحَرَكَةِ هُوَ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةُ الْجَدِيدَةُ. وَتُعْرِفُونَ بِالتَأْكِيدِ أَنَّ الْبَادِئَةَ neo تَعْنِي مَاذَا؟ جَدِيدًا. إِذًا، هَذِهِ هِيَ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةُ الْجَدِيدَةُ، الَتِي تَرَأَّسَهَا كَارْلْ بَارْتْ وَبَعْضُ زُمَلَائِهِ، مِثْلُ إِمِيلْ بُرُونَرْ (Emil Brunner)، مِنْ سِوِيسْرَا أَيْضًا، وَبُولْ أَلْزْهَاوْسْ (Paul Alzhouse)، وَآخَرُونَ.

عَلَى أَيِّ حَالٍ، لَيْسَ اللَاهُوتِيُّونَ الْمُحَافِظُونَ مَسْرُورِينَ عَلَى الْإِطْلَاقِ بِتَوَجُّهِ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ الْجَدِيدَةِ. فَهُمْ يَعْتَبِرُونَهَا خُطْوَةً فِي الِاتِّجَاهِ الصَحِيحِ، بَعِيدًا عَنِ اللِيبْرَالِيَّةِ، وَمُحَاوَلَةً لِلْعَوْدَةِ، بِدَرَجَةٍ مَا عَلَى الْأَقَلِّ، إِلَى الْمَسِيحِيَّةِ الْكْلَاسِيكِيَّةِ. لَكِنَّهَا كَانَتْ حَلًّا وَسَطًا. لَمْ يَكْتَفِ بَارْتْ بِرَفْضِ اللِيبْرَالِيَّةِ، لَكِنَّهُ أَثَارَ أَيْضًا شُكُوكًا جَادَّةً حَوْلَ الْمَسِيحِيَّةِ الْمُحَافِظَةِ. بَعْضُ اللَاهُوتِيِّينَ الْمُحَافِظِينَ يَقُولُونَ مَازِحِينَ إِنَّهُ يُسْتَحْسَنُ تَسْمِيَةُ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ الْجَدِيدَةِ اللَّا أُرْثُوذُكْسِيَّةَ. وَمَعَ ذَلِكَ، مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ الَتِي نَتَجَتْ عَنْ حَرَكَةِ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ الْجَدِيدَةِ هُوَ التَأْثِيرُ الَذِي أَحْدَثَتْهُ نَظْرَةُ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ الْجَدِيدَةِ لِلْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ. أَرَادَ لَاهُوتُ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ الْجَدِيدَةِ أَخْذَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ عَلَى مَحْمَلِ الْجِدِّ، وَإِعَادَتَهُ إِلَى مَكَانَتِهِ كَمِحْوَرِ الْوَعْظِ فِي حَيَاةِ الْكَنِيسَةِ. وَهِيَ لَمْ تَتَبَنَّ الْمَنْظُورَ الشُكُوكِيَّ عَنِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، الَذِي تَبَنَّتْهُ لِيبْرَالِيَّةُ الْقَرْنِ التَاسِعَ عَشَرَ، الَتِي رَفَضَتْ فِعْلِيًّا أَيَّ مُحْتَوًى فَائِقٍ لِلطَبِيعَةِ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، رَافِضَةً احْتِمَالِيَّةَ، مَثَلًا، وُجُودِ نُبُوَّاتٍ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ، أَوْ تَارِيخِيَّةَ أَحْدَاثٍ مِثْلِ الْمِيلَادِ الْعَذْرَاوِيِّ لِيَسُوعَ، وَالْقِيَامَةِ، إِلَى آخِرِهِ. أَرَادَتْ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةُ الْجَدِيدَةُ اسْتِعَادَةَ الثِقَةِ بِدَرَجَةٍ مَا فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، لَكِنْ دُونُ التَصْدِيقِ، فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، عَلَى الْآرَاءِ عَتِيقَةِ الطِرَازِ، فِي رَأْيِهِمْ، عَنِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، الَتِي تَشْمَلُ عَقِيدَةَ الْعِصْمَةِ، أَوْ الْخُلُوِّ مِنَ الْخَطَأِ، أَوْ الْوَحْيِ اللَفْظِيِّ، الَتِي تَبَنَّاهَا الْمُحَافِظُونَ بِإِصْرَارٍ. إِذًا، فِي هَذَا الْفِكْرِ الْجَدِيدِ عَنِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، تَمَحْوَرَ الِاهْتِمَامُ حَوْلَ فَهْمِ الْإِعْلَانِ، وَلَيْسَ فَقَطْ فَهْمَ الْإِعْلَانِ، بَلْ أَيْضًا فَهْمُ عَلَاقَتِهِ بِالْحَقِّ نَفْسِهِ.

رُبَّمَا يَتَذَكَّرُ بَعْضُكُمْ الرَاحِلَ فَرَنْسِيسْ شِيفَرْ، الَذِي اشْتَهَرَ بِحَدِيثِهِ عَنِ الْحَقِّ الْحَقِيقِيِّ. وَقَدْ بَدَا الْأُسْتَاذُ شِيفَرْ مُتَلَعْثِمًا عِنْدَمَا تَحَدَّثَ عَنِ الْحَقِّ الْحَقِيقِيِّ. فَهَلْ هُنَاكَ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الْحَقِّ غَيْرِ الْحَقِّ الْحَقِيقِيِّ؟ لَكِنْ مَا قَصَدَهُ بِالْحَقِّ الْحَقِيقِيِّ هُوَ الْحَقُّ الَذِي يُفْهَمُ بِشَكْلٍ مُطْلَقٍ، وَلَيْسَ شَيْئًا خَاضِعًا لِأَهْوَاءِ الرَأْيِ الشَخْصِيِّ. فَلَيْسَ الْحَقُّ شَيْئًا مَرِنًا يُمْكِنُ تَشْكِيلُهُ لِيُنَاسِبَ تَحَيُّزَاتِنَا أَوْ رَغَبَاتِنَا، لَكِنَّهُ تَحَدَّثَ عَنْ فَهْمٍ مُطْلَقٍ لِلْحَقِّ.

وَأَحَدُ رُدُودِ فِعْلِ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ الْجَدِيدَةِ، أَوْ لَاهُوتِ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ الْجَدِيدَةِ، كَانَ ضِدَّ الصِيَغِ التَّقْلِيدِيَّةِ الْمَوْجُودَةِ فِي قَوَانِينِ الْإِيمَانِ الْمَسِيحِيَّةِ التَقْلِيدِيَّةِ. لِأَنَّ حَقَّ الْمَسِيحِيَّةِ الْمَوْجُودَ فِي قَوَانِينِ الْإِيمَانِ مُقَدَّمٌ فِي جُمَلٍ أَوْ تَصْرِيحَاتٍ جَامِدَةٍ، وَجَافَّةٍ، وَنَظَرِيَّةٍ. فَمَثَلًا، نَحْنُ نُعَرِّفُ الثَالُوثَ قَائِلِينَ إِنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ فِي الْجَوْهَرِ، وَثَلَاثَةُ أَقَانِيمَ. بِإِمْكَانِنَا تَرْدِيدُ هَذِهِ الصِيغَةِ بِأُسْلُوبٍ نَظَرِيٍّ وَعَقِيمٍ، دُونَ أَيِّ حَمَاسٍ، أَوْ حَيَاةٍ، أَوْ حَيَوِيَّةٍ رُوحِيَّةٍ. بَلْ فَقَطْ نُرَدِّدُ الْعَقِيدَةَ فِي تَصْرِيحَاتٍ جَامِدَةٍ وَمُجَرَّدَةٍ.

زَمِيلُ كَارْلْ بَارْتْ فِي سْوِيسْرَا، إِمِيلْ بُرُونَرْ، كَتَبَ كِتَابًا صَغِيرًا، بِهَذَا السُمْكِ، بِاللُغَةِ الْأَلْمَانِيَّةِ، كَانَ لَهُ تَأْثِيرٌ كَبِيرٌ عَلَى هَذِهِ الْحَرَكَةِ. كَانَ كِتَابُ بُرُونَرْ الصَغِيرُ بِعُنْوَانِ "فَارْهِيتْ أَلْزْ بِخِيكْنُونْ" (Warheit Alls Begegnung)، فِي الْأَلْمَانِيَّةِ، وَتَرْجَمَتُهُ "الْحَقُّ لِقَاءٌ" (Truth as Encounter). تَأَثَّرَ بْرُونَرْ وَبَارْتْ كَثِيرًا بِثَرْثَارِ فَلْسَفَةِ الْقَرْنِ التَاسِعَ عَشَرَ، سُورِينْ كِرْكِيجَارْدْ (Soren Kierkegard).

تَعْلَمُونَ أَنَّ كِرْكِيجَارْدْ يُسَمَّى عَادَةً "أَبَا الْوُجُودِيَّةِ"، بِمَعْنَى أَنَّ كِرْكِيجَارْدْ أَرَادَ أَلَّا يَكُونَ الْمُؤْمِنُ مُجَرَّدَ مُتَفَرِّجٍ بِعَقْلِهِ مِنْ بَعِيدٍ عَلَى الْحَيَاةِ، أَوْ عَلَى أُمُورِ اللَّهِ، بَلْ إِنَّ الْإِيمَانَ الْمَسِيحِيَّ يَتَطَلَّبُ تَدَاخُلًا شَخْصِيًّا وَعَاطِفِيًّا فِي مُشْكِلَاتِ الْوُجُودِ الْبَشَرِيِّ. وَمِنَ الْأُمُورِ الَتِي حَرَصَ كِرْكِيجَارْدْ عَلَى قَوْلِهَا هُوَ أَنَّهُ إِنْ فَهِمَ أَحَدُهُمْ مَفْهُومًا مَا بِعَقْلِهِ فَقَطْ، فَهُوَ لَمْ يُدْرِكِ الْحَقَّ بِالْكَامِلِ بَعْدُ، لِأَنَّ الْحَقَّ أَكْثَرُ مِنْ مُجَرَّدِ فِكْرَةٍ مُجَرَّدَةٍ، وَلَا سِيَّمَا الْحَقُّ الْإِلَهِيُّ. فَالْحَقُّ الْإِلَهِيُّ، كَمَا نَفْهَمُهُ، يَشْمَلُ دَائِمًا مَا يَتَجَاوَزُ الذِهْنَ، لِأَنَّ فَهْمَنَا لِلَّهِ مُتَضَمَّنٌ دَائِمًا دَاخِلَ عَلَاقَةٍ. فَحِينَ أَقُولُ "أَنَا أَعْرِفُ اللَّهَ"، لَسْتُ أَفْتَرِضُ أَنَّ لَدَيَّ مُجَرَّدَ افْتِرَاضَاتٍ أَوْ صِيَغٍ يُمْكِنُنِي تَرْدِيدُهَا، وَيُمْكِنُ الْحُكْمُ عَلَيْهَا بِأَنَّهَا صَحِيحَةٌ أَوْ خَاطِئَةٌ فِي اخْتِبَارٍ لَاهُوتِيٍّ، لَكِنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَتَضَمَّنُ عَلَاقَةً شَخْصِيَّةً تُثِيرُ فِينَا عَاطِفَةً.

هَذَا مَا قَصَدَهُ بْرُونَرْ بِقَوْلِهِ إِنَّ الْحَقَّ لَيْسَ تَصْرِيحًا، لَكِنَّهُ لِقَاءٌ. هُوَ لِقَاءٌ يَجْرِي بَيْنَ النَاسِ. وَمَا عَلَاقَةُ ذَلِكَ بِالْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ؟ قَالَ بَارْتْ وَبْرُونَرْ إِنَّ اللَّهَ يُعْلِنُ عَنْ ذَاتِهِ فِي مَجْرَى التَارِيخِ، لَيْسَ بِإِنْزَالِ مَرْجِعٍ دِرَاسِيٍّ مِنَ السَمَاءِ، كَمَا ذَكَرْتُ فِي الْمُحَاضَرَةِ السَابِقَةِ، يَهْبِطُ فِي مِظَلَّةٍ مِنَ السَمَاءِ، وَيَحْوِي مُسَلَّمَاتٍ تَبْدُو شَبِيهَةً بِتَصْرِيحَاتِ إِقْلِيدَسْ (Euclid) أَوْ رُنِيهِ دِيكَارْتْ (Renee DesCartes). وَإِنَّمَا يَحْدُثُ إِعْلَانُ اللَّهِ مِنْ خِلَالِ أَعْمَالِ اللَّهِ، أَيْ عَمَلِهِ فِي التَارِيخِ.

حِينَ كَانَ شَعْبُ إِسْرَائِيلَ مُسْتَعْبَدًا فِي مِصْرَ، وَأَخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِنْهَا، بِقِيَادَةِ مُوسَى الْمُعْجِزِيَّةِ، إِلَى آخِرِهِ، كَانَ اللَّهُ يُعْلِنُ عَنْ ذَاتِهِ فِي هَذِهِ الْأَحْدَاثِ. إِذًا، بِالنِسْبَةِ إِلَى لَاهُوتِيِّ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ الْجَدِيدَةِ، يُعْتَبَرُ الْإِعْلَانُ فِي الْأَسَاسِ حَدَثًا وَلَيْسَ تَصْرِيحًا. أَعْلَمُ أَنَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تُصْغُونَ إِلَيَّ، وَلَا تَعْرِفُونَنِي، سَيَبْدُو لَكُمْ أَنَّنِي حَتَّى الْآنَ، فِي هَذِهِ الْمُحَاضَرَةِ، الْمُنَاصِرُ الْأَوَّلُ لِمُعَسْكَرِ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ الْجَدِيدَةِ. لَسْتُ كَذَلِكَ. فَلَمْ آتِ هُنَا لِامْتِدَاحِ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ الْجَدِيدَةِ، بَلْ لِدَحْضِهَا. أَنَا أُقَدِّرُ مَخَاوِفَهَا. وَأُقَدِّرُ مَا كَانَتْ تُحَاوِلُ إِصْلَاحَهُ مِنْ ضَرَرٍ سَبَّبَتْهُ شُكُوكِيَّةُ الْقَرْنِ التَاسِعَ عَشَرَ. لَكِنَّنِي أَرَى أَنَّ هَذَا التَمْيِيزَ بَيْنَ الْحَدَثِ وَالتَصْرِيحِ خَطِيرٌ، فِي ضَوْءِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ.

بِكُلِّ تَأْكِيدٍ، كَانَ اللَّهُ يَعْمَلُ فِي التَارِيخِ، وَبِكُلِّ تَأْكِيدٍ، أَعْلَنَ اللَّهُ عَنْ ذَاتِهِ مِنْ خِلَالِ هَذِهِ اللَحَظَاتِ الْحَاسِمَةِ فِي التَارِيخِ. لَكِنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ، أَيُّهَا السَيِّدَاتُ وَالسَادَةُ، لَيْسَ مُجَرَّدَ سِجِلِّ أَحْدَاثٍ. فَالْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ يُقَدِّمُ أَيْضًا تَفْسِيرَ اللَّهِ لِمَعْنَى تِلْكَ الْأَحْدَاثِ وَدَلَالَتِها. لَيْسَ لَدَيْنَا إِنْجِيلٌ فَقَطْ، بَلْ رَسَائِلُ أَيْضًا، فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ.

حَسَنًا، هَلْ دَرَسَ أَحَدُكُمْ قَبْلًا مُقَرَّرًا عَنِ الْفَنِّ الْحَدِيثِ، حَيْثُ رَسَمَ أَحَدُهُمْ لَوْحَةً تَجْرِيدِيَّةً، فَنَظَرْتَ إِلَيْهَا، وَحَكَكْتَ رَأْسَكَ، وَقُلْتَ لِنَفْسِكَ: "تُرَى مَا مَعْنَاهَا؟ هَلْ هِيَ فِي الْوَضْعِيَّةِ الصَحِيحَةِ؟ أَمْ يَجِبُ أَنْ أَقْلِبَهَا؟ فَهِيَ لَا تُشْبِهُ أَيَّ شَيْءٍ أَعْرِفُهُ، وَأَعْجَزُ عَنْ فَهْمِهَا". هَلْ تَأَمَّلْتُمْ فِي لَوْحَاتٍ مِنْ هَذَا النَوْعِ فِي وَقْتٍ مَا مِنْ حَيَاتِكُمْ؟ ثُمَّ أُتِيحَتْ لَكَ الْفُرْصَةُ لِزِيَارَةِ مَعْرَضِ لَوْحَاتٍ، حَيْثُ سَيَكُونُ الرَسَّامُ مَوْجُودًا. فَتَسَنَّتْ لَكَ الْفُرْصَةُ لِتَسْأَلَهُ: "مَاذَا قَصَدْتَ بِهَذِهِ اللَوْحَةِ؟" فَيُجِيبُكَ الرَسَّامُ: "أَنَا رَسَمْتُهَا، وَأَنْتَ فَسِّرْهَا". فَأَنَا مَنْ وَضَعَ الرَسْمَ عَلَى اللَوْحَةِ، لَكِنَّ مَعْنَاهَا وَدَلَالَتَهَا يَتَوَقَّفَانِ عَلَيْكَ، وَعَلَى مَا تُضِيفُهُ إِلَى اللَوْحَةِ. مَا مِنْ مَعْنًى دَاخِلِيٍّ، أَوْ دَلَالَةٍ مُطْلَقَةٍ، فِي اللَوْحَةِ، يُمْكِنُكَ اكْتِشَافُهُ بِفَحْصِ اللَوْحَةِ نَفْسِهَا، وَإِنَّمَا أَيُّ مَعْنًى لَهَا يَجِبُ أَنْ يَحْدُثَ. فَهُوَ حَدَثٌ يَقَعُ عِنْدَمَا تَلْتَقِي بِاللَوْحَةِ. أَتَفْهَمُونَ الْفِكْرَةَ؟ رَأَيْنَا هَذَا الِانْجِرَافَ، فِي كُلِّ مَجَالِ الْفَنِّ فِي الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ، إِلَى الذَاتِيَّةِ الْمُتَطَرِّفَةِ وَالنِسْبِيَّةِ، الَتِي بِمُوجَبِهَا لَيْسَ هُنَاكَ أَيُّ حَقٍّ مَوْضُوعِيٍّ أَوْ مُطْلَقٍ.

يَقُولُ رَأْيُ الْأُرْثُوذُكْسِيَّةِ الْجَدِيدَةِ إِنَّ إِعْلَانَ اللَّهِ دِينَامِيكِيٌّ، وَنَشِطٌ. كُلُّ هَذَا صَحِيحٌ. لَكِنْ يَقُولُ إِنَّهُ حَدَثٌ وَلَيْسَ تَصْرِيحَاتٍ. يَقُولُ الرَأْيُ الْمُحَافِظُ عَنِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ إِنَّ تَصْرِيحَاتِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، كَالَتِي كَتَبَهَا الرَسُولُ بُولُسُ فِي رِسَالَةِ رُومِيَةَ، إِعْلَانٌ فِي حَدِّ ذَاتِهَا. فَهِيَ حَقٌّ فِي ذَاتِهَا، سَوَاءٌ تَجَاوَبْتُ مَعَهَا أَمْ لَا. مِنَ الرَائِعِ أَنْ أَتَجَاوَبَ مَعَهَا، وَنَحْنُ مَدْعُوُّونَ إِلَى التَجَاوُبِ مَعَهَا فِي إِيمَانٍ وَثِقَةٍ، وَبِطَرِيقَةٍ حَيَّةٍ، وَشَخْصِيَّةٍ، وَعَاطِفِيَّةٍ. لَسْتُ أُرِيدُ التَقْلِيلَ مِنْ أَهَمِّيَّةِ ذَلِكَ. عَلَيْنَا أَلَّا نَكُونَ مَا خَشِيَ كِرْكِيجَارْدْ مِنْهُ، أَيْ مُتَفَرِّجِينَ مِنْ بَعِيدٍ، نَفْهَمُ أُمُورَ اللَّهِ فَقَطْ بِعُقُولِنَا، دُونَ تَدَاخُلٍ عَاطِفِيٍّ. لَا سَمَحَ اللَّهُ. لَكِنْ مَا أَقْصِدُهُ، أَيُّهَا السَيِّدَاتُ وَالسَادَةُ، هُوَ أَنَّ قَوْلَنَا إِنَّنَا يَجِبُ أَنْ نَخْتَارَ بَيْنَ الْعَاطِفَةِ وَالْحَقِّ هُوَ مُعْضِلَةٌ زَائِفَةٌ. نَحْنُ مَدْعُوُّونَ إِلَى التَجَاوُبِ الشَخْصِيِّ وَالْعَاطِفِيِّ مَعَ الْحَقِّ الْمُطْلَقِ، وَمَعَ الْإِعْلَانِ الْآتِي مِنَ اللَّهِ فِي وَعَبْرَ الْكَلِمَاتِ.

فِي هَذَا الْمَفْهُومِ عَنِ الْإِعْلَانِ، صَنَعَ بَارْتْ تَفْرِقَةً لَافِتَةً، فَقَالَ: "الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ هُوَ وَيَرْبُومْ دَايْ" (Verbum Dei) –هَا قَدْ تَحَطَّمَتِ الطَبْشُورَةُ. يُمْكِنُنِي التَخَلُّصُ مِنْ بَقِيَّتِهَا– "وَيَرْبُومْ دَايْ، وَلَيْسَ وَيَرْبَا دَايْ" (Verba Dei). هَذِهِ وَسِيلَةُ تَعْبِيرٍ أُخْرَى عَمَّا تَحَدَّثْتُ عَنْهُ فِيمَا سَبَقَ، أَنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ هُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ بِالْمَعْنَى الْخَاصِّ، لَكِنَّهُ لَيْسَ كَلِمَاتِ اللَّهِ. هُنَا أَحُكُّ رَأْسِي وَأَقُولُ: "كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كَلِمَةَ اللَّهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ كَلِمَاتِ اللَّهِ؟" فَالْيَوْمَ اسْتَمَعْتُمْ إِلَى كَلِمَاتِ أَرْ. سِي. سْبْرُولْ، وَعِنْدَمَا تُغَادِرُونَ، سَيَسْأَلُكُمْ أَحَدُهُمْ: "مَاذَا قَالَ سْبْرُولْ؟ مَاذَا كَانَتْ كَلِمَةُ سْبْرُولْ؟" سَتُرَدِّدُونَ كَلِمَاتِ سْبْرُولْ لِلتَعْبِيرِ عَنْ كَلِمَةِ سْبْرُولْ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ لَكِنَّ بَارْتْ يَقُولُ إِنَّ مَا لَدَيْنَا هُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ بِدُونِ كَلِمَاتِ اللَّهِ. هَذَا لَا يَعْنِي بِبَسَاطَةٍ، كَمَا تَقُولُ الْعَقِيدَةُ الْمُحَافِظَةُ، إِنَّ هَذِهِ كَلِمَاتُ بَشَرٍ، وَكُتَّابٌ بَشَرِيُّونَ، تَحْتَ الْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ، وَلِأَنَّهَا تَحْتَ الْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ، فَهِيَ كَلِمَةُ اللَّهِ.

لَيْسَ هَذَا مَا قَصَدَهُ بَارْتْ. لَكِنَّهُ يَقْصِدُ أَنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ فِي حَدِّ ذَاتِهِ، وَهُوَ مَوْضُوعٌ عَلَى الطَاوِلَةِ، أَوْ الْمَكْتَبِ، أَوْ مِنْبَرِ الْكَنِيسَةِ، لَيْسَ كِتَابًا يَحْمِلُ إِعْلَانًا إِلَهِيًّا عَلَى صَفَحَاتِهِ، وَفِي مُحْتَوَاهُ. لَكِنْ، عِنْدَمَا أَقْرَأُ ذَلِكَ الْكِتَابَ، أَوْ أَسْتَمِعُ إِلَى وَعْظٍ مِنْ ذَلِكَ الْكِتَابِ، وَأَتَفَاعَلُ مَعَ رِسَالَةِ الْكِتَابِ، وَأَلْتَقِي بِالْحُضُورِ الْحَيِّ لِلَّهِ الرُوحِ الْقُدُسِ، فِي هَذَا الْحَدَثِ، وَذَلِكَ التَفَاعُلِ -اسْمَعُوا جَيِّدًا- وَبِحُضُورِ الرُوحِ الْقُدُسِ، يُصْبِحُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ كَلِمَةَ اللَّهِ الشَخْصِيَّةَ لِي. أَتَسْمَعُونَ ذَلِكَ؟ فَهُوَ لَمْ يَقُلْ إِنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ هُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ. لَكِنْ بَيْنَمَا أَقْرَأُهُ، إِنِ اسْتَخْدَمَ اللَّهُ الرُوحُ الْقُدُسُ الْقِرَاءَةَ أَوْ الِاسْتِمَاعَ لِلْوَعْظِ، كَيْ تُغَيِّرَ رِسَالَةُ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ قَلْبِي، وَتَجْتَذِبَنِي إِلَى الْمَسِيحِ، فَفِي تِلْكَ اللَحْظَةِ، عِنْدَمَا يُضِيفُ الرُوحُ شَيْئًا، يُصْبِحُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ هُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ.

يُثِيرُ اهْتِمَامِي هَذَا الشَرْحُ الْمُفَصَّلُ، بِأَنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ لَيْسَ كَلِمَةَ اللَّهِ، وَعِنْدَمَا يَأْتِي الرُوحُ الْقُدُسُ، يَتَحَوَّلُ إِلَى شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ. وَبَعْدَ أَنْ يُغَادِرَ الرُوحُ الْقُدُسُ، مَاذَا يَحْدُثُ؟ هَلْ يَتَوَقَّفُ عَنْ كَوْنِهِ كَلِمَةَ اللَّهِ؟ هَذَا أَبْعَدُ مَا يَكُونُ عَنِ الْوُضُوحِ.

لَكِنَّ النَظْرَةَ الْمُحَافِظَةَ لِلْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ تَقُولُ إِنَّ الرُوحَ الْقُدُسَ يَكُونُ قَطْعًا حَاضِرًا لِمُسَاعَدَتِنَا، وَنَحْنُ نَقْرَأُ نَصَّ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، لِيُنِيرَ نَصَّ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ أَمَامَنَا، وَيَسْتَخْدِمَهُ كَوَسِيلَةٍ لِتَبْكِيتِنَا عَلَى خَطَايَانَا، مُخْتَرِقًا نُفُوسَنَا وَقُلُوبَنَا لِتَبْكِيتِنَا، إِلَى آخِرِهِ. مَا مِنْ شَخْصٍ مُحَافِظٍ قَدْ يُنْكِرُ أَنَّ الرُوحَ الْقُدُسَ يَعْمَلُ فِي كَلِمَةِ اللَّهِ وَمِنْ خِلَالِهَا. لَكِنْ إِلَيْكُمُ الْفَرْقَ الْأَسَاسِيَّ. يَرَى الرَأْيُ الْمُحَافِظُ أَنَّ الرُوحَ الْقُدُسَ كَانَ عَامِلًا أَثْنَاءَ قِيَامِ بُولُسَ بِالْكِتَابَةِ، لِيَضْمَنَ أَنَّ مَا كَتَبَهُ بُولُسُ كَانَ، وَلَا يَزَالُ، وَسَيَظَلُّ دَائِمًا، هُوَ كَلِمَةُ اللَّهِ، بِطَبِيعَتِهِ وَفِي ذَاتِهِ. تَقُولُ الْعَقِيدَةُ الْمُحَافِظَةُ إِنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ إِعْلَانٌ. وَهُوَ إِعْلَانٌ لَفْظِيٌّ. هُوَ إِعْلَانُ اللَّهِ الَذِي يَأْتِي فِي كَلِمَاتٍ، وَتَصْرِيحَاتٍ. وَتَفْسِيرَاتُ تِلْكَ الْأَحْدَاثِ هِيَ الْإِعْلَانُ الْإِلَهِيُّ عَنْ مَعْنَى الْأَحْدَاثِ. مُجَدَّدًا، دَعُونِي أُخْبِرُكُمْ بِمَا أَقْصِدُهُ.

لِنَأْخُذْ حَدَثًا مُجَرَّدًا، وَهُوَ أَهَمُّ حَدَثٍ فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، الصَّلِيبَ، صَلِيبَ الْمَسِيحِ. مَاذَا حَدَثَ عَلَى الصَلِيبِ؟ هَلِ الصَلِيبُ وَاحِدٌ مِنْ تِلْكَ اللَوْحَاتِ الْفَنِّيَّةِ لِرَسَّامٍ إِلَهِيٍّ يَقُولُ: "أَنَا رَسَمْتُ اللَوْحَةَ، وَأَنْتَ أَخْبِرْنِي بِمَعْنَاهَا. إِنَّهَا تَعْنِي مَا تُرِيدُ أَنْ تَعْنِيَهُ، وَأَيًّا كَانَ مَا تَعْنِيهِ لَكَ. فَإِنْ كَانَتْ تَعْنِي لَكَ شَيْئًا مُغَايِرًا تَمَامًا لِمَا تَعْنِيهِ لَكَ، فَلَا يَهُمُّ، فَكِلَاكُمَا يَجِدُ فِيهَا مَعْنًى، وَلَا بَأْسَ". كَلَّا، كَلَّا. بَلْ لَاحِظُوا نَظْرَةَ النَاسِ فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ إِلَى الصَلِيبِ. كُلُّ مَا نَعْرِفُهُ، إِنْ كُنَّا أَحَدَ الْمُشَاهِدِينَ، أَوْ الْمُتَفَرِّجِينَ. أَوْ إِنْ كُنْتُ مُرَاسِلًا لِجَرِيدَةِ أُورُشَلِيمَ الرَسْمِيَّةِ. وَكُلِّفْتُ بِالذَهَابِ لِتَسْجِيلِ حَدَثِ إِعْدَامِ رَجُلٍ أَدَانَهُ بِيلَاطُسُ الْبُنْطِيُّ بِتُهْمَةِ إِثَارَةِ الْفِتْنَةِ. فَشَاهَدْتُ الْإِعْدَامَ، ثُمَّ عُدْتُ إِلَى الْجَرِيدَةِ، وَكَتَبْتُ تَقْرِيرِي، فَقُلْتُ: "بَعْدَ ظُهْرِ الْيَوْمِ، أَعْدَمَتِ الْإِمْبِرَاطُورِيَّةُ الرُومَانِيَّةُ بِعَدْلٍ يَهُودِيًّا مُثِيرًا لِلْفِتَنِ وَطَامِحًا فِي الْحُكْمِ". أَوْ يُمْكِنُنِي الذَهَابُ إِلَى بَيْتِ قَيَافَا قَائِلًا: "يَا قَيَافَا، مَا مَعْنَى مَا حَدَثَ هُنَاكَ الْيَوْمَ؟ أَكَانَ هَذَا مُجَرَّدَ إِعْدَامٍ لِنَاشِطٍ سِيَاسِيٍّ؟" فَيُجِيبُ قَيَافَا: "كَلَّا، أَرَى ذَلِكَ وَسِيلَةً لِغَايَةٍ. كَانَ لَازِمًا لِمَنْفَعَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَنْ يَمُوتَ رَجُلٌ وَاحِدٌ". كَانَ هَذَا رَأْيَ قَيَافَا. وَرُبَّمَا أَذْهَبُ بَعْدَ ذَلِكَ لِأُجْرِيَ مُقَابَلَةً مَعَ قَائِدِ الْمِئَةِ الَذِي كَانَ عِنْدَ الصَلِيبِ، فَيَقُولُ لِي: "لَا أَدْرِي، حَدَثَ أَمْرٌ عَجِيبٌ بَعْدَ ظُهْرِ الْيَوْمِ. كَانَ هَذَا الرَجُلُ مُخْتَلِفًا عَنْ أَيِّ شَخْصٍ أَعْدَمْنَاهُ مِنْ قَبْلُ. أَظُنُّ أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ". ثُمَّ تَذْهَبُ لِتَقْرَأَ رَسَائِلَ الرَسُولِ بُولُسَ، فَيُخْبِرُنَا بُولُسُ بِأَنَّ مَا حَدَثَ عَلَى الصَلِيبِ كَانَ حَدَثًا ذَا أَهَمِّيَّةٍ كَوْنِيَّةٍ. فَقَدْ صُنِعَتْ كَفَّارَةٌ هُنَاكَ، وَالَذِينَ يَقْبَلُونَ الْمَسِيحَ، مِنْ بَيْنِ الْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ، يُصَالَحُونَ بِهَا مَعَ خَالِقِهِمْ. وَبِأَنَّ هَذَا هُوَ حَمَلُ اللَّهِ الْمَذْبُوحُ. كَانَ هُوَ الذَبِيحَةَ الَتِي قُدِّمَتْ لِاسْتِيفَاءِ مَطَالِبِ عَدْلِ اللَّهِ.

إِلَيْكُمْ الْفِكْرَةَ. أَيُّهَا السَيِّدَاتُ وَالسَادَةُ، إِذَا كُنْتُمْ حَاضِرِينَ عِنْدَ الْجُلْجُثَةِ، أَسَيَكُونُ كُلُّ ذَلِكَ وَاضِحًا لِأَيِّ شَخْصٍ هُنَاكَ؟ لَدَيْنَا هُنَا أَكْثَرُ مِنْ مُجَرَّدِ حَدَثٍ. فَالْحَدَثُ مُهِمٌّ. وَلَا أُرِيدُ التَقْلِيلَ مِنْ أَهَمِّيَّةِ الْحَدَثِ. لَكِنْ لَيْسَ لَدَيْنَا حَدَثٌ فَحَسْبُ، بَلْ يُقَدِّمُ لَنَا الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ مَا يَخْفَى عَنْ عُقُولِنَا. فَهُوَ يُقَدِّمُ الْإِعْلَانَ عَنْ مَعْنَى ذَلِكَ الْحَدَثِ.