التغيير الحقيقي
۲۵ مارس ۲۰۱۹
بيان شيكاغو عن مبادئ التفسير الكتابية
۲٦ مارس ۲۰۱۹

الإرسالية العظمى في العهد القديم

ترتكز الإرسالية العظمى حقًا في ملك الله، وتبدأ قبل سقوط الانسان وانفصاله عن الشركة والعلاقة مع الله. في اليوم السادس، تم تكليف الانسان من قبل الله أن يملئ الأرض ويُخضعها، وأن يتسلّط على الخليقة (تكوين ١: ٢٨). وبناء على ذلك، يُمكننا تعريف الإرسالية العظمى بأنها "التسلّط والإخضاع" للأرض وكل مخلوقاتها — وهذا المفهوم علينا أن نوضحه.

لا شك أن عبارة "التسلّط والإخضاع" لها دلالات سلبية عميقة في عالمنا الحديث، مليئة بذكريات الطغيان المروع وإساءة استخدام السلطة. ومع ذلك، ينبغي أن نلاحظ أن هذه الارسالية قد أُعطيت قبل السقوط في الخطية والشقاء، وعلى وجه التحديد في سياق اتحاد الإنسان مع الله — أي أنها أُعطيت للإنسان باعتباره حاملاً لصورة الله (الآية 27)، وقد خُلق كلاهما (الرجل والمرأة) ليكونا في شركة مع الله ووسطاء الحكم والسلطان المبارك لله على كل الأرض.

هناك شقيين للاهوت هنا. أولاً، كان على آدم أن يجمع كل الخليقة لتسبيح وعبادة الله في اليوم السابع، وهذا ما يعنيه "التسلّط والإخضاع". فهو مُكلف بأن يفرز ("يُقَدِس") الخليقة بشكل متزايد حتى تُصبح الأرض كلها مقدسة، ومليئة من مجد الله الدائم.

ثانيًا، لا توجد أي بركة علينا أن نتمتع بها، حتى وإن كانت بسيطة، لا تنبع من مُلك الله — وهذا هو الفرح فيما يعنيه مصطلح "الإخضاع"، خاصة بعد الطرد من الحياة مع الله. لهذا السبب، نُعلِم أطفالنا بكل سرور أن المسيح يمارس وظيفة الملك "بإخضاعنا لنفسه" (دليل أسئلة وأجوبة وستمنستر المُوجَز السؤال والجواب ٢٦).

تستلزم الإرسالية العظمى التي مُنحت لآدم أن يكون ملكه في خدمة وظيفته الكهنوتية، أي أنه "يتسلط ويُخضع" بهدف أن يجمع كل الخليقة عند موطئ قدمي الخالق في عبادة. كان إتمام وتحقيق يوم السبت هو قلب إرسالية اليوم السادس وهدفها.

بمجرد أن نفهم أن الإرسالية العظمى هي وظيفة ملكيّة، فنحن في وضع أفضل لتقييم هذه المهمة في بقية العهد القديم. فملك الله عالمي، ومنذ البدء، كانت خطته للخلاص موجهة إلى جميع قبائل الأرض، ولا يجب أن نتجاهل أبدًا حقيقة أنه يمْتَلِكُ كُلَّ الأُمَمِ (مزمور ٨٢: ٨).

هنا، لا يمكن المبالغة في التأكيد على دور تكوين 1–11 كمقدمة لقصة إسرائيل، فهويّة إسرائيل ودعوتها المقدسة نبعت من هذا السياق العالمي وتحددت بالكامل من خلاله. وبعد أن تشتتت وتناثرت الشعوب وتم نفيها من برج بابل، دعى الله أبرام في تكوين ١٢، ووعده وقال له بأنه فيه سوف "تَتَبَارَكُ ... جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ" (الآية ٣). تم التأكيد على هذا الوعد لاحقًا لإبراهيم: "وَيَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِي" (تكوين ٢٢: ١٨؛ راجع ١٨: ١٨). ثم تم منح الوعد لإسحاق (٢٦: ٤)، ثم إلى يعقوب كأب لأسباط إسرائيل الاثنا عشر (٢٨: ١٤).

إلى جانب هذا الوعد هناك تلميح للملكية. لقد كان الوعد لأبرام بأن "مُلُوكٌ مِنْكَ يَخْرُجُونَ" (١٧: ٦)، ويتبع هذا الوعد سلسلة الانساب التي تنتهي بنسل داود. في النهاية، من خلال شعب إسرائيل، سيأتي ملك ليجمع الأمم مرة أخرى ويُرجعهم إلى محضر الله.

علاوة على ذلك، دخلت إسرائيل في علاقة عهدية مع الله في سيناء لتعيش كمملكة كهنة وأمة مقدسة (خروج ١٩: ٦) — أي أن تكون نورًا للأمم. يجب أن نفهم الصفات المميزة المتوازية كهنة ومقدسة بمعنى أن تكون مفرزة ومخصصة للرب الإله من أجل الأمم؛ كان على إسرائيل أن تكون وسيطًا بين الله والأمم. هذه الدعوة المقدسة لها علاقة بأن تكون إسرائيل خاضعة للرب أكثر من إخضاعها للشعوب الأخرى. كانت إسرائيل بحاجة إلى تكريسها وتقديسها — تتغير لتكون خادم وعبد الرب من أجل العالم — لتمجيد الله أمام الأمم. يعلن المزمور ٦٧ بوضوح، وهو واحد من العديد من المزامير التي تدعو الأمم إلى حمد وتسبيح الرب، أن إسرائيل قد نالت الرحمة والبركة الكهنوتية حتى يُعرف طريق الرب في الأرض، بحيث يشمل خلاصه الأمم.

ولكن خلال الفترة المبكرة من تاريخ إسرائيل، "‎لَمْ يَكُنْ مَلِكٌ فِي إِسْرَائِيلَ"، مما يعني "‎كُلُّ وَاحِدٍ عَمِلَ مَا حَسُنَ فِي عَيْنَيْهِ" (قضاة ٢١: ٢٥). بعبارة أخرى، دون أن يُجسِّد أحدٌ مُلك الله، فإن إسرائيل ستقع في الارتداد والتمرد باستمرار. كانت إسرائيل بحاجة إلى إخضاعها قبل أن تكون نورًا للأمم.

بمجرد تنصيب داود ملكًا على إسرائيل، أصبحت الإرسالية العظمى تكليف إلهي لملك بشري مرة أخرى. إن مزمور ٢، والذي يُستخدم على الأرجح خلال حفل تتويج ملك إسرائيل، مفيد في هذه النقطة. ففي خضم ضجيج وتأمر الأمم، يُعلن الرب: "أَمَّا أَنَا فَقَدْ مَسَحْتُ مَلِكِي عَلَى صِهْيَوْنَ جَبَلِ قُدْسِي" (الآية 6). ثم يُعلن الملك القضاء الإلهي: "قَالَ [الربُّ] لِي: «أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ. ‎اسْأَلْنِي فَأُعْطِيَكَ الأُمَمَ مِيرَاثًا لَكَ، وَأَقَاصِيَ الأَرْضِ مُلْكًا لَكَ‎»" (الآيات ٧-٨). إن كلمة ابْنِي تجذبنا مرة أخرى إلى آدم وإلى جانب آخر من لاهوت الإرسالية العظمى.

بمعنى فريد، يمكن أن يُطلق على آدم اسم "الابن البكر" لله (مولود ومخلوق). على سبيل المثال، تُعيدنا سلسلة أنساب المسيح في إنجيل لوقا إلي شيت الذي هو "ابن آدم" ثم يصل بنا إلى أن آدم "‎ابْنِ اللهِ" (لوقا ٣: ٣٨؛ انظر تكوين ٥: ١–٣). فكما كان آدم "الابن البكر" لله، فإن ميراث آدم أيضًا كبيرًا بحجم إرساليته: أي الأرض كلها — لأَنَّ له "الْبَهَائِمَ عَلَى الْجِبَالِ الأُلُوفِ" و"‎الْمَسْكُونَةَ وَمِلأَهَا" (مزمور ٥٠: ١٠، ١٢). بكلمات أخرى، امتلك آدم الحق الأصيل في التسلّط على كل الأرض وإخضاعها نيابة عن أبيه ومن أجل مجد أبيه.

مع تقدم تاريخ الفداء، أصبحت إسرائيل، إن جاز التعبير، "الابن البكر" الثاني لله. ويجدر الإشارة هنا إلى أن الرب كان محدّد جدًا في الكلمات التي كان على موسى أن ينطق بها في مواجهته الاولي مع فرعون: "هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ: إِسْرَائِيلُ ابْنِي الْبِكْرُ. فَقُلْتُ لَكَ: أَطْلِقِ ابْنِي لِيَعْبُدَنِي، فَأَبَيْتَ أَنْ تُطْلِقَهُ. هَا أَنَا أَقْتُلُ ابْنَكَ الْبِكْرَ" (خروج ٤: ٢٢-٢٣؛ انظر هوشع ١١: ١). إن الضربة الأخيرة من الله، التي تم الاحتفال بها سنويًا في عيد الفصح، من شأنها أن تدفع هذا الاعلان الأصيل إلى أعماق قلب فرعون.

بالعودة الآن إلى مزمور ٢، يُمكن اعتبار داود، بصفته رأس إسرائيل وبالوعود الإلهية (٢ صموئيل ٧: ١٤)، ابن الله بمعنى خاص، لأنه من الواضح أنه تلقّى عباءة آدم كوظيفة منصبه. من خلال مسحه ملكًا، ورث داود دور آدم باعتباره "ابن الله" وملك الأرض. يقول الله "‎أَجْعَلُهُ بِكْرًا، ‎أَعْلَى مِنْ مُلُوكِ الأَرْضِ" (مز ٨٩: ٢٧).

من المهم أن نفهم أنه فقط باعتباره ملكًا ممسوحًا نال داود الوعد بالتسلّط على الأمم وإخضاعها. كانت إرسالية داود هي نشر إرادة وملك الله على الأرض — لم يكن "أعداؤه" مجرد سياسيين أو شخصيين، بل كانوا أعداء الله، أي ملوكًا أقاموا أنفسهم وتأمروا ضد الرب ومسحيه. ولكن في الواقع، ثبت أن هدف إخضاع إسرائيل كان كافيًا تمامًا. والأسوأ من ذلك هو أن ملوك إسرائيل أنفسهم هم مَنْ قادوا خراف الله إلى الضلال الشرير والوثنية الشنيعة. فكان لا مفر من السبي.

ومع ذلك، فمن اللافت للنظر، في سياق ارتداد إسرائيل، وعد الله أن يُقيم عبدًا من نسل داود الذي لن يقود أسباط يعقوب في خروج جديد فحسب، بل سيُمنح للعالم أيضًا "نُورًا لِلأُمَمِ لِتَكُونَ خَلاَصِي إِلَى أَقْصَى الأَرْضِ" (إشعياء 49: 6). هذا الخادم نفسه، إذا أكملنا القراءة، سيتحمّل دينونة الله إذ يحمل خطايا الكثيرين، وكرئيس الكهنة المتعالي سوف "‎يَنْضِحُ أُمَمًا كَثِيرِينَ" (إشعياء ٥٢: ١٣-٥٣: ١٢؛ انظر 1 بطرس ١: ١-٢). وإذ يكفّر عن خطايا شعبه، فإن هذا المسيَّا الآتي — آدم الأخير، نسل إبراهيم، إسرائيل الحقيقي، داود الأعظم، العبد المتألم، ابن الله — سيصعد إلى الأعالي ليملك من جبل صهيون السماوي، من يمين الله الآب.

إن متي ٢٨، إذن، ما هو إلا قبول هذا الوعد بالميراث الموجود في المزمور ٢. ومع ذلك، فإن هذه الملكية هي في خدمة وظيفة الكهنوت، أي لإدخالنا إلى محضر الله من خلال الحجاب المشقوق للجسد والدم المسفوك. ومن خلال سكيب روحه، يملُك يسوع ليخضع ويجمع كل الخليقة لعبادة أبيه (١ كورنثوس ١٥: ٢٤-٢٨)، إذ يُخضعنا يومًا بعد يوم بعمق أكثر حتى يتسنى لنا أن نتعلم "تمجيد الله والتمتّع به إلى الأبد".

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

ل. مايكل مورالز
ل. مايكل مورالز
الدكتور ل. مايكل مورالز هو أستاذ الدراسات الكتابيّة في كلية جرينفيل المشيخيّة للاهوت وقس للتعليم في الكنيسة المشيخيّة بأميركا (PCA). وهو مؤلف كتاب "من يصعد إلي جبل الرب؟" (Who Shall Ascend the Mountain of the Lord).