النقاط الخمس للعقيدة
۳ يوليو ۲۰۱۹
الإسلام اليوم
۵ يوليو ۲۰۱۹

الكتاب المقدس وحده وبالإيمان وحده

في عام 2017، احتفل الكثير من الناس بمرور خمسمائة عام على الإصلاح البروتستانتي. ولكن لم يحتفل الجميع. فقد أثار البعض انتقادات حادة ضد المُصلحين وأعمالهم. يزعم البعض أن المُصلحين قاموا باستبدال السلطة الكنسيَّة بسلطة الفرد المستقلَّة. بالإضافة إلى ذلك، فإن عقيدة التبرير بالإيمان وحده كما يزعم هؤلاء النقَّاد، تصيب الأخلاق في مقتل، وعمليًّا تصبغ حياة الفسق والفجور. ويضيفون بأن كل من مارتن لوثر وجون كالفن فتحوا صندوق بندورا، وأطلقوا منه قوتين لا يستحوذان على الكنيسة فحسب، بل أيضًا شكَّلا روح العصر الحديث وهما: الفرديَّة المتطرِّفة ومذهب ضد الشريعة. إذا فهمنا الإصلاح بهذا الشكل، فالأمر يدعو للرثاء وليس للاحتفال.

تستند هذه الانتقادات على سوءِ فهم عميق للإصلاح، وخاصة سوء فهم لعقيدتين أساسيتين للإصلاح هما: الكتاب المقدس وحده (sola scriptura) وبالإيمان وحده (sola fide). ماذا كان يقصد المُصلحون عندما أعلنوا أن الكتاب المقدس هو الدستور الوحيد للإيمان والأعمال؟ وعندما أعلنوا أن الخاطئ يتبرر بالإيمان وحده، بدون أعمال الناموس؟ بنفس القدر من الأهميَّة، ما الذي لم يقصدوه عندما نادوا بهذه الأمور داخل الكنيسة؟

في كنيسة ما قبل الإصلاح، كان الكتاب المقدس معترف به على نطاق واسع كسلطة مرجعيَّة للإيمان والطاعة. لم تعلو أصوات جادة داخل الكنيسة آنذاك تتحدَّى سلطان الكتاب المقدس مثلما نجد العديد الآن داخل الكنيسة الحديثة يشكِّكون أو ينكرون وحي الكتاب المقدس وسلطانه. إذن، ضد أي أمر رفع المُصلحون أصواتهم احتجاجًا؟ بينما اعترفت كنيسة ما قبل الإصلاح بسلطان الكتاب المقدس، فقد اعترفت أيضًا بسلطات أخرى في الكنيسة على أنها مساوية للكتاب المقدس. كان التقليد الكنسي والتصريحات الرسميَّة للكنيسة معيارًا لإيمان الكنيسة وممارساتها آنذاك. من أجل ذلك، فإن عقائد مثل تبجيل مريم العذراء والقديسين، المطهر، والاستحالة أصبحت لها مكان راسخ في إيمان كنيسة الروم الكاثوليك وعبادتها. لم تبرِّر الكنيسة هذه الأمور عن طريق اللجوء للكتاب المقدس وحده، بل ولم تشعر بأي احتياج أن تقوم بذلك. فقد كانت السلطة الكنسيَّة كافية لترسِّخ هذه الأمور في حياة الكنيسة.

أكَّد المُصلحون على أن الكتاب المقدس هو السلطة المرجعية لإيمان الكنيسة وطاعتها. كما أصرُّوا بالمثل على أن الكتاب المقدس وحده هو معيار الكنيسة للإيمان والأعمال. فتعيين أي سلطات أخرى إلى جانب الكتاب المقدس هو فعليًّا انتزاع لسلطان الكتاب المقدس. كما فعل الفريسيون "أَبْطَلْتُمْ وَصِيَّةَ اللهِ بِسَبَب تَقْلِيدِكُمْ"، كذلك فعلت الكنيسة في مطلع القرن السادس عشر (متى 15: 6). قال المُصلحون إنه فقط عندما نتمسَّك بالكتاب المقدس باعتباره معيارنا الوحيد المعصوم من الخطأ للإيمان والطاعة، تصبح كلمة الله عمليًّا المعيار الفعَّال.

لكن الإصلاح لم يكن حركة تسعى لمحو أول ألف سنة ونصف من تاريخ الكنيسة. لم يرفض الإصلاح إقرارات الإيمان والمجامع الكنسيَّة تمامًا. كما لم يتجاهل اللاهوتيين العظماء الذين ساعدوا الكنيسة على فهم الكتاب المقدس بشكل أفضل. توضح نظرة سريعة على كتاب كالفن أسس الدين المسيحي هذا الأمر. لا يقتصر الأمر على اقتباس كالفن بحرية من إقرارات الكنيسة ومجامعها ومن كتابات آباء الكنيسة، ولكنه في كثير من الأحيان فعل ذلك وهو مؤيدًا لها. لم يخطِّط كالفن، ومعه المٌصلحون الآخرون، للتخلص من تاريخ الكنيسة، بل لإخضاعه لسلطان الكتاب المقدس. فالكتاب المقدس هو المعيار الوحيد المعصوم من الخطأ والذي به قيَّم المُصلحون المعتقدات الإيمانيَّة للكنيسة وممارساتها عبر تاريخها، سواء للثناء أو للنقد.

إذن، كان المُصلحون يُقدِّرون حقًا الطرق التي استخدمتها الأجيال السابقة من المؤمنين لفهم وتطبيق الكتاب المقدس. لقد بنوا على هذا التراث وتوسعوا فيه في زمنهم. كانوا لا يعتقدون بأن المؤمنين يجب أن يقرأوا الكتاب المقدس كما لو كانوا أول مَنْ يقرأه أو الوحيدين الذين قرأوه. إن محاولة القيام بذلك ستكون غير مُخلِصة للترابط والاعتماد المتبادل بين أعضاء جسد المسيح — فلا يوجد مؤمن فرد كافيًا لذاته (1 كورنثوس 12). كما سيكون ذلك تعبيرًا عن عدم الامتنان للروح القدس الذي وهب الكنيسة خدَّامًا عبر العصور مدعوين لخدمة الكلمة للقديسين (أفسس 4: 11–16). فشعار "أنا ومعي كتابي المقدس فقط" هو شعار غريب عن المُصلحين كما كان غريبًا عن كنيسة روما. لكن ما أصر عليه المُصلحون هو أن معتقدات الكنيسة، وعبادتها، وحياتها تخضع لسلطان الكتاب المقدس وحده.

عندما درس المُصلحون الكتاب المقدس بهذه الطريقة، استعادوا أحد تعاليمه الرائدة، وهو تعليم تم تشويهه تمامًا في شهادة كنيسة ما قبل الإصلاح. هذا التعليم هو أن الخاطئ يُبرر بالإيمان وحده، دون أعمال الناموس.

يُقال في بعض الأحيان إن كنيسة ما قبل الإصلاح (وكنيسة الروم الكاثوليك اليوم) تؤمن أن التبرير بالأعمال، بينما يُصرُّ المُصلحون أن التبرير بالإيمان. ولكن هذه الطريقة في طرح الأمور تسئ فهم الجدال وتسئ تقديم وجهة نظر الطرفين. في الواقع، كانت عقيدة التبرير بالإيمان تُعلَّم في جزء كبير من كنيسة ما قبل الإصلاح (وتُعلَّم في كنيسة الروم الكاثوليك اليوم). كان يُعتقد أن التبرير هو عملية مستمرة مدى الحياة تبدأ بغرس نعمة المسيح داخل الشخص في المعموديَّة. وإذ يستقبل الشخص المُعمَّد نعمة أكثر فأكثر من خلال الأسرار المقدسة للكنيسة، يتأهل للقيام بأعمال صالحة أكثر فأكثر. وبذلك يصبح بارًا في الداخل أكثر فأكثر (مُبرر). من المهم أن يستمر في استقبال هذه النعمة المقدسة للأسرار، لأن التبرير هو نعمة يمكن فقدانها، ومن خلال الأسرار المقدسة للكنيسة يمكن استعادة التبرير في حالة فقدانه كما يمكن توطيده. ولكن الإيمان بالله مطلوب خلال هذه العملية. وبما أن أغلب المؤمنين لا يكونون أبرارًا بالكامل عند موتهم، لذا يتعيَّن عليهم قضاء بعض الوقت في المطهر حتى يصبحوا أكثر برًا. فقط عندما يصير المؤمن بارًا حقيقيًّا وبالكامل سينال ما يُسمَّى بالتبرير النهائي. بهذه الطريقة، كان يُعلَّم أن الإنسان "يتبرر بالإيمان".

نادى المُصلحون بأن هذا التعليم يتناقض في العديد من النقاط مع شهادة الكتاب المقدس عن التبرير. إذ قال المُصلحون إن الكتاب المقدس يُعلِّم بأن الخاطئ يُبرَّر بالإيمان وحده. فالتبرير هو إعلان الله الحاسم الصادر بشكلٍ قضائي (أنظر رومية 5: 18؛ 8: 1، 33–34). يعلن الله أن الخاطئ مُبرَّر. فهو يغفر له كل خطاياه ويقبله ويحسبه بارًا أمامه. إن التبرير ليس تغييرًا تدريجيَّا أو تحوُّلاً يحدث داخل الإنسان. وهذا الحكم القضائي لا يصدر في يوم الدينونة بل عند بداية حياة الإيمان المسيحي. كيف يمكن أن يكون هذا؟ لأن التبرير لا يعتمد بأي حالٍ من الأحوال على أي أمر فعلناه، أو نفعله، أو سوف نفعله. إن التبرير مبني بالكامل على بر المسيح — أي على طاعته الكاملة وتكفيره التام عن الخطايا (رومية 3: 21–26؛ 5: 12–21).  لا يُغرس بر المسيح هذا داخل الخاطئ بل يُحتسب له. مثلما تم احتساب خطايانا للمسيح على الصليب، كذلك يتم احتساب بر المسيح لنا في لحظة تبريرنا (2 كورنثوس 5: 21). بالإضافة إلى ذلك، لا يُبرَّر الخاطئ بسبب الإيمان أو على أساسه. بل يُبرَّر الخاطئ من خلال الإيمان أو بواسطته. فالإيمان هو فقط الوسيلة للتبرير. حيث يستقبل الإيمان العطية المجانيَّة لبر المسيح المُحتسب لنا. لا يضيف الإيمان أي شيء ولكنه يستقبل كل شيء للتبرير. وبهذه الطريقة، يأخذ المسيح كل المجد في تبريرنا. ليس لدينا شيء في ذواتنا — ولا حتى الإيمان — لنفتخر به في تبريرنا. هذا ما فهمه المُصلحون لما يُعلِّمه الكتاب المقدس عندما قالوا إننا مُبرَّرون بالإيمان وحده.

هل يعنى هذا التعليم أن الانسان المُبرَّر له الحرية في العيش كما يشاء؟ هل أخذ رخصة إلهيَّة لينغمس في الخطية؟ أجاب المُصلحون بحسٍ واعي لمثل هذه الأسئلة بصوتٍ واحد "لا!" نحن مُبرَّرون بالإيمان وحده، بدون أعمال الناموس. ولكن هذا الإيمان سوف ينتج أعمال صالحة ويجب أن يفعل ذلك. فالإيمان هو العامل بالمحبة (غلاطية 5: 6). نحن لا نُبرَّر بأي حالٍ من الأحوال بواسطة الأعمال الصالحة، ولكننا مُبرَّرون بالإيمان الذي يُبرهن على صحته وصدقه من خلال الأعمال الصالحة. تُظهر أعمالنا الصالحة، كما تعلِّمنا رسالة يعقوب 2: 14–26، أن المؤمنون هم حقًا كما يدَّعون — أشخاص مُبرَّرون. تبيِّن الأعمال الصالحة لنا وللآخرين الفرق بين الإيمان الحقيقي المُبرِّر وبين الادِّعاء الفارغ للإيمان. إن الأعمال الصالحة لا تُبرِّرنا، ولكنها بالضرورة تسكن حياة كل شخص مُبرَّر. نحن مُبرَّرون بالإيمان وحده، ولكن ليس بإيمان وحيد (انظر إقرار إيمان وستمنستر 11: 2).

باختصارٍ، رفض المُصلحون ليس فقط الرأي القائل بأن السلطة في مسائل الإيمان والسلوك تكمن في نهاية المطاف في يد الكنيسة، بل أيضًا الرأي القائل بأن هذه السلطة تكمن في نهاية المطاف في يد الفرد. هذه السلطة هي بالأحرى الكتاب المقدس وحده. وفى رفض المُصلحون أن البشر يُبرَّرون على أساس أعمالهم الصالحة ولو بشكل جزئي، أصروا أيضًا أن البشر المُبرَّرون بالإيمان وحده يجب أن يمارسوا الأعمال الصالحة كثمر ودليل على إيمانهم المُبرِّر. أدرك المُصلحون أن الفرديَّة المتطرِّفة وحياة الفسق والفجور هي في الواقع عبوديَّة للخطية. لم يرغب المُصلحون أن يروا الناس يتحوَّلون من شكلٍ من أشكال العبوديَّة الروحيَّة إلى عبوديَّة أخرى. ولكنهم تاقوا أن يروا الرجال والنساء يتحرَّرون من الخطية، ويتحرَّرون بواسطة المسيح ولأجله من خلال إنجيل النعمة. فإن كان لهذا السبب فقط، يحق لنا أن نحتفل بالإصلاح البروتستانتي.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

جَاَيْ برِنتِس وُاتَرز
جَاَيْ برِنتِس وُاتَرز
الدكتور جَاَيْ برِنتِس وُاتَرز هو أستاذ العهد الجديد بكلية اللاهوت المُصلَحة في مدينة جاكسون، بولاية مسيسيبي، وشيخٌ للتعليم في الكنيسة المشيخيّة في أمريكا. وهو مؤلف كتاب "طريقة إدارة يسوع للكنيسة" (How Jesus Runs the Church).