المُصلِحون الحقيقيون
۲۲ مايو ۲۰۲۰
كُن جادًا مع الخطية
۲٦ مايو ۲۰۲۰

الافتخار بالرب

يحبُّ الله أن يفتخر الإنسان بهِ، ولكنه يكره أن يتفاخر الإنسان بنفسه. "مَنِ افْتَخَرَ فَلْيَفْتَخِرْ بِالرَّبِّ" (2 كورنثوس 10: 17). "وَأَمَّا مِنْ جِهَتِي، فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (غلاطية 6: 14). "تُوضَعُ عَيْنَا تَشَامُخِ الإِنْسَانِ، وَتُخْفَضُ رِفْعَةُ النَّاسِ، وَيَسْمُو الرَّبُّ وَحْدَهُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ. فَإِنَّ لِرَبِّ الْجُنُودِ يَوْمًا عَلَى كُلِّ مُتَعَظِّمٍ وَعَال، وَعَلَى كُلِّ مُرْتَفِعٍ فَيُوضَعُ" (إشعياء 2: 11-12).

هناك سببان (على الأقل) يجعلان الله يبغضُ تفاخرَ الإنسان بنفسهِ:

1) تفاخر الإنسان بنفسه يصرف انتباه الإنسان عن ينبوع فرحه ويفسد حياته. ينخدعُ الإنسان المتفاخر بنفسه فيستبدل البهاء والمجد بمرآة. لم يُخلَق الإنسان ليمجِّدَ الإنسان. لقد خُلقَ ليمجِّدَ الله، ولقد أفسد الإنسان الفرح النابع من هذا التمجيد عندما حاول أن يجد لنفسه مجدًا قدرَ مجرَّة من مجرد انعكاسٍ لصورته هو. إن الله لا يُسرّ بالخراب الذي أحدثه الإنسان بسبب تفاخره بنفسه.

2) السبب الثاني الذي يجعل الله يكره تفاخر الإنسان بنفسه هو هذا: تفاخر الإنسان بنفسه يعكسُ قناعةً بأن الإنسان أكثر روعةً من الله. وهذا، بالطبع، غير صحيح. لكننا قد نسيء الفهم إذا قلنا: "إن الله يكره الكذب ولذلك يكره التفاخر البشري لأنه كذبٌ في حد ذاته". لا. هذا ليس صحيحًا. إنَّ ما يكرهه الله هو إهانة الله وعدم إكرامه. الكذب هو إحدى الطرق التي تهين الله كإله الحق. لذا، فإن المشكلة الحقيقيَّة في تفاخر الإنسان بنفسه هي أنه يستهين بالله.

إن الافتخار بالرب، من جهةٍ أخرى، يحقق النقيض المزدوج: إنه يكرم الله ويمنح الإنسان الفرح الذي خُلِق لأجله: أي الانبهار والاعجاب بالوحيد المستحق إعجابًا لا حدود له.

لذلك من مراحم الرب أنه أبطلَ التفاخر البشري بطلانًا مزدوجًا بالطريقة التي خلَّص بها الخطاة.

أولًا، الإيمان يُبطلُ التفاخر البشري. كما شرح ذلك بولس في رسالته إلى أهل رومية قائلاً: "فَأَيْنَ الافْتِخَارُ؟ قَدِ انْتَفَى. بِأَيِّ نَامُوسٍ؟ أَبِنَامُوسِ الأَعْمَالِ؟ كَلاَّ. بَلْ بِنَامُوسِ الإِيمَانِ" (3: 27). لماذا يُبطل الإيمانُ الافتخارَ؟ السبب ليس فقط أن الإيمان هو عطية من الله، مع أنه كذلك بالفعل. فكل ثمر الروح عطايا من الله. ومع ذلك ليس جميعها تُبطل التفاخر بنفس الطريقة التي يقوم بها الإيمان. فالإيمان فريدٌ بين جميع أفعال النفس البشريَّة. إنه الفعل الأكثر ضعفًا وعجزًا، وقلة حيلة. إنّه اعتماديٌّ تمامًا على شخص أخر. وكأنَّ الإيمان فعلٌ لعدم الفعل.

ما أعنيه بذلك هو أن النفس البشريَّة لديها رغبة لطلب المساعدة دون توقُّع أن تلك الرغبة جيدة بما يكفي لنوال تلك المساعدة، وإن كان الإيمان دافع تلك الرغبة. من بين كل أفعال النفس البشريَّة، فإنّ الإيمان فريد من نوعه. وحيث أن النفس البشريَّة مُفلسةٌ، فالإيمان ليس فضيلة. بل هي تنشد الفضيلة في آخر مغاير لها. ونفس الأمر من جهة الحكمة، والقوة. إن النفس البشريَّة انقياديَّة واعتماديَّة بطبيعتها. لذلك، لا فخر لها في ذاتها، لأنها غير قادرة ولا حتى أن تنظر إلى نفسها. إنها نوع من الأشياء التي ليس لها "ذات". وفور قيام النفس البشريَّة بفعلها الفريد، فإنه يُنسَب لآخر؛ ذاك الذي تستمد منه واقعها.

ثانيًا، الاختيار الإلهي يُبطل الافتخار: "بَلِ اخْتَارَ اللهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ وَاخْتَارَ اللهُ ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ وَاخْتَارَ اللهُ أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى وَغَيْرَ الْمَوْجُودِ لِيُبْطِلَ الْمَوْجُودَ لِكَيْ لاَ يَفْتَخِرَ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَمَامَهُ" (1 كورنثوس 1: 27-29).

قصد الاختيار الإلهي أن يُبطل الافتخار. الفكرة هنا هي أن الله لم يخترْ البشر بناءً على أي ميزة فينا تعطينا الحق في التفاخر. في الواقع، توضح رسالة رومية 9: 11 أن الاختيار الإلهي يجعل قصد الله الخلاصي يعتمد تمامًا على الله وحده، وليس على أي فعل للنفس البشريَّة: "لأَنَّهُ وَهُمَا [يعقوب وعيسو] لَمْ يُولَدَا بَعْدُ، وَلاَ فَعَلاَ خَيْرًا أَوْ شَرًّا، لِكَيْ يَثْبُتَ قَصْدُ اللهِ حَسَبَ الاخْتِيَارِ، لَيْسَ مِنَ الأَعْمَالِ بَلْ مِنَ الَّذِي يَدْعُو [الله اختار يعقوب وليس عيسو]". المقابل هنا للإيمان ليس الأعمال بل "الَّذِي يَدْعُو". يعتمد الاختيار الإلهي على الله وحده. يقرر الله مَن سيؤمن ومَن سيخلص دون استحقاق.

لذلك، دعونا نُبعد نظرنا عن أنفسنا وعن كل مساعدة بشريَّة. ولنتوقَّف عن كل افتخار بالإنسان وبالإنجازات البشريَّة، ولنفتخر بالرب وحده.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

جون بايبر
جون بايبر
الدكتور جون بايبر هو مؤسِّس ومُعلِّم في هيئة "الاشتياق إلى الله" (Desiring God) ورئيس جامعة وكلية لاهوت بيت لحم (Bethlehem College and Seminary) في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا. وهو مؤلف العديد من الكتب، بما في ذلك "عندما لا أشتاق إلى الله" (When I Don’t Desire God) و"الحياة في النور" (Living in the Light).