التوليب واللاهوت المُصلَح: الفساد الكلي
۹ ديسمبر ۲۰۱۹
هل التعيين المُسبَق المزدوج كتابي؟
۱۲ ديسمبر ۲۰۱۹

لماذا أسس يسوع العشاء الرباني في عيد الفصح؟

في بداية سفر الخروج، كان شعب إسرائيل يعيش في مصر لمدة تزيد عن أربعمئة عام (انظر خروج 12: 40). كانوا مستعبدين تحت سلطة الفرعون القامعة. تصف الأصحاحات الأولى من سفر الخروج دعوة موسى أن يكون هو الشخص الذي يقود شعب الله خروجًا من العبوديَّة في مصر. جاء موسى أمام الفرعون مطالبًا أن يُسمح لشعب إسرائيل أن يخرجوا ليعبدوا الرب، ولكن الفرعون رفض ذلك. فأرسل الله سلسلة من الضربات متزايدة الشدة على مصر. إن عناد فرعون أمام الضربات التسعة الأولى نتج عنه إعلان الله عن الضربة الأخيرة التي أدَّت إلى فداء إسرائيل من العبوديَّة. حذَّر الله أنه سيسير في وسط مصر وأن كل بكر في الأرض سيموت. في سياق هذا التحذير الخاص بالضربة الأخيرة نرى إرشادات الله المختصة بالفصح في سفر خروج أصحاح 12.

بدأ الله بتصريح يشير إلى أن الفصح والخروج سوف يمثِّلان بداية جديدة لشعب إسرائيل. سيكون شهر أبيب (أواخر شهر مارس ومطلع شهر أبريل) هو الشهر الأول من العام لشعب الله. يؤكِّد هذا على حقيقة أن الخروج من مصر هو حدث رئيسي، نقطة تحول، في تاريخ الفداء. يعد هذا الحدث محوري جدًا حتى أنه منذ تلك اللحظة فصاعدًا يُصف الله في كثير من الأحيان بالإشارة إلى الخروج (مثال: خروج 20: 2؛ لاويين 11: 45؛ عدد 15: 41؛ تثنية 5: 6؛ يشوع 24: 17؛ قضاة 6: 8؛ 1 صموئيل 10: 18؛ 2 ملوك 17: 36؛ مزمور 81: 10؛ إرميا 11: 4؛ دانيال 9: 15؛ هوشع 11: 1؛ عاموس 2: 10). يُصف الله على أنه الشخص الذي فدي شعبه من العبوديَّة.

في السنوات اللاحقة، اشتمل حفظ عيد الفصح على الكهنوت (قارن تثنية 16: 5-7)، ولكن في ليلة الفصح الأصلية، وقعت مسؤوليَّة هذا الطقس على رب الأسرة. أمر الله رب كل أسرة أن يأخذ حمل ذكر ابن سنة وبلا عيب. يجب أن هذا الحمل البديل رمزًا للكمال. وهو بهذا يكون ظلًا لحمل الله الحقيقي، أي يسوع المسيح، الذي كان فريدًا بلا عيب (انظر 1 بطرس 1: 19). عند مغيب الشمس، تم ذبح الحمل لكل بيت.

ثم أعلن الرب ما يجب على شعب إسرائيل فعله بالحمل المذبوح ولماذا يجب أن يفعلوا هذا. على كل رب أسرة أن يأخذ دم الحمل ويضعه على العتبة العليا والقائمتين. أوضح الله أن الدم سيكون علامة. فحين يرى الدم على الباب يعبر عن البيت، وسينجو الابن البكر فيه من الدينونة القادمة التي ستقع على مصر. بعد ذبح الحملان على يد رب البيت، تُشوى وتُؤكل والناس يرتدون ملابسهم ومستعدون للرحيل في غضون لحظات. وبما أن الفصح هو "ذبيحة" (قارن خروج 12: 27؛ 34: 25؛ تثنية 16: 2)، فإن أكل الحمل هو وليمة ذبيحة مثل تلك المرتبطة بذبائح السلامة الموصوفة في سفر اللاويين الأصحاحين 3 و7. في تلك الولائم يُقدم جسم الذبيحة للمؤمنين ليأكلوه بعد تقديم الذبيحة (لاويين 7: 15).

في خروج 12: 14-20، أعلن الله عن الطريقة التي يجب بها على الأجيال القادمة من شعب إسرائيل أن يقيموا الفصح. يجب أن يتم إحياء ذكرى الخروج من مصر عن طريق عيد الفطير غير المختمر الذي يستمر لمدة سبعة أيام، والذي يبدأ بإقامة الفصح. يجب أن يتذكر الشعب دائمًا عبوديتهم في مصر وعمل فداء الله لتحريرهم من العبوديَّة. لذلك، يجب حفظ الفصح عبر أجيالهم.

يحتوي خروج 12: 21- 28 على إرشادات موسى للشعب فيما يختص بالفصح واستجابة الشعب. أمر موسى الشعب أن يضعوا العلامة على الأبواب باستخدام الزوفا، وهو نبات يستخدم لاحقًا في العديد من طقوس التطهير المختلفة (قارن لاويين 14: 49-52؛ عدد 19: 18-19). على الرغم من أن بعض علماء اللاهوت قد أنكروا أن الفصح هو ذبيحة، إلا أن موسى أشار إليه هكذا في خروج 12: 27. وعلى الرغم من عدم ذكر خطية معينة، إلا أن دم الحمل أزال غضب الله. هنا أيضًا نرى أن الفصح ينبئ بعمل المسيح الفدائي (1 كورنثوس 5: 7). أتت الضربة العاشرة والأخيرة على مصر تمامًا كما حذر الله من خلال موسى وهارون، ومات كل بكر عبر أرض مصر. فقط من تغطُّوا بدم الحمل حُفظت حياتهم. نتيجة لهذه الضربة الأخيرة، ندم فرعون وأمر موسى وبني إسرائيل أخيرًا بالرحيل. تُوصف بداية الخروج من مصر في خروج 12: 33-42. أصبح سبب إرشادات الله أن يستعدوا للرحيل في عجالة الآن واضحًا. أراد المصريون أن يخرج شعب إسرائيل على الفور وطلبوا منهم الرحيل. نهب شعب إسرائيل المصريين من فضتهم وذهبهم، وبعد 430 عامًا، بدأوا رحلة الخروج من مصر نحو أرض الموعد.

يكشف استعراضنا المختصر لسفر الخروج أصحاح 12 عن العديد من الحقائق الهامة عن الفصح. ميَّز دم حمل الفصح بين شعب الله وبين المصريين غير المؤمنين، وكان حفظ الفصح علامة الإيمان بالله. كما كان الفصح أيضًا علامة على فداء إسرائيل من العبوديَّة في مصر. كان ذكرى ميلادها كأمة. عبر كل أجيال إسرائيل، كان الفصح بمثابة ذكرى لعمل الله الفدائي العظيم. وكان أيضًا فرصة للتعليم للآباء من بني إسرائيل، حيث شرحوا أهميته لأولادهم.

في الأسفار النبويَّة اللاحقة في العهد القديم، يُنظر إلى الفصح على أنه عمل الفداء النموذجي. فحين تطلَّع الأنبياء إلى عمل الفداء الإلهي في المستقبل، قارنوه بالخروج الأصلي وتحدثوا عنه على أنه خروج جديد وأعظم. نرى مثل هذا الاستخدام مثلاً في إشعياء 52: 11-12، حيث أمر الله إسرائيل بالخروج من بابل مستخدمًا تعبيرات تذكِّرنا بتلك المستخدمة في سياق الخروج الأصلي من أرض مصر. في ختام العهد القديم، كان شعب إسرائيل يتطلَّع إلى خروجٍ جديد وأعظم.

في بداية الأناجيل، ليست من قبيل الصدفة أن نرى العديد من أوجه الشبه بين يسوع وموسى وبين يسوع وشعب إسرائيل. حتى أن يسوع أُخذ إلى مصر ليعود بعد موت هيرودس. قيل إن هذا حدث: "لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ الْقَائِل: «مِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْني»" (متى 2: 15). إن أمر هيرودس بقتل كل الأطفال الذكور في بيت لحم هو صدى شنيع لأمر فرعون بقتل كل الأطفال الذكور من شعب إسرائيل (متى 2: 16؛ قارن خروج 1: 15-22). يقدِّم المفسرون المزيد من أوجه شبه، ولكن الهدف من أوجه الشبه هو إبلاغ القارئ أن وقت الفداء الذي طال انتظاره قد حل بالفعل. اقترب الخروج الجديد الذي تم التنبؤ به.

لماذا إذن أسس يسوع فريضة العشاء الرباني في ليلة عيد الفصح قبل صلبه؟ أولاً، لأنه هو تحقيق لكل ما أشار إليه حمل الفصح. إن دمه، دم العهد الجديد، يحوِّل غضب الله عمَّن يؤمنون به. ثانيًا، لأن العشاء الأخير كان في ليلة عمل عهد الفداء العظيم الذي تم التنبؤ به — أي عمل الفداء الموعود به الذي وصفه الأنبياء بتعبيرات الخروج الجديد — وكما سبق الخروج الأول تأسيس الفصح، فإن الخروج الجديد الأعظم سبقه تأسيس العشاء الرباني. أسس يسوع فريضة العشاء الرباني في تلك الليلة ليشير إلى أن هذا الخروج الجديد كان على وشك البدء. أشار هذا الفعل إلى أن وقت الفداء قد حان.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

كيث ماثيسون
كيث ماثيسون
الدكتور كيث ماثيسون هو أستاذ علم اللاهوت النظامي في كليَّة الإصلاح للكتاب المقدس (Reformation Bible College) بمدينة سانفورد في ولاية فلوريدا، وهو مُؤلِّف للعديد من الكتب، بما في ذلك "العشاء الرباني: إجابات على الأسئلة الشائعة" (The Lord’s Supper: Answers to Common Questions).