جوهر الحياة الكالفينية
۱۵ يناير ۲۰۲۰
التوليب واللاهوت المُصلَح: الكفارة المحدودة
۲۷ يناير ۲۰۲۰

ما هو العشاء الرباني؟

هل لاحظت من قبل غرابة العشاء الرباني؟ لقد حضر الكثير منا الكنيسة لسنوات عديدة حتى أصبح هذا الأمر الذي نقوم به كل أسبوع أو كل شهر روتينيًّا إلى حد ما. فلم تعد تدهشنا غرابته. ولكن خذ خطوة للوراء وتخيَّل كيف يبدو الأمر لشخص يحضر الكنيسة للمرة الأولى. تخيَّل كيف يبدو هذا الأمر لطفل. مع وجود بعض الاختلافات بين الكنائس في تفاصيل خدمة العشاء الرباني، فإن أعضاء الكنيسة يتناولون الخبز، والذي يأكلونه بطريقة طقسيَّة بعد أن يكرِّر القس كلمات الرب يسوع: "هذَا هُوَ جَسَدِي". ثم يتناولون الخمر (أو عصير العنب)، الذي يشربونه بطريقة طقسيَّة بعد أن يكرِّر القس كلمات الرب يسوع: "هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي". ما الذي يحدث هنا؟ ما هو العشاء الرباني؟

توقَّع الكتاب المقدس أن الفرائض المقدسة التي أسَّسها الله ستثير أسئلة بين المؤمنين. عندما أُقيمَ الفصح، على سبيل المثال، قال موسى: "وَيَكُونُ حِينَ يَقُولُ لَكُمْ أَوْلاَدُكُمْ: مَا هذِهِ الْخِدْمَةُ لَكُمْ؟ أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: هِيَ ذَبِيحَةُ فِصْحٍ لِلرَّبِّ الَّذِي عَبَرَ عَنْ بُيُوتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي مِصْرَ لَمَّا ضَرَبَ الْمِصْرِيِّينَ وَخَلَّصَ بُيُوتَنَا" (خروج 12: 26-27). عرف الرب أن الفصح سيتطلَّب شرحًا. وكان يعلم أن أطفال شعب إسرائيل سيتساءلون عن معنى الطقوس. يجب ألا نتوقع أمرًا مختلفًا فيما يتعلَّق بأطفالنا والعشاء الرباني. لكن هل نعرف كيف نجيب على مثل هذه الأسئلة؟ ماذا نجيب عندما يسأل أطفالنا: "مَا هذِهِ الْخِدْمَةُ لَكُمْ؟"

درس المسيحيُّون في التقليد المُصلَح الكتاب المقدس على نطاق واسع من أجل الإجابة على مثل هذه الأسئلة. توجد نتائج هذه الدراسة في إقرارات الإيمان المُصلَحة وأدلة الأسئلة والأجوبة. يقدِّم دليل أسئلة وأجوبة وستمنستر المُفصَّل، على سبيل المثال، إجابة موجزة على سؤال: "ما هو العشاء الرباني؟" "إن العشاء الرباني هو فريضة مقدسة في العهد الجديد، الذي فيه، بتقديم وتناول الخبز والخمر حسب ما عيَّنه يسوع المسيح، يظهر موته؛ ومَن يشتركون باستحقاق يتغذون على جسده ودمه، لغذائهم الروحي ونموهم في النعمة؛ ويترسَّخ اتحادهم فيه وشركتهم معه؛ ويشهدون ويجدِّدون امتنانهم، وانتمائهم لله، ومحبتهم المتبادلة وشركتهم مع بعضهم البعض، كأعضاء في الجسد الروحي الواحد" (دليل أسئلة وأجوبة وستمنستر المُفصَّل 168). يكشف هذا التعريف عن مدى تداخل عقيدة العشاء الرباني مع العقائد المسيحيَّة الأخرى. في دليل الأسئلة والأجوبة هذا وحده، يوجد 167 سؤالاً وإجابة قبل أن نصل للعشاء الرباني، والكثير مما تم شرحه في الأسئلة السابقة يُفترض هنا. لذلك من المهم أن نعرف أن إجابتنا على السؤال: "ما هو العشاء الرباني؟" لا يمكن فهمها بمعزل عن العقائد المسيحيَّة الأخرى. لا يمكن فهم عقيدة العشاء الرباني المُصلَحة تمامًا دون جانب من فهم العقيدة عن الله، والكتاب المقدس، والخطية، والخلاص، والتجسُّد، والكنيسة، وغيرها.

نرى في إجابة دليل الأسئلة والأجوبة، على سبيل المثال، أن العشاء الرباني هو فريضة (سر) مقدسة. ولكن هذه الإجابة ليست مفيدة إن لم تكن لدينا فكرة عن طبيعة السر المقدس. تظهر مشاكل إضافيَّة لأن الكثيرين ممن يسمعون كلمة سر يربطوها بالتصوُّف أو الطقسيَّة السريَّة. يربطها البعض بكنيسة روما الكاثوليكيَّة ولا يمكنهم تخيُّل سبب استمرار الكنيسة البروتستانتيَّة في استخدام مثل هذا المصطلح الذي يحمل الكثير من المعاني. هناك خوف من أن استخدام الكلمة قد يسمح بدخول أنف الجمل إلى الخيمة، وإن دخلت أنف الجمل فسريعًا سيتبعها الجمل.

هذا سبب من الأسباب الذي يجعل دراسة الإصلاح وإقرارات الإيمان المُصلَحة مفيدة بشكل كبير. لم يكن لدى المُصلحين خوف من كلمة سر ولم يزعجهم الاستمرار في استخدامها، وكانوا يعرفون، أفضل من أي شخص اليوم، مخاطر كنيسة روما الكاثوليكيَّة في أواخر العصور الوسطى. علاوة على ذلك، لم يكن لدى الكنائس المُصلَحة للأجيال التالية خوف من الكلمة. تقريبًا كل إقرار إيمان مُصلَح من القرن السادس عشر والسابع عشر يحتوي على فصل بعنوان "حول الأسرار"، وقد استخدم اللاهوتيُّون المُصلحون الكلمة لعدة قرون. طالما أننا نعرِّفها بعناية، فهي كلمة مناسبة تمامًا. كيف إذن يتم تعريف كلمة سر؟ يفيدنا دليل أسئلة وأجوبة وستمنستر المُفصَّل مرة أخرى، إذ يشرح أن السر هو "فريضة مقدسة أسَّسها المسيح في كنيسته، للإشارة إلى بركات وساطته، وختمها، وإظهارها لمن هم داخل عهد النعمة، وذلك لتقوية وزيادة إيمانهم؛ وكل البركات الأخرى؛ ولإلزامهم بالطاعة؛ وليشهدوا ويعتزوا بمحبتهم وشركتهم مع بعضهم البعض؛ وليميزهم عمَّن هم في الخارج" (دليل أسئلة وأجوبة وستمنستر المُفصَّل 162). يمضي دليل الأسئلة والأجوبة في شرح أن للأسرار وجهين: علامة خارجيَّة مرئيَّة والحقيقة الروحيَّة التي تشير إليها العلامة (دليل أسئلة وأجوبة وستمنستر المُفصَّل 163). تُعلِّم الكنائس المُصلَحة أنه لا يوجد سوى اثنين فقط من الأسرار التي أسَّسها يسوع المسيح في ظل العهد الجديد: المعمودية والعشاء الرباني.

العشاء الرباني هو فريضة مقدسة في العهد الجديد، أسَّسها يسوع المسيح في العلية في الليلة التي أُسلم فيها (متى 26: 26-29؛ مرقس 14: 22-25؛ لوقا 22: 14-23؛ 1 كورنثوس 11: 23-26). ولأن العشاء الرباني سر، فهو يشير، ويختم، ويظهر للمؤمنين المتناولين منه "بركات وساطته [أي وساطة المسيح]".

ما الذي نقصده عندما نقول إن العشاء الرباني يشير، ويختم، ويظهر بركات وساطة المسيح؟ دعونا ننظر أولاً إلى كلمة يشير. للأسرار وجهين: علامة خارجيَّة مرئيَّة وواقع تشير إليه هذه العلامة. في العشاء الرباني، العلامة الخارجيَّة المرئيَّة هي تقديم وتناول الخبز والخمر. يشير الخبز والخمر إلى المسيح المصلوب وبركاته (إقرار إيمان وستمنستر 29: 5، 7). وبشكل أكثر تحديدًا، فإن الخبز هو علامة على جسد المسيح، والخمر هو علامة على دمه (متى 26: 26-28؛ 1 كورنثوس 10: 16). في أيامنا هذه، عندما نسمع كلمة علامة، عادة نفكر في العلامات الإرشاديَّة التي على الطريق والتي تنقل لنا معلومات أو رمزًا مثل رمز الجنيه (#، والتي تعرف الآن باسم هاشتاج). هذا ليس بالضبط المقصود عندما نشير إلى الخبز والخمر كعلامات على جسد ودم المسيح المصلوب، لأنه في العشاء الرباني هناك "علاقة روحيّة، أو اتحاد سري، بين العلامة والشيء المشار إليه" (إقرار إيمان وستمنستر 27: 2). بسبب الاتحاد السري، فإن العلامة السريَّة تتميَّز عمَّا تشير له، ولكنها غير منفصلة عنه. سنعود إلى فكرة الاتحاد السري مرارًا وتكرارًا، لذلك من المهم أن نضعها في الاعتبار.

ما معنى أن نقول إن العشاء الرباني "يختم" بركات وساطة المسيح؟ يتحدث بولس في رومية 4: 11 عن ختان إبراهيم أنه: "خَتْمًا لِبِرِّ الإِيمَانِ الَّذِي كَانَ فِي الْغُرْلَةِ". يشير السياق إلى أن الختان كان بمثابة ختم بمعنى أنه أكَّد حقيقة الشيء المُشار إليه، أي البر الذي كان لإبراهيم بالإيمان. فالختان صادق عليه. وبالمثل، فإن العشاء الرباني هو ختم بمعنى أنه يؤكِّد ويصادق على وعد الله فيما يختص بحقيقة البركات التي ينالها مَن يتناولون من العشاء بالإيمان. فهو يشير إلى أن العشاء ليس مجرد طقس فارغ. مَن يتناولون بالإيمان يطمئنون أنهم بالفعل "يتغذون على جسده ودمه، لغذائهم الروحي ونموهم في النعمة؛ ويترسَّخ اتحادهم فيه وشركتهم معه؛ ويشهدون ويجدِّدون امتنانهم، وانتمائهم لله، ومحبتهم المتبادلة وشركتهم مع بعضهم البعض، كأعضاء في الجسد الروحي الواحد" (دليل أسئلة وأجوبة وستمنستر المُفصَّل 168).

أخيرًا، ما المقصود بكلمة يظهر؟ ما معنى أن نقول إن العشاء الرباني يظهر بركات وساطة المسيح؟ مرة أخر ى يقدِّم إقرار إيمان وستمنستر المكان المفيد للبدء في التفكير في إجابة هذا السؤال: "إن النعمة الظاهرة في الأسرار أو بواسطتها حين تُستخدم على نحو صحيح، لا تُمنح بواسطة أية قوة فيها؛ كما أن فاعليّة السر لا تعتمد على تقوى أو نيّة ذاك الذي يمنحها: بل على عمل الروح، وكلمة تأسيس السر، التي تتضمن، بالإضافة إلى إقرار يجيز استخدامه، وعدًا بالفائدة للمتلقّين باستحقاق" (إقرار إيمان وستمنستر 27: 3). تعني كلمة "ظاهرة" العرض. فبركات المسيح تظهر حقًا للمؤمنين في هذا السر. يشرح إقرار الإيمان هنا ما لا يعنيه هذا. القول بإن العشاء الرباني يظهر بركات وساطة المسيح لا يعني أن الخبز والخمر لهما أي قوة في حد ذاتها. علاوة على ذلك، فإن إظهار البركات لا يعتمد على قداسة القسيس أو نيَّته. بل ذلك يعتمد فقط على عمل الروح ووعد الله الموجود في كلمات تأسيس الفريضة.

ما هي البركات الفعليَّة إذن؟ ما الذي يحدث فعليًّا بقوة الروح القدس بحسب وعد الله؟ يقول إقرار إيمان وستمنستر: "إن المتناولين باستحقاق، المشتركين خارجيًّا في العنصرين المنظورين، في هذا السر، هم حينئذ أيضًا، داخليًّا بالإيمان، حقًا وفعلًا، مع ذلك ليس جسديًّا وماديًّا، بل روحيًّا، يتناولون المسيح مصلوبًا، ويتغذّون به، وبكل امتيازات موته: إذ أن جسد ودم المسيح، ليسا جسديًّا ولا ماديًّا في الخبز والخمر، ولا معهما، ولا تحتهما؛ مع ذلك، حقيقيًّا، إنما روحيًّا، حاضران لإيمان المؤمنين في تلك الفريضة، كما أن العنصرين نفسهما هما حاضران لحواسهم الخارجيّة" (إقرار إيمان وستمنستر 29: 7). يشير إقرار الإيمان إلى توازٍ بين ما يحدث "خارجيًّا" وما يحدث "داخليًّا".

ومن الجدير فحص الجمل الأساسيَّة قبل النظر إلى الجمل الوصفيَّة حتى لا تضيع منا النقاط الأساسيَّة. بحسب إقرار الإيمان، فإن المتناولين باستحقاق، أي، من لديهم الإيمان، والذين يشتركون في العناصر المرئيَّة (الخبز والخمر) "حقًا وفعلًا ... يتناولون المسيح مصلوبًا، ويتغذّون به، وبكل امتيازات موته". إن "جسد ودم المسيح" حاضران "لإيمان المؤمنين" مثل وجود عنصري الخبز والخمر "لحواسهم الخارجيّة". يستمر التميز بين الخارجي والداخلي طوال الفقرة بأكملها.

من الواضح أن إقرار الإيمان يهدف لتوضيح أنه لا يجب أن يُفهم هذا بمعنى مادي حرفي. فإن المؤمنين "حقًا وفعلًا، ... يتناولون المسيح مصلوبًا" ولكن "ليس جسديًّا ولا ماديًّا". يحدث هذا روحيًّا لأن جسد المسيح ودمه حاضران لإيمان المؤمنين وليس ماديًّا أو جسديًّا "في الخبز والخمر، ولا معهما، ولا تحتهما". كما يقول دليل أسئلة وأجوبة وستمنستر المُفصَّل: "المشتركون باستحقاق في سر العشاء الرباني، يتغذون بهذا على جسد المسيح ودمه، ليس جسديًّا وماديًّا، بل بطريقة روحيَّة؛ ومع ذلك حقًا وفعلاً، بينما بالإيمان يستقبلون المسيح مصلوبًا ويطبقونه على حياتهم، مع كل امتيازات موته" (دليل أسئلة وأجوبة وستمنستر المُفصَّل 170).

تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

كيث ماثيسون
كيث ماثيسون
الدكتور كيث ماثيسون هو أستاذ علم اللاهوت النظامي في كليَّة الإصلاح للكتاب المقدس (Reformation Bible College) بمدينة سانفورد في ولاية فلوريدا، وهو مُؤلِّف للعديد من الكتب، بما في ذلك "العشاء الرباني: إجابات على الأسئلة الشائعة" (The Lord’s Supper: Answers to Common Questions).