مثال توضيحي للتوبة
۱۰ يونيو ۲۰۲۰
هل يقرع الرب يسوع على قلب غير المؤمن؟
۲۳ يونيو ۲۰۲۰

ما هو ملكوت الله؟

لنفترض أن أحدهم طرح عليك هذا السؤال: ما هو ملكوت الله؟ كيف ستُجيب؟ الجواب السهل هو أن نقول إن الملكوت أو المملكة هي المنطقة التي يملك عليها الملك. وبما أننا ندرك أن الله هو خالق كل شيء، فإن نطاق مملكته يجب أن يكون العالم كله. فمن الواضح، إذن، أن ملكوت الله هو حيثما يسود الله ويملك، وبما أنَّه يملك في كل مكان، فإن ملكوت الله في كل مكان.

ولكن أعتقد أن قس كنيستي كان يقصد معنى آخر. من المؤكَّد أن العهد الجديد يقصد شيئًا آخر. نري هذا عندما خرج يوحنا المعمدان من البريَّة بإعلانه العاجل: "تُوبُوا، لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ". نراه مره أخرى عندما ظهر يسوع في المشهد بنفس التصريح. إن كان ملكوت الله يتضمَّن كل الكون الذي يسوده الله، فلماذا يُعلن أي شخص أن ملكوت الله قد اقترب أو على وشك التحقيق. من الواضح أن يوحنا المعمدان والرب يسوع يقصدان ما هو أكثر من هذا المفهوم لملكوت الله.

في لُب هذا الموضوع نجد فكرة ملكوت الله المسياني. وهو ملكوت سيحكمه المسيَّا المُعيَّن من قبل الله، الذي لن يكون مجرَّد فادٍ لشعبه، بل ملكهم. لذلك عندما تحدَّث يوحنا عن القرب الشديد لهذا الاختراق، أي وصول ملكوت الله، فهو تحدَّث عن ملكوت المسيَّا.

في نهاية حياة الرب يسوع، وهو على وشك مغادرة هذه الأرض، أُتيحَت لتلاميذه فرصة طرح سؤال أخير عليه. فسألوه: "يَا رَبُّ، هَلْ فِي هذَا الْوَقْتِ تَرُدُّ الْمُلْكَ إِلَى إِسْرَائِيلَ؟" (أعمال الرسل 1: 6 ب). يمكنني بسهولة أن أتخيَّل إن المسيح ربما أُحبِط إلى حدٍّ ما من هذا السؤال. وكنت أتوقَّع منه أن يجيب قائلًا: "كم من مرة يجب أن أخبركم أنني لن أعيد المُلْك إلى إسرائيل؟" ولكن هذا ليس ما قاله؛ بل أجاب بصبر ولطف. فقال: "لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ وَالأَوْقَاتَ الَّتِي جَعَلَهَا الآبُ فِي سُلْطَانِهِ، لكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ" (أعمال الرسل 1: 7-8). ماذا كان يقصد؟ وما الذي يهدف إليه بهذا القول؟

عندما قال المسيح لبيلاطس: "مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ"، هل كان يشير إلى أن مملكته شيء روحاني يحدث في قلوبنا أم أنه كان يتحدَّث عن شيء آخر؟ إن العهد القديم كله لم يدعو إلى ملكوت سيظهر ببساطه في قلوب الناس، ولكن إلى ملكوت سوف يخترق هذا العالم، مملكة يحكم فيها المسيَّا الممسوح من الله. لهذا السبب، خلال خدمته الأرضيَّة، قال يسوع عبارات مثل: "إِنْ كُنْتُ بِأَصْبعِ اللهِ أُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ، فَقَدْ أَقْبَلَ عَلَيْكُمْ مَلَكُوتُ اللهِ" (لوقا 11: 20). وبالمثل، عندما أرسل يسوع ٧٠ تلميذًا في إرساليَّة للوعظ والكرازة، أمرهم أن يقولوا للمدن غير التائبة: "اعْلَمُوا هذَا إنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مِنْكُمْ مَلَكُوتُ اللهِ" (لوقا 10: 11 ب). كيف يمكن للملكوت أن يُقبِل على شعبٍ أو تقترب منهم؟ كان ملكوت الله قريب منهم لأن ملك المملكة (الملكوت) قد أتى. عندما جاء المسيح، أسَّس ملكوت الله. لم يكمله بعد، ولكنَّه قد بدأه. وعندما صعد إلى السماء، ذهب إلى هناك لتتويجه ملكًا، حيث تم تنصيبه ملك الملوك ورب الأرباب.

لذا فان مُلك المسيح ليس شيئًا سيحدث في المستقبل. المسيح ملك في هذه اللحظة. وهو على العرش في أسمى وأعظم سلطة في الكون. فقد دُفِعَ لابن الله الممسوح بالروح القدس كل سلطان في السماء وعلى الأرض (متى 28: 18).

في ١٩٩٠، دُعيت إلى أوروبا الشرقيَّة لإلقاء سلسلة من المحاضرات في ثلاث دول، أولاً في تشيكوسلوفاكيا، ثم في المجر، وأخيرًا في رومانيا. أثناء مغادرتنا المجر، تم تحذيرنا من أن حرس الحدود في رومانيا مُعادون تمامًا للأميركيِّين وأننا يجب أن نكون مستعدين لمواجهة بعض الضيقات منهم وربما حتى الاعتقال عند الحدود.

وبالفعل، عندما وصل قطارنا المتهالك إلى حدود رومانيا، اقترب منَّا اثنان من حرس الحدود. لم يمكنهم التحدُّث باللغة الإنجليزيَّة، لكنهم أشاروا إلى جوازات سفرنا، ثم أشاروا إلى أمتعتنا. أرادوا منَّا أن ننزل حقائبنا من رف الأمتعة ونفتحها لهم، وكانوا يتعاملون معنا بشدة وخشونة للغاية. ثمَّ فجأة ظهر رئيسهم، وهو ضابط قوي البنية يتحدَّث بعض الإنجليزيَّة الضعيفة. ولاحظ أن إحدى النساء في مجموعتنا كان مُمسكة بحقيبة ورقيَّة، وكان هناك شيء خارجًا منها. فسأل الضابط: "ما هذا؟ ماذا في الحقيبة؟ ثم فتح الحقيبة وأخرج منها الكتاب المقدس. ففكَّرت: "آه، نحن الآن في مشكلة". بدأ الضابط يتصفَّح الكتاب المقدس، وينظر عبر الصفحات بسرعة شديدة. ثم توقَّف ونظر في وجهي. كنت أحمل جواز سفري الأمريكي، فقال لي: "أنت لست أمريكيًّا". ونظر إلى زوجتي فيستا وقال: "أنتِ لست أمريكيَّة". قال نفس الشيء للآخرين في مجموعتنا. ثم ابتسم وقال: "أنا لست رومانيًّا".

وهنا كنَّا مرتبكين تمامًا، لكنه أشار إلى نص في الكتاب المقدس، وأعطاه لي، وقال: " أقرا ما يقوله". نظرت إلى النص وكان مكتوب: "فَإِنَّ سِيرَتَنَا [جنسيتنا] نَحْنُ هِيَ فِي السَّمَاوَاتِ" (فيلبي ٣: ٢٠ أ). كان الضابط مسيحيًّا. ثم التفت إلى مرؤوسيه وقال: "دع هؤلاء الناس وشأنهم. إنهم على ما يُرام. فهم مسيحيُّون". وكما يمكنك أن تتخيَّل، قلت: "شكرًا لك يا رب". لقد فهم هذا الرجل شيئًا عن ملكوت الله — وهو أن الموطن الأول للجنسيَّة هو في ملكوت الله.

لقد واجهت أزمة في هذا الأمر في السنة الأخيرة لدراستي في كلية اللاهوت، حيث كنت قسًا طالبًا في كنيسة اللاجئين من المجر في غرب ولاية بنسلفانيا. كانت الكنيسة مجموعة صغيرة من حوالي ١٠٠ شخص، والكثير منهم لا يتحدَّثون اللغة الإنجليزيَّة. تبرَّع شخص ما للكنيسة بعَلَم أمريكا، ووضعته في مقدمة الكنيسة مقابل العَلَم المسيحي. حدثت الأزمة في الأسبوع التالي، عندما جاء إليَّ أحد الشيوخ، وكان جنديًّا متقاعدًا، وقال: "أيها القس، لقد أخطأت فيما فعلته هناك في مقدمة الكنيسة". فسألته: "ماذا تقصد؟" فقال: "إن قانون البلاد يتطلَّب أنه في أي وقت فيه يتم رفع أي عَلَم مع العَلَم الأمريكي، فيجب وضعه في مكانة أدنى من العَلَم الأمريكي. بالطريقة التي وضعت بها العَلَم هنا، فإن العَلَم الأمريكي أدنى من العَلَم المسيحي. هذا يجب أن يتغيَّر". أي شخص عاش خارج هذا البلد يعرف كم هو رائع هذا البلد. وأنا أحب بلدي وأحترمه، بكل رموزه، بما في ذلك العَلَم. ولكن عندما استمعت إلى حديث هذا الشيخ، سألت نفسي: "كيف يمكن أن يكون العَلَم المسيحي أدنى من أي عَلَم وطني؟"

إن مملكة (ملكوت) الله يتفوَّق على كل مملكة أرضيَّة. أنا مسيحي أولًا، وأمريكي ثانيًا. أنا مدين بالولاء للعَلَم الأمريكي، لكن لدي ولاء أسمى وأعظم للمسيح، لأنه ملكي. لذا واجهت معضلة. لم أرغب في انتهك قانون الولايات المتحدة الأمريكيَّة ولا أريد أن أشير أن ملكوت الله خاضع لحكومة بشريَّة. لذا قمت بحل المعضلة بسهولة تامة — إذ أزلت كلا العَلَمين من الكنيسة.

إننا نختبر هذا الصراع بين الممالك عندما أوصانا الرب يسوع أن نصلي قائلين: "لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ". ماذا يعني هذا؟ ما الذي نصلي من أجله عندما نطلب هذه الطلبة؟ هناك منطق يمتد مثل الشريط خلال الصلاة الربانيَّة. فكل طلبة في الصلاة الربانيَّة مرتبطة بباقي الطلبات. إن الطلبة الأولي التي علَّمها لنا الرب يسوع هي: "لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ"، وهي الرغبة في أن يتم التعامل مع اسم الله باعتباره مُقدَّسًا. من الواضح أن ملكوت الله لن يأتي ولن يستطيع أن يأتي ما لم يتم اعتبار اسم الله مُقدَّسًا وإلى أن يتم اعتباره مُقدَّسًا في هذا العالم. ولكن بالنسبة لنا نحن الذين نتعامل مع اسم الله باعتباره مُقدَّسًا فإننا نتحمَّل مسؤوليَّة إظهار ملكوت الله.

قال جون كالفن إنه من مهمة الكنيسة أن تجعل الملكوت غير المرئي مرئيًّا. نقوم ذلك من خلال العيش بطريقة نشهد بها عن واقع وحقيقة مُلك المسيح في وظائفنا، وعائلاتنا، ومدارسنا، وحتى في دفاتر الشيكات لدينا، لأن الله في المسيح هو الملك على كل مجال من مجالات الحياة هذه. إن الطريقة الوحيدة التي سيظهر بها ملكوت الله في هذا العالم قبل مجيء المسيح هي إن أظهرناه نحن بالطريقة التي نعيش بها كمواطنين من السماء ورعايا الملك السماوي.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

أر. سي. سبرول
أر. سي. سبرول
الدكتور أر. سي. سبرول هو مؤسِّس هيئة خدمات ليجونير، وكان أحد رعاة كنيسة القديس أندرو (St. Andrews Chapel) في مدينة سانفورد بولاية فلوريدا، كما كان أول رئيس لكليَّة الكتاب المقدَّس للإصلاح (Reformation Bible College). وهو مؤلِّف أكثر من مائة كتاب، بما في ذلك بما في ذلك "كلُّنا لاهوتيُّون" (Everyone’s A Theologian).