العِلْمُ الكُلّيّ - خدمات ليجونير
القدرة الكليّة
۲ نوفمبر ۲۰۲۳
رئيسُ كهنتِنا كليّ الرحمة
۷ نوفمبر ۲۰۲۳

العِلْمُ الكُلّيّ

    ملاحظة من المُحرِّر: هذا هو الفصل [السادس] في سلسلة مجلّة تيبولتوك [ صفات الله التي أسيء فهمها].

كم مرّة قلتَ وأنتَ تتأمّلُ بماضيك: "ليتني كنتُ أعرفُ حينَها ما أعرفُه الآن"؟ أحدُ شروط كونِنا بشرًا أنّنا لا نستطيع أن نعرفُ في أيّ لحظة زمنيّة كلّ ما يُمكن أنْ يُعرف، وأنّه لو كانت كلّ مقدراتنا الفكريّة تعمل بشكل صحيح، ستزداد معرفتنا خلال فترة حياتِنا. تُشير حقيقةُ رغبتنا المستمرّة في معرفة المزيد وتكريس طاقة كبيرة للتعلّم، إلى أنّ المعرفةَ أمرٌ صالح. أي أنّ للمعرفة قيمة كبيرة ومفيدة للحياة؛ إنّها إحدى مكوّنات الحكمة التي نعيش بحسبها. وعلى الأرجح أنّ اكتساب المزيد منها سيُحسّن ظروفَ حياتِنا البشريّة.

تشير حقيقةُ أنّنا غالبًا ما نرغبُ في معرفةِ المزيد، وأنّه بإمكاننا معرفة المزيد خلال مسارِ حياتنا، وأنّنا، وبكلّ أسف، يمكن أنْ نخسرَ المعرفة، إلى أنّ المعرفة الإنسانيّة ديناميكيّة وفي الوقت نفسِه محدودة. حتّى أذكى الأشخاص الذين نعرفهم، والذين على ما يبدو أنّهم ببذل جهد قليل يعرفون حقائقَ مثيرة للاهتمام، ويفهمون النظريّات المعقّدة، لا يزال يتعيّن عليهم تعلّم هذه الأشياء. إنّ المعرفة الإنسانيّة، وحتّى المعرفة البشريّة الأكثر ذكاءً، ليست معرفةً كُليّةً، وليستْ كليَّة العِلْمِ، وتتطلّب أنْ نبذلَ جهدًا.

الأمرُ يختلفُ مع الله. إنّ البدءَ ببعض الأفكار حول المعرفةِ البشريّة يُسلّطُ الضوءَ على ذلك، لأنّه غالبًا ما نستمدُّ معرفَتَنا عن صفات الله، وخاصّة صفاتِه غير القابلة للنقل، عن طريق نَفْيِ شيءٍ يتعلّق بها بالمقارنة معنا. كما لو أنّنا نقول إنّ الله فائقُ العظمة والقدرة، وطبيعتَه مختلفة تمامًا عن طبيعتِنا، لدرجة أنّه إنْ أردْنا أنْ نتحدّثَ عمّا هو الله، علينا أنْ نبدأ بما ليس هو عليه. الله نفسُه يتحدّث بهذه الطريقة في الكتاب المقدّس: "لِأَنِّي أَنَا ٱلرَّبُّ لَا أَتَغَيَّرُ" (ملاخي 3: 6).

عرّف أ. و. توزر عِلْمَ الله الكليّ بإيجاز حين قال: "القولُ بأنّ الله كلّيُّ العِلْمِ يعني القولَ بأنّه يمتلك معرفةَ مُطلقة، وبالتالي لا يحتاج إلى التعلّم. ولكنّ الأمرَ أكثر من ذلك: إنّ هذا يعني أنّ اللهَ لم يتعلّم أبدًا، ولا يُمكنُه أنْ يتعلّم."

ما هو موجود فينا بشكلٍ ناقص، موجودٌ في الله بشكلٍ كامل. إنَّ الاقتراحَ بأنّ الله لا يقدرُ أنْ يعرفَ شيئًا ما، هو أمر مرفوض في الكتاب المقدّس باعتباره أمرًا غير معقول: "ٱلْغَارِسُ ٱلْأُذُنِ، أَلَا يَسْمَعُ؟ ٱلصَّانِعُ ٱلْعَيْنَ، أَلَا يُبْصِرُ؟" (المزمور 94: 9). معرفةُ الله مُطلقةٌ أو كاملة. إنْ سألتني شيئًا عن مدينة توليدو في ولاية أوهايو، أستطيعُ أنْ أجيبَك بأمورٍ كثيرة عنها؛ فهي المكانُ الذي ترعرعتُ فيه. إنْ سألْتَني عن دولةِ لوكسمبورغ، فلا أقدرُ أنْ أذكرَ عنها سوى القليل جدًّا؛ فأنا لم أذهب إليها قطّ. المعرفةُ البشريّة تعرفُ بعض الأشياء ويغيب عنها أشياءَ أخرى. أمّا الله فهو يعلمُ كلّ شيء بصورة متكافئة. لا يوجد Eureka! مع الله - فهو لا يكتشفُ أبدًا، ولا يتفاجأُ أبدًا، ولا يتعلّم أبدًا. وهذا ينطبق على كلّ شيء فيه: "لَيْسَ عَنْ فَهْمِهِ فَحْصٌ" (إشعياء 40: 28). لكنّ الكتاب المقدّس يشدّد على نحوٍ استثنائيّ على معرفته بالبشر: "لَيْسَتْ خَلِيقَةٌ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ قُدَّامَهُ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ لِعَيْنَيْ ذَلِكَ ٱلَّذِي مَعَهُ أَمْرُنَا" (عبرانيين 4: 13).

غير أنّ معرفةَ اللهِ ليست مجرّد مسألةٍ تتعلّق بالحجم، كما لو أنّ معرفتَه عظيمة ومُطلقة لأنّه يعرف أشياءَ أكثر منّا. الله يعرف أمورًا باعتباره الله الذي يقف خارج الزمن، والذي لا يحتاج إلى شيء، والذي لا يعتمد على أحد. قال أغسطينوس: "إنّ اللهَ لا يعرفُ كلّ المخلوقات... لأنّها موجودة؛ بل هي موجودة لأنّه يعرفها." بكلام آخر، لا تعتمد معرفةُ الله لشيء ما على قيامنا بشيء ما. أرجو أنْ أتعرّف على أحفادي يومًا ما، لكنّ هذا لن يحدث قبلَ أنْ يُنجبَهم أطفالي الصغار. إنّ معرفتي البشريّة محدودة بتكشّف الزمن. على مدار الثلاثين عامًا الماضية، كان أحد التعاليم المعروفة باسم "الإيمان المُنفتح بوجود الله" (open theism) يعلّم شيئًا مشابهًا ولكنّه كان ينسبه إلى الله.

يحاولُ أتباعُ الإيمان المنفتح بالله تخصيصَ مكان بارز لحريّة الإرادة البشريّة، ولتحقيقِ ذلك، يقولون إنَّ اللهَ لا يعرفُ أفعالَنا في المستقبل، ولكن، عندما يعيش معنا، سيكتشفها بينما نفعلها. هذا خطأ خطير. إنّه يجعلُ معرفةَ الله متوقّفة على المخلوق وعلى مسار التاريخ. لكنّ الله، باعتباره يقفُ خارج الزمن، يعرفُ كلّ الأشياء في آن واحد: يقول هيرمان بافينك: "يعرفُ اللهُ منذ الأزل كلَّ الأشياءِ بشكلٍ آنيّ ومتزامن؛ فكلُّ الأشياء حاضرةٌ منذ الأزل في ذهنه." وتشمل هذه المعرفة كلَّ الاحتمالات المُمكنة، لأنّ اللهَ، في عنايته الإلهيّة، أمرَ كيف سيحدث كلّ شيء (مزمور 139: 16) – وهذا يشمل حتّى سقوط العصافير على الأرض (متّى 10: 29). إنَ الفهمَ الصحيحَ لعِلْمِ الله الكلّيّ، يساعد في تمييز الأضاليل اللاهوتيّة على غرار الإيمان المُنفتح بالله.

وبمزيد من الإيجابيّة، يُعطي عِلْمُ الله الكلّيّ الراحةَ والتعزيةَ لشعبه، ويُلهبُ عبادَتهم. قد نسقط في تجربة الاعتقاد بأنّ معرفةَ الله غير المُدرَكَة تخلقُ بُعدًا بينه وبين شعبه. ولكن بالعكس تمامًا، ففي المزمور 139: 1-18، يعتبر المرنّم أنَّ معرفةَ الله عنه والتي هي أكثرَ عُمقًا وإلفةً هي معرفة "كريمة" (الآية 17). لماذا؟ لأنّه يعلمُ أنّ إلهَنا، إلهَ العهدِ، هو حنّان ورحيم وصدّيق (مزمور 5:116-7). وقد عَبّر ويليام أميس عن ذلك بعمق حين قال: "يعتمد الإيمانُ على الشخص الذي يعرفُ ما نحتاج إليه، والذي هو مستعدّ أيضًا لسدّ هذا الاحتياج."

وبالإضافة إلى معرفة الله بنا، يمتلك الله معرفةً كاملة بنفسه. إنَّ معرفَتَنا به تعتمد على ذلك، لأنّه لو لم يكن الله يعرفُ نفسَه، لما كان لديه أيّ شيء يكشفه لنا. نشكر لله لأنّه يعرف نفسه – الآب والابن والروح القدس – معرفةً كاملة: "كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ ٱلِٱبْنَ إِلَّا ٱلْآبُ، وَلَا أَحَدٌ يَعْرِفُ ٱلْآبَ إِلَّا ٱلِٱبْنُ" (متّى 11: 27). كما أنّ الآب والابن يعرفان بعضهما البعض بشكل كامل، كذلك الروح القدس يفحص "حَتَّى أَعْمَاقَ ٱللهِ" (1 كورنثوس 2: 10). ولأنّهم يعرفون بعضهم بشكل كامل في الطبيعة الإلهيّة، لذلك يوجد ملء وغنى أبديّ للمحبّة والفرح المشترَكان بين أقانيم الثالوث. إنّه الحبّ والفرح نفسه الذي يهبه لنا الله بنعمته في الإنجيل، والذي، عندما نقبله، يدفعنا إلى الترنيم بمحبّة: "الخالد، الذي لا يُرى، الله الحكيم وحده، في نور لا يُدنى منه محجوب عن أنظارنا."

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

دي. بلير سميث
دي. بلير سميث
الدكتور دي. بلير سميث (@dblairsmith) هو أستاذ مساعد لعلم اللاهوت النظامي بكليَّة اللاهوت المُصلَحة في مدينة شارلوت، بولاية نورث كارولاينا.