الإنسان كمُحطّمٍ للعهد وحاملٍ للصورةِ المُستردّة - خدمات ليجونير
الإنسان في علاقة عهد مع الله
۱۳ سبتمبر ۲۰۲۳
الأنثروبولوجيا المسيحيّة والحياة الأخلاقيّة
۱٦ سبتمبر ۲۰۲۳
الإنسان في علاقة عهد مع الله
۱۳ سبتمبر ۲۰۲۳
الأنثروبولوجيا المسيحيّة والحياة الأخلاقيّة
۱٦ سبتمبر ۲۰۲۳

الإنسان كمُحطّمٍ للعهد وحاملٍ للصورةِ المُستردّة

    ملاحظة من المُحرِّر: هذا هو الفصل [الخامس] في سلسلة مجلّة تيبولتوك [ عقيدة الإنسان ].

لا يقول الكتاب المقدّس إنَّ جزءًا من الإنسان مخلوقٌ على صورةِ الله، بل إنّ الرجالَ والنساءَ مخلوقون على صورةِ الله. وهكذا، فإنّ الصورةَ موجودةٌ في خليقتِهم بالكامل. إذًا، إنْ فكّرنا في الصورة في نطاقها الأوسع، فهي تشمل النَفْس والجسدَ، والمواهبَ المملوكة، والكرامةَ الممنوحة، وعطيّةَ السيادة على الأرض. إنّ الله بالطبع، كروحٍ أزليّ، ليس له جسد، ولكن يجب أنْ نُصرّحَ بكلّ وقار أنّه حتّى جسد الكائن البشريّ هو جزء من صورة الله. وأيًّا كانت خصائصُ الجسد البشريّ التي يشترك فيها مع مخلوقات أدنى منه، فإنّه مؤهّل بشكل مُميّز ليعكس شبهه مع الله على مستوى الخليقة والمستوى الأرضيّ. المادّة ليست شرّيرة، لذلك نحن لا نؤمن فقط بخلود النَفْس، بل أيضًا بقيامة الجسد. وهكذا نحن مدعوّون إلى إجلال الله بأجسادنا (1كورنثوس 6: 20)، واستخدامها كأدوات للبرّ (رومية 6: 13).

العصيان

إنّ عهدَ الحياةِ (أو الأعمال)، رباط المحبّة ذاك بين الله والبشريّة، الذي أسّسه الربُّ عند الخليقة، لا يؤثّرُ فقط على آدم وحواء، بل على جميع الذين، بحسب قصدِ الله، يُمثّلهم آدم وينحدرون منه بالطريقة الطبيعيّة. يُمكن أنْ يخطرَ على بالِنا أسئلة كثيرة في هذا الخصوص. في النهاية، لم تكن خطيئة آدم هي الخطيئة الأولى في خليقة الله؛ لقد كان ذلك من نصيب الشيطان. كما أنّها ليست خطيئة الإنسان الأولى؛ ويبدو أنّ هذا كان من نصيب حواء التي خُدِعت (1 تيموثاوس 2: 14)، في حين أنّ خطية آدم كانت مُتعمَّدة من شخصٍ كُلّف بحماية تلك التي أُخذت من جنبِه. كانت مسئوليّته النهائيّة تقع على عاتقه كرأسٍ للعهد. المحبّة ليست بالإكراه، والله يعامل شريكَه في العهد كمخلوقٍ عقلانيّ وأخلاقيّ سيخدمه بإرادته، مدفوعًا بالمحبّة لكي يُظهرَ المحبّة في المقابل. عندما يُسيء آدمُ استخدامَ حريّته ليُعيرَ انتباهَه إلى المجرِّب، لا يمكن أنْ نمنحَه أيّ أسباب تخفيفيّة، لأنّ عُصيانَه بلا عذر. ومع ذلك، فإنّ مبدأ التمثيل هو مبدأ نختبره في الحياة اليوميّة، وآدم هو ممثّلنا الذي تُنسب خطيّته إلى جميع الذين تحدّروا منه بالطريقة الطبيعيّة، كما يعلن الكتاب المقدّس (رومية 5: 12-21).

ما هي العواقب؟ إنْ كانت خيانةُ الزوج أو الزوجة تجلبُ الذنبَ والعارَ والانفصالَ في العلاقة بين الزوجَيْن، وكلاهما خاطئان، فكم بالحريّ يؤدّي الانتهاك الناجم عن عصيان آدم إلى الشعور بالذنب والعار والنفور في محضر الله القدوس؟ ولكنّ الانفصالَ الأعظم هو هذا: انفصالُ رباط المحبّة والثقة في الربّ الإله. لقد كان آدم مَلِكًا وكاهنًا. يوجد أيضًا انفصالٌ من جهةِ الله الذي، بغيظه المقدّس، طرَد الزوجَيْن الخاطئَيْن من قُدس الجنّة ومنعهما من العودة إليها. إنّهما مُذنبان وتحت حُكم الموت.

ما مدى شمولية الفساد؟

ومع ذلك، استمرّ آدم وحواء يحملان الصورة الإلهيّة. لم يصبحا حيوانَيْن خاليَيْن من المسؤوليّة الأخلاقيّة، بل بقيا بشريَّيْن بلا عذر، ومُحاسبَيْن بالكامل. ومع ذلك، تشوّهت صورة الله بالكامل. لا يزال كلّ نسل آدم يحمل صورة الإنسان الترابيّ (1 كورنثوس 15: 47). لكنّ قبضة الموت أصبحت الآن على أجسادِهم وأرواحِهم. في اليوم الذي عَصِيا فيه، انتقلَ الحُكم، وتمّ التعبير عنه بقرار مَلَكيَ (تكوين 2: 17؛ انظر 20: 7). أصبح تفكّك العلاقات البشريّة والتَعَب المؤلِم والحزن هي سمة مميّزة بسبب رفضِهما للربّ الإله. لم يفقد الإنسان كلَّ مواهبِه أو كلّ سيادته على الخليقة، بل أصبحَ الآن لا يعملُ من أجل تمجيد الخالق، بل من أجل مجده الذاتيّ. كان يُفتَرض أن يملأ الأرضَ ويُخضِعَها، لكنّه الآن غالبًا ما يُسيء استخدام الخلق بسبب نهمه واشتهائه للمجد. أصبحت العقبات التي كان بإمكانه التغلّب عليها مصدر ضُعفِه. في النهاية، مهما تَعِبَ في عملِه، ستهزمه ويعود إلى التراب الذي أتى منه، وانحطّت كرامتُه إلى مستوى البهائم التي تُباد (مزمور 49: 12).

عندما نتحدّث عن الفساد الكلّيّ للإنسان، فنحن لا نقصدُ أنْ نقولَ إنّ الإنسانَ سيّء بالكامل، أو أنّه لا يوجد فيه أيّ شيء صالح على الإطلاق. بل نقصدُ بذلك أنّ كلَّ جانب من جوانب الإنسان قد تأثّر وتشوّه بالخطيّة، ونقصد أنّه لا يوجدُ فيه أيّ شيء صالح روحيًّا (انظر إقرار إيمان وستمنستر 16.7؛ أصول الإيمان المطوّل لوستمنستر 25). إنّه ميّت في ذنوبه وخطاياه (أفسس 2: 1). ومع ذلك، نحن نعترف أنّ غير المؤمنين يتمتّعون بعطايا ومواهب يمنحها الربّ إيّاهم بصلاحه كما يعطي للجميع (مزمور 145: 9). كان حيرام، ملك صور الوثنيّ، يتمتّع بمهارات بناء يفتقر إليها بنو إسرائيل (الملوك الأوّل 5: 6). وقد يتكلّم الشاعر الوثنيّ بكلمات جديرة بالاقتباس (أعمال الرسل ١٧: ٢٨). قد يتمتّع طبيبٌ غير مؤمن بمهاراتٍ أكثر من طبيبٍ مسيحيّ. لا ينبغي علينا أن نفشلَ في إدراك إنسانيّة الآخرين واللطف والرحمة اللتين قد يظهرونها، والتي قد يتميّزون فيها على المستوى البشريّ على المسيحيّين المقدّسين غير الكاملين، إلّا أنّنا لا نستطيع أنْ نغضّ الطرفَ عن حقيقة أنّ الله ينظرُ إلى القلب، وأنّ الجميع خطأة بائسون أمام الله القدّوس.

خطّة الله الأزليّة

بما أنّ حالةَ البشريّة فادحة للغاية، فجدير بنا ملاحظة أنّ عُصيانَ الإنسان، الذي نُسب بالكامل إلينا بطريقة عادلة، لا يزال جزءًا من خطّة الله، وهذه الخطّة لا تضعُ آدم الأوّل في الجُبهة الأماميّة. بل كان آدم رمزًا أو نموذجًا للذي سيأتي (رومية 5: 14)، أي يسوع المسيح. لأنّ قصدَ الله من خلقِ الإنسان على صورتِه، تُقارن مع يسوع المسيح الذي هو صورة الله غير المنظور. إنّه بكر كلّ خليقة، أي صاحب الأسبقيّة أو الصدارة، إذْ "ٱلْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ" (كولوسي 1: 15-16). تذكّرُنا الرسالة إلى العبرانيّين 1: 3 على نحوٍ مماثل أنَّ المسيحَ "هُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ ٱلْأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ." وبما أنّ ابنَ الله قد حمل في شخصه الإلهيّ طبيعةً بشريّةً حقيقيّةً، يمكننا أنْ نجزمَ بحقّ أنّ "فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ ٱلْمِلْءِ" (كولوسي 1: 19). لأنّ تجسّد ابن الله من أجل المخلوقين على صورة الله ليس أمرًا متضاربًا.

يُمكن للبشريّة أنْ تُحقّقَ هدفَها فقط في يسوع. خُلق آدم الأوّل بمصير أسمى سيتحقّق بالطاعة المُحبّة. لقد فشل في الامتحان، وأصبح ذلك المصير بالنسبة إليه هدفًا يعجزُ عن إدراكه. أمّا المدعوّين حسب قصد الله، فقد سبق فعرفهم وعيّنهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه، ليكون هو بكرًا (متقدّمًا) بين إخوة كثيرين (رومية 8: 29)، لكي يقدر أنْ يقولَ المسيحُ للآبِ: "هَا أَنَا وَٱلْأَوْلَادُ ٱلَّذِينَ أَعْطَانِيهِمِ ٱللهُ" (عبرانيّين 2: 13).

استرداد الصورة

إنْ كان آدم قد أدخلَ عصرَ الموت إلى البشريّة من خلال عصيانه، فإنّ يسوع أدخل عصرَ الحياة: "إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي ٱلْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: ٱلْأَشْيَاءُ ٱلْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا ٱلْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيدًا" (2كورنثوس 5: 17). كان فشلُ آدم الأوّل يشملُ الفشلَ في طاعة شروط العهد، وبالتالي تعذّر الوصولُ إلى هدفِ إنسانيّةٍ كاملة في شركةٍ مع الله إلى الأبد. لا يُعيدُنا المسيح إلى نقطة بداية آدم، لكنّه، بطاعته، يُحقّق "مَجْدِ مِيرَاثِهِ" (أفسس 1: 18) الذي كان لآدم ثمّ خسره. هذه هي الحقيقة بالنسبة إلى الذين اتّحدوا بالمسيح بالإيمان: خطايانا تُحسَب للمسيح الذي مات، "ٱلْبَارُّ مِنْ أَجْلِ ٱلْأَثَمَةِ" (1 بطرس 3: 18)، ويُحسَب برّه لحسابنا. لأنّ الإنجيل هو عن "بِرُّ ٱللهِ" (رومية ١: ١٧) وكيف أنّه "بَارًّا وَيُبَرِّرَ مَنْ هُوَ مِنَ ٱلْإِيمَانِ بِيَسُوعَ" (رومية ٣: ٢٦). روح الله يحيي من الأموات الذين ماتَ المسيحُ وقام من أجلهم. لا يقرّرون فيما بعد ما هو صالح من دون العودة إلى كلمة الله، لأنّ الذين اتّحدوا بالمسيح يتجدّدون للمعرفة (كولوسي 3: 10)؛ ويتبع ذلك البرّ الحقيقيّ والقداسة (أفسس 4: 24). والحياة الجديدة تنمو لتُشبه المسيح من خلال روح الله الذي يعمل من خلال الكلمة ومعها في شركة الكنيسة، جسد المسيح السرّيّ، حيث تُستخدم كلّ المواهب لبناء بعضنا البعض في المحبّة، بينما نبحث عن الرجاء المبارك والمجيد (تيطس 2: 13) منتظرين ميراثَنا مع المسيح في سماءِ الله وأرضِه الجديدة، حيث يسكن البرّ (2 بطرس 3: 13).

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

راولاند س. ووارد
راولاند س. ووارد
الدكتور راولاند س. ووارد، هو خادم في الكنيسة المشيخيّة في شرق أستراليا، ومُحاضر في مادّة تاريخ الكنيسة والأبحاث في الكليّة اللاهوتيّة المشيخيّة في ملبورن، أستراليا. ألّف أيضًا العديد من الكتب، منها: "الله وآدم: اللاهوت الإصلاحي وعهد الخلق" و"إقرار إيمان وستمنستر: دليل دراسة للقرن الحادي والعشرين."