المحاضرة 3: هل ولدنا أحرارًا؟ | خدمات ليجونير
 

المحاضرة 3: هل ولدنا أحرارًا؟

سبق أن تكلمنا عن أحد أجزاء الحرب التي تتم على جبهتين، وهو الجزء المتعلق بمسألة الإرادة الحرة، وبشكل أساسي، كيفية ارتباط الإرادة الحرة بالسيادة الإلهية. وبالطبع، هذا الموضوع بحد ذاته يستحق أن نخصص له سلسلة كاملة، لأنه يتضمن مسائل كثيرة. لكن ما أريد التركيز عليه في هذه السلسلة هو الأزمة بالمتعلقة بالجبهة الأخرى في الحرب، وسأتكلم بشكل أساسي عن عقيدة الخطية الأصلية وارتباطها بمسألة حرية الإرادة.

أثارت هذه المسألة جدلًا كبيرًا في الكنيسة الأولى، في ظل تأثير رجل يُدعى بيلاجيوس. ولقد استوحينا من اسمه الجدل البيلاجيوسي، الذي حرّض بيلاجيوس وزملاءه كوليستوس وجوليان ضد جبار الكنيسة في الألفية الأولى، القديس أوغسطينس. برز هذا الجدال قبيل نهاية القرن الرابع، واستمر حتى القرن الخامس، وتمت تسويته في مجمع قرطاجة في العام 418. وفي هذا المجمع حكمت الكنيسة على بيلاجيوس بأنه مهرطق. وكما يحدث غالبًا في تاريخ المهرطقين وقرارات الكنيسة ومراسيمها المتعلقة بهذه المسألة، إن مجرد إعلان الكنيسة أن رأيًا لاهوتيًا ما هو هرطقة وتخليها عنه، لا يعني أنه يختفي ببساطة ويزول مرة وإلى الأبدز لكني أتجرأ على القول إن الخطأ البيلاجيوسي هو واحد من أصعب الأخطاء التي تواجه الخطية باستمرار ولا تزال تواجهها حتى يومنا هذا.

فلنرجع قليلًا إلى الوراء ونطرح السؤال "حول ماذا كان يتمحور الجدل البيلاجيوسي؟" لكي نجيب على هذا السؤال، علينا بدايةً أن نفهم قليلًا خلفية بيلاجيوس وحياته. جاء في التاريخ أن بيلاجيوس ولد في إيرلندا، ما يجعله واحدًا من أسلافي القوميين؛ وبيلاجيوس كان طبعًا بريطانيًا، لقد كان من الجزر البريطانية وكان ناسكًا متزمتًا ومتعصبًا، سافر إلى روما، وعاش في روما وهو قلق جدًا من روح التعجرف التي وجدها لدى رجال الدين ولدى المسيحيين في المدينة السرمدية. في الواقع، هو ارتعب من الفسق والكفر والسلوك السيء لدى هؤلاء الذين يدّعون أنهم مسيحيون، وهو كان متعصبًا لتتميم البر.

في هذا الصدد، كان لدى بيلاجيوس قاسم مشترك مع الفريسيين الأصليين. عندما نستعمل كلمة "فريسي"، فنحن غالبًا ما نستعملها بالمعنى الازدرائي. لدينا مفهوم سلبي للفريسيين، لأن الفريسيين هم من كانوا دائمًا عدائيين ليسوع. لكن الجيل الأول من الفريسيين لم يكن كذلك، كان الفريسيون الأصليون بوريتانيين في أيامهم، هم أحبوا عهد الله، وأحبوا شريعة الله، وكانوا قلقين جدًا بشأن الفساد الأخلاقي الذي اجتاح مجتمع إسرائيل. لذا كرّس الفريسيون أنفسهم وفرزوا أنفسهم للسعي وراء البر من خلال طاعة شريعة الله، وكان هدفهم الأساسي هو إعادة حق العهد والشريعة إلى إسرائيل. ومن ثم بالطبع، أصبحوا أبرارًا في عيون أنفسهم وتحولوا إلى أعداء للمسيح كما نراهم في صفحات العهد الجديد.

إن نظرنا إلى بيلاجيوس، نرى أن بيلاجيوس كان متحمسًا للتقوى والبر، وكان قلقًا جدًا بشأن الفساد الأخلاقي الذي وجده في الكنيسة في نهاية القرن الرابع. وما حثه على إثارة الجدل اللاهوتي الذي يحمل اسمه، هو ردّ على صلاة شهيرة كتبها أسقف هيبو، القديس أوغسطينس. قال أوغسطينس في صلاته "يا رب، تمم ما أمرت به، ومُر بأن يتم ما تريده". سأكرر ذلك، "يا رب، تمم ما أمرت به، ومُر بأن يتم ما تريده". كيف تستجيب لصلاة مماثلة؟ قد يستجيب معظمنا بشكل إيجابي لهذه الصلاة، لكن بيلاجيوس لم يفعل. فلقد أصيب بيلاجيوس بصدمة عندما قرا هذه الصلاة. لقد كان موافقًا تمامًا على الجزء الثاني من الصلاة، حيث قال أوغسطينس لله "يا رب، مُر بأن يتم كل ما تريده". من الواضح أن أوغسطينس لم يفترض أنه يعطي الله الإذن بأن يأمر بأن يتم كل ما يريده، بل كان بالأحرى يعبر عن استعداده للخضوع لشريعة الله أيًا تكن هذه الشريعة التي يريدها الله. وكان هذا الهدف من الجزء الثاني من الصلاة، الذي لم يكن لدى بيلاجيوس أي اعتراض عليه. لكن الجزء الأول من الصلاة هو ما أزعجه كثيرًا، عندما سمع أوغسطينس يقول "يا رب، تمم ما أمرت به". فقال: "لماذا تصلي صلاة كهذه؟ فإن أصدر الله أمرًا، فمن المؤكد أنه لا يحتاج إلى أن يمنحك القوة أو السلطان لتتمم ما أمر به". كان أوغسطينس يقول بالطبع "يا رب، أعطني الموهبة. ساعدني".هنا كان أوغسطينس يتكلم عن النعمة. عندما قال: "يا رب، تمم ما أمرت به"، فهو كان يقصد بكلامه: "يا رب، أعطني النعمة لأتمكن من فعل ما تأمر به"، لأن أوغسطينس كان يؤمن – وكما سنرى في سياق دراستنا عنه – بأن الإنسان عاجز عن إطاعة وصايا الله ما لم يمنحه الله النعمة اللازمة لفعل ذلك.

هذا ما اعترض عليه بيلاجيوس، قال: "لا، كل ما يأمر به الله فهو يفرض على خليقته واجب ومسؤولية إطاعته". وأول فقرة في لاهوتنا تتعلق بعقيدة الله بحسب بيلاجيوس، فبيلاجيوس قال: "الأمر الذي نفهمه بوضوح بشأن الله هو أن الله عادل. وبما أن الله عادل، فالله لم يحدث له، ومن المؤكد أنه لا يمكن له أن يأمر خليقته بفعل أمر تعجز الخليقة عن فعله". فلكي يأمرنا الله بفعل أمر نعجز عن فعله، فهذا يعني أنه يفرض علينا أمرًا غير عادل. والأسوأ من ذلك هو أن معاقبته لنا عندما نفشل في فعل ما كنا نعجز عن فعله في المقام الأول، هو بالأمر الشيطاني. وكأن الله يقول لنا "طيروا، من دون مساعد ومن دون أي معدات أو تجهيزات، من أورلاندو إلى شيكاغو"، وأن يحاسبنا الله على ذلك وهو لم يعطنا أجنحة أو ريشًا أو أي تجهيزات أخرى لنقوم برحلتنا الشراعية في الجو. وبالتالي فإن فكرة طلب الإنسان نعمة أو نوعًا من المعونة الإلهية ليتمم واجبه كانت مرفوضة تمامًا بالنسبة إلى بيلاجيوس، لأنه قال: "هذا يضرب ببر الله عرض الحائط".

لكن أوغسطينس ردّ على ذلك قائلًا "مهلًا، لا يمكن للإنسان أن يطيع شريعة الله من دون النعمة، لأن الإنسان ساقط. ونتائج السقوط تتضمن إلى درجة ما خسارة لقوتنا الأخلاقية". وشريعة الله لا تتغير، فعند الخلق قال الله: "كونوا قديسين كما أني أنا قدوس، كونوا كاملين كما أني أنا كامل". يدرك معظمنا اليوم أن القدرة على أن نكون قديسين تمامًا، وعلى أن نعكس بر الله بشكل كامل، هي قدرة لا نملكها. كان آدم يملكها عند الخلق، لكن آدم سقط، وعندما سقط آدم سقط الجنس البشري كله معه. والسقوط يعني الوقوع في حالة الفساد التي ولدنا بها، بطبيعة آثمة، بحيث أننا لم نعد قادرين أخلاقيًا على إطاعة شريعة الله بشكل كامل. وبالتالي، نحن نحتاج إلى النعمة. وما أكّد عليه أوغسطينس هنا هو حقيقة السقوط. وعلى ضوء السقوط، كان أوغسطينس يحاول أن يثبت أننا نحتاج إلى النعمة لكي نطيع الله. عندئذٍ، تحول النقاش إلى جدل حول السقوط ونتائجه.

وبالطبع، لم ينكر بيلاجيوس أن آدم أخطأ، لكنه قال إن آدم خُلق صالحًا، وفي الخلق، كان صلاحه ثابتًا في ما يتعلق بمقومات طبيعته. هذا يعني أنه، بحسب بيلاجيوس، خُلق الإنسان صالحًا، لكنه كان يملك الحرية أو القوة ليطيع أو ليتمرد، ليفعل الشر أو ليفعل الخير. لكن حتى عندما اختار أن يفعل الشر – وكانت هذه خطية فعلية – فإن هذا الخيار لم يغير طبيعته. لذا فاليوم، كل إنسان يولد في هذا العالم يكون بالحالة الأخلاقية نفسها التي كان آدم عليها قبل السقوط. إذًا، لا ينكر بيلاجيوس أن آدم أخطأ، لكنه ينكر أن آدم بسقوطه أغرق نفسه وذريته في حالة من الفساد الأخلاقي أدت إلى تغيير طبيعته. وعلى مر التاريخ، كنا نقول إننا خطاة لا لأننا نخطئ، بل إننا نخطئ لأننا خطاة، أي أننا ولدنا بطبيعة خاطئة. هذه هي النقطة التي تم التنازع فيها مع بيلاجيوس. إذًا، بالنسبة إلى بيلاجيوس، يملك الإنسان دائمًا القدرة على فعل إما الخير أو الشر، وهو لم يفقد القدرة الأخلاقية أو القوة الأخلاقية على إطاعة الله. إن الخطية تؤثر فيه، لكن ليس في الصميم.

تذكرون أني في محاضرتنا السابقة تكلمت عن استطلاع الرأي قالت فيه الأغلبية الساحقة للمؤمنين الإنجيليين الذين طُلب إليهم أن يجيبوا على هذا السؤال "هل تؤمن بأن الإنسان صالح أساسًا؟" أي أنه صالح في جوهره؟ فكان جواب الأغلبية الساحقة للمؤمنين الإنجيليين جوابًا إيجابيًا. هذا هو الجواب البيلاجيوسي، الجواب هو أنه قد تكون لديك خطية في العناصر الخارجية لحياتك، وهي تؤثر فيك ظاهريًا، لكن في صميم قلبك، وفي أعماق نفسك، إن دخلت إلى العمق فستجد صلاحًا ثابتًا وغير قابل للتغيير في قلب الإنسان. وبالطبع، كان هذا رأي بيلاجيوس. فبالنسبة إلى بيلاجيوس، على الرغم من سقوط آدم فإن هذا السقوط لم يؤثر إلا في آدم وحده. لم ينتقل أي شيء إلى ذريته، لم ينتقل الذنب ولا فساد الطبيعة الناتج من خطية آدم. وبتعبير آخر، لا وجود للسقوط. لقد سقط آدم، لكن لم تكن للأمر أي عواقب على آدم أو أي شخص آخر بفضل قوة إرادتنا وقوة طبيعتنا.

ثم تابع بيلاجيوس قائلًا إنه ليس معارضًا للنعمة، فهو كان يدرك أن الكتاب المقدس يقول الكثير عن النعمة، وأن النعمة أمر جيد لا سيئًا، وما من سوء في الصلاة طلبًا للنعمة. لكن بالنسبة إلى بيلاجيوس، النعمة تسهّل الطاعة أو البر، أي أنه بمساعدة النعمة من الأسهل أن نعيش حياة الكمال الأخلاقي، وأن نكون مطيعين تمامًا لشريعة الله، لكنها ليست ضرورية. إنها تساعد، إنها تسهّل الأمور، لكنها ليست أمرًا مطلوبًا. لماذا يقول ذلك؟ إنه يقول إنه إن كانت النعمة ضرورية ليكون الإنسان بارًا، فالإنسان الذي ليس بارًا بدون مساعدة النعمة، لم يعد مسؤولًا أو مذنبًا أخلاقيًا بسبب خطيته، لأنه لم يكن بوسعه أن يفعل شيئًا سوى الخطية. يجسّد بيلاجيوس سؤال الطين للفخاري "لماذا صنعتني هكذا؟" معترضًا على مفهوم السقوط الذي يعتبر النعمة ضرورية للتبرير.

لكنه لم يكتفِ بالقول إن النعمة تسهل البر، بل قال أيضًا إنها ليست ضرورية للبر؛ وحاول أن يثبت أن بعض الأشخاص، بل الكثير منهم، لا يقدرون أن يعيشوا حياة كاملة فحسب، بل إن كثيرين استطاعوا ذلك من دون النعمة. لكن في المقابل، أعلن أوغسطينس نظرته التي تقول إن الجنس البشري كتلة هلاك. ولم يكتفِ بالقول إن ما من أحد عاش حياة كاملة، بل أضاف أيضًا أن ما من أحد فعل أمرًا صالحًا، وأن أفضل أعمالنا هي في أحسن الأحوال ما يسميه أوغسطينس "الرذائل الكبيرة". تذكرون طبعًا تعليم الرسول بولس في رسالة رومية 3: "لَيْسَ بَارٌّ وَلَا وَاحِدٌ... لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلَاحًا لَيْسَ وَلَا وَاحِدٌ". مقابل ذلك يقول بيلاجيوس "كثيرون هم الصالحون، نعم، إنهم كثيرون. كثيرون يعملون صلاحًا، نعم، إنهم كثيرون بالفعل"، ما يتعارض مع تعليم العهد الجديد الواضح.

لكن ما وُضع على المحك هنا في الهجوم البيلاجيوسي ليست فكرة ضرورة النعمة فحسب، بل مفهوم خلاصنا برمته، والمفهوم الكامل لما جرى في عمل الخلاص. بما أن نعمة الله أصبحت الآن مجرد ملحق نهائي وغير علمي، وهي ليست أمرًا ضروريًا لخلاصنا، ما مهّد الطريق لولادة التزمت البحت أو التدين الصرف، حيث يمكن للمرء أن يتبرر بقوته الخاصة – هذا ما نسميه البر الذاتي، أي البر الذي يتم ويتحقق بفضل قوتنا الطبيعة الخاصة ومن دون مساعدة النعمة؛ ما يضرب عرض الحائط بالعمل الذي قام به المسيح من أجل شعبه، أي عمل الفداء العظيم، الذي تمثل بإرسال الله لنا فاديًا عاش حياة البر الكامل عوضًا عنا، وعلى أساس بره يتبرر المؤمنون أمام الله. بالنسبة إلى بيلاجيوس، نحن لم نتبرر على أساس نيلنا لبر المسيح، بل تبررنا على أساس ماذا؟ على أساس برنا الخاص الذي نتممه عبر ممارسة إرادتنا الحرة.

ولما احتدم الجدال حول المسألة، توصّل بيلاجيوس في تعليمه إلى القول إن الطريقة الأساسية التي اتّبعها المسيح لأجل فدائنا، كانت بتقديمه لنا نموذجًا ممتازًا عن الكمال الأخلاقي. لقد شهدنا ظهور ذلك مرارًا عدة في تاريخ الكنيسة، حيث تم تجريد التكفير من جوهره واستبداله بنوع من نظرية التأثير، باعتبار أن يسوع يخلّصنا عبر إعطائنا المثل الصالح، وعبر تأثيره فينا أخلاقيًا، وإظهاره لنا الطريق الصحيح لتتميم البر. فاعتبر أوغسطينس ذلك هجومًا لا على فكرة ثانوية أو على تفصيل بسيط في اللاهوت المسيحي، بل اعتبر أن الأمر يمسّ جوهر مبدأ الخلاص والفداء. لأننا قبل أن نخلص، يجب أن ندرك أولًا حاجتنا الماسة إلى الخلاص، وحالتنا المزرية، وأن ندرك أننا أشخاص مديونون لا يقدرون أن يسددوا ديونهم. لكن بيلاجيوس يعتبر أن لا أحد مديون، وحتى إن كان أحدهم مديونًا فعليه أن يسدد دينه بنفسه. هذا هو اللاهوت الذي يشد الخناق، الذي يعتبر أن الإنسان يدخل إلى ملكوت الله بمجهوده الخاص. فرأى أوغسطينس ذلك طعنة في قلب النعمة، وطعنة في قلب مبدأ الخلاص الكتابي. وكما قال أدولف فون هرناك، العالم الألماني العظيم في تاريخ الكنيسة "تمت إثارة هذا الجدل بشكل أوضح جدًا من أي جدل لاهوتي آخر في تاريخ الكنيسة، باستثناء الجدل الآريوسي، الذي بلغ أوجه في مجمع نيقية". لكن في هذا النقاش هنا، فهم كل من الطرفين ما يقوله الطرف الآخر، ولم تتم دراسة أي غموض أو التباس في إطار النقاش. والسؤال هو "هل النعمة شرط أساسي للخلاص؟ أم إنها مجرد مساعد؟"