المحاضرة 10: هل النعمة مساعِدة فحسب؟ | خدمات ليجونير
 

المحاضرة 10: هل النعمة مساعِدة فحسب؟

في محاضرة اليوم سأقوم بأمر مختلف قليلًا عما اعتدنا فعله، سوف أبدأ بامتحان موجز، سوف أطرح عليكم سؤالًا لأرى إن كنتم ستعرفون هوية كاتب القول الآتي، سوف أقرأ هذا الاقتباس وقد جاء فيه ما يلي: "في السقوط، إن إرادة الإنسان الحرة تجاه الخير لم تتأذَ أو تتشوه أو تصب بالعجز أو تنحنِ أو تضعف فحسب، بل إنها أُسرت وتدمرت وضاعت أيضًا، وهي لا تملك أي قوة إلا إذا قامت النعمة الإلهية بحثّها". أظن أني إن طرحت هذا السؤال على تلاميذي في معهد اللاهوت وطلبت منهم تحديد هوية صاحب هذا القول فما من أحد بينهم سيعرفه، لأن الشخص الذي كتب هذه الكلمات هو جايمس أرمينيوس، أب الأرمينية. ويبدو هذا التصريح أوغسطينيًا وكالفينيًا وإصلاحيًا مثلما يمكن أن يكون أي تصريح متعلق بطبيعة إرادتنا في السقوط، وهو يصوّر أمرًا يجب أن نقوله في بداية هذا النقاش اليوم، وهو أنه غالبًا في الجدالات اللاهوتية، ما يحدث هو أنه يتم تصوير الموقف المعارض كدمية قشّية، فيتم تقديم رسم كاريكاتوري للناس. لا أعلم كم مرة سمعت تعريفًا للكالفينية يقول إنها تعلم أن الله يختار اعتباطيًا بعض الأشخاص للخلاص ويختار آخرين للدينونة، وهو يأتي بالمختارين رغمًا عنهم وهم يصرخون ويقاومون ويدخلهم إلى الملكوت، في حين أنه يقوم في الوقت نفسه بمنع آخرين من الدخول إلى ملكوته وهم يتوقون إلى أن يكونوا هناك. هذا أكبر تشويه على الإطلاق للاهوت الإصلاحي. هكذا أيضًا، يتم أحيانًا تصوير لاهوت أرمينيوس وكأن أرمينيوس يتمسك بعناد بالمبادئ والمعتقدات البيلاجيوسية، وبالطبع لم تكن هذه الحال.

في الواقع، في بداية مهنته أبلى أرمينيوس بلاء حسنًا كلاهوتي إصلاحي حين خدم في معهد لاهوت إصلاحي في هولندا، ثم دخل في جدال محتدم مع أحد زملائه حول مسألة توقيت إطلاق الله لمراسيم الاختيار والرفض، وما يُعرف بالكالفينية المتطرفة. وفي إطار ردّه على زميله، وعندما بدأا يتناقشان، بدأ أرمينيوس يبتعد شيئًا فشيئًا ليس عن الكالفينية المتطرفة فحسب بل أيضًا عن الكالفينية الكلاسيكية، كما سنرى. لكنه علّم أنه في السقوط، الأبعاد الثلاثة لطبيعة الإنسان الروحية تأثرت بشكل جذري. ونتيجة السقوط، أصبح لدى الإنسان ما يسميه أرمينيوس "ذهن مظلم"، و"عاطفة معوجة"، و"إرادة عاجزة". وعجز الإرادة وظلمة الذهن واعوجاج القلب، هذه كلها تتضمن موتًا روحيًا – كما يقول الكتاب المقدس إننا أموات في خطايانا. وعلّق أرمينيوس على ذلك، قائلًا إن الموت في الخطايا يعني أننا لسنا أحرارًا أخلاقيًا لنفعل أي شيء صالح ما لم يحررنا الله أولًا. إذًا، الخطوة الأولى نحو فدائنا تتوقف على نعمة الله المحررة.

أوضح أرمينيوس مفهوم نعمة الله المحررة عبر تسميتها "النعمة السابقة" – سبق أن رأينا ذلك في دراسات أخرى. والترجمة الأكثر انتشارًا لهذه العبارة تكمن في الصفة "بريفينيانت". عندما نستعمل هذه الكلمة في لغتنا العامة الحديثة فنحن نقصد بها "منع حدوث أمر ما"، لكن هذا آخر ما قصده أرمينيوس في إطار وصفه للنعمة. لكنه استعمل عبارة "النعمة السابقة" بحيث أن يتم فهمها حين تُستعمل في إطار ارتباط وثيق بأصلها اللاتيني. النعمة السابقة أو "بريفينيانت": بادئة الكلمة في اللغة الإنجليزية تعني "قبل"، و"فينيو" تعني ماذا؟ "ويني ويدي ويتشي"، "جئت، رأيت وانتصرت". مؤخرًا، رأيت قميصًا كُتب عليه "ويني ويدي ويدجي"، "أتيت، رأيت وتناولت سلطة"، لكننا نعلم أن كلمة "ويني" تعني "أتيت". إذًا، عبارة "النعمة السابقة" تشير إلى أن النعمة تأتي قبل أمر ما. وعملية إتيان النعمة الإلهية مسبقًا يعتبرها أرمينيوس شرطًا أساسيًا لتحرير النفس من الموت الروحي. إذًا، تلك النعمة، تلك النعمة السابقة التي نتكلم عنها هنا تأتي قبل الاهتداء إلى المسيح. وبالفعل عليها أن تأتي قبل الاهتداء إلى المسيح لكي يتم الاهتداء.

عندما نتكلم عن نعمة الله، ثمة من يميّزون بين النعمة الداخلية والنعمة الخارجية، أو دعوة الله الداخلية ودعوة الله الخارجية. ويحصر البعض نعمة الله بما يفعله الله خارج نطاق نفوسنا عبر إعطائنا كلمته، وعبر إظهاره الحق لنا، وعبر حثنا وجذبنا وإقناعنا بالإقبال إليه. لكن مساعدة النعمة هذه تبقى خارج نفوسنا، هذا ما نسميه النعمة الخارجية. أما النعمة الداخلية فتعني أن يفعل الله أمرًا داخل نفوسنا.

من المهم أن ندرك أن أرمينيوس يعتبر أن نعمة الله التي يدعو بها الله الخطاة إلى التوبة ليست محصورة بعملية خارجية يقوم بها الروح القدس، بل بالنسبة إلى أرمينيوس النعمة تعمل داخل نفوسنا. وبما أنه كان يعلّم ذلك، فهو كان على اتفاق مع أوغسطينوس ولوثر وكالفين في ما يتعلق بالعملية التي يقوم بها الله داخل نفوسنا. لكنه يتابع ويقوم بالتعليق الآتي، الذي يبدو متناقضًا تمامًا مع رأيه الأول الذي أطلعتكم عليه، فهو يقول: "كل إنسان غير متجدد يتمتع بحرية الإرادة، وهو قادر أن يقاوم الروح القدس"، بإمكانه أن يرفض النعمة وألا يفتح الباب، وألا يفتح الباب للشخص أو لله الذي يقرع على باب قلبه. إذًا، رغم أن النعمة التي نهتدي إلى الله من خلالها هي داخلية بحسب أرمينيوس، إلا إنه يمكن مقاومتها. إذًا، يمكننا أن نرى هنا صورة إنسان ساقط مقيّد بالخطية، لا يقدر أن يغيّر نفسه أو ميل قلبه ليفعل أمور الله بقوته الخاصة، فهو يحتاج إلى دخول النعمة إلى نفسه، وهذه النعمة تعمل داخل نفسه. لكن، لكي يهتدي هذا الإنسان إلى المسيح، عليه أن يتجاوب مع عمل النعمة هذا وألا يرفضه. وهذه النعمة قادرة أن تجعله يهتدي إلى المسيح، لكنها لست قوية بما يكفي لتجعله يهتدي إلى الله من خلال عملها فيه، بل هي لا تزال تتطلب تجاوبًا داخليًا من قِبل الشخص الذي ينالها.

لكن خلال وصف هذه العملية التي تتم داخل النفس، يقول أرمينيوس إن نعمة التجديد كافية لتجعل الإنسان يهتدي إلى المسيح، إنها كل ما يحتاج إليه الإنسان ليتحرر من الموت الروحي ومن العبودية الأخلاقية، وهي حتمًا أمر نحتاج إليه ولا يمكننا أن نتحرر من دونه، والنعمة التي يمنحها الله للناس كافية. هذا هو إطار استعماله لكلمة "كافية"، إنها كل ما يلزم لتتميم العمل. لكنها ليست فعالة ضمنيًا، ما يعني أنها لا تعمل دائمًا وفي كل مكان على إحداث التجدد أو الاهتداء.

في هذا الإطار، نلحظ وجود تناقض تام بين أرمينيوس وأوغسطينوس والمؤمنين بالتعليم الأوغسطيني مثل لوثر وكالفين. يتكلم الكالفينيون كثيرًا عن نعمة الله على أنها "دعوة فعالة"، أي أنه حين يغير الله ميول القلب من خلال عمل الروح القدس في التجديد، فإن الروح يتمم ما ينوي فعله من خلال هذا العمل الإلهي والفائق للطبيعة داخل النفس. إذًا، هذا هو الفرق الأساسي هنا بين اللاهوت الإصلاحي التاريخي وأرمينيوس، أي أن اللاهوت الإصلاحي يعلّم أن نعمة التجديد فعالة، إنها داخلية وفعالة، في حين أن أرمينيوس يعتبر أنها داخلية لكن يمكن مقاومتها، وهي ليست فعالة بالضرورة.

ثم يتابع قائلًا إنه إن لم يقبل الإنسان هذه النعمة السابقة والكافية، وبالتالي لم يهتدِ إلى المسيح، فإن الذنب يقع على الإنسان وحده. أتذكرون كيف نشأ هذا الجدال في بداية المقام بين بيلاجيوس وأوغسطينوس، واستاء بيلاجيوس من صلاة أوغسطينوس – "يا رب، اجعل ما أمرت به يتم". وقال بيلاجيوس إنه إن كانت النعمة تستلزم عمل يد الله لكي نتمم واجبنا فبالتالي لا يكون الله عادلًا بطلبه من الناس أن يؤمنوا وأن يتبعوه إن كان تتميم المطلب يستلزم عمل الله على مساعدة الإنسان. يخالف أرمينيوس بيلاجيوس في الرأي لدرجة أنه قال إن على الله أن يساعدنا لكي ننمو في الفضيلة، لكن المساعدة التي يقدمها ليست فعالة بما يكفي لتحدث الفرق النهائي لكي يخلص الإنسان أو لا يخلص. الفكرة نفسها التي أثارت قلق بيلاجيوس أثارت قلق أرمينيوس أيضًا، رغم أن كل واحد حلّ المسألة بطريقة مختلفة، فلقد كان الاثنان قلقين بشأن عدل الله، لا سيما في ما يتعلق بعقيدة الاختيار. إن كان الله يمنح النعمة الفعالة للاهتداء والتحرير والتجديد للبعض دون سواهم، ففي نهاية المطاف، الله لا الإنسان هو من ينال المجد على خلاصك، لكنه ينال أيضًا اللوم على عدم خلاصك. إذًا، في محاولة حماية الله من أي اتهام بالاعتباطية، ترك أرمينيوس هذه القدرة البسيطة بيد الإنسان الساقط إما على التعاون مع النعمة المعطاة له أو رفضه لها. إذًا، الفكرة هي أن أرمينيوس يعتبر أنه يمكن مقاومة نعمة التجديد.

نضيف معلومة مهمة إلى هذا المفهوم. نظرًا لهذا التصوير الذي يقول من خلاله إن النعمة ليست غير قابلة للمقاومة، يمكنه القول عندئذٍ إنه إن لم يهتدِ أحدهم إلى المسيح فإن العيب يكمن في داخل هذا الإنسان، لكنه لا يقول العكس، هو لا يقول إنه إن خلص أحدهم لأنه لم يقاوم هذه النعمة ولأنه تجاوب مع هذه النعمة، فهو لم يتوصل إلى الاستنتاج بأنه إن قام أحدهم بالخيار الصائب فهو بالتالي فاضل في هذا الصدد. لكن السؤال الذي أطرحه والذي طرحه منتقدو الأرمينية هو الآتي: إن كان أمامك خياران، إما قبول النعمة أو رفضها، وإن كان رفضها خطأ بكل وضوح، فلماذا لا يكون قبولها والتجاوب معها فضيلة؟ برأيي، ما منع أرمينيوس من التوصل إلى هذا الاستنتاج هو فهمه للكتاب المقدس الذي يبعد الافتخار عن الإنسان في قصة الفداء برمتها، وهو كان طبعًا ذكيًا بما يكفي ليدرك إنه إن كانت توجد أي فضيلة في هذا القبول فهذا يعني أن لدى الخاطئ ما يدعوه للافتخار.

ولكي يصوّر مدى شقاء حالة الإنسان وعظمة دور النعمة في فدائنا، أعطى أرمينيوس تشبيهًا شهيرًا لكي يصوّر لنا رأيه بهذه المسألة. أخبر قصة رجل غني ومتسول، كان المتسول معدومًا يعيش حياة بؤس تام، وكان عاجزًا تمامًا عن تحسين وضعه المادي، فهو لم يكن يملك لا الوسائل ولا القدرة على فعل ذلك، فجاء إليه رجل غني ومنحه هدية قيمة جدًا مجانًا، هدية تغني هذا المتسول وتحرره من بؤسه، أي أن الرجل الغني جاء وقدّم للمتسول كل ما كان هذا الأخير ليرجوه يومًا لكي يتخلص من شقائه. وقدم الرجل الغني هذه الهدية الرائعة للمتسول مجانًا، لكن كل ما كان على المتسول فعله ليحصل على الهدية هو أن يمد يده ويقبلها. هو لم يستحقها، ولم يحصل عليها بسبب أي فضيلة في داخله، أو بسبب ممارسته أي قوة لأنه عاجز عن تغيير حالته من دون هدية ذلك الرجل الغني. هل تتبعون القصة؟ أرجو ذلك. لكن في نهاية المطاف، عليه أن يفتح يده ويقبل الهدية. لكن من الممكن أيضًا للمتسول أن يكون فرحًا جدًا ببؤسه، أو متكبرًا جدًا بما يجعله يرفض قبول مساعدة الرجل الغني وصدقته، ما يجعله يقاوم الهدية ويمتنع عن مد يده ليقبلها، يمكنه أن يبقي يديه في عبّه رافضًا الهدية الرائعة التي تم تقديمها له.

في الأوساط الأرمينية الحديثة نسمع تشابيه مماثلة عن الحالة البشرية، أسمع اثنين منها بشكل متكرر: المثل الأول يصف إنسانًا شقيًا معدمًا، أشبه بإنسان يعاني من مرض خطير وهو على شفير الموت، وهو عاجز تمامًا عن مداواة نفسه. ولكي يتعافى، عليه أن يأخذ دواء يداوي مرضه، فجاءوه بدواء يضمن شفاءه. لكن الإنسان ضعيف جدًا ليتمكن من تناول الدواء أو شربه بنفسه، وعلى أحدهم أن يسكب الدواء في ملعقة وأن يقرّبه إلى شفتي الإنسان الضعيف، لكن يبقى على الإنسان أن يفتح فمه ويأخذ الدواء. أو التشبيه الآخر الذي سمعت به هو مثل الإنسان الذي يغرق، وقد نزل تحت سطح الماء للمرة الثالثة وهو لا يجيد السباحة وحالته يائسة، وهو على وشك أن يهلك. ثم نزل تحت الماء ولم يبقَ شيء فوق الماء إلا يده، ويجب أن يقدم له أحد صدار النجاة، ويجب أن يرميه تمامًا كما ينبغي لكي يصل إلى يده، لكن يبقى على الإنسان أن يُمسك بصدار النجاة. يصف بيلي غراهام الأمر كما يلي: "الله يفعل 99 في المئة من الأمر، لكن على الخاطئ أن يفعل الواحد ف المئة". أما النظرة البروتستانتية فتقول طبعًا إنه لم يتم تقديم دواء لإنسان يُحتضر، وإنما القيامة لإنسان قد مات. ومَثَل الإنسان الغارق لا يعكس النظرة الكتابية للإنسان الميت في الذنوب والخطايا، هذا الإنسان ميت في قعر المحيط، والطريقة الوحيدة لإنقاذه تستلزم أن يغوص الله في المياه وأن يرفعه، وأن يقوم بإنعاشه ويعيده إلى الحياة. إذًا يتمحور الجدل حول الواحد في المئة، أو تلك القدرة البشرية الضئيلة.

بعد وفاة أرمينيوس في العام 1609، في العام التالي، دخل أحد تلاميذه في جدال يُعرف بالجدال الاحتجاجي في هولندا، حيث قدّم المحتجون خمسة اعتراضات على التعليم الإصلاحي في ذلك اليوم. أما الاعتراضات الخمسة فهي الآتية: أولًا... ردًّا على الكالفينية التاريخية، أعطوا خمس فرضيات، وهذه الفرضيات هي كالآتي: أولًا، الله يختار الناس على أساس معرفته المسبقة والإيمان المتوقَّع، وهو يختار هؤلاء الذين يعلم مسبقًا أنهم سيقبلون النعمة التي يقدمها لهم؛ ثانيًا، مات المسيح لأجل جميع الناس، والهدف من التكفير هو أن يخلص الجميع، لكن وحدهم من يتعاونون مع هذه النعمة يخلصون؛ ثالثًا، الإنسان فاسد جدًا بما يجعل النعمة ضرورية جدًا؛ رابعًا، يمكن مقاومة النعمة؛ خامسًا، مسألة ما إذا يمكن للإنسان المفدي أن يخسر خلاصه أو ما إذا كان يثابر في الإيمان هي مسألة موضع جدل. هذه هي البيانات التاريخية الخمسة التي قدمها المحتجون، ما أدى إلى انعقاد سينودس دورت في العام 1618 حيث تمت إدانة هذه الفرضيات الخمس في إطار الرد على المحتجين، وذلك الجدل التاريخي الذي انتهى في سينودس دورت، والذي نشأت من خلاله النقاط الكالفينية الخمس. والنقاط الخمس التي هي الفساد التام، والاختيار غير المشروط، والتكفير المحدود، والنعمة غير القابلة للمقاومة، ومثابرة المؤمنين، تمت مناقشتها بالمقارنة مع رأي أتباع أرمينيوس في الجدل الاحتجاجي في بداية القرن السابع عشر.