المحاضرة 4: غضب الله

شكّل العام 1968 فترة الذروة لذلك العقد الذي أسماه المؤرخون عقد الثورة الثقافية في الولايات المتحدة الأميركية. إنه العقد الذي شهد ولادة حركة حرية التعبير، وحركة الحرية الجنسية، والهيجان بين شعوب كثيرة للسماح بالإجهاض على الطلب، ولم يتحقق الأمر خلال السنتين التاليتين. إنها فترة احتجاج لم يسبق له مثيل ضد الحكومة الأميركية في ما يتعلق بتورّطنا في الفييتنام، وكانت تلك أيضًا حقبة هيجان لم يسبق له مثيل في الجامعات في جميع أنحاء الأرض.

وجدت نفسي في العام 1968 أعلّم في حرم جامعة تامبل في فيلادلفيا، ولديّ ذكريات حية عن محاولة تقديم محاضرتي في الصف، فيما كان الطلاب في الخارج يحتجون مستخدمين الأبواق ويستمرون في الاحتجاج وما إلى ذلك. وبعد ظهر ذلك اليوم، كنت قد انتهيت للتو من تناول الغداء في كافيتيريا كلية جامعة تامبل، وكنت أعبر في الساحة العامة في طريقي إلى كلية كونويل للاهوت، حين كان من المقرر أن ألتقي طلابي في صف اللاهوت المنظوم بعد لحظات قليلة، حين جاء إليّ غريب واستوقفني واعترض طريقي، وطرح عليَّ هذا السؤال: قال "أيها الأخ، هل أنت مخلّص؟" وكان أول رد فعل لي حين سمعت ذلك متناقضًا: فمن ناحية، كنت بصراحة منزعجًا ومتضايقًا قليلًا لأن أحدهم استوقفني بتلك الطريقة وقاطع محاولتي دخول الصف، وكنت على وشك الردّ على سؤاله "هل أنت مخلّص؟" كنت على وشك القول "مخلَّص من ماذا؟" بالطبع ليس من الأشخاص الوقحين الذين يخاطبونني وأنا في طريقي إلى الصف، لكني لم أجب بهذه الطريقة لأن مشاعري كانت متناقضة كما ذكرت. أما الوجه الآخر للعملة فهو الآتي: فأنا سررت برؤية مؤمن يتمتع بالجرأة والشجاعة ليأتي إلى شخص غريب تمامًا بالنسبة إليه ويطرح عليه سؤالًا مماثلًا.

دعونا ننتقل إلى العام 1991. كنت مدعوًا لتقديم خطاب عام في مؤتمر باعة الكتب المسيحيين صباح يوم أحد، وفي تلك المناسبة تكلّمت عن هذا الموضوع "مخلّص من ماذا؟" وذكرت أن أحدهم جاء إليَّ قائلًا "هل أنت مخلّص؟" فحين يتكلم الناس عن الخلاص نستخدم هذه اللغة، وأنا أطرح هذا السؤال: هل نفهم ما نقوله حين نقول إننا مخلّصون؟ وأكرر أن السؤال الذي أتطرق إليه اليوم – كما فعلت في العام 1991 مع تلك الجماعة – ليس "كيف نلتَ الخلاص؟" بل "ممّ أنت مخلّص؟"

إن راجعتم الكتاب المقدس وأجريتم دراسة عن كلمة "خلاص" في العهد الجديد، أو الفعل "يخلّص"، فسترون أن الفعل "يخلّص" في العهد الجديد ورد في كل صيغة ممكنة في اللغة اليونانية. واللغة اليونانية تتضمن صيغًا أكثر من الماضي والمضارع والمستقبل، فهي تتضمن صيغة الفعل التام والفعل الناقص، وصيغة المستقبل الناقص وغيره، والماضي الناقص، وجميع هذه الصيغ المختلفة، وتجد الفعل "يخلص" في كل واحدة من تلك الصيغ. إذًا، بمعنى ما نحن مخلّصون منذ تأسيس العالم، وفي الماضي كنا نخلص، ونحن مخلّصون، ونحن نخلص، وسوف نخلص. لكن ليس هذا فحسب، فكلمة "مخلَّص" تُستعمل أيضًا للإشارة إلى شتى أنواع النجاة من بعض الكوارث أو المصائب. نلاحظ مثلًا أنه حين يشفي يسوع أحدهم في العهد الجديد من مرض ما، كان يقول له: "إِيمَانُكَ خَلَّصَكَ". إذًا، أحد معاني كلمة "يخلّص" في الكتاب المقدس هو الشفاء من مرض خطير يهدّد الحياة، أو إن ذهب جيش ليحارب عدوًا لدودًا وانتصر عليه في ذلك اليوم، فهو نجا من الهزيمة، مثلما نتكلم عن خلاص الملاكم في اللحظة الأخيرة. حين نتكلم عن خلاص الملاكم في اللحظة الأخيرة، فنحن لا نقصد أنه دخل الآن إلى ملكوت الله، وإنما ما خلص منه هو الخطر الواضح والحالي من الهزيمة في الملاكمة. إذًا، إن تتبّعت اللغة في الكتاب المقدس فإنك تجد أن كلمة "يخلّص" قد تشير إلى أي نوع من النجاة من الكارثة أو المصيبة.

بالإضافة إلى هذه الاستعمالات العادية للفعل "يخلّص"، يوجد المعنى الأساسي، والاستعمال الأساسي، الفهم الأبرز لمفهوم الخلاص الكتابي، والذي يعني أيضًا "النجاة من الكارثة". وتلك الكارثة ليست الهزيمة في الحرب، وليست موتًا، وليست مرضًا، وليست النجاة من الإفلاس المالي، لكن الكارثة الأشد خطورة التي يرتبط بها مفهوم الخلاص هي كارثة مثول المرء عريانًا في محضر إله عادل وقدوس. وما نخلص منه وفق الكتاب المقدس هو ببساطة ما يلي: الله. هذا يصعقنا قليلًا لأننا نعي جيدًا من ناحية أن الله هو المخلّص، الله هو موجد الخلاص ومتمِّمه؛ لكن الخلاص الذي يوجده هو الخلاص من شخصه. هذا لأن العهدين الجديد والقديم على حد سواء يذكران أن الله حدد يومًا للدينونة، يدين فيه كل إنسان وفق معيار قداسته، ووفق معيار برّه، ووعد بأن يكون يوم الدين هذا يوم غضب في الوقت نفسه.

وجزء من سبب تصارع الناس مع فكرة الخلاص من الله هو أنه في هذا اليوم وهذا العصر الناس الذين يعتنقون ما يُعرف بالديانة الأميركية المدنية، لم يعودوا يؤمنون بحقيقة غضب الله. بينما ندرس الرؤى الكونية المختلفة، كنت أقول منذ البداية، إن المسألة الأساسية في تأسيس نظرتكم الكونية هي التوصل إلى فهم لطبيعة الله وطبيعة الشعب، وكيفية التواصل بين الطرفين. وإله المسيحية هو إله قدوس، إنه إله بارّ بكليته، وهو الإله الذي يدين العالم، وهو إله يعلن عن غضبه وفق الكتاب المقدس على جميع فجور الناس وإثمهم. إذًا، يقول لنا الرسول بولس إننا كخطاة غير تائبين، نحن نكدّس الغضب ونخزّنه وندّخره ليوم الغضب. لكن يبدو أنه لم يعد أحد يقلق بشأن ذلك، لأننا، وكما ذكرت، لم نعد نؤمن بغضب الله.

وعبارة "عناقيد الغضب" التي أصبحت عنوان أحد أشهر القطع الأدبية المكتوبة في هذه البلاد مقتبسة من الفصل 14 من سفر الرؤيا – الفصل 14 من سفر رؤيا القديس يوحنا. فلنكرّس بعض الوقت لإلقاء نظرة على الكلمات التي استعملها ستاينبيك في روايته، ومن ثم مؤلف نشيد المعركة الخاص بالجمهورية اقتبسها من ذلك النشيد. جاء في الآية 17 من الفصل 14 ما يلي: "ثُمَّ خَرَجَ مَلَاكٌ آخَرُ مِنَ الْهَيْكَلِ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، مَعَهُ أَيْضًا مِنْجَلٌ حَادٌّ. وَخَرَجَ مَلَاكٌ آخَرُ مِنَ الْمَذْبَحِ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى النَّارِ، وَصَرَخَ صُرَاخًا عَظِيمًا إِلَى الَّذِي مَعَهُ الْمِنْجَلُ الْحَادُّ، قَائِلًا: «أَرْسِلْ مِنْجَلَكَ الْحَادَّ وَاقْطِفْ عَنَاقِيدَ كَرْمِ الْأَرْضِ، لِأَنَّ عِنَبَهَا قَدْ نَضِجَ»".

كما جرت العادة في هذا الكتاب، نجد هذا التصوير البياني الحيّ للكلمة النبوية. وظهر ملاك حاملًا منجلًا ضخمًا يشبه المقضب، وقال الملاك الآخر "اجعل المنجل داخل الكرمة"، فترون أشجار الكروم تتهاوى على السياج، وهي كروم ناضجة جدًا، وكثيفة، وقوية، مليئة بعناقيد عنب فاخر. ثم وصلت تعليمات من السماء تقضي بإدخال المنجل – وهو أداة قطع – لقطع الكروم التي تحمل هذا الثمر الشهي. ونقرأ ما يلي "«أَرْسِلْ مِنْجَلَكَ الْحَادَّ وَاقْطِفْ عَنَاقِيدَ كَرْمِ الْأَرْضِ، لِأَنَّ عِنَبَهَا قَدْ نَضِجَ». فَأَلْقَى الْمَلَاكُ مِنْجَلَهُ إِلَى الْأَرْضِ وَقَطَفَ كَرْمَ الْأَرْضِ، فَأَلْقَاهُ إِلَى مَعْصَرَةِ غَضَبِ اللهِ الْعَظِيمَةِ". تم رمي جميع هذه الكروم مع عناقيدها في أي معصرة عنب. لا، لا يقول الكتاب المقدس إنها أُلقيت في أي معصرة كانت، بل في المعصرة العظيمة، وتم تعريف تلك المعصرة ووصفها في النص. فلنراجع ذلك مجددًا "فَأَلْقَى الْمَلَاكُ مِنْجَلَهُ إِلَى الْأَرْضِ وَقَطَفَ كَرْمَ الْأَرْضِ، فَأَلْقَاهُ إِلَى مَعْصَرَةِ غَضَبِ اللهِ الْعَظِيمَةِ". صورة المعصرة التي أُلقي العنب فيها هي معصرة الغضب الإلهي التي عصرت عناقيد الغضب.

"وَدِيسَتِ الْمَعْصَرَةُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، فَخَرَجَ دَمٌ مِنَ الْمَعْصَرَةِ حَتَّى إِلَى لُجُمِ الْخَيْلِ، مَسَافَةَ أَلْفٍ وَسِتِّمِئَةِ غَلْوَةٍ". على مدى تلك المسافة الكبيرة، سال الدم في الشوارع حتى إلى لجم الخيل، ولم يكن ذلك عصير عنب. تمثّل الكروم هؤلاء الأشخاص الذين يعيشون في عصيان وتمرد دائمين. إن الله صبور وطويل الأناة جيلًا بعد جيل، لكنه يعد بأن تكون نهاية لصبره، وبأن يأتي وقت ينزل فيه غضبه على شر البشر – عناقيد الغضب. ما زلنا ننشد النشيد، لكننا لا نؤمن بمضمون النشيد في يومنا هذا.

أحد الأمور التي نتعلّمها عن الله في الكتاب المقدس هو أنه قاضي الأرض كلها. وإن تساهل القاضي مع الشر إلى الأبد من دون إنزال الدينونة فهو ليس قاضيًا عادلًا، إنه قاضٍ ظالم، وهو نفسه جزء من ممارسة الشر. أيها الأحباء، ليس الله عديم المبالاة تجاه طريقة ممارسة الناس للعنف بحق بعضهم البعض، ولا يقف الله متفرّجًا على جميع تلك الأمور، لكننا نثير غضبه ليلًا نهارًا بشرّنا المفرط، وهو وعد بإنزال الدينونة على الأرض، كما أنه يعد بإيجاد مخرج من ذلك. لكننا نعتبر يوم 11 سبتمبر 2001 يوم وقوع البلية الأكبر في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، ويوم البلية ذاك لا يستحق أن نقارنه بيوم البلية الذي يقول الله إنه سيأتي في المستقبل، حتى يتم إلقاء عناقيد الغضب في المعصرة وتُداس بدينونته.

لاحظوا أن الاحتفال بهذا الحدث في نشيد المعركة الخاص بالجمهورية هو احتفال دخيل جدًا على طريقة تفكيرنا في المجتمع اليوم، لأنه ليس احتفالًا بقباحة الله، ولا بعنصر قاتم وغامض وشيطاني لدى الله، بل إنه احتفال بالمجد الإلهي. "رأت عيناي مجد مجيء الرب"، أي أن مجيئه بدينونته هو إظهار لمجده الإلهي ولكماله الإلهي. نحن نرى غضب الله عائقًا أمام نظرتنا لشخص الله، والسبب بكل بساطة هو أن نظرتنا لشخص الله في بلادنا تشكل صنمًا؛ إنه إله مجرّد من صفاته الحقيقية، إنه إله معروف ببساطة بالمحبة والرحمة والنعمة، لكننا ساومنا ورمينا في سلة المهملات أي فكرة عن كونه عادلًا وقدوسًا وغاضبًا. لكن إن أردنا أن نكون أمناء للمفهوم الكتابي لله، علينا أن ندرك أنه، وإلى جانب أمور أخرى، إله الغضب. أنا أعلم أنكم تفكرون الآن "لكنه إله الرحمة أيضًا". أجل، وسيكون هذا موضوع محاضرتنا المقبلة، لكن الآن، لا يمكن فهم الرحمة إلا على خلفية حقيقة الغضب. حين يكبت الله ذلك الغضب، حين يطوق الله ذلك الغضب، عندئذٍ، نفهم الرحمة الحقيقية. لكن لا مكان للرحمة إن كنا نظن أن الله لا يقدر أن يغضب، لأنه لا يوجد ما يجب أن نخلص منه.

اليوم الماضي سمعت معلقًا تلفزيونيًا يقول: "سأقول ذلك، في هذه الحرب ضد الإرهاب، الله في صفّنا"، وقال "أنا أعلم أن الله في صفنا لأن الله صالح، ونحن صالحون، نحن شعب صالح". كتب الحاخام كوشنير، الكتاب الأكثر مبيعًا: "لماذا تحدث أمور سيئة للأناس الصالحين؟" ليتني أنا وقّعت العقد لتأليف ذلك الكتاب، لأني لتمكنت من إنهائه في أقل من خمس دقائق، لأن الأمور السيئة لا تحدث للأناس الصالحين. السؤال الحقيقي هو: لماذا تحدث أمور صالحة لأناس آثمين أمثالنا؟ والكتاب المقدس يقول لنا "أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلَا وَاحِدٌ". وعليك أن تتوخى الحذر حين تفترض أن الله في صفك، لا سيما إن قمت بهذا الافتراض استنادًا إلى تقييمك لصلاحك، لأن الكتاب المقدس يقول لنا: "إن أراد الرب أن يشير إلى الإثم لا يمكن لأحد منا أن يقف". لكن جوهر الخلاص هو النجاة من غضب الله، وهو غاضب عادل. والسبب الذي يجعل الأمر مثيرًا جدًا بالنسبة إلينا هو أننا نستحق ذلك الغضب.

دعوني أذكركم بأنه في قلب الحياة والرؤية الكونية المسيحية يوجد فهمك لله وفهمك للإنسان. إن كنت تفهم الطبيعة البشرية على أنها صالحة أساسًا وجوهريًا وبشكل غير قابل للجدل، فبالطبع، لا يوجد مكان لغضب الله في ذهنك. فلكي يكون الله غاضبًا تجاه الأناس الصالحين، فالأمر يشير حتمًا إلى وجود ناحية قاتمة وشيطانية في شخصه. لكن مجددًا، حين يتكلم الكتاب المقدس عن غضب الله، فهو غضب معلن ليس ضد البراءة، ولا ضد البر، ولا ضد الطهارة، ولا ضد الصلاح، لكنه غضب معلن ضد جميع فجور الناس وإثمهم. وإن راقب الله حياتي فهو يجد ما يكفي من الفجور وما يكفي من الإثم لكي يميل إلى الإمساك بي واستخدام المنجل ليقطعني من الأرض ويرميني في معصرة غضبه، وهو أمر يتوافق تمامًا مع كماله وقداسته ومجده. لكن شكرًا لله لأنه أعطانا سبيلًا للخلاص، ولأنه يعطينا سبيلًا للنجاة منه. هذا هو جوهر الإنجيل كله، وهذا ما سنتطرق إليه في درسنا المقبل.