المحاضرة 9: الصلب

في محاضرة اليوم، سنلقي نظرة وجيزة على صلب المسيح. نحن نعرف جميعًا قول بولس إنه لم يعزم أن يعرف شيئًا بينهم إلا المسيح وإياه مصلوبًا. بالطبع كان هذا مثلًا عن الغلو الرسولي، لأن بولس كان يعرف أكثر من ذلك بكثير، وكتب عن مواضيع كثيرة أخرى إلى جانب صليب المسيح. لكن ما كان بولس يقوله عبر ذلك التعليق، هو أننا في الصلب نبلغ ذروة عمل المسيح، أوج، وقمة المهمة التي تم إرساله لتتميمها.

لو أننا كنا شهود عيان للصلب يوم الجمعة العظيمة، أعتقد أنه لم يكن مضمونًا أن ندرك أننا نراقب عملًا له أهمية كونية، وأننا نعاين عمل كفارة. الأشخاص الذين كانوا مجتمعين هناك في الجلجثة كانت لديهم وجهات نظر مختلفة بشأن ما يرونه. من وجهة نظر قيافا، كان قتل يسوع ذريعة سياسية لإبقاء الرومان بعيدًا عن المجمع اليهودي. بالنسبة إلى بيلاطس، كان أيضًا ذريعة سياسية لتهدئة الجموع الهائجة التي تصرخ مطالبة بدم المسيح. أما اللص على الصليب الذي اعترف بهوية يسوع، فهو اعتبر الأمر إخفاقًا للعدالة. لكن مَن مِن المراقبين كان ليرى في الأمر كفارة ذات آثار بعيدة المدى؟

بغية فهم عمق ما حدث في الصليب، يجب أن ندرس الرسائل في العهد الجديد حيث نجد تفسيرًا لمعنى حدث الصليب. باختصار، دعوني ألقي نظرة على رسالة رومية الفصل 3، حيث يقول الرسول بولس ما يلي في الآية 21 "وَأَمَّا الآنَ فَقَدْ ظَهَرَ بِرُّ اللهِ بِدُونِ النَّامُوسِ، مَشْهُوداً لَهُ مِنَ النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءِ، بِرُّ اللهِ بِالإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ. لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ. إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ، مُتَبَرِّرِينَ مَجَّاناً بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ الَّذِي قَدَّمَهُ اللهُ كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ".

التعليقان اللذان يقوم بهما الرسول هنا بالإشارة إلى تبريرنا وارتباطه بعمل يسوع؛ الأول يتعلق بكلمة فداء – التي سأدرسها عن كثب بعد قليل. لكن ما أريد أن نراه بداية هو إشارته إلى عمل الكفارة هذا، وأنه بموت يسوع وبسفك دمه تم عمل كفارة. ما معنى ذلك؟ كان اليهودي الذي يقرأ هذا النص يفهمه على ضوء احتفال العهد القديم بيوم الكفارة. أنت تتنافس في الأهمية لتحدد أي يوم في السنة هو الأهم. أهو الاحتفال بالفصح، أم الاحتفال بيوم الكفارة؟ لكن يوم الكفارة السنوي، يوم الغفران، كان يوم تكريس رئيس الكهنة لمهمة خاصة. كان عليه أن يقدم بنفسه عجلًا كذبيحة، ثم كان عليه أن يأخذ تيسين من المعز، واحد يتم إرساله ككبش فداء إلى البرية فيما يتم ذبح الكبش الآخر.

ومن ثم، إن رئيس الكهنة وبعد ممارسة طقوس تطهير دقيقة، كان يُسمح له بالدخول إلى قدس الأقداس في إسرائيل، إلى "سانكتوس سانتوروم"، إلى قدس القداس، وراء الحجاب عند حدود القدس، حيث كان يحق لرئيس الكهنة وحده بالدخول. وكان يدخل إلى قدس الأقداس حاملًا دم الحيوان الذي قدمه كذبيحة. وماذا كان يفعل به؟ كان يأخذ هذا الدم ويرشّه على كرسي الرحمة. وكرسي الرحمة الذي كان في قدس الأقداس كان عرش الله. وكرسي الرحمة كان غطاء هذا العرش. وداخل العرش كان يوجد مثلًا عصا هارون والوصايا العشر أو ناموس الله. إذًا، في هذا الطقس يتم رش الدم على عرش الله، ما يشير إلى ضرورة وجود ذبيحة دم بهدف إرضاء متطلبات عدل الله. إذًا، ما يتم من خلال عمل الكفارة هو عمل إرضاء.

هذا المفهوم غريب علينا قليلًا. لأنه قيل لنا غالبًا إن الله إله المحبة. إنه إله الرحمة، إنه إله النعمة الذي يغفر لنا خطايانا مجانًا. وبالتالي، الفكرة التي نكوّنها عن الله هي أن كل ما يتوجب على الله فعله ليصالحنا مع شخصه، هو منحنا غفرانه ببساطة. لكن حين نفكر بهذه الطريقة ننسى أن الله قدوس، وننسى أن الله عادل. وفي آخر هذا المقطع الذي قرأته للتو من رومية 3، يقول "كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ بِإِمْهَالِ اللهِ، لإِظْهَارِ بِرِّهِ فِي الزَّمَانِ الْحَاضِرِ، لِيَكُونَ بَارّاً وَيُبَرِّرَ". إذًا، حين يبرر الله شعبه فهو لا يفعل ذلك بموجب عمل غفران من جانب واحد. لأن فعل ذلك بدون إرضاء وبدون كفارة وبدون استرضاء، هو انتهاك كامل لعدله. الله لن يتغاضى عن الخطية. لن يتغاضى الله عنها ببساطة بدون معاقبتها. إذًا، في طقس يوم الكفارة برمته نرى رمزية ذبيحة الدم، المعطاة لتهدئة غضب الله ولإرضاء عدله.

ثم نصل إلى العهد الجديد، ونقرأ رسالة العبرانيين. تذكّرنا رسالة العبرانيين بأن دم الثيران والتيوس لا يقدر أن يكفّر عن خطايانا. والعملية الدقيقة هذه برمّتها المتعلقة بذبح التيس ورش دمه على الغطاء لن تخلّص أحدًا من خطاياه. لأنه لا تكمن قيمة متأصلة وجوهرية في دم التيس لتحدث الكفارة. إذًا، كيف كان تُغفر خطايا الناس في العهد القديم؟ ليس على أساس دم التيوس، بل على أساس دم المسيح الذي كان سيأتي. جميع تلك الممارسات والطقوس في المسكن، وفي الهيكل لاحقًا، كانت تشير إلى أمر يتجاوزها، إلى الحقيقة المستقبلية الآتية، والتي سترضي متطلبات بر الله وعدله.

ذكرت أيضًا هنا في هذا النص، أن المسيح أُرسل ليحقق الفداء. ومفهوم الفداء هذا مرتبط أيضًا بعمل المسيح في الصليب. الفداء يتعلق بتعويض شيء ما. لدينا تجربة في تاريخ الماضي في أميركا، حيث كان لدينا مراكز تسوق ومتاجر أخرى تعطي طوابع توفير، لكن هذه العادة ولّت في السنوات القليلة الأخيرة. لكن في كل مركز تسوق كان يوجد متجر صغير، يدعى مركز التعويض. وفي مركز التعويض ذاك كان يوجد شتى أنواع الأجهزة والأدوات والدراجات وغير ذلك. ولقاء عدد الطوابع التي تم ادخارها، كان بإمكانك استبدال الطوابع بشيء حقيقي يمكن استعماله. لأنه لم يكن بإمكانك أن تستعمل الطوابع. كنت تعوّض الطوابع لشراء ما تريده. وهذا ما يحدث هنا في الفداء. الفداء هو عمل شراء، إنه عمل اقتصادي إذا جاز التعبير. ويسوع في الصليب يشتري شيئًا، إنه يشتري شخصًا عبر فدائه أو دفع ثمن الفداء.

مجددًا، في العهد القديم، متى تعذّر على الناس أن يسددوا ديونهم كان بإمكانهم أن يهبوا أنفسهم للدائن، ويتطوعون في عملية عبودية بالسخرة حتى يتم تسديد الدين. وإن أصبح رجل مثلًا خادمًا بالسخرة، وكان عليه أن يعمل طوال خمس أو ست أو سبع سنوات لتسديد دينه، وأثناء عبوديته تزوج امرأة وحان وقت انتهاء مدة خدمته، كان يجب إطلاق سراحه لكن بدون امرأته. فبغية حماية المرأة من تزوّج إنسان مفلس لم يقدر في المقام الأول أن يعتني بشؤونه الخاصة، ناهيك عن الاعتناء بامرأة أو بأولاد، كانت المرأة أو الأولاد يبقون إلى أن يدفع العبد المحرر ثمن العروس لكي يفدي عروسه. وحين يدفع المال، كان يتم عتق عروسه.

تنطبق هذه الصورة أيضًا على العهد القديم، حيث يشتري يسوع عروسه المقيّدة والمستعبدة للعالم والجسد والشيطان. لذا يقول بولس لقرّائه "أنت لستم ملك أنفسكم، بل اشتُريتم بثمن. لقد اشتُريتم، والثمن هو دم المسيح"، أو يجب أن نقول: حياة المسيح. فوفق الناموس اليهودي الحياة تكمن في الدم. وسبب طلب الدم ليس ببساطة لكي يجرحوا الحيوان فيستخرجوا منه بعض الدم فتتم الذبيحة بذلك، لا، فلقد كان الدم يُسفك لأن الحياة كانت مطلوبة لدفع ثمن الخطية. ففي البداية كان عقاب كل خطية يستلزم تقديم حياة ما. مجددًا، في عملية الفداء في العهد القديم، أحيانًا كثيرة مَن كان يقوم بعملية الشراء لشراء أحدهم وتحريره من العبودية كان قريبًا، وذلك القريب يُعرف بالقريب الفادي، القريب الذي يدفع الثمن لتحرير أخيه أو أخته أو أمه أو غيرهم. إذًا، في العهد الجديد، يسوع هو القريب الفادي الأسمى، وهو يدفع ذلك الثمن على الصليب.

إن درسنا أيضًا رسالة بولس إلى أهل غلاطية. في الفصل 3 من رسالة غلاطية نرى إعلانًا مذهلًا. حيث كتب بولس في الفصل 3 والآية 10 الكلمات الآتية "لأَنَّ جَمِيعَ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَعْمَالِ النَّامُوسِ هُمْ تَحْتَ لَعْنَةٍ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ لاَ يَثْبُتُ فِي جَمِيعِ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ النَّامُوسِ لِيَعْمَلَ بِهِ». وَلَكِنْ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَتَبَرَّرُ بِالنَّامُوسِ عِنْدَ اللهِ فَظَاهِرٌ، لأَنَّ «الْبَارَّ بِالإِيمَانِ يَحْيَا». وَلَكِنَّ النَّامُوسَ لَيْسَ مِنَ الإِيمَانِ، بَلِ «الإِنْسَانُ الَّذِي يَفْعَلُهَا سَيَحْيَا بِهَا».

ثم نقرأ ما يلي في الآية 13، هذا مذهل، "اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ". دعوني أتوقف هنا قليلًا. "اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ". ها قد رجع بولس للتو إلى بنود العهد في العهد القديم الذي أبرمه الله مع موسى. ولما تم تجديده في سفر التثنية، تذكرون أن الله قال لشعبه وهم في حالة اعتكاف، قال "إن عملت بأحكام الناموس الذي أعطيتك إياه وأطعت أحكامي ووصاياي، مُبَارَكاً تَكُونُ فِي المَدِينَةِ، وَمُبَارَكاً تَكُونُ فِي الحَقْلِ. مباركًا تكون في قيامك ومباركًا تكون في جلوسك في الفراش ليلًا. مباركًا تكون في كل مكان. لكن إن لم تعمل بوصاياي، مَلعُوناً تَكُونُ فِي المَدِينَةِ وَمَلعُوناً تَكُونُ فِي الحَقْلِ. ملعونًا تكون في قيامك وملعونًا تكون في جلوسك في الفراش ليلًا، وتكون لعنتي عليك".

أحد الأمور التي أحبها في غناء تراتيل عيد الميلاد في ترتيلة "للناس المسرة"، ثمة جملة في الترتيلة تشير إلى فعالية فداء المسيح. إنه موجود منذ أن وجدت اللعنة. تظهر تلك اللعنة في بداية سفر التكوين، فور دخول الخطية إلى العالم عبر تجربة الحية. لُعن الرجل، ولُعنت المرأة، ولُعنت الحية، ولُعنت الأرض. والخليقة كلها تئن وتتمخض حتى كسر تلك اللعنة. لكن ما هي تلك اللعنة؟

أود تفسير ذلك كما يلي، الكل يعرف البركة العبرية "يُبَارِكُكَ الرَّبُّ وَيَحْرُسُكَ، يُضِيءُ الرَّبُّ بِوَجْهِهِ عَليْكَ وَيَرْحَمُكَ، يَرْفَعُ الرَّبُّ وَجْهَهُ عَليْكَ وَيَمْنَحُكَ سَلاماً". نجد في هذا الشعر العبري توازيًا مرادفًا، حيث تحمل كل جملة المعنى نفسه. بحيث أن بالنسبة إلى اليهود، عبارة "يباركك الرب" تحمل المعنى نفسه كما عبارة" يضيء الرب بوجهه عليك"، لأن البركة العظمى بالنسبة إلى اليهودي كانت تقضي بأن يتمكن يومًا ما من رؤية الله وجهًا لوجه. "يرفع الرب نور وجهه عليك"، بهاء وجهه، فلينزل ذلك البهاء عليك "ويمنحك سلامًا". هذا هو المعنى الأسمى للبركة. لكن البركة هي النقيض – إنها نقيض اللعنة. إذًا، ما معنى أن يكون أحدهم ملعونًا من الله؟ بدلًا من القول "يباركك الرب ويحفظك"، يقال "يلعنك الرب ويتركك". بدلًا من أن "يضيء بوجهه عليك، "يدير الله ظهره لك ويُنزل عليك دينونته"، "يدير الله وجهه بعيدًا عنك ويزيل سلامه من حياتك".

يتابع بولس قائلًا هنا، مستخدمًا تعابير البركة واللعنة قائلًا "اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ». لِتَصِيرَ بَرَكَةُ إِبْرَاهِيمَ لِلأُمَمِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، لِنَنَالَ بِالإِيمَانِ مَوْعِدَ الرُّوحِ". لكي ننال البركة التي وعد الله إبراهيم ونسله بها، لا بد من معاقبة الخطية أولًا. والآن، لا يحمل يسوع اللعنة فحسب، بل إنه أصبح لعنة، لقد جسّد اللعنة. يجب أن يكون متروكًا تمامًا من الله. والعذاب الذي جعله يصرخ على الصليب "إلهي، إلهي لماذا تركتني؟" كان حين أطفأ الله النور. أدار الآب ظهره ليسوع. ولما حمل يسوع خطايانا كلها، كان ذلك أبشع مشهد في الكون، والله أكثر قداسة من أن ينظر إلى الخطية. إذًا، هو أدار له ظهره لكي ينال هو اللعنة، لئلا ننالها نحن، بل ننال البركة بدلًا من ذلك. لكن شكرًا لله لأن المسيح لم يبقَ ملعونًا إلى الأبد، بل لفترة محدودة في الجلجثة.

سبق أن قلت مرارًا إنه حين يتكلم الناس عن الصلب، فإنهم يسترسلون في الكلام عن الألم الجسدي الذي يتكبده شخص تلقى المسامير والشوك والحربة في جنبه. أتساءل ما إذا كان يسوع قد شعر بتلك الأمور. آلاف الأشخاص ماتوا بهذه الطريقة، لكن واحدًا فقط نال ملء لعنة الله وسط صلبه. وفي النهاية، وقبل أن يلفظ الروح، قال "تيتيليستاي" أي "قد أكمل"، واستودع روحه بين يدي ذاك الذي كان قد لعنه للتو، فقبله الآب في محضره مرة أخرى. الإذلال والآلام واللعنة انتهت، لكن كان لا يزال أمام يسوع المزيد من العمل ليتممه. لذا لا تنتهي القصة يوم الجمعة. لا تنتهي القصة على الصليب. سيحلّ يوم الأحد، بينما يبقى عمل يسوع مستمرًا.