المحاضرة 7: الدخول الانتصاري

في محاضرتنا السابقة ألقينا نظرة وجيزة على تجلي المسيح. ونشير في هذا الصدد إلى أن تلك كانت لحظة مجد وفرح غير مسبوقة للأشخاص الذين عاينوها، أي بطرس ويعقوب ويوحنا. لكن النص يشير أيضًا إلى أنه سرعان ما تحوّل ذلك الفرح إلى يأس، حين أخبرهم يسوع بأنهم سيتركون جبل التجلي ليتوجهوا إلى أورشليم، وقال لهم ربنا إنه في أورشليم سيسلّم ثم سيتألم ويموت. إذًا، قاموا بالرحلة. وحين كان يسوع مستعدًا للذهاب إلى المدينة، قام بترتيبات خاصة لدخوله المدينة. نجد سردًا لذلك في متى 21.

أود قراءة ذلك باختصار بدءًا بالآية الأولى. "وَلَمَّا قَرُبُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ وَجَاءُوا إِلَى بَيْتِ فَاجِي عِنْدَ جَبَلِ الزَّيْتُونِ، حِينَئِذٍ أَرْسَلَ يَسُوعُ تِلْمِيذَيْنِ قَائِلاً لَهُمَا «اذْهَبَا إِلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أَمَامَكُمَا، فَلِلْوَقْتِ تَجِدَانِ أَتَاناً مَرْبُوطَةً وَجَحْشاً مَعَهَا، فَحُلَّاهُمَا وَأْتِيَانِي بِهِمَا. وَإِنْ قَالَ لَكُمَا أَحَدٌ شَيْئاً، فَقُولاَ: الرَّبُّ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِمَا. فَلِلْوَقْتِ يُرْسِلُهُمَا»". نحن نطرح سؤالًا في هذا الصدد سيجيب متى عليه، وهو "ما الداعي لوضع هذه الخطط المفصلة؟ لماذا نظّم يسوع دخوله العظيم إلى أورشليم بهذه الطريقة؟"

الجواب على هذا السؤال موجود في المقطع التالي من النص، حيث يستشهد متى بنبوة لزكريا في العهد القديم ويقول "فَكَانَ هَذَا كُلُّهُ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالنَّبِيِّ الْقَائِلِ: «قُولُوا لاِبْنَةِ صِهْيَوْنَ: هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِيكِ وَدِيعاً، رَاكِباً عَلَى أَتَانٍ وَجَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ». فَذَهَبَ التِّلْمِيذَانِ وَفَعَلاَ كَمَا أَمَرَهُمَا يَسُوعُ، وَأَتَيَا بِالأَتَانِ وَالْجَحْشِ، وَوَضَعَا عَلَيْهِمَا ثِيَابَهُمَا فَجَلَسَ عَلَيْهِمَا. وَالْجَمْعُ الأَكْثَرُ فَرَشُوا ثِيَابَهُمْ فِي الطَّرِيقِ. وَآخَرُونَ قَطَعُوا أَغْصَاناً مِنَ الشَّجَرِ وَفَرَشُوهَا فِي الطَّرِيقِ. وَالْجُمُوعُ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا وَالَّذِينَ تَبِعُوا كَانُوا يَصْرَخُونَ قَائِلِينَ: «أُوصَنَّا لاِبْنِ دَاوُدَ! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ! أُوصَنَّا فِي الأَعَالِي!» وَلَمَّا دَخَلَ أُورُشَلِيمَ ارْتَجَّتِ الْمَدِينَةُ كُلُّهَا قَائِلَةً: «مَنْ هَذَا؟» فَقَالَتِ الْجُمُوعُ «هَذَا يَسُوعُ النَّبِيُّ الَّذِي مِنْ نَاصِرَةِ الْجَلِيلِ»".

ما أريد أن نلاحظه في هذا السرد بالذات لأحد الشعانين وللدخول الانتصاري ليسوع، هو أنه تم عرض مركزين يهوديين مختلفين: أولًا، مركز الملك، وثانيًا، مركز النبي. لكن حين دخل يسوع المدينة جاء بحلّة ملك. كان حتمًا وديعًا، مذلولًا بدون أي شك، لكنه متمم بكل وعي نبوة العهد القديم على لسان زكريا، وهي أن ملك اليهود سيأتي إلى أورشليم راكبًا على أتان.

في هذ الصدد، ثمة سرّ تم حفظه بعناية جعل يسوع تلاميذه يحفظونه أصبح معلنًا الآن. كلما تمت الإشارة خلال خدمة يسوع الأرضية إلى كونه المسيح كان يقول لتلاميذه، كما فعل لدى التجلي، "لا تخبروا أحدًا". نحن نسمّي هذا "السرّ المسيحي". ويجب أن نخمّن لماذا أصرّ يسوع على السرية في ما يتعلق بدعوته المسيحية. والتخمين الواضح هو أنه أدرك أنه كان لدى الشعب مفهومًا خاطئًا لما سيفعله المسيح. الأمل الشائع، التوقع الشائع المتعلق بالمسيح الآتي هو أنه سيكون محاربًا عظيمًا يطيح بالظلم الروماني ويحرر شعب إسرائيل من نير روما. لكن فهم يسوع للمسيا كان أكثر عمقًا، فهو أخذ كل خيوط التوقع في نبوة العهد القديم وربطها ببعضها، وجعل منها صورة معقدة لما يعني أن يكون عليه المسيح. والعنصر الأهم في ذلك هو العنصر المتعلق بكونه خادمًا وديعًا سيتألم. الصورة التي أعطاها إشعياء للمسيح في الفصول الأخيرة من سفره هي صورة العبد المتألم، ولم يكن الأمر شائعًا ومعلنًا.

إذًا، بقي يسوع متكتمًا على هويته حتى ذلك الحين، ثم تم رفع عباءة الإخفاء وها إن يسوع يتمم بوضوح نبوة العهد القديم. فدخل إلى المدينة في موكب النصرة مشيرًا إلى مكانته كملك. وحين قال الشعب: من هذا القادم بهذه الطريقة ما جعل الشعب يهتف " أُوصَنَّا! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ!" أحد الأجوبة التي تم إعطاؤها هو "هَذَا يَسُوعُ النَّبِيُّ الَّذِي مِنْ نَاصِرَةِ الْجَلِيلِ". إذًا نلاحظ ذكر عنصرين متعلّقين بخدمة يسوع في هذا المقطع بالذات: خدمته كملك وخدمته كنبي.

لكن إن توسعنا في دارسة العهد الجديد، فإننا ندرك أنه لم يكن لدى يسوع مركزين فحسب بل ثلاثة. ونسمي هذه المراكز الثلاثة في اللاهوت "ميونوس تريبلكس"، أي مراكز يسوع الثلاثية. والمراكز الثلاثة التي دُعي لتتميمها في خدمته هي مراكز: النبي، والكاهن، والملك. هذه المراكز الثلاثة كلها تمت في شخصه وخدمته. وأود أن أكرس بعض الوقت اليوم للتمييز بين هذه المراكز الثلاثة لكي نفهم ما يجري هنا في تلك اللحظة بالذات من حياته، أثناء الدخول الانتصاري.

في المقام الأول، المراكز الثلاثة كلها –النبي والكاهن والملك– هي مراكز أدّاها نوع من الوسيط. وأنا أستعمل كلمة "وسيط" بالحروف الصغيرة وليس بالحروف الكبيرة، لأن الكتاب المقدس يقول لنا إنه بالمعنى النهائي لا يوجد إلا وسيط واحد بين الله والناس، وهو يسوع. حين يقول الكتاب المقدس ذلك ويتكلم عن كون المسيح وحده الوسيط بين الإنسان والله، فهذا لا يستثني الأشكال الأدنى لخدمة الوسيط التي كانت تعمل في أيام العهد القديم في مركز النبي والكاهن والملك. ما جعل منهم وسطاء هو أنهم كانوا بطريقة ما يقفون بين الشعب والله.

أود القول إن الفرق الأساسي بين النبي والكاهن هو الآتي: النبي هو الناطق باسم الله. كان النبي يعلن كلامه مستهلًا إياه بعبارة "هكذا يقول الرب". كان الأنبياء وكلاء الإعلان. وضع الله كلمته في أفواههم، لذا فهم كانوا الناطقين باسم الله للشعب. والكهنة من ناحية أخرى، الذين كانوا يشغلون مركزًا عاديًا وليس مركزًا خاصًا معينًا بطريقة كاريزماتية كما كانت حال الأنبياء، كانوا يؤدون وظيفة تتميم الواجبات العادية لمنظمة إسرائيل الدينية. والوظيفتان، وأكثر من أي وظيفة أخرى أدّوها، كانتا أولًا، تقديم الذباح، وثانيًا، رفع الصلوات. إذًا، كان الكاهن الوسيط للشعب أمام الله.

إن راقبت كيفية حدوث الأمر في الطقوس الدينية في الكنيسة الكاثوليكية، فإنك ترى الكاهن أحيانًا يدير ظهره للشعب. ومتى يكون ذلك؟ حين يقدم الذبيحة. وحين يتوجه إلى الناس من أمام المنبر فهو يكلم الشعب باسم الله. إذًا، في الكنيسة اليوم تم المزج بين دوري ومركزي النبي والكاهن. إن تأملت في طقوس اجتماع العبادة البروتستانتية، فهو يتضمن بعض العناصر الكهنوتية وبعض العناصر الأخرى النبوية. حين يرفع الراعي الصلاة الرعوية ويصلي لأجل الشعب فهو يقوم بعمل كهنوتي، وحين يقرأ الكتاب المقدس ويتلو العظة فهو يقوم بعمل نبوي في ذلك الوقت.

لكننا نرى هذا التمييز الأساسي في ما يتعلق بالأنبياء، في العهد الجديد. النبي الأسمى على الإطلاق هو يسوع. يسوع لا يعلن كلمة الله فحسب، بل إنه هو كلمة الله، إنه تجسد كلمة الله. وهو يتكلم بسلطان الآب الكامل حين يتكلم، كما أنه يعلن نبوات متعلقة بالمستقبل. وتلك أيضًا كانت حال أنبياء العهد القديم. لكن الفرق المذهل بين أنبياء العهد القديم ونبي العهد الجديد يسوع، يتعلق بما أسميه العناصر الذاتية والموضوعية للنبوة. العناصر الذاتية للنبوة تشير إلى الأنبياء أنفسهم كأتباع بشر، وكانوا يعلنون كلامهم. وكان مضمون نبوتهم المستقبلية وصفًا لذاك الذي سيأتي. وموضوع نبوتهم أساسًا كان يسوع. إن يسوع في هويته الذاتية كان نبيًا أيضًا. لكن الفرق بين يسوع وسائر الأنبياء هو أن يسوع كان مُعلن النبوة وموضوعها، أي أن معظم الإعلانات النبوية التي قام بها كانت تتعلق به.

أحد الأمور التي غالبًا ما يتم تفويتها في دراسات التطويبات مثلًا في إنجيل متى، حين يريد بعض الأشخاص إحالة المسيحية إلى مجموعة من المبادئ الأخلاقية وحصر يسوع بدور معلم الأخلاقيات أو الفاضل، فإنهم لا يلاحظون أن جزءًا كبيرًا مما يقوله يسوع في الموعظة على الجبل وفي التطويبات يتعلق بشخصه. حيث يتكلم عن هؤلاء الذين سينالون البركات، فإن البركات تبلغ ذروتها فيه وفي ملكوته. إذًا، حتى في التطويبات يعلن يسوع أمورًا عن عمله الشخصي في ملكوت الله.

كما أننا ندرس الكهنوت، ونرى أن الكهنة كان لديهم أيضًا أبعاد ذاتية وموضوعية في عملهم كأشخاص يؤدون مهامًا متعددة. كانت لديهم مشاركتهم الذاتية في الأمر. لكن ماذا كان هدف عملهم؟ الهدف الأساسي من المهمة الكهنوتية كان تقديم الذبائح بالنيابة عن الشعب. لكن بيسوع، يجد الكهنوت الاقتران مجددًا بين الفاعل والمفعول به. لأنه حين يقدم يسوع الذبيحة، فإن الذبيحة التي يقدمها هي ذبيحة ذاته. وكافة الذبائح التي قدمها الكهنة في العهد القديم كانت رمزية بشكل أساسي، وكانت ظلالًا للذبيحة الكاملة الآتية والتي سيتم تقديمها مرة وإلى الأبد. نحن لا نكرر الذبائح الحيوانية في الكنيسة المسيحية اليوم، لأن كل ما أشارت إليه الذبيحة الحيوانية تم بذبيحة يسوع الكاملة. أكرر، لم يكن يسوع فحسب الشخص أو الفاعل الذي قدّم الذبيحة الكاملة، لكنه كان هو الذبيحة لأنه كان يضحي بنفسه.

من المهم جدًا أن نفهم عمل يسوع في هذا الصدد، لأن رسالة العبرانيين تتكلم تفصيلًا عن المسيح كونه رئيس كهنتنا العظيم. سنسترسل في الكلام عن هذا الأمر في ما يتعلق بالصليب، وأيضًا في ما يتعلق بالصعود وبجلوسه في السماء. لكني أذكركم بأن تلك كانت مشكلة صعبة لمعاصري يسوع لأنهم قالوا "كيف يمكن له أن يكون كاهنًا وملكًا؟" لأن في نبوة العهد القديم كانت ملكية المسيح مرتبطة بسبط يهوذا. الوعد الذي كان الله قد قطعه لشعب إسرائيل بشأن ملكهم المستقبلي الكامل الذي سيملك إلى الأبد يقضي بأن يتحدر الملك من نسل داود، وبأن يأتي من سبط يهوذا. لما تم إعلان بركات يعقوب في قت مبكر في العهد القديم قال "لا يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا حَتَّى يَأتِيَ شِيلُونُ". إذًا، لم يُعطَ مركز الملك لشمعون أو يساكر أو دان أو لاوي، وإنما لسبط يهوذا. وقد تم بذل جهد كبير في العهد الجديد للإثبات أن يسوع يتحدر من سبط يهوذا لكي يستحق أن يكون ملكًا. لكنه يُدعى أيضًا الكاهن. كيف يمكن له أن يكون كاهنًا وملكًا في الوقت نفسه؟ لأن الكهنة كانوا من سبط لاوي ضمن إطار كهنوت هارون.

إذًا، جاء الجواب على ذلك في رسالة العبرانيين، حين قيل لنا إن يسوع كاهن على رتبة ملكي صادق. والبرهان الذي قدّمه كاتب رسالة العبرانيين، هو أن رتبة ملكي صادق الكهنوتية كانت أعلى من رتبة لاوي في الكهنوت. كيف قدّم ذلك البرهان؟ يقول كاتب رسالة العبرانيين إنه حين التقى إبراهيم ذلك الرجل الغريب الذي يدعى ملكي صادق الذي كان ملك شاليم –ومعنى اسمه "ملك"، "ملك البر". كلمة "شاليم" تعني "سلام". إذًا، كان يُعرف بملك السلام وملك البر– فإن ملكي صادق بارك إبراهيم، وتلقى عشورًا من إبراهيم. وفي العهد القديم كان الأكبر هو من يبارك الأصغر، والأصغر يقدّم العشور للأكبر. وقال كاتب رسالة العبرانيين: لم يكن لاوي قد ولد بعد. وإن كان ملكي صادق أعظم من إبراهيم، وكان لاوي من نسل إبراهيم، ما يجعل إبراهيم أعظم من لاوي –أجروا عملية حسابية، وهو المطلوب إثباته– فإن ملكي صادق أعلى من لاوي. إذًا، المركز الكهنوتي الذي يشغله يسوع يتفوق على كل شيء في الكهنوت الهاروني واللاوي في العهد القديم.

لكن في هذه المناسبة أثناء الدخول الانتصاري، يتم التشديد على المركز الثالث، ألا وهو مركز الملك. ومجددًا، أذكر كلمة وسيط. ففي العهد القديم لم يكن الملك مستقلًا بذاته، لم يكن الملك يتمتع بسلطان أعلى، لكن الملك بحد ذاته كان خاضعًا لقانون الملك. وكان يفترض بالملك تحقيق حكم الله البار أمام الشعب عن طريق الوساطة. وكان الملك نفسه مسؤولًا أمام الله عن طريقة ممارسته لمركزه. بالمناسبة، يوضح العهد الجديد أن جميع المسؤولين في الحكومة والسلطة هم أيضًا خاضعون لسلطان الله، وسوف يدينهم الله على طريقة ممارستهم لمركزهم.

لكن ما كان يجب فهمه في العهد القديم، وما كان فاضحًا جدًا في فساد الملوك لا سيما في مملكة الشمال، هو أنهم سعوا لنيل السلطة العليا بأنفسهم، وعصوا قانون الملك بشكل فظيع. لكن الملك القادم الآن إلى أورشليم عبر الدخول الانتصاري، والذي تم الترحيب به على أنه ملك اليهود، حتى إن لقب "ملك اليهود" تم تعليقه على صليبه لدى تنفيذ الحكم بحقه، هو في الوقت نفسه ابن داود وربّه، كما أنه هو من يتمم وعود العهد القديم كافة المتعلقة بالملك الآتي الذي سيرد مظلة داود الساقطة، والذي سيعلن ملكوت الله. لهذا الملك، سيعطي الله كل سلطان في السماء وعلى الأرض، وملكه سيدوم إلى الأبد. لن تأتي سلالة حاكمة بعده، حيث يكون عليه تعيين ابنه أو حفيده أو ابنته أو حفيدته لتولي عرشه، فعرشه قائم لجميع الأجيال. وهو ليس الآن مجرد ملك، بل إنه هو الملك، إنه ملك الملوك ورب الأرباب.

إذًا، نرى هنا في هذه اللحظة حين يدخل يسوع أورشليم، لحظة الأزمة هذه، ذروة هويته وما يفعله كنبي، بصفته النبي الأعلى، بصفته الكاهن الأعلى الذي يقدم الذبيحة النهائية والكاملة، والملك الذي يتمم النبوة التي أعلنها الله في المزمور 110: "قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي".