المحاضرة 6: التجلي

في هذه المحاضرة، وبينما نتابع دراستنا لعمل المسيح، سنقوم بوثبة كبيرة في الزمن. سننتقل من سرد تجربة يسوع في البرية في بداية خدمته الأرضية ونتقدم مباشرة نحو التجلي، الذي تم قبيل نهاية حياته. ما يجعلكم تتساءلون: هل هذا يعني أن كل ما تم بين تجربته وتجلّيه كان عديم المعنى؟ بالطبع لا. أحد الأسباب التي تدفعني إلى دراسة التجلي هو سبب شخصي وذاتي.

لطالما قلت إنه لو تسنت لي يومًا الفرصة لأكون شاهد عيان لأي حدث في حياة يسوع لأردت حتمًا أن أكون شاهد عيان للقيامة. لكن إلى جانب ذلك، الأمر الذي كنت لأرغب في معاينته أكثر من أي أمر آخر بأم عينيّ، هو مجد المسيح أثناء تجلّيه، لأن تلك الحادثة لا تعطينا فحسب المزيد من المعلومات عن يسوع، لكنها تحدّثنا أيضًا عن أمر بالغ الأهمية للخدمة التي كان يؤديها. خلال خدمته الأرضية، في معظم الأحيان كان منشغلًا بالوعظ والتعليم بشكل أساسي عن حلول ملكوت الله، وعن شفاء المرضى، وحتى في بعض الأحيان عن شفاء هؤلاء الذين ماتوا. لكن إحدى المسؤوليات الرئيسية التي تولاها يسوع في تجسده كانت إعلان مجد الله وإظهاره.

وهذا ما جرى هنا لمجموعة صغيرة من ثلاثة رجال، بطرس ويعقوب ويوحنا، الذين يُعرفون بكونهم المجموعة المقربة من تلاميذ يسوع. دعوني أطلعكم على سرد متى لهذا الحدث. كتب في متى 17 "وَبَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَخَذَ يَسُوعُ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا أَخَاهُ وَصَعِدَ بِهِمْ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ مُنْفَرِدِينَ. وَتَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ قُدَّامَهُمْ، وَأَضَاءَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ، وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَالنُّورِ. وَإِذَا مُوسَى وَإِيلِيَّا قَدْ ظَهَرَا لَهُمْ يَتَكَلَّمَانِ مَعَهُ. فَجَعَلَ بُطْرُسُ يَقُولُ لِيَسُوعَ «يَا رَبُّ جَيِّدٌ أَنْ نَكُونَ هَهُنَا! فَإِنْ شِئْتَ نَصْنَعْ هُنَا ثَلاَثَ مَظَالَّ: لَكَ وَاحِدَةٌ وَلِمُوسَى وَاحِدَةٌ وَلِإِيلِيَّا وَاحِدَةٌ». وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذَا سَحَابَةٌ نَيِّرَةٌ ظَلَّلَتْهُمْ، وَصَوْتٌ مِنَ السَّحَابَةِ قَائِلاً «هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ. لَهُ اسْمَعُوا» وَلَمَّا سَمِعَ التَّلاَمِيذُ سَقَطُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ وَخَافُوا جِدّاً. فَجَاءَ يَسُوعُ وَلَمَسَهُمْ وَقَالَ: «قُومُوا وَلاَ تَخَافُوا». فَرَفَعُوا أَعْيُنَهُمْ وَلَمْ يَرَوْا أَحَداً إِلاَّ يَسُوعَ وَحْدَهُ".

إن كنتم تذكرون، حين درسنا في بداية هذه السلسلة موضوع التجسد، أشرت إلى وجود تدرج عام في حياة يسوع، تمثّل بالانتقال من الإذلال إلى الارتفاع، وإلى أنه في معظم الأحيان الألوهية التي تشاركها مع الآب والروح منذ الأزل كانت مخفية، ومستترة، ومخبأة وراء برقع طبيعته البشرية. لكن الآن، وبينما كان يسوع يستعد لخدمته الأرضية التي دارت أحداثها عمومًا في الجليل، وكان على وشك التوجه نحو أورشليم عارفًا جيدًا ما ينتظره هناك من ألم وموت، وكان قد أعلن الأمر للتو لتلاميذه في قيصرية فيلبس. قبل بداية تلك الرحلة إلى أورشليم، انسحب إلى جبل عال مع بطرس ويعقوب ويوحنا. وقيل لنا إنه بينما كان الأربعة هناك تجلّى يسوع أمام عيونهم. ما معنى ذلك؟

الكلمة التي تمت ترجمتها بـ"تجلي" تأتي من الكلمة اليونانية "ميتامورفو". ولدينا كلمة إنكليزية مشتقة منها مباشرة، وهي كلمة "ميتامورفوسيس"، أي تحوّل. نتحدث عن "ميتامورفوسيس" في هذا العالم حين نرى الدودة تغزل شرنقة، وبعد فترة، تخضع لتغيير جذري في شكلها وتنبثق فراشة جميلة من الشرنقة. إذًا، التجلّي أو الـ"ميتامورفوسيس" هو أساسًا تحوّل أو تغيُّر للشكل الخارجي. والتغير الذي حلّ الآن في شكل يسوع، وقد عاينه هؤلاء التلاميذ الثلاثة، ليس أقل من مذهل.

اسمعوا كيفية وصف متى للأمر "وَتَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ قُدَّامَهُمْ، وَأَضَاءَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ، وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَالنُّورِ". أول أمر يذكره يتعلق بوجهه وطلعته التي بدأت تضيء، بدأت تشع. تجلّى وظهر نوع من بريق المجد مباشرة أمام عيونهم. رأوا وجه يسوع يضيء ويتألق تألقًا شديدًا، فكان مشرقًا كالشمس. لا أعرف ما يثيره في أذهانكم سماع ذلك الوصف، لكنه يذكرني ببعض الأمور في تاريخ الفداء. أولًا، تلك اللحظة في العهد القديم حين التمس موسى من الله أن يمنحه فرصة التمتع بـ"فيزيو داي"، الرؤية الكبيرة، رؤية الله نفسه.

بالطبع كان موسى شاهد عيان لتلك العليقة التي اشتعلت بدون أن تحترق، كان موسى شاهد عيان للنجاة بمعجزة من مركبات إسرائيل عند البحر الأحمر، كان قد رأى تلك الأمور التي أظهرها الله بمجده وهو فائق العظمة. لكن حين صعد إلى الجبل، كان طلبه عظيمًا. قال "يا رب، رجاءً دعني أرى وجهك". أتذكرون ذلك؟ قال الله "لا يا موسى، أنت تعرف أفضل من ذلك. سأخبرك بما سأفعله، سأجعل فتحة هنا في الصخرة وسأضعك في تلك الفتحة في الصخرة وسأجتاز ورائي، أي الجزء الخلفي من يهوه يعبر بالقرب منك، وسأعطيك لمحة مؤقتة عن الجزء الخلفي مني، لكنك لن ترى وجهي. لأنه مكتوب "الإنسان لا يرى الله ويعيش". إذًا، تمّم الله وعده ومرّ بالقرب من موسى فيما كان موسى مختبئًا في الفتحة في الصخرة. ولم يرَ موسى سوى لمحة عن مجد الله المنعكس. وفجأة، بدأ وجه موسى يشع ويضيء بشدة لدرجة أنه حين نزل عن الجبل كان عليه أن يغطيه، لأن الشعب ارتعب مما رآه.

ما نعرفه عن تلك الحادثة هو أن مجد الله الذي شعّ بطريقة رائعة من وجه موسى كان مجدًا منعكسًا، كان صدىً لمجد الله. وهو لم ينبثق من داخل موسى، بل انبثق من الجهة الخلفية لله. لكن ما يحدث هنا في التجلي ليس حالة يعكس فيها يسوع مجد الله. هذا النور الأكثر إشراقًا من الشمس الذي يشع من وجهه منبثق من داخله ولا ينعكس من خلاله، إنه كامن في كيانه، في ألوهيته التي ينبثق النور منها.

تذكرون حين كتب كاتب رسالة العبرانيين رسالته وتكلّم عن المسيح. قال إنه رسم جوهره، أي الله، وبهاء مجده. فكّروا قليلًا في الأمر، وهو أن الله الآب يتجلى خلال تاريخ الكتاب المقدس من خلال هذا المجد الباهر لسحابة المجد، ذلك المجد الذي شع في حقول بيت لحم حين جاء الملائكة ليعلنوا ولادة يسوع، مجد الله الذي أشرق موقعًا الرهبة في نفوس الناس، مجد الله هذا يقول عنه كاتب رسالة العبرانيين إنه يسطع من الأقنوم الثاني من الثالوث. المسيح هو بهاء مجد الله.

تلك اللحظة لم ينسها الرسل أبدًا. استهل يوحنا إنجيله بتمهيد جاء فيه "فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللَّهَ" إلى آخره. ثم يصل إلى التجسد ويقول "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ". يشير بطرس إلى الأمر نفسه، إلى رؤية المجد على الجبل الذي استطاع أن يراه. نذكر بولس في طريقه إلى دمشق، في الطريق المؤدي إلى دمشق وبينما كان يتقدم بسرعة ليتمم عمل الاضطهاد ضد المسيح وكنيسته، فجأة أصيب بالعمى جراء النور الساطع الأكثر بريقًا من الشمس في وقت الظهر، فسقط على الأرض وسمع صوتًا يقول له "شَاوُلُ شَاوُلُ، لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟" لقاؤه مع يسوع في طريقه إلى دمشق كان لقاءً مع ذلك النور الذي يعمي، وهو حرفيًا نور أعماه مؤقتًا.

ثمة عبارة مستخدمة من غير تكلف عن الأشخاص الذين اهتدوا إلى المسيح، يقال إنهم "أبصروا النور". نحن لم نبصر النور فعلًا، نحن فهمنا النور. لكن لم نختبر إحساسًا بصريًا نتيجة معاينة مجد الله المكشوف بشكل مباشر. الوعد الذي نلناه بشأن مستقبلنا في السماء هو الإدراك البصري المباشر لله، حين نرى الله كما هو. وفي سفر الرؤيا، حين نسمع عن ظهور أورشليم الجديدة من السماء، ويخبر يوحنا عن مضمون رؤياه على جزيرة بطمس، يقول في الفصل 21 والآية 22 عن أورشليم الجديدة "وَلَمْ أَرَ فِيهَا هَيْكَلاً، لأَنَّ الرَّبَّ اللهَ الْقَادِرَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ هُوَ وَالْحَمَلُ هَيْكَلُهَا". وأورشليم الجديدة "الْمَدِينَةُ لاَ تَحْتَاجُ إِلَى الشَّمْسِ".

هل تتخيل أنه في المدينة الجديدة لا تشرق الشمس أبدًا؟ لا يوجد قمر ولا فانوس ولا مصباح. يبدو كما لو أن يوحنا على وشك أن يصف مكانًا ينذر بالظلمة، حيث لا يوجد نور إطلاقًا. لكنه يفسّر سبب عدم وجود شمس، وسبب عدم وجود قمر، وسبب عدم وجود مصباح في أورشليم الجديدة، لأن المدينة لا تحتاج إلى ذلك، لأن مجد الله يضيئها والحمل هو نورها. حين ينكشف بهاء وبريق مجد الله بوضوح ولا يكون محجوبًا، من يحتاج إلى مصباح كهربائي ومن يحتاج إلى شمس؟ المكان مضاء ومشع ومكشوف تمامًا بفضل إشراق مجد الله والحمل. هذا هو الأمر الذي يختبره بطرس ويعقوب ويوحنا هنا على جبل التجلي. هنا يريهم يسوع مجده ومجد الله.

الجزء الثاني من الوصف يتعلق بثيابه. "وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَالنُّورِ". يضيف لوقا أنها أكثر بياضًا مما يستطيع القصار أن يجعلها، ما يعني أي غاسل محترف، حتى إن مسحوق الغسيل لا يقدر أن يجعل الثياب أكثر بياضًا من ثياب يسوع في تلك اللحظة. كانت بيضاء تمامًا، ليس فيها أي لطخة رمادية ولا أي عيب واحد ولا حتى بقعة مجهرية. كان لباسه براقًا ولامعًا وناصع البياض، ما يتماشى مع ذلك النور المنبثق من الداخل وهو أقوى من الشمس.

حين أعظ عن هذا المقطع أشير دائمًا إلى ولد في الجماعة وأطرح عليه سؤالًا بسيطًا، أسأله "ما هو لون الليمون؟" "ما هو لون البرتقال؟" الجواب سهل جدًا. إذًا أنا أسأل "ما هو لون الليمون؟" فيعطي الأولاد الصغار جميعًا جوابًا صحيحًا، يقولون "الليمون أصفر". فأقول "حسنًا، ماذا يكون لونه حين تُطفأ الأضواء؟ ماذا يكون لونه في الظلمة؟" فيدخلون في تحقيق فلسفي قديم حول الصفات الأولية والثانوية، ويفترضون أن الليمون يبقى أصفر اللون حين تُطفأ الأضواء. نحن نقول إن اللون ليس صفة أولية، إنه صفة ثانوية، وهو ليس أمرًا كامنًا داخل في الشيء، لكن اللون الذي نراه في هذا العالم ناتج عن إشراق الشمس. والألوان التي نراها ليست ألوانًا ممتصة، بل منعكسة من قوس القزح. إذًا، كل شيء بحد ذاته عديم اللون. وإن كان اللون غائبًا فلا ترى سوى سواد. وإن حصلت على انعكاس الألوان كلها فإنك تحصل على لون أبيض ناصع. إذًا ترون العلاقة بين النور واللون. النور منبثق من داخل المسيح، وثيابه بيّنت ذلك حين بدأت تلمع خلال اختبار التحول هذا وصارت بيضاء لا تشوبها شائبة.

روايتي المفضلة على الإطلاق كتبها هيرمان ميلفيل، وعنوانها "موبي ديك". والفصل المفضل لدي الذي قرأته باللغة الإنكليزية هو فصل في ذلك الكتاب وعنوانه "بياض الحوت"، حيث يكشف ميلفيل الطرق العدة التي يصبح فيها البياض رمزًا للاختبار البشري، رمزًا للشبح، الحوت الأبيض الكبير، رمز للرهبة، بياض البتولية والطهارة. وهو رأى في ذلك الحوت الأمهق الكبير رمزًا أرضيًا لله، حيث أن ذلك البياض يظهر في الوقت نفسه مجده وقوته وعظمته، لكنه أيضًا غطاء تختفي هويته وراءه. إن تسنّت لك فرصة قراءة ذلك الفصل عليك أن تفعل ذلك. إنه لاهوتي عمدًا. وقد تعمّد ميلفيل أن يجعله لاهوتيًا بتصميم منه.

لكن هذا الاختبار على جبل التجلي ليس بصريًا فحسب، إنه أكثر من ذلك. ما الذي رأوه وسمعوه أيضًا؟ لفترة من الوقت انبهروا بهذا النور الأبيض، "وَإِذَا مُوسَى وَإِيلِيَّا قَدْ ظَهَرَا لَهُمْ يَتَكَلَّمَانِ مَعَهُ". رأوا موسى وإيليا قادمين وراحا يتحدثان مع يسوع. هذا هو الناموس. لقد اجتمع الأنبياء، ومن الواضح أنهم كانوا يكلمون المسيح عن مقاصد الله له، وعن المهمة التي تنتظره. بغية تتميم الناموس، بغية تتميم ما قاله الأنبياء، يجب على رجل المجد هذا أن يتألم ويموت. فلم يستطع بطرس استيعاب ذلك، فقال "يا رب، مهلًا، هذا مذهل. أريد البقاء هنا إلى الأبد، أريد التمتع بهذا الاختبار الروحي. فلنصنع ثلاث مظال: واحدة لك، وواحدة لموسى وواحدة لإيليا، ولنمكث هنا على جبل التجلي".

وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ كلامًا عديم المعنى، إِذَا سَحَابَةٌ نَيِّرَةٌ ظَلَّلَتْهُمْ. نزلت تلك السحابة وخيمت عليهم. وَصَوْتٌ مِنَ السَّحَابَةِ قَائِلاً: «هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ. لَهُ اسْمَعُوا. أصغوا إليه". ولما سمع التلاميذ ذلك سقطوا على وجوههم وخافوا كثيرًا وارتعبوا. أولًا مما رأوه، والآن ها هم يسمعون الله يكلّمهم بصوت مسموع، وهو يأمرهم بأن يسمعوا ليسوع. فسقطوا على وجوههم وقد غلب عليهم الخوف، لكن يسوع جاء ولمسهم. سقطوا على وجوههم، فجاء يسوع ودنا منهم ولمسهم. قال "لا بأس! قفوا. لا حاجة إلى الخوف". ولما رفعوا أعينهم كان موسى قد رحل، وإيليا قد رحل، وانتهت عملية التحول. ورأوا يسوع مثلما كانوا يرونه طيلة أيام خدمته الأرضية.

كم كنت لتود رؤية ذلك؟ لا يسعني الانتظار لرؤية ذلك. سنرى ذلك، لأن السماء بحد ذاتها ستكون جبل تجلٍّ دائم، حيث لن يكون هناك برقع ولا إخفاء، لكن النور الأبيض واللامع لمجد الله وحمله سيكون موجودًا لنراه في كل لحظة.