المحاضرة 8: سفر الرؤيا

من المؤكد أننا إن أردنا دراسة إسكاتولوجيا العهد الجديد، وإن أبدينا اهتماماً لما يعلّمه الكتاب المقدس بشأن المستقبل، فإن الأمر سيقودنا حتماً إلى التفكير في مضمون وأهمية سفر الرؤيا في العهد الجديد. لا أظن أنه يوجد أي سفر آخر في الكتاب المقدس تعرّض للتفحّص والتدقيق أكثر من هذا السفر، وتعددت واختلفت تفسيراته أكثر من سفر الرؤيا. وجزء من السبب هو طبيعة الصيغ الأدبية التي نجدها فيه، فهو مليء بعنصر الخيال والرموز ويتضمن شتى أنواع الصور الحية التي تبدو لنا غريبة أحياناً. ويعتقد البعض أنه حتى حين تمت كتابته، تمت صياغته في رموز شفرية لحجب مضمون رسالته عن السلطات الرومانية في ذلك اليوم، ولكن بالطبع يبقى الأمر موضع تخمين. لكن كثرت البراهين والجدالات بشأن معاني الرموز وما تشير إليه.

لكن يُطرح سؤال مهم جداً بشأن سفر الرؤيا يتم تجاهله إلى حد كبير بين المسيحيين، والسؤال هو "متى تمت كتابة السفر؟" لأننا عندما نسعى إلى فهم أي سفر من أسفار الكتاب المقدس يجب أن نقوم بواجبنا المنزلي وننظر إلى خلفية كتابة السفر، عندئذٍ يصبح تاريخ كتابة السفر مهماً جداً، كما أننا نريد أن نعرفه من كتبه ولمن كتبه. نحن نعلم من كتب سفر الرؤيا. لقد تم نسبه إلى الرسول يوحنا، الذي يقول لنا إنه كان منفياً إلى جزيرة بطمس، وأنه تسلّم هذه الرؤيا المباشرة من المسيح، وتلقّى أمراً بتدوين هذه الأمور من أجل تعليم الكنيسة ومنفعتها، فنطرح السؤال: "حسناً، يقول يوحنا إنه كان في جزيرة بطمس، وكان منفياً، وهو كتب السفر، وإن مصدر المعلومات هو يسوع. لكن متى كتب السفر؟" ما سبب أهمية هذا السؤال؟

في المناقشات التي نجريها لمحاولة فهم الحديث على جبل الزيتون، وإشارة يسوع فيه إلى حدوث أمور ضمن الإطار الزمني لذلك الجيل، حيث تنبأ بدمار الهيكل وأورشليم وبمجيئه في نهاية الجيل، الذي كان موضع جدل بالنسبة إلينا. وثمة من يعتقد، وكما رأينا، أن جميع الأمور التي تنبأ يسوع بحدوثها ضمن الإطار الزمني لجيل واحد، قد تمت فعلاً بالتزامن مع دمار أورشليم في العام 70 م. والسؤال هو: "ما علاقة سفر الرؤيا بتلك النظرية؟" فأنا أعتبرها نظرية وليست تأكيداً جازماً بالنسبة إلي، فهذه مجرد طريقة لفهم هذه المسائل الصعبة.

أغلبية الدراسات في العهد الجديد لطالما أفادت، ولفترة طويلة، بأنه تمت كتابة سفر الرؤيا في العقد التاسع، وربما خلال حكم الإمبراطور دوميتيان، أي بعد فترة طويلة من دمار أورشليم. وبالتالي، فإنه لاحتمال بعيد أن تكون جميع النبوات ضمن سفر الرؤيا قد أشارت مباشرةً إلى تلك الأحداث الفاجعة التي تنبأ بها يسوع على جبل الزيتون. لكن هنا يُطرح السؤال الآتي "ماذا لو لم يُكتب السفر في العقد التاسع؟ بل كُتب قبل سقوط أورشليم؟" هذا يطرح نظرة جديدة لفهم التطبيق الفوري لمضمون سفر الرؤيا لدى معاصري يوحنا الذين تسلّم تلك الرؤيا. في الماضي، حاول علماء مشهورون أن يثبتوا أنه تمت كتابة سفر الرؤيا قبل ذلك، أي في الستينيات بدلاً من التسعينيات أو حتى بعد العام 100 كما زعم بعض النقّاد، أي أنه كُتب قبل سقوط أورشليم، مع الإشارة تحديداً إلى تلك الأحداث التي كانت ستتم خلال تلك اللحظات الفاجعة التي تم التنبؤ بها عند جبل الزيتون.

لذا أريد أن أكرس بعض الوقت اليوم للتكلم عن مسألة تاريخ كتابة سفر الرؤيا. وكلما حاولنا تحديد تاريخ أحد أسفار الكتاب المقدس، يجب أن ننتبه لمصدرين أساسيين أو لأمرين أساسيين. أولاً، يجب أن ننظر إلى الدلائل الخارجية، ومن ثم ننتقل إلى الدلائل الداخلية. فعندما ندرس رسالة روميه مثلاً التي يستهلها الكاتب بالقول: " بُولُسُ الْمَدْعُوُّ رَسُولاً من الله"، هو يعرّف عن نفسه على أنه الكاتب، ونحن نعرف تاريخ مماته، وبالتالي، يمكننا الحصول على معلومات بشأن تاريخ كتابة رسالة روميه من خلال الدلائل الداخلية التي تتمثل بوصف بولس لما كان يجري في ذلك الوقت. لوقا يسرد أخبار يسوع في طفولته، ويذكر أنها تمت أثناء حكم أوغسطس قيصر، حين كان كِيرِينِيُوسُ وَالِيَ سُورِيَّةَ. إذاً، ثمة أسفار متعددة تتضمن في داخلها تصريحات تعطيك لمحة عن تاريخ كتابة السفر.

لكن لطالما بحثت الكنيسة عبر التاريخ عن دلائل خارجية. وما نقصده بالدلائل الخارجية هو إشارات إلى كتب بقلم مؤرخين خارج إطار الكتاب المقدس. فمثلاً، كان آباء الكنيسة الأولى يستشهدون دائماً بآيات من الكتاب المقدس، فهذا يعني أن الآيات صدرت قبل ظهورهم. وإن كنا نعرف مثلاً متى عاش كليمنت روما، ووجدنا كليمنت يستشهد بكلام الرسول بولس في رسالة كورنثوس، فسنعلم أن رسالة كورنثوس كُتبت قبل وفاة كليمنت. وإن كنا نعرف تاريخ ممات كليمنت، فهذا سيساعدنا على معرفة تاريخ كتابة الرسالة. ونجد أحياناً أنه حتى الكتّاب خارج الكتاب المقدس يكونون أكثر تحديداً ويطلعوننا على السنوات وما إلى ذلك، ما كان يساعد على تحديد تاريخ ظهور سفر ما.

وأحد أروع البراهين التي تدل على كتابة سفر الرؤيا بعد دمار الهيكل يظهر من خلال شهادة إيريناوس، أحد آباء الكنيسة. وهو من آباء الكنيسة الأكثر احتراماً لأنه يستخدم مراجع محددة من سفر الرؤيا في كتابه الشهير، وترجمة عنوانه "ضد الهرطقات"، وتحديداً في الجزء الخامس من كتاب "ضد الهرطقات". قبل أن أستشهد بما قاله إيريناوس، دعوني أذكركم بأن كتابه الأصلي صدر باللغة اليونانية، لكن النسخة اليونانية للكتاب فُقِدت، لكننا لا نزال نملك الترجمات اللاتينية. أما الآن فسأقرأ من نسخة إنكليزية تمت ترجمتها من النص اللاتيني الذي تمت ترجمته من اللغة اليونانية.

لكن بأي حال، دعوني أقرأ لكم ما يقوله إيريناوس في ما يتعلق بهذه الأمور. قال: "لكننا لن نجلب على أنفسنا خطر إعلان اسم ضد المسيح بوضوح، لأنه لو كان من الضروري إعلان اسمه بوضوح في الوقت الحاضر، فلكان أعلنه ذاك الذي شاهد الرؤيا". لقد ولد إيريناوس في العام 130 ومات في العام 202. إذاً، هو واحد من آباء كنيسة القرن الثاني. وها هو يتكلم الآن عن شخصية ضد المسيح الغامضة وعن الإشارات إليه في سفر الرؤيا، وقال: "لو كان من الضروري لنا أن نعرف اسمه، وأن يُعلن اسمه لنا بوضوح في الوقت الحاضر، فلكان أعلنه لنا ذاك الذي شاهد الرؤيا". ما الذي يقوله هنا؟ لو أنه كان علينا معرفة اسم ضد المسيح لكان يوحنا أعلنه لنا، لأنه هو كاتب السفر، وهو شاهد الرؤيا.

والآن، إليكم الجملة المهمة: "لأن ذاك الذي تمت رؤيته قبل فترة ليست بطويلة بل في أيامنا تقريباً، قبيل نهاية حكم دوميتيان"، سأكرر ما قلت، "لأن ذاك الذي تمت رؤيته قبل فترة ليست بطويلة بل في أيامنا تقريباً، قبيل نهاية حكم دوميتيان". إذاً، هذا هو السبب الرئيسي في إطار الدلائل الخارجية. لأن معظم آباء الكنيسة الذين قالوا إن الرؤيا ظهرت بعد دمار الهيكل وخلال حكم دوميتيان فعلوا ذلك استناداً إلى شهادة إيريناوس. وللوهلة الأولى، نرى أن هذه الكلمات تبين أن ما يقوله إيريناوس هنا هو أن الرؤيا التي تسلّمها يوحنا تمت خلال حكم دوميتيان. ومن الواضح أن هذا كان بعد سقوط أورشليم. لكن من ناحية أخرى، يمكن لإيريناوس أن يكون على خطأ، فهو ليس كاتباً ملهماً من الروح القدس، وربما اختلطت عليه الأوقات والأزمنة.

ولكن نحن نطرح سؤالاً نحوياً وأدبياً بشأن هذه الترجمة. يتعلق السؤال بما سبق كلمة "ذاك". "ذاك الذي تمت رؤيته في أيامنا تقريباً، قبيل نهاية حكم دوميتيان". هل يقصد بكلامه أن رؤيا يوحنا هي التي تمت مشاهدتها أثناء حكم دوميتيان؟ أم إنه يقول إن يوحنا الذي تسلّم الرؤيا هو الذي تمت مشاهدته أثناء حكم دوميتيان؟ يشير تاريخ الكنيسة إلى أنه من بين جميع تلاميذ يسوع، يوحنا هو من عاش أكثر من غيره. بتعبير آخر، إن قمت بتحليل تقني لهذه الجملة، فيمكن لهذه الجملة أن تعني إما أن الرؤيا التي شاهدها يوحنا تمت أثناء حكم دوميتيان، أو أن يوحنا ظهر أثناء حكم دوميتيان، وهو يستطيع أن يحدد لنا هوية ضد المسيح. لكن إن أمعنا النظر في كتابات إيريناوس، تتضح لنا بعض الحقائق اللافتة الأخرى، ومنها أن إيريناوس نفسه يقتبس من نسخ قديمة من سفر الرؤيا. أنت لا تتكلم عن عمل كُتب أثناء حياتك على أنه مخطوطة قديمة، بل لا بد أنه كُتب قبل مئات السنوات. إذاً من الواضح أنه من الصواب استخدام تلك التسمية مثلما فعل هنا. إذاً هو يشير في مكان آخر في كتاباته إلى نسخ قديمة من سفر الرؤيا.

كما أن كلمنت، وهو أب آخر من آباء الكنيسة الأولى المحترمين، حاول أن يبرهن أن جميع الرؤى الرسولية التي تسلّمناها في نص الكتاب المقدس، انقطعت أثناء حكم نيرون. وبالتالي، فإن شهادة كليمنت الخارجية تبين أن كل ما ورد في أسفار العهد الجديد وجميع الرؤى الرسولية، ومن بينها سفر الرؤيا، انقطعت لدى موت نيرون، ما يعني أن جميع وثائق العهد الجديد تمت خلال العام 68 أي قبل سقوط أورشليم. هذه بعض الأفكار الرئيسية المتعلقة بالدلائل الخارجية. ثمة أبحاث ثانوية أخرى لن أكرّس وقتاً للدخول فيها، فلقد أدرجتُ هذه المعلومات بشكل موسّع في كتابي. لكن ليس هذا فحسب، ف"كين جينتري" ألّف كتاباً رائعاً عن هذا الموضوع، وعنوانه "Before Jerusalem fell" أي "قبل سقوط أورشليم". وفي جزء من أطروحة الدكتوراه، أجرى دراسة عن الأمر وحاول تقديم البراهين، وأظن أنه قدم برهاناً قاطعاُ على كتابة سفر الرؤيا قبل سقوط أورشليم. والآن فلنرفع تركيزنا للوقت الحاضر على الأقل عن الدلائل الخارجية ولنركز على الدلائل الداخلية، لأنها قد تكون مهمة جداً.

لقد ركزنا خلال هذه السلسلة كاملة على الأطر الزمنية الواردة في العهد الجديد. دعوني أذكركم بكيفية بداية سفر الرؤيا. جاء في الآية الأولى من الفصل الأول ما يلي "إِعْلاَنُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي أَعْطَاهُ إِيَّاهُ اللهُ، لِيُرِيَ عَبِيدَهُ مَا لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَنْ قَرِيبٍ، وَبَيَّنَهُ مُرْسِلاً بِيَدِ مَلاَكِهِ لِعَبْدِهِ يُوحَنَّا، الَّذِي شَهِدَ بِكَلِمَةِ اللهِ وَبِشَهَادَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ بِكُلِّ مَا رَآهُ. طُوبَى لِلَّذِي يَقْرَأُ وَلِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ أَقْوَالَ النُّبُوَّةِ، ويَحْفَظُونَ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِيهَا، لأَنَّ الْوَقْتَ قَرِيبٌ". نجد مراراً في صفحات سفر الرؤيا إشارات إلى أطر زمنية تدل على اقتراب الوقت.

دعوني أعطيكم تلخيصاً سريعاً، وقد سبق لي أن ذكرت الأمور التي ستتم قريباً. الفصل الثاني "فَتُبْ وَإِلَّا فَإِنِّي آتِيكَ سَرِيعاً"، الفصل الثالث "هَا أَنَا آتِي سَرِيعاً"، الفصل 22 يتكلم عن "مَا لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَنْ قَرِيبٍ"، الفصل 22، "نَعَمْ! أَنَا آتِي سَرِيعاً"، الفصل 1 والآية 3 "لأَنَّ الْوَقْتَ قَرِيبٌ"، الفصل 22 والآية 10 "لأَنَّ الْوَقْتَ قَرِيبٌ"، الفصل 1 والآية 19 "فَاكْتُبْ مَا هُوَ عَتِيدٌ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ هَذَا"، الفصل 3 والآية 10 "سَاعَةِ التَّجْرِبَةِ الْعَتِيدَةِ أَنْ تَأْتِيَ عَلَى الْعَالَمِ كُلِّهِ". وجميع المصطلحات اليونانية التي تم استعمالها هنا للإشارة إلى اقتراب الوقت، هي كلها مصطلحات زمنية في اللغة تشير إلى اقتراب الوقت كثيراً جداً. إنه حقاً لمن المبالغة القول إن الكتاب المقدس يشير إلى رؤيا تتضمن أموراً ستحدث قريباً وسريعاً، فتتوقع أن تنتظر لأكثر من ألفي سنة بعد إعلان هذه الأطر الزمنية. إذاً، الفكرة هي كالآتي، إن المعاصرين الذين تسلّموا النسخة الأولى من سفر الرؤيا يلاحظون أنه يتضمن مراجع عديدة تبين اقتراب تتميم الأمور المُعلنة في الرؤيا، ما يعني أنه يوجد سبب وراء إلحاح الجيل الأول من المؤمنين على توقع اقتراب وقوع الأزمة، وذلك نظراً للأسلوب اللغوي في السفر الذي متى تكلم عن الأطر الزمنية، أشار في كل مرة إلى اقتراب الوقت.

بالإضافة إلى ذلك، ثمة مراجع داخلية أخرى يجب أن ننتبه لها، وهي أن جزءاً كبيراً من رموز سفر الرؤيا تمت استعارته من الهيكل نفسه، فالسفر مليء بإشارات ضمنية إلى الهيكل، كما أن سفر الرؤيا لا يتضمن أي تلميح إلى دمار الهيكل. هذا دليل صامت، لكنه صمت يحمل الكثير في طياته. فمن المؤكد أن حدثاً فاجعاً بالنسبة إلى التاريخ المسيحي اليهودي مثل دمار أورشليم ودمار الهيكل، كان ليتم ذكره في الوثائق الرسولية التي تمت كتابتها بعد تلك الأحداث، وإن كان سفر الرؤيا قد كُتب في التسعينيات، وإن كان هو السفر الوحيد بين أسفار العهد الجديد الذي تمت كتابته بعد العام 70 م. فإننا كنا لنتوقع حتماً ذكر دمار أورشليم بما أنه حدث من الماضي، لكننا لا نجد أي إشارة إلى ذلك، بل إن الخلفية التوضيحية التي تحدد أسلوب السفر ومضمونه مأخوذة من الهيكل القائم. إذاً، كان الهيكل لا يزال موجوداً. لكن أكرر، هذا دليل صامت وليس برهاناً حاسماً ومقنعاً، بل إنه مرتبط بالنظرية التي تؤيد إعلان الرؤيا قبل دمار الهيكل.

في الفصل 13 من سفر الرؤيا، عذراً، في الفصل 17، ورد مقطع مهم جداً لتحديد تاريخ السفر وتوقيته، وذلك في إطار الدلائل الداخلية. دعوني ألفت انتباهكم إلى الفصل 17 حيث نقرأ الكلمات الآتية "ثُمَّ قَالَ لِي الْمَلاَكُ: لِمَاذَا تَعَجَّبْتَ؟ أَنَا أَقُولُ لَكَ سِرَّ الْمَرْأَةِ وَالْوَحْشِ الْحَامِلِ لَهَا، الَّذِي لَهُ السَّبْعَةُ الرُّؤُوسُ وَالْعَشَرَةُ الْقُرُونُ: الْوَحْشُ الَّذِي رَأَيْتَ، كَانَ وَلَيْسَ الآنَ، وَهُوَ عَتِيدٌ أَنْ يَصْعَدَ مِنَ الْهَاوِيَةِ وَيَمْضِيَ إِلَى الْهَلاَكِ. وَسَيَتَعَجَّبُ السَّاكِنُونَ عَلَى الأَرْضِ، الَّذِينَ لَيْسَتْ أَسْمَاؤُهُمْ مَكْتُوبَةً فِي سِفْرِ الْحَيَاةِ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، حِينَمَا يَرَوْنَ الْوَحْشَ أَنَّهُ كَانَ وَلَيْسَ الآنَ، مَعَ أَنَّهُ كَائِنٌ. هُنَا الذِّهْنُ الَّذِي لَهُ حِكْمَةٌ!" هنا نجد ترجمة أو تفسيراً داخلياً للرموز، "السَّبْعَةُ الرُّؤُوسُ هِيَ سَبْعَةُ جِبَالٍ عَلَيْهَا الْمَرْأَةُ جَالِسَةً. وَسَبْعَةُ مُلُوكٍ: خَمْسَةٌ سَقَطُوا، وَوَاحِدٌ مَوْجُودٌ، وَالآخَرُ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ. وَمَتَى أَتَى يَنْبَغِي أَنْ يَبْقَى قَلِيلاً". ثم يتابع ويصف الوحش إلى آخره.

هنا نطرح سؤالين: أولاً، ما هي المدينة ذات الجبال السبعة؟ ربما هذه إشارة مبطّنة إلى أورشليم نفسها. لكن في العصور القديمة، كان اللقب الشهير الذي أُطلق على روما هو "المدينة ذات الجبال السبعة"، وبالتالي إن كان كاتب سفر الرؤيا يصف روما هنا، ثم تابع وتكلم عن ملوك روما. لكن يعترض بعض العلماء على ذلك قائلين إن الرومانيين لم يسمّوا أباطرتهم ملوكاً، بل كانوا يسمونهم أباطرة بدلاً من ملوك. لكن بأي حال، نحن نقرأ في النص هنا عن وجود سبعة ملوك، خمسة سقطوا وواحد موجود وآخر لم يأتِ بعد. ماذا نفهم بذلك؟ نفهم بذلك أن السفر كُتب في عهد الملك السادس، لأن خمسة سقطوا، وآخر سيأتي، أما السادس فهو يحكم الآن، أي أنه تمت الإشارة إلى الملك السادس، الملك السادس الذي يحكم المدينة ذات الجبال السبعة.

والسؤال هو: "من هو الملك السادس؟" يمكننا طرح هذا السؤال عبر القول: "من هو الإمبراطور السادس في روما؟" نحن نواجه مشكلة هنا، فيوليوس قيصر، الذي يسمى قيصر، لم يُطلق عليه لقب إمبراطور، وأول من نال لقب إمبراطور بشكل رسمي كان أوغسطس قيصر. إذاً، إن بدأنا بأوغسطس قيصر واعتبرناه الأول، فإن تيبيريوس يكون الثاني، وكاليغولا الثالث، وكلاوديوس الرابع، ونيرون الخامس، وجالبا السادس. تذكروا أن جالبا حكم لفترة قصيرة وقُتل بعد ذلك. لكن جالبا مات قبل العام 70. إذاً، إن كان جالبا الملك السادس الذي تمت الإشارة إليه هنا، فمن الواضح أن السفر كُتب قبل العام 70. يقول البعض إنه بسبب الحرب الأهلية والقضاء السريع على جالبا وخلفَيه أوثو وفيتيليوس، تم استثناء هؤلاء الثلاثة من القائمة، فهم لا يُحسَبون. إذاً، الآن، إن بدأنا بأوغسطس، واستثنينا جالبا وأوثو وفيتيليوس، فإن السادس يكون فيسبايشن. لكنه أتى قبل ذلك، فهو لم يحكم في التسعينيات بل انتهى حكمه في السبعينيات.

إليكم الاحتمال الثالث، وهو أنكم إن لم تبدأوا بأوغسطس، بل بدأتم بيوليوس قيصر الذي كان في قائمة الحكام الرومانيين القدامى بمثابة جورج واشنطن، إنه حقاً الأول. أما المشكلة الأخرى فتكمن في تسميتهم ملوكاً. تذكروا أنه عندما سُئل اليهود عن يسوع بشأن طموحاته السياسية ماذا كانت إجابتهم؟ ليس لدينا ملك إلا قيصر، هذا دليل واضح على أن الشعب اليهودي كان يسمي حكام روما ملوكاً. إن بدأنا بيوليوس قيصر واعتبرناه الأول، فإن أوغسطس يكون الثاني وتيبيرياس الثالث وكاليغولا الرابع وكلاوديوس الخامس، ومن يكون السادس؟ نيرون. ما يبين أن السفر كُتب في عهد نيرون، ما يقدم شرحاً لوابل من الأسئلة المتعلقة بالمغزى من مضمون هذا السفر. أظن أن هذا دليل داخلي قاطع على تاريخ كتابة السفر، وما من واحد من بين هذه الخيارات يستبعد كتابته، على الأقل خلال حكم دوميتيان.

أيضاً، ختاماً، يخبر الكاتب "إكليمندس" طرفة لافتة يتكلم فيها عن الرسول يوحنا حين كان في المنفى وهو يطارد مرتداً، وهو يقوم بمطاردة المرتد ممتطياً حصاناً برياً مثل مطاردة "روي رودجرز"، حيث ترى يوحنا يجتاز السهول على ظهر حصانه وهو يسرع ليقبض على ذلك الرجل السيء. والآن لنفرض أنه نُفي خلال حكم دوميسيان، ما يعني أن يوحنا كان قد طارد ذلك المرتد في مطاردة على الأحصنة تتطلب نشاطاً، وهو في العقد التاسع من العمر. هذا الأمر يتطلب مجهوداً كبيراً. أظن أنه يمكن لرجل عجوز في العقد التاسع من العمر أن يقوم بهذا العمل الذي يتطلب مجهوداً كبيراً، لكنه لأمر بعيد الاحتمال ووهم إضافي لدى آباء الكنيسة القول إن السفر كُتب قبل عهد دوميتيان وقبل دمار أورشليم. في محاضرتنا المقبلة، سنتكلم عما جاء في العهد الجديد في ما يتعلق بضد المسيح.