المحاضرة 5: هذا الجيل

في دراستنا لأزمة الإيسكاتولوجيا في أيامنا، ركّزنا كثيراً على الانتقادات التي ارتفعت ضد الكتاب المقدس، وضد مصداقية يسوع، في ما يتعلق بالنبوءات غير المتممة التي أعلنها يسوع والرسل أيضاً بشأن مجيء المسيح، وحاول النقاد أن يبرهنوا أن مجيء المسيح الذي تم التنبؤ به لم يحدث ضمن الإطار الزمني الذي حدده العهد الجديد لتتميم هذا الحدث.

وكما رأينا حتى الآن في دراساتنا، العبارة التي أثارت جدلاً في الحديث على جبل الزيتون، هي عبارة "هذا الجيل". فلقد جاء "إِنَّهُ لاَ يَمْضِي هَذَا الْجِيلُ". سنستخدم كلمة "يمضي"، "حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ". إن المعنى العادي والبديهي لهذا النص، وكما قال بيرتراند راسيل في إطار انتقاده للمسيحية، بالإضافة إلى نقاد علم الكتاب المقدس، يقول إنه لا بد أنه يُشار بهذا الجيل حرفياً إلى القوم الذين كانوا معاصرين ليسوع، والجيل يدوم حوالي أربعين سنة. وكلمة "يمضي" تشير إلى موتهم، أي أن هؤلاء القوم لن يموتوا جميعاً أو يمضوا حتى يتم كل كلام النبوءة. وكلمة "الكل" تشمل كل شيء.

كما أننا نرى أن المشكلة تتفاقم لدى معرفتنا، وكما ذكرت سابقاً، أن ما عجّل المناقشة هو أن نبوءة يسوع بدمار الهيكل في أورشليم ودمار مدينة أورشليم قد تم ضمن فترة أربعين سنة، لأن هذه الأحداث تمت في العام 70 ب.م. إذاً، أنا أظن أننا نرى بل نشعر مجدداً بوطأة المشكلة. أنا أعالج هذه الفكرة للسبب الآتي، أنا لست مقتنعاً بأن المسيحيين الإنجيليين يشعرون فعلاً بوطأة المشكلة، وهذا جزء من مشكلة، تجاهل الانتقاد، والقيام ببساطة بوعظ الجماعة والتكلم في ما بيننا من دون الإصغاء إلى الانتقاد المُثار، فيما يتوجب علينا تقديم جواب لهؤلاء النقّاد الذين دمّروا الكتاب المقدس وشخص المسيح. لذا أظن أنه من واجبنا كمسيحيين يؤمنون بألوهية المسيح وبوحي الكتاب المقدس، أن نشعر بثقل المشكلة وأن نعالجها عندما نواجهها.

يشعر الكثير من العلماء بأن سبيل الهروب من هذه الصعوبة موجود في الآية 32 من إنجيل مرقس 13. فمباشرة بعد أن أشار يسوع مجدداً إلى الإطار الزمني، قال مجدداً في الآية 30: "اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ يَمْضِي هَذَا الْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ هَذَا كُلُّهُ". دعوني أذكّركم مجدداً بأن يسوع قال هذا الكلام هنا بأسلوب توكيدي. لا أعتقد أن يسوع شدد يوماً على مسألة الإطار الزمني أكثر مما فعل هنا حين قال "اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ يَمْضِي هَذَا الْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ هَذَا كُلُّهُ". ثم يتابع ويفسّر ذلك قائلاً: "اَلسَّمَاءُ وَالأَرْضُ تَزُولاَنِ وَلَكِنَّ كَلاَمِي لاَ يَزُولُ". إذاً، يعلّق يسوع جزءاً كبيراً من مصداقيته على ما يقوله هنا. هذا هو كلامي وكلامي يدوم أكثر من السماء والأرض.

ثم نرى سبيل الهروب في الآية 32 "وَأَمَّا ذَلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ، فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ، وَلاَ الاِبْنُ إلاَّ الآبُ". الآية 32 هي من أكثر الآيات إثارة للجدل في إنجيل مرقس كله، فإلى جانب أمور أخرى، هذه آية يضع فيها يسوع حدوداً لمعرفته، حين قال إن لا أحد يعرف اليوم ولا الساعة، ولا حتى الملائكة ولا الابن إلا الآب، ما أثار شتى أنواع الجدالات الكريستولوجية. في حين أنه من الواضح أن يسوع كان يشير هنا إلى طبيعته البشرية، والطبيعة البشرية ليست كلية العلم.

إنه لمن الهرطقة التأكيد على أن طبيعة المسيح البشرية كانت تعرف كل شيء، فطبيعته الإلهية كانت تعرف كل شيء، أما طبيعته البشرية فلم تكن تعرف إلا ما يمكن للإنسان العادي أن يعرفه، أو ما يخبره الله للإنسان العادي. فأحياناً، تنتقل المعرفة من الطبيعة الإلهية إلى الطبيعة البشرية. فنحن لا نفصل إحداهما عن الأخرى، لكننا نميز بينهما. لكني لا أريد الدخول في تفاصيل هذا الأمر، فهذه مسألة كريستولوجية. أما في ما يتعلق بالمشكلة التي نعالجها، فإن الكثير من العلماء يصلون إلى الآية 32، ويقولون إنه من الواضح أن يسوع يحدد نبوءته هنا بالقول: "لا أحد يعرف اليوم ولا الساعة ولا حتى أنا". إذاً هنا يتضح نوعاً ما أن يسوع أخطأ بقوله إن جميع هذه الأمور ستتم ضمن الإطار الزمني لهذا الجيل، وبالتالي فإن نفيه هذا يبطل أو يضعف أهمية كلامه السابق الذي يفيد بأن الأمر سيحدث في هذا الجيل.

أظن أن هذا مثل آخر من تلك الأمثلة التي يشكل فيها نصّ ما إشكالية، فيستعمل العلماء أدوات تعذيبية لمحاولة حل المشكلة. ما من سبب يدفع إلى اعتبار الآية 32 لاغية لما أعلنه يسوع سابقاً حين قال ببساطة "لاَ يَمْضِي هَذَا الْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ هَذَا كُلُّهُ"، ثم يصف الأمر بقوله ماذا؟ لا أعلم في أي يوم في هذا الجيل، ولا أعلم في أي ساعة سيكون ذلك، لكني أعرف أمراً واحداً، وهو أن هذه الأمور ستتم حتماً ضمن الإطار الزمني لهذا الجيل. لكن في وقت ما في هذا الجيل وقبل أن يمضي هذا الجيل، ستتم جميع هذه الأمور، لكن لا تسألوني عن اليوم والساعة. يبدو هذا فهماً أكثر رصانة لما يقوله يسوع هنا.

ونحن لا نريد أن يعلن ربنا هذه الأمور وأن يرجع عنها بعد ذلك، أي أن يؤكد على حدوث الأمر ضمن إطار زمني معين، وأن يقول بعد أقل من خمس دقائق إن الأمر لن يحدث ضمن ذلك الإطار الزمني. لقد أعلن أمراً ما وشدد وأكّد على أنه سيتم حتماً ضمن جيل واحد. علينا أن نقبل ذلك، وعلينا أن نتساءل: "ما الذي يعنيه بكلمة جيل؟" "ما الذي يقصده بقوله إن هذا الجيل لن يمضي؟" ثم إن النقّاد، بمن فيهم برتراند راسيل، يفهمون أنه يُشار بمصطلح "هذا الجيل" إلى القوم المعاصرين ليسوع، هؤلاء الأشخاص الذين عاشوا في تلك الحقبة، وإلى جيل من الناس. إذاً، عندما وصف يسوع الأمر في الآية 32، قال: "لا يمكنني أن أعطيكم المزيد من التفاصيل الدقيقة، سوى أن الأمور ستتم في هذا الجيل. لكن تذكروا أن هذا لا يعني أنه أقل دقة بما يحول دون تحقق الأمور في ذلك الجيل".

نحن نعتبر أن مسألة مضيّ الجيل تحتّم الإشارة إلى موت هؤلاء الذين على قيد الحياة، وهذا يتماشى مع الإشارة الزمنية الأخرى التي استخدمها بيرتراند راسيل لدحض العهد الجديد ويسوع، حين قال يسوع: "إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ هَهُنَا قَوْماً لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوْا ابن الإنسان قَدْ أَتَى بِقُوَّةٍ". إذاً، هنا تحولت كلمة "يمضي" إلى عبارة "يذوق الموت". تتم الإشارة إلى مبدأ واحد هنا، فنحن نتكلم عن أشخاص سيعمّرون إلى أن يشهدوا تتميم بعض الأحداث التي تنبأ بها يسوع. ما من معنى آخر لعبارة "لا يذوقون الموت".

أيضاً، وفي محاولة لحل تلك المعضلة الواردة في متى 16، يقول لنا بعض العلماء إن الأمر تم، إما في التجلي أو القيامة. فأثناء التجلي، رأى الناس يسوع يتجلى بمجده. فعلى جبل التجلي، ظهرت طبيعته الإلهية، والتلاميذ بطرس ويعقوب ويوحنا شعروا بالرهبة عندما رأوا يسوع متجلّياً وعاينوا مجده. وربما كان يسوع يشير إما إلى إظهار مجده في التجلي، أو إلى إظهار مجده في القيامة أو الصعود، وليس في مجيئه المقبل. لكن تكمن مشكلة في الأمر، وهي أن التجلي، بحسب إنجيل متى، تم بعد ستة أيام من إعلان يسوع عن الإطار الزمني، والقيامة تمت بعد بضعة أسابيع. إذاً، لا يبدو منطقياً بالنسبة إلي أن يقول يسوع "البعض منكم لن يذوق الموت حتى تتم هذه الأمور"، إلا إذا كان يتوقع أن يموت معظم تلاميذه في الأسبوع التالي، بل هو كان يقول ببساطة إن البعض منهم سيعمّرون طويلاً حتى يشهدوا على حدوث ذلك. ولا يبدو لي أنه يمكن للرب أن يقول لهم إنهم لن يذوقوا الموت حتى يتم حدث ما بعد أسبوع أو بعد أسبوعين، إلا إذا كانت تنتظرهم معركة وشيكة لا يمكن لهم أن ينجوا منها أو ما شابه. لكن من الواضح أنه لم تكن هذه الحال.

إذاً، إليكم وجهة نظري، إن نسبنا هذا النص الذي جاء فيه أن البعض منهم لن يذوقوا الموت إلى حدث التجلي أو إلى أحداث أخرى مرتبطة به على المدى القصير، فأنا أظن أن هذه الفترة الزمنية قصيرة جداً، فأنا أظن أنه حين قال لهم يسوع إن البعض منهم لن يذوق الموت، فهو كان يشير حتماً إلى فترة زمنية تتجاوز الأسبوع الواحد أو الشهر. لذا، فإن الطريقة الأخرى الأكثر شيوعاً التي اتّبعها العلماء ليحاولوا أن يردوا على النقاد في ما يتعلق بنبوءة العهد الجديد التي لم تتحقق، فتقضي بتفسير كلمة "جيل"، بما يجعلها لا تشير إلى هؤلاء القوم الذين كانوا على قيد الحياة حين أعلن يسوع النبوءة، والذين كانوا معاصرين للمسيح. وإنما بالأحرى، تم استعمال كلمة "جيل" للإشارة إلى نوع أو صنف أو مثال معين من الناس، إلى نوع أو صنف أو مثال من الناس. كما لو أن يسوع يقول إن أمثال هؤلاء لن يمضوا إلى أن تتم هذه الأمور. هذا هو التفسير الأكثر شيوعاً.

ويقول بعض العلماء إن نوع الأشخاص الذين يشير إليهم يسوع هنا هم المؤمنون أو الأبرار، أي أن الأمناء والمؤمنين بينكم والذين يثقون بي لن يمضوا حتى تتم جميع هذه الأمور. بتعبير آخر، سيظل المؤمنون متواجدين عندما أعود في نهاية الجيل. هذا واحد من التفسيرات. وبالطبع، هذا التفسير رفع المسؤولية عن الجميع، لأنه لم يعد الجيل محصوراً بفترة أربعين سنة، ولم يعد تتميم الأمور محصوراً بالقرن الأول، وأصبح ممكناً التسليم بما أسماه سوايتزر الـ"باروسيا"، أي التأجيل عبر القرون. بحيث أنه يمكننا الانتظار ألفي سنة أو ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف سنة لكي تتم تلك الأمور.

عادةً، إن الجيل، الذي تم وصفه هنا على أنه نوع أو صنف من الأشخاص، لا يُشار به إلى الأبرار أو المؤمنين، بل إلى غير المؤمنين، وإلى الأشرار، إلى الجيل الشرير. وهيرمان ريدربوس الذي سبق لي أن تكلمت عنه، والذي يقول إن ثمة أموراً تمت وأخرى لم تتم بعد في ملكوت الله في العهد الجديد. يقول ريدربوس إن الكلمة اليونانية "جينيا" التي يتم استخدامها للإشارة إلى الجيل ليست وصفاً لإطار زمني بل لإطار ذهني، أي أن هذه إشارة إلى حالة ذهنية، بحيث أن الأشخاص الذين يتبنون هذه الذهنية سيبقون متواجدين إلى أن تتم كل تلك الأمور، أي أن هذا النوع من الأشخاص سيبقى موجوداً إلى أن تتم جميع هذه الأمور. هذا هو التفسير الأكثر شيوعاً الذي ينسبه الإنجيليون المتحفظون إلى الحديث على جبل الزيتون ليهربوا من هجمات النقاد. أما أنا شخصياً، وبصراحة، فأجد هذا التفسير أقل من مقنع. أنا أعلم أنه في حالات نادرة في ترجمة التوراة السبعونية، وفي الوثائق الإضافية للكتاب المقدس، يمكن استعمال كلمة "جينيا" للإشارة إلى نوع من الأشخاص، لكن استعمالها في العهد الجديد يشير بكل إصرار وتأكيد إلى قوم عاشوا في تلك الفترة بالذات.

والآن أريد تكريس بعض الوقت للتأمل في بعض هذه المقاطع. المقطع الأول الذي سنرجع إليه هو متى 23 والآية 36. في هذا السياق، كان يسوع يعطي رسالته الأخيرة، التي يُفترض أنه أعلنها في اليوم نفسه الذي أعلن فيه الحديث على جبل الزيتون، وقال: "إنَّ هَذَا كُلَّهُ يَأْتِي عَلَى هَذَا الْجِيلِ!" على حد علمي، لا يوجد أي معلّق أو عالم فسّر ذلك على أنه يشير إلى غير المعاصرين الذين عاشوا في الحقبة التي تكلم فيها يسوع عن الأمور التي ستحلّ بذلك الجيل، وقال في متى 11 "وَبِمَنْ أُشَبِّهُ هَذَا الْجِيلَ؟" يُجمع كل المعلّقين على أنه كان يُشار بذلك إلى الجيل اليهودي الذي عاش في تلك الحقبة. إليكم ما جاء في متى 12: 39، 41، 42، 45. "رِجَالُ نِينَوَى سَيَقُومُونَ فِي الدِّينِ مَعَ هَذَا الْجِيلِ"، من البديهي أن رجال نينوى كانوا جيلاً سابقاً. "مَلِكَةُ التَّيْمَنِ سَتَقُومُ فِي الدِّينِ مَعَ هَذَا الْجِيلِ وَتَدِينُهُ"، "هَكَذَا يَكُونُ أَيْضاً لِهَذَا الْجِيلِ الشَّرِّيرِ"، لا يمكن أن يشير ذلك إلا إلى الجيل القائم حينئذٍ الذي كان يسوع يوجه إليه تحذيراً. جاء أيضاً في لوقا 11 والآيتين 50 و51 "لِكَيْ يُطْلَبَ مِنْ هَذَا الْجِيلِ دَمُ جَمِيعِ الأَنْبِيَاءِ". مجدداً، سوف يُطلَب من هذا الجيل. مرقس 8: 38 "لأَنَّ مَنِ اسْتَحَى بِي وَبِكَلاَمِي فِي هَذَا الْجِيلِ الْفَاسِقِ الْخَاطِئِ"، ولوقا 17: 25 "وَيُرْفَضَ ابن الإنسان مِنْ هَذَا الْجِيلِ".

إن فهمنا السياق الكتابي الذي قام فيه ربنا بهذه التصريحات، فهو يتكلم حتماً عن لحظة حاسمة في تاريخ الفداء، حيث افتقد الله أمة إسرائيل بشخص ابنه الوحيد، وهذا هو الجيل الذي كان حياً في تلك الفترة، والذي تمتع من ناحية بامتياز رؤية المسيح بالجسد. لكن في الوقت نفسه، هذا هو الجيل الذي اقترف أكبر ذنب في التاريخ اليهودي، لأنه رفض ذاك الذي جاء إلى خاصته وخاصته لم تقبله. إذاً، يحذر يسوع هذا الجيل مراراً في العهد الجديد من قسوة الدينونة التي ستقع على رؤوسهم، لأن دينونتهم ستكون أعظم بكثير من دينونة الأجيال السابقة في العصور القديمة، كتلك التي وقعت في أيام ملكة سبا وفي حقبات أخرى، لأن الأزمة بلغت لحظة حاسمة مع مجيء المسيح. ويتكلم عن الدينونة التي ستأتي على هذا الجيل. والمعنى الواضح لهذه التحذيرات يشير إلى الدينونة التي ستنزل على ذلك الجيل من بني إسرائيل المرتدين في ذلك الوقت.

في الواقع، بصرف النظر عن استعمال كلمة "جينيا" أي "جيل" التي نجدها في الحديث على جبل الزيتون، وردت هذه الكلمة 38 مرة أخرى في العهد الجديد، وتشير كل واحدة منها إلى القوم المعاصرين الذين عاشوا في تلك الفترة. من الناحية اللغوية، يمكن لكلمة "جينيا" أن تعني نوعاً من الناس، أو كما يقول ريدربوس، إلى إطار ذهني بدلاً من الإطار الزمني، لكن ما أقوله لكم هو إن الدليل التفسيري واللغوي على عدم صحة ذلك قاطع، وعلى أحدهم أن يملك سبباً قوياً ليفسّر هذه العبارة "لاَ يَمْضِي هَذَا الْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ"، يجب أن يملك سبباً قوياً ليفسر هذه العبارة خارج إطار استعمالها الطبيعي.

والسؤال هو: "هل نملك سبباً قوياً؟" بالطبع، يعتبر الكثير من الإنجيليين أننا نملك سبباً قوياً، والسبب القوي هو أن نهاية الجيل لم تتم، ويسوع لم يأتِ. وإن كان يسوع يقول الحق، فعلينا أن نفسر كلمة "جينيا" في إطار مختلف عن الإطار العادي الذي ترد فيه في العهد الجديد. لكن ماذا لو كان الجيل انقضى فعلاً؟ ماذا لو لم يكن يسوع يتكلم هنا عن نهاية التاريخ، بل عن نهاية الجيل اليهودي؟ ماذا لو لم يكن يسوع يتكلم عن مجيئه النهائي ليتمم كل النبوات المتعلقة بالسماء الجديدة والأرض الجديدة، بل كان يتكلم عن مجيئه ليدين إسرائيل، الذي تجلى بدمار الهيكل ودمار أورشليم؟ ماذا لو كان هذا جوهر كلامه على جبل الزيتون؟ أنا أظن ذلك. لست أكيداً، لكني أعتقد أن هذا ما كان يتكلم عنه هناك. وفي محاضرتنا المقبلة سنغوص في أسباب ذلك.