المحاضرة 4: حَرْفِيٌّ أَمْ مَجَازِيٌّ؟ | خدمات ليجونير
 

المحاضرة 4: حَرْفِيٌّ أَمْ مَجَازِيٌّ؟

فِي الْمُحَاضَرَةِ السَابِقَةِ مِنْ دِرَاسَتِنَا لِلْأَيَّامِ الْأَخِيرَةِ تَذْكُرُونَ أَنِّي تَنَاوَلْتُ بِدِقَّةٍ الْحَدِيثَ عَلَى جَبَلِ الزَيْتُونِ بِحَسَبِ إِنْجِيلِ مَرْقُسَ. وَرَأَيْنَا جَمِيعَ الْعَنَاصِرِ الْوَارِدَةِ فِي تِلْكَ النُبُوَّةِ الْمُسْتَقْبَلِيَّةِ الَتِي أَعْلَنَهَا يَسُوعُ لِتَلَامِيذِهِ بِشَأْنِ دَمَارِ الْهَيْكَلِ وَدَمَارِ أُورُشَلِيمَ، وَمِنْ ثَمَّ جَمِيعَ عَلَامَاتِ الْأَزْمِنَةِ الَتِي عَدَّدَهَا، ثُمَّ خَتَمَ بِتَنَبُّؤِهِ بِمَجِيئِهِ عَلَى سَحَابِ الْمَجْدِ، مُشِيرًا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ الْجِيلَ لَنْ يَمْضِيَ حَتَّى تَتِمَّ جَمِيعُ تِلْكَ الْأُمُورِ. وَتَطَرّقْنَا إِلَى بَعْضِ الْمَشَاكِلِ الْمُهِمَّةِ الَتِي نُوَاجِهُهَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِطَارِ الزَمَنِيِّ الَذِي يَنْسِبُ إِلَيْهِ يَسُوعُ جَمِيعَ تِلْكَ الْأُمُورِ الْوَارِدَةِ فِي الْحَدِيثِ عَلَى جَبَلِ الزَيْتُونِ. وَنَذْكُرُ أَنَّ يَسُوعَ كَشَفَ عَنِ الْإِطَارِ الزَمَنِيِّ فِي إِطَارِ رَدٍّ مُبَاشِرٍ عَلَى سُؤَالٍ طَرَحَهُ عَلَيْهِ تَلَامِيذُهُ، حِينَ قَالُوا لَهُ: "مَتَى يَكُونُ هَذَا؟"

أَثْنَاءَ تَنَاوُلِ كُلِّ الْمُحْتَوَى الْمَوْجُودِ فِي الْحَدِيثِ عَلَى جَبَلِ الزَيْتُونِ، فَإِنَّ أَوَّلَ أَمْرٍ نُصَارِعُ مَعَهُ هُوَ مَبْدَؤُنَا فِي تَفْسِيرِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ الَذِي نُطَبِّقُهُ عَلَى هَذَا النَصِّ. وَأَحَدُ أَهَمِّ مَبَادِئِ تَفْسِيرِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ هُوَ مَا يُعْرَفُ "بالسِينْسُوسْ لِيتِيرالِيس" (sensus literalis)، وَغَالِبًا مَا تَتِمُّ تَرْجَمَتُهُ بِعِبَارَةِ "الْمَعْنَى الْحَرْفِيِّ" لِلْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ. لَكِنَّ هَذَا مُخَادِعٌ بَعْضَ الشَيْءِ، لِأَنَّهُ حِينَ يَسْتَخْدِمُ النَاسُ عِبَارَةَ "تَرْجَمَةٍ حَرْفِيَّةٍ" بِشَكْلٍ دَارِجٍ، فَإِنَّهُمْ يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ أَنَّ الْأُمُورَ الَتِي تَحْدُثُ تَتَحَقَّقُ تَمَامًا مِثْلَمَا وَرَدَتْ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ. فِي حِينِ أَنَّ مَفْهُومَ التَفْسِيرِ الْحَرْفِيِّ كَمَا تَمَّ تَوْضِيحُهُ فِي فَتْرَةِ الْإِصْلَاحِ يَعْنِي أَنَّهُ يَجِبُ دَائِمًا تَفْسِيرُ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ وَفْقًا لِلْمَعْنَى الَذِي كُتِبَ بِهِ، أَيْ أَنَّ هُنَاكَ بَعْضَ أَشْكَالِ الْبِنَاءِ الْأَدَبِيِّ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ كُتِبَتْ بِأُسْلُوبِ السَرْدِ التَارِيخِيِّ. وَفِي أَحْيَانٍ أُخْرَى نَجِدُ الْأُسْلُوبَ الشِعْرِيَّ، وَمَرَّاتِ نَجِدُ الْأُسْلُوبَ التَارِيخِيَّ الْعَادِيَّ، وَفِي أَحْيَانٍ أُخْرَى نَجِدُ الْأُسْلُوبَ الْمَجَازِيَّ أَوِ الِاسْتِعَارِيَّ.

وَنَحْنُ نَضَعُ ذَلِكَ فِي الِاعْتِبَارِ، أُرِيدُ التَأَمُّلَ فِي عَنَاصِرِ الْحَدِيثِ عَلَى جَبَلِ الزَيْتُونِ. وَسَنَسْتَنِدُ مُجَدَّدًا إِلَى نُسْخَةِ مَرْقُسَ كَدَلِيلٍ لَنَا الْيَوْمَ، وَسَأُمَيِّزُ بَيْنَ الْأُسْلُوبِ الْعَادِيِّ وَالْأُسْلُوبِ الْمَجَازِيِّ. مَا أَقْصِدُهُ بِالْأُسْلُوبِ الْعَادِيِّ هُوَ مَا يُسَمِّيهِ الْبَعْضُ التَفْسِيرَ الْحَرْفِيَّ، أَيْ أَنَّ النَصَّ يَعْنِي تَحْدِيدًا مَا يُوحِي بِأَنَّهُ يَقُولُهُ فِي الِاسْتِعْمَالِ الْعَادِيِّ لِلْكَلِمَاتِ. أَمَّا الْأُسْلُوبُ الْمَجَازِيُّ فَيَعْنِي تَوَاجُدَ عُنْصُرِ الرُمُوزِ فِي الْأُسْلُوبِ اللُغَوِيِّ، أَوْ فِي الشَكْلِ الْأَدَبِيِّ الَذِي تَمَّ اسْتِخْدَامُهُ. إِنْ تَأَمَّلْنَا فِي مَرْقُسَ الأَصْحَاحِ 13، وَفِي الْحَدِيثِ عَلَى جَبَلِ الزَيْتُونِ، فَإِنَّنَا وَبِشَكْلٍ أَسَاسِيٍّ نَجِدُ أَمَامَنَا ثَلَاثَةَ خِيَارَاتٍ لِتَفْسِيرِ الْحَدِيثِ عَلَى جَبَلِ الزَيْتُونِ.

الْخِيَارُ الْأَوَّلُ يَقْضِي بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يَجِبُ فَهْمُ الْحَدِيثِ كُلِّهِ عَبْرَ تَفْسِيرِ اللُغَةِ الْعَادِيَّةِ، أَوْ مَا يُعْرَفُ بِالتَفْسِيرِ الْحَرْفِيِّ. هَذَا هُوَ الْخِيَارُ الْأَوَّلُ. وَالْخِيَارُ الثَانِي يَقْضِي بِاعْتِبَارِ النَصِّ كُلِّهِ مَجَازِيًّا أَوِ اسْتَعَارِيًّا. وَالْخِيَارُ الثَالِثُ يَقْضِي بِتَفْسِيرِ جُزْءٍ مِنَ النَصِّ تَفْسِيرًا حَرْفِيًّا أَوْ عَادِيًّا، أَيْ أَنَّ جُزْءًا مِنْهُ عَادِيٌّ، وَالْجُزْءَ الْآخَرَ مَجَازِيٌّ. هَذِهِ هِيَ بِشَكْلٍ أَسَاسِيٍّ الْخِيَارَاتُ الْمَطْرُوحَةُ أَمَامَنَا عِنْدَمَا نَتَطَرَّقُ إِلَى هَذَا النَصِّ وَنُحَاوِلُ تَفْسِيرَهُ.

هَؤُلَاءِ النُقَّادُ الَذِينَ تَكَلَّمْنَا عَنْهُمْ حَتَّى الْآنَ، وَالَذِينَ اسْتَعْمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى جَبَلِ الزَيْتُونِ كَذَرِيعَةٍ لِشَنِّ هُجُومٍ عَلَى مِصْدَاقِيَّةِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ وَحَتَّى عَلَى دِقَّةِ نُبُوَّةِ يَسُوعَ نَفْسِهِ، فَسَّرُّوا الْحَدِيثَ عَلَى جَبَلِ الزَيْتُونِ تَفْسِيرًا حَرْفِيًّا. وَاعْتَبَرُوا أَنَّ أَجْزَاءً مُعَيَّنَةً مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَمَّتْ بِحَسَبِ النُبُوَّةِ، أَيْ عِنْدَمَا تَنَبَّأَ يَسُوعُ بِدَمَارِ الْهَيْكَلِ بِأُسْلُوبٍ بَسِيطٍ وَعَادِيٍّ، فَهَذَا مَا حَدَثَ تَحْدِيدًا عَبْرَ التَارِيخِ. كَمَا أَنَّ دَمَارَ مَدِينَةِ أُورُشَلِيمَ تَمَّ بِحَسْبِ الْأُسْلُوبِ الْعَادِيِّ الَذِي اسْتَعْمَلَهُ يَسُوعُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى جَبَلِ الزَيْتُونِ. لَكِنْ إِنْ طَبَّقْنَا الْأُسْلُوبَ الْعَادِيَّ عَلَى الْبُعْدِ الْمُهِمِّ الثَالِثِ، أَوْ عَلَى مَضْمُونِ النُبُوَّةِ أَيْ عَوْدَةِ يَسُوعَ بِمَجْدِهِ فِي نِهَايَةِ الْجِيلِ، فَإِنَّ النُقَّادَ يَقُولُونَ إِنَّ الْأَمْرَ لَمْ يَتِمَّ حَرْفِيًّا، كَمَا أَنَّهُمْ يُقَدِّمُونَ تَفْسِيرًا حَرْفِيًّا لِهَذِهِ الْعِبَارَةِ "إِنَّهُ لَاَ يَمْضِي هَذَا الْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ".

إِذَنْ، كَمَا تَرَى إِنْ أَخَذْتَ كُلَّ عَنَاصِرِ الْحَدِيثِ عَلَى جَبَلِ الزَيْتُونِ وَفَسَّرْنَاهُ تَفْسِيرًا حَرْفِيًّا، فَإِنَّكَ سَتُوَاجِهُ مَشَاكِلَ خَطِيرَةً كَتِلْكَ الَتِي أَثَارَهَا النُقَّادُ. أَنَا لَا أَعْرِفُ أَحَدًا يَقُولُ بِأَنَّ كُلَّ الْحَدِيثِ عَلَى جَبَلِ الزَيْتُونِ وَرَدَ بِأُسْلُوبٍ مَجَازِيٍّ اسْتَعَارِيٍّ، وَالسَبَبُ بِبَسَاطَةٍ هُوَ أَنَّ الْهَيْكَلَ لَمْ يُدَمَّرْ بِشَكْلٍ مَجَازِيٍّ فِي عَامِ 70 مِيلَادِيًّا، وَأَنَّ أُورُشَلِيمَ بِبَسَاطَةٍ لَمْ تُدَمَّرْ بِشَكْلٍ مَجَازِيٍّ فِي عَامِ 70 مِيلَادِيًّا، بَلْ إِنَّ هَذَيْنِ الْحَدَثَيْنِ تَحَقَّقَا حَرْفِيًّا. وَبِالتَالِي، فَلَا يَبْقَى أَمَامَنَا سِوَى الْخِيَارِ الثَالِثِ، الَذِي يَقْضِي بِالتَأَمُّلِ فِي هَذَا النَصِّ وَرُؤْيَةِ مَزِيجٍ مِنَ الْأُسْلُوبِ الْعَادِيِّ بِالْإِضَافَةِ إِلَى بَعْضِ عَنَاصِرِ الْأُسْلُوبِ الْمَجَازِيِّ الِاسْتِعَارِيِّ، وَهَذِهِ هِيَ الطَرِيقَةُ الَتِي أَفْهَمُ بِهَا النَصَّ. عِنْدَئِذٍ يُصْبِحُ السُؤَالُ "أَيُّ جُزْءٍ مِنَ النَصِّ يُمْكِنُ تَفْسِيرُهُ بِشَكْلٍ حَرْفِيٍّ؟، وَأَيُّ جُزْءٍ مِنَ النَصِّ يُمْكِنُ تَفْسِيرُهُ بِشَكْلٍ مَجَازِيٍّ؟" هُنَا تُصْبِحُ الْمَسْأَلَةُ مُعَقَّدَةً، وَصَعْبَةً بَعْضَ الشَيْءِ. مِنَ الْوَاضِحِ أَنَّنَا بَيْنَمَا نُعَدِّدُ الْعَنَاصِرَ الْأَسَاسِيَّةَ فِي الْحَدِيثِ وَمِنْهَا دَمَارُ الْهَيْكَلِ، فَأَنَا أَظُنُّ أَنَّنَا نُوَافِقُ جَمِيعًا عَلَى أَنَّ الْأُسْلُوبَ الَّذِي تَمَّ اسْتِخْدَامُهُ هُنَا هُوَ الْأُسْلُوبُ الْعَادِيُّ الْحَرْفِيُّ، بِالنِسْبَةِ إِلَى دَمَارِ الْهَيْكَلِ، تَمَّ بِشَكْلٍ حَرْفِيٍّ.

وَالْعُنْصُرُ الثَانِي هُوَ دَمَارُ مَدِينَةِ أُورُشَلِيمَ بِالْكَامِلِ وَنَحْنُ نَقُولُ إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ تَمَّ حَرْفِيًّا فِي عَامِ 70 مِيلَادِيًّا، إِذَنْ يُمْكِنُ تَفْسِيرُ هَذَا الْعُنْصُرِ تَفْسِيرًا حَرْفِيًّا. لَكِنْ مَاذَا عَنْ مَجِيءِ الْمَسِيحِ فِي مَجْدِهِ؟ لِنَضَعْ عَلَامَةَ اسْتِفْهَامٍ هُنَا الْآنَ. هَلْ عَادَ يَسُوعُ حَرْفِيًّا ضِمْنَ هَذَا الْإِطَارِ الزَمَنِيِّ أَمْ لَا؟ سَنَتْرُكُ هَذَا السُؤَالَ مُعَلَّقًا لِبَعْضِ الْوَقْتِ. ثُمَّ نَصِلُ إِلَى الْعَلَامَاتِ الَتِي تَمَّ سَرْدُهَا وَهِيَ أَنَّهُ سَيَتِمُّ تَسْلِيمُ التَلَامِيذِ إِلَى الْمَجَالِسِ، وَأَنَّهُمْ سَيَتَعَرَّضُونَ لِلِاضْطِهَادِ، وَسَيَقُومُ مُسَحَاءُ كَذَبَةٌ، وَسَتَكُونُ حُرُوبٌ وَأَخْبَارُ حُرُوبٍ، وَمَجَاعَاتٌ وَزَلَازِلُ، وَسَتَظْهَرُ رِجْسَةُ خَرَابٍ، وَسَيُكْرَزُ بِالْإِنْجِيلِ فِي جَمِيعِ الْأُمَمِ. وَسَأُفَصِّلُ هَذِهِ الْأَخِيرَةَ جَانِبًا. لَكِنْ يُمْكِنُنَا الْقَوْلُ بِأَنَّنَا نَفْهَمُ مُعْظَمَ هَذِهِ الْعَلَامَاتِ عَلَى أَنَّهَا تَتِمُّ حَرْفِيًّا، فَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ عَنْ زَلَازِلَ فِعْلِيَّةٍ، وَاضْطِهَادَاتٍ فِعْلِيَّةٍ، وَضِيقَةٍ فِعْلِيَّةٍ وَمُسَحَاءَ كَذَبَةٍ فِعْلِيِّينَ، إِلَى آخِرِهِ.

إِذَنْ، يُوَافِقُ عُلَمَاءُ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ تَفْسِيرُ مُعْظَمِ عَنَاصِرِ هَذِهِ النُبُوَّةِ تَفْسِيرًا عَادِيًّا أَوْ حَرْفِيًّا. أَمَّا مَسْأَلَةُ الْكِرَازَةِ بِالْإِنْجِيلِ لِكُلِّ الْأُمَمِ فَهِيَ مَوْضِعُ جَدَلٍ. وَمَعْنَى عِبَارَةِ "انْقِضَاءُ الْجِيلِ" هِيَ مَوْضِعُ جَدَلٍ أَيْضًا. وَبِالطَبْعِ، إِحْدَى أَكْثَرِ الْمَسَائِلِ إِثَارَةً لِلْجَدَلِ تَتَعَلَّقُ بِالِاضْطِرَابَاتِ فِي الْأَجْرَامِ السَمَاوِيَّةِ، وَسَأُسَمِّي هَذَا اضْطِرَابَ السَّمَاوَاتِ الَذِي يُوصَفُ بِأَنَّهُ عَلَامَةٌ تَسْبِقُ مَجِيءَ الْمَسِيحِ. وَسَأَطْرَحُ سُؤَالًا فِي هَذَا الْإِطَارِ، ثُمَّ فِي نِهَايَةِ النِقَاشِ يَأْتِي السُؤَالُ الْخَاصُّ بِعِبَارَةِ "لَاَ يَمْضِي هَذَا الْجِيلُ"، هَلْ عَلَيْنَا أَنْ نُفَسِّرَ ذَلِكَ تَفْسِيرًا حَرْفِيًّا أَمْ مَجَازِيًّا؟ لِذَا، لَنْ أُكَرِّسَ وَقْتًا لِتَنَاوُلِ الْأَجْزَاءِ مِنَ الْحَدِيثِ عَلَى جَبَلِ الزَيْتُونِ الَتِي قَلَّمَا تُثِيرُ جَدَلًا، أَوْ لَا تُثِيرُ جَدَلًا مُطْلَقًا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحَرْفِيَّتِهَا وَهِيَ دَمَارُ الْهَيْكَلِ وَأُورُشَلِيمَ، وَالْعَلَامَاتُ الَتِي ذَكَرْتُهَا. فَلْنَبْدَأْ دِرَاسَتَنَا، وَبِمَا أَنَّ الْجَدَلَ الْكَبِيرَ يَتَعَلَّقُ بِمَجِيءِ الْمَسِيحِ فِي النِهَايَةِ، فَلْنَضَعْ هَذَا الْأَمْرَ جَانِبًا لِبَعْضِ الْوَقْتِ وَلْنَتَطَرَّقْ إِلَى بَعْضِ الْأَفْكَارِ الْأُخْرَى الَتِي هِيَ مَوْضِعُ جَدَلٍ.

أَوَّلًا، مَا الْمَقْصُودُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى جَبَلِ الزَيْتُونِ بِالْكَلَامِ عَنِ الْكِرَازَةِ بِالْإِنْجِيلِ فِي جَمِيعِ الْأُمَمِ قَبْلَ تَحْقِيقِ الْعَنَاصِرِ الْأَسَاسِيَّةِ فِي الْحَدِيثِ عَلَى جَبَلِ الزَيْتُونِ؟ بِحَسْبِ التَوَقُّعِ الْمَسِيحِيِّ الْحَدِيثِ، يُؤْمِنُ كَثِيرُونَ بِأَنَّهُ مَا لَمْ يُكْرَزْ بِالْإِنْجِيلِ حَرْفِيًّا لِكُلِّ لِسَانٍ وَكُلِّ قَبِيلَةٍ وَكُلِّ الشُعُوبِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَمَا لَمْ يَصِلِ الْإِنْجِيلُ إِلَى كُلِّ أُمَّةٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، لَنْ يَعُودَ الْمَسِيحُ. فِي الْوَاقِعِ، بَعْضُ الْخِدْمَاتِ الْإِرْسَالِيَّةِ حَوْلَ الْعَالَمِ تَدْفَعُهَا الرَغْبَةُ فِي تَتْمِيمِ هَذِهِ الْعَلَامَةِ، لِتَسْرِيعِ وُصُولِ يَوْمِ مَجِيءِ الْمَسِيحِ. يَنْقَسِمُ سُؤَالِي إِلَى جُزْءَيْنِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْعَلَامَةِ بِالذَاتِ، الْجُزْءُ الْأَوَّلُ هُوَ: "مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْأُمَمِ؟" أَنَا لَا أَعْرِفُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى جَبَلِ الزَيْتُونِ بِالْإِشَارَةِ إِلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ، لَكِنْ يُمْكِنُنِي أَنْ أَقُولَ لَكُمْ مَا يَلِي وَهُوَ جَانِبٌ مُهِمٌّ مِنْ مَفْهُومِنَا لِهَذَا النَصِّ، أَنَّ كَلِمَةَ "أُمَمٍ" تَمَّ اسْتِخْدَامُهَا بِطَرِيقَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ. فَمِنْ نَاحِيَةٍ، تَمَّ اسْتِعْمَالُ كَلِمَةِ "إِثْنُويْ" (ethnoi) أَوْ "أُمَمٍ" لِلْإِشَارَةِ إِلَى الْأُمَمِ الْوَثَنِيَّةِ. لَكِنْ أَيْضًا، بِمَا أَنَّ إِسْرَائِيلَ تُقْسَمُ إِلَى أَسْبَاطٍ، فَلَقَدْ تَمَّتْ الْإِشَارَةُ إِلَيْهَا مِنْ حِينٍ لِآخَرَ فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ عَلَى أَنَّهَا أُمَمُ إِسْرَائِيلَ. إِذَنْ، يُمْكِنُ لِهَذَا النَصِّ أَنْ يَعْنِيَ بِبَسَاطَةٍ أَنَّ الْإِنْجِيلَ سَيَصِلُ إِلَى جَمِيعِ أَسْبَاطِ أَوْ أُمَمِ إِسْرَائِيلَ قَبْلَ تَتْمِيمِ النُبُوَّةِ. تَذْكُرُونَ ارْتِبَاطَ هَذَا النَصِّ بِنَصٍّ آخَرَ هُوَ مَوْضِعُ جَدَلٍ قَالَ فِيهِ يَسُوعُ: "لَاَ تُكَمِّلُونَ مُدُنَ إِسْرَائِيلَ حَتَّى تَرَوْا مَلَكُوتَ اللَّهِ قَدْ أَتَى بِقُوَّةٍ". رَغْمَ أَنِّي أَعْتَبِرُ هَذَا احْتِمَالًا وَارِدًا، فَأَنَا لَا أَظُنُّ أَنَّ هَذَا الْمَقْصُودُ بِهِ هُنَا. أَنَا أَظُنُّ أَنَّهُ يُشَارُ بِذَلِكَ إِلَى جِنْسِيَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَلَيْسَ إِلَى الْأَسْبَاطِ الْيَهُودِيَّةِ أَوْ الْأُمَمِ الْيَهُودِيَّةِ.

إِذَنْ، إِنْ كُنَّا نَعْتَبِرُ أَنَّ عَلَى هَذِهِ النُبُوَّةِ أَنْ تَتِمَّ حَرْفِيًّا، فَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ هَذَا يُعَزِّزُ مَوْقِفَ النُقَّادِ الَذِينَ يَقُولُونَ إِنَّ يَسُوعَ قَالَ إِنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الْأُمُورِ سَتَتِمُّ ضِمْنَ إِطَارِ جِيلٍ وَاحِدٍ، وَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ الْإِنْجِيلَ لَمْ يَصِلْ إِلَى كُلِّ الْأُمَمِ فِي ذَلِكَ الْإِطَارِ الزَمَنِيِّ. لَكِنْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى رِسَالَةِ بُولُسَ إِلَى أَهْلِ رُومِيَةَ فَإِنَّ بُولُسَ فِي رِسَالَةِ رُومِيَةَ يَتَحَدَّثُ عَنِ انْتِشَارِ الْإِنْجِيلِ بِالْفِعْلِ فِي جَمِيعِ أَنْحَاءِ الْعَالَمِ بِحُلُولِ الْوَقْتِ الَذِي كَتَبَ فِيهِ رِسَالَةَ رُومِيَةَ، وَكَانَ يَقْصِدُ الْعَالَمَ الْمَعْرُوفَ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ، وَفِي سِفْرِ أَعْمَالِ الرُسُلِ، وَالْإِرْسَالِيَّةُ الْعُظْمَى أَيِ الذَهَابُ إِلَى أُورْشَلِيمَ وَالْيَهُودِيَّةِ وَالسَامِرَةِ وَإِلَى الْأُمَمِ الْوَثَنِيَّةِ، قَدْ تَحَقَّقَتْ بِالْفِعْلِ بِشَكْلٍ كَبِيرٍ فِي الْوَقْتِ الَذِي كَانَ بُولُسُ يَكْتُبُ رِسَالَةَ رُومِيَةَ وَيَتَحَدَّثُ عَنِ الْإِنْجِيلِ الَذِي وَصَلَ إِلَى الْعَالَمِ كُلِّهِ. تِلْكَ الْجُمْلَةُ هِيَ تَعْبِيرٌ شَائِعٌ يَسْتَعْمِلُهُ النَاسُ لِلْإِشَارَةِ إِلَى الْعَالَمِ الرُومَانِيِّ آنَذَاكَ. وَفِي تِلْكَ الْحَالَةِ، نَحْنُ لَا نُفَسِّرُ الْأَمْرَ حَرْفِيًّا لِنَقْصِدَ بِهِ كُلَّ أُمَّةٍ وَقَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ، لِذَا نَضَعُ عَلَامَةَ اسْتِفْهَامٍ أَمَامَ جُمْلَةِ وُصُولِ الْإِنْجِيلِ إِلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ!

وَالسُؤَالُ الثَانِي هُوَ أَيْضًا مِفْتَاحٌ لِجِدَالٍ كَبِيرٍ، وَهُوَ يَتَعَلَّقُ بِالْمَقْصُودِ بِعِبَارَةِ "انْقِضَاءِ الْجِيلِ". هَذَا السُؤَالُ مُهِمٌّ جِدًّا، لِذَا سَأُكَرِّسُ وَقْتًا لِتَنَاوُلِهِ عَلَى حِدَةٍ فِي مُحَاضَرَةٍ أُخْرَى. بِالْمُنَاسَبَةِ، دَعُونِي أَقُولُ بِشَكْلٍ عَابِرٍ إِنَّ هَؤُلَاءِ الَذِينَ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ تَحْقِيقَ حَدِيثِ جَبَلِ الزَيْتُونِ فِي مُجْمَلِهِ قَدْ حَدَثَ فِي غُضُونِ أَرْبَعِينَ سَنَةً بَعْدَ إِعْلَانِ الْمَسِيحِ لِلنُبُوَّةِ –أَيْ ضِمْنَ الْإِطَارِ الزَمَنِيِّ لِلْجِيلِ الْمُعَاصِرِ لِيَسُوعَ الَذِينَ سَمِعُوا نُبُوَّتَهُ– يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ مَا يَتَكَلَّمُ عَنْهُ يَسُوعُ هُنَا لَيْسَ نِهَايَةَ تَارِيخِ الْعَالَمِ، بَلْ نِهَايَةُ الْعَصْرِ الْيَهُودِيِّ وَنِهَايَةُ حِقْبَةِ الْفِدَاءِ الَتِي رَكَّزَتْ عَلَى الْأُمَّةِ الْيَهُودِيَّةِ، الَتِي انْتَهَتْ فِعْلًا مَعَ دَمَارِ الْهَيْكَلِ وَدَمَارِ أُورُشَلِيمَ فِي عَامِ 70 مِيلَادِيًّا. وَنَرَى لَحْظَةَ انْفِصَالٍ حَاسِمَةً لِلْمُجْتَمَعِ الْمَسِيحِيِّ عَنِ الْمُجْتَمَعِ الْيَهُودِيِّ، حَيْثُ بَرَزَتِ الْمَسِيحِيَّةُ كَدِيَانَةٍ عَالَمِيَّةٍ ابْتِدَاءً مِنْ تِلْكَ اللَحْظَةِ. وَرَاحَتْ تَتَّجِهُ تَدْرِيجِيًّا نَحْوَ الِانْفِصَالِ النِهَائِيِّ الَذِي تَمَّ فِي عَامِ 70 مِيلَادِيًا. وَكَمَا قُلْتُ، سَنَتَنَاوَلُ هَذَا الْمَوْضُوعَ بِالتَفْصِيلِ فِي وَقْتٍ لَاحِقٍ. لَكِنِّي أُكَرِّرُ بِشَكْلٍ عَابِرٍ، إِنْ كَانَتْ نِهَايَةُ الْجِيلِ تَعْنِي نِهَايَةَ الْعَالَمِ بِالْمَعْنَى الْحَرْفِيِّ، فَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ الْأَمْرَ لَمْ يَتِمَّ ضِمْنَ الْإِطَارِ الزَمَنِيِّ لِجِيلٍ بَشَرِيٍّ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَتِمَّ حَتَّى الْيَوْمِ.

حَسَنًا، مَاذَا عَنِ الاضْطِرَابَاتِ فِي الأَجْرَامِ السَمَاوِيَّةِ الَتِي نَجِدُهَا فِي النَصِّ الَذِي يَتَكَلَّمُ عَنْ عَلامَاتٍ فِي السَمَاءِ؟ "وَأَمَّا فِي تِلْكَ الأَيَّامِ" ابْتِدَاءً مِنَ الآيَةِ 24 مِنَ الأَصْحَاحِ 13 مِنْ إِنْجِيلِ مَرْقُسَ "بَعْدَ ذَلِكَ الضِّيقِ فَالشَّمْسُ تُظْلِمُ، وَالْقَمَرُ لاَ يُعْطِي ضَوْءَهُ، وَنُجُومُ السَّمَاءِ تَتَسَاقَطُ"، وَالْقُوَّاتُ الَّتِي فِي السَّمَاوَاتِ تَتَزَعْزَعُ. وَحِينَئِذٍ يُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي سَحَابٍ بِقُوَّةٍ كَثِيرَةٍ وَمَجْدٍ"، فَيُرْسِلُ حِينَئِذٍ مَلاَئِكَتَهُ وَيَجْمَعُ مُخْتَارِيهِ مِنَ الأَرْبَعِ الرِّيَاحِ، مِنْ أَقْصَاءِ الأَرْضِ إِلَى أَقْصَاءِ السَّمَاءِ". نَحْنُ نَتَكَلَّمُ هُنَا عَمَّا أُسَمِّيهِ الِاضْطِرَابَاتِ فِي الْأَجْرَامِ السَمَاوِيَّةِ أَوِ الْعَلَامَاتِ الْمَرْئِيَّةِ أَوْ عَلَامَاتٍ فَاجِعَةٍ تَظْهَرُ فِي السَمَاءِ. يُثِيرُ ذَلِكَ جَدَلًا مُهِمًّا جِدًّا يَتَعَلَّقُ بِالْأُسْلُوبِ أَوِ الصِيغَةِ الْأَدَبِيَّةِ، وَالسَبَبُ هُوَ أَنَّهُ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ لَمْ يَكُنْ مِنْ غَيْرِ الْمَأْلُوفِ أَوْ غَيْرِ الْمَسْبُوقِ أَنْ يَصِفَ أَنْبِيَاءُ إِسْرَائِيلَ انْسِكَابَ دَيْنُونَةِ اللَّهِ عَلَى الْأَرْضِ بِاسْتِخْدَامِ صُوَرٍ مَجَازِيَّةٍ مُشَابِهَةٍ جِدًّا لِتِلْكَ الصُورَةِ، وَالَتِي تُشِيرُ إِلَى سَكْبِ اللَّهِ دَيْنُونَةً فَاجِعَةً عَلَى مَدِينَةٍ أَوْ عَلَى أُمَّةٍ، بِحَيْثُ تَمَّ فِيهَا وَصْفُ الْأَحْدَاثِ بِلُغَةِ الِاضْطِرَابَاتِ فِي الْأَجْرَامِ السَمَاوِيَّةِ الَتِي لَمْ تَتِمَّ حَرْفِيًّا، وَلَكِنَّهَا كَانَتْ أَسَالِيبَ نَبَوِيَّةً لِلْمُصْطَلَحَاتِ الْمَجَازِيَّةِ.

دَعُونِي أُعْطِيكُمْ بَعْضَ الْأَمْثِلَةِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ كِتَابِي، نَقْرَأُ مِنْ إِشْعِيَاءَ الأَصْحَاحِ 13 الْآيَاتِ 9، 10، 13 الْوَصْفَ الْآتِي لِدَيْنُونَةِ اللَّهِ وَدَمَارِ بَابِلَ أَوْ صُورَ: "هُوَذَا يَوْمُ الرَّبِّ قَادِمٌ، قَاسِيًا بِسَخَطٍ وَحُمُوِّ غَضَبٍ. لِيَجْعَلَ الأَرْضَ خَرَابًا، وَيُبِيدَ مِنْهَا خُطَاتَهَا". وَالآنَ انْتَبِهُوا لِهَذَا الْجُزْءِ. "فَإِنَّ نُجُومَ السَّمَاوَاتِ وَجَبَابِرَتَهَا لاَ تُبْرِزُ نُورَهَا، تُظْلِمُ الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِهَا، وَالْقَمَرُ لاَ يَلْمَعُ بِضُوئِهِ. لذَلِكَ أُزَلْزِلُ السَّمَاوَاتِ، وَتَتَزَعْزَعُ الأَرْضُ مِنْ مَكَانِهَا". هَذَا الْأُسْلُوبُ مُشَابِهٌ تَقْرِيبًا لِلْأُسْلُوبِ الَذِي اتَّبَعَهُ يَسُوعُ فِي الْحَدِيثِ عَلَى جَبَلِ الزَيْتُونِ، فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَجِيئِهِ. هُنَاكَ أَجْزَاءٌ أُخْرَى مِنَ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ نَرَى فِيهَا الْأُسْلُوبَ نَفْسَهُ، وَقَدْ تَمَّ اسْتِخْدَامُهُ فِي إِطَارِ نُبُوَّاتِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ لِلْإِنْذَارِ بِدَيْنُونَةِ اللَّهِ فِي أَحْدَاثٍ تَمَّتْ فِعْلًا. فَلَقَدِ انْسَكَبَ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى صُورَ وَسَقَطَتْ بَابِلُ وَتَمَّتْ هَذِهِ النُبُوَّاتُ، مِنْ دُونِ أَنْ تَتِمَّ حَرْفِيًّا الِاضْطِرَابَاتُ أَوْ الْكَوَارِثُ فِي الْأَجْرَامِ السَّمَاوِيَّةِ.

هُنَاكَ نَصٌّ آخَرُ فِي إِشْعِيَاءَ الأصحاحِ 34 وَالْآيَاتِ مِنْ ثَلاثٍ إِلَى خَمْسٍ. هُنَا يُعْلِنُ إِشْعِيَاءُ دَمَارَ الْبَصْرَةَ وَهِيَ عَاصِمَةُ أَدُومَ. وَفَعَلَ ذَلِكَ بِالطَرِيقَةِ الْآتِيَةِ قَائِلًا: "وَتَسِيلُ الْجِبَالُ بِدِمَائِهِمْ، وَيَفْنَى كُلُّ جُنْدِ السَّمَاوَاتِ، وَتَلْتَفُّ السَّمَاوَاتُ كَدَرْجٍ، وَكُلُّ جُنْدِهَا يَنْتَثِرُ كَانْتِثَارِ الْوَرَقِ مِنَ الْكَرْمَةِ، وَالسُّقَاطِ مِنَ التِّينَة. لأَنَّهُ قَدْ رَوِيَ فِي السَّمَاوَاتِ سَيْفِي، هُوَذَا عَلَى أَدُومَ". هَذَا هُوَ الْأُسْلُوبُ الَذِي اسْتَخْدَمَهُ إِشْعِيَاءُ لَدَى تَنَبُّؤِهِ بِأَحْدَاثٍ تَمَّتْ فِعْلًا مِنْ دُونِ أَنْ تَحْدُثَ اضْطِرَابَاتٌ فِي الْأَجْرَامِ السَمَاوِيَّةِ بِشَكْلٍ حَرْفِيٍّ. إِذَنْ، فَالْأَمْرُ كَالتَالِي: عِنْدَمَا نَتَطَرَّقُ إِلَى الْحَدِيثِ عَلَى جَبَلِ الزَيْتُونِ، كَمَا سَنَرَى فِي مُحَاضَرَتِنَا الْمُقْبِلَةِ، فَإِنَّ الْجَدَلَ الْكَبِيرَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى جَبَلِ الزَيْتُونِ يَكْمُنُ فِي كَيْفِيَّةِ فَهْمِ كَلِمَةِ "جِيلٍ". "إِنَّهُ لَاَ يَمْضِي هَذَا الْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ".

أَمَّا السُؤَالُ الَذِي نَطْرَحُهُ بِبَسَاطَةٍ فَهُوَ "هَلْ يَجْدُرُ بِنَا تَفْسِيرُ ذَلِكَ حَرْفِيًّا أَمْ مَجَازِيًّا؟" لَقَدْ رَأَيْنَا أَنَّنَا إِنْ أَرَدْنَا تَفْسِيرَ الِاضْطِرَابَاتِ فِي الْأَجْرَامِ السَمَاوِيَّةِ تَفْسِيرًا حَرْفِيًّا، فَإِنَّ الطَرِيقَةَ الْوَحِيدَةَ لِإِنْقَاذِ الْحَدِيثِ عَلَى جَبَلِ الزَيْتُونِ تَكُونُ عَبْرَ تَفْسِيرِ ذَلِكَ مَجَازِيًّا، وَالنَظَرِ لِمَجِيءِ الْمَسِيحِ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ عَمَّا اعْتَدْنَا عَلَى رُؤْيَتِهِ فِي هَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ. بِتَعْبِيرٍ آخَرَ، وَبِكُلِّ بَسَاطَةٍ، إِخْوَتِي وَأَخَوَاتِي، يَجِبُ تَفْسِيرُ جُزْءٍ مَا مِنَ النَصِّ تَفْسِيرًا مَجَازِيًّا، وَيَجِبُ تَفْسِيرُ جُزْءٍ آخَرَ تَفْسِيرًا حَرْفِيًّا. وَإِلَّا فَمَا مِنْ طَرِيقَةٍ يُمَكِنُنَا مِنْ خِلَالِها إِنْقَاذُ هَذَا النَصِّ مِنَ النَقْدِ الْأَعْلَى. إِذَنْ، السُؤَالُ الَذِي يَبْقَى أَمَامَنَا هُوَ "مَا الَذِي يَجِبُ أَنْ نُفَسِّرَهُ حَرْفِيًّا؟ وَمَا يَجِبُ أَنْ نُفَسِّرَهُ مَجَازِيًّا؟" وَالْأَهَمُّ مِنْ ذَلِكَ هُوَ مَعْرِفَةُ الْإِطَارِ الزَمَنِيِّ لِكَلِمَةِ "جِيلٍ".