المحاضرة 11: الاختطاف

خلال هذه السلسلة من المحاضرات حول نهاية الأزمنة، كنا نتكلم عن نبوات العهد الجديد التي ربما تمت نوعاً ما ضمن الإطار الزمني للقرن الأول، وخصوصاً في فترة زمنية قريبة من دمار أورشليم والهيكل. والأشخاص الذين يؤمنون بأن نبوات الحديث على جبل الزيتون قد تمت في القرن الأول، يُعرفون عادةً بالتحقيقيين أو بمؤيدي نظرية التحقيق، ما يعني أن تلك النبوات المستقبلية قد تمت في الماضي. لكن يجب أن نحرص أيضاً على التمييز بين نوعين مختلفين من التحقيق، فثمة مجموعة تؤمن بالتحقيق الكامل، ومجموعة أخرى تؤمن بالتحقيق الجزئي.

ما الفرق بين التحقيق الكامل والتحقيق الجزئي؟ نظرية التحقيق الكامل، وكما تبين التسمية، تعتبر أن جميع الأحداث المستقبلية المحددة التي تم التنبؤ بها في العهد الجديد في ما يتعلق بنهاية الأزمنة، قد تمت في القرن الأول. والأمر لا يشمل دمار الهيكل وأورشليم وعودة يسوع فحسب، بل أيضاً القيامة العظيمة والاختطاف وجميع المسائل الأخرى المتعلقة بالنبوة المستقبلية. لكن نظرية التحقيق الجزئي تختلف عن التحقيق الكامل في هذا الصدد، وهو أن نظرية التحقيق الجزئي تؤمن بأنه على الرغم من أن عودة يسوع في العام 70 م.، كانت مجرد عودة للمسيح ليدين إسرائيل، وهي لم تكن الـ"باروسيا" أو المجيء النهائي ليسوع في نهاية الأزمنة. تعتبر نظرية التحقيق الجزئي أن يسوع عاد في العام 70 م. في نهاية جيل من الأجيال أي في نهاية الجيل اليهودي لكن ليس في نهاية التاريخ، وأن دمار أورشليم وإنزال الله غضبه على شعبه هناك كان يوماً مهماً من أيام الرب، لكنه لم يكن اليوم الأخير والنهائي للرب الذي سيأتي في المستقبل.

لكن الأهم هو الفرق المتعلق بمفهومنا للقيامة المستقبلية للقديسين، والاختطاف والدينونة الأخيرة التي تم التنبؤ بها في العهد الجديد. بدايةً فلننظر اليوم إلى الفرق المتعلق بالقيامة. عندما نقرأ 1كورنثوس 15 حيث نجد التعليم الأطول والأكثر تعقيداً لبولس في ما يتعلق بقيامة أجساد القديسين الذين سيشاركون في جسد المسيح الممجد بالتوافق مع قيامته. يختم بولس هذه الدراسة في 1 كورنثوس 15 بهذا التعليم الذي يبدأ بالآية 50 "فَأَقُولُ هَذَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ: إِنَّ لَحْماً وَدَماً لاَ يَقْدِرَانِ أَنْ يَرِثَا مَلَكُوتَ اللهِ، وَلاَ يَرِثُ الْفَسَادُ عَدَمَ الْفَسَادِ. هُوَذَا سِرٌّ أَقُولُهُ لَكُمْ: لاَ نَرْقُدُ كُلُّنَا، وَلَكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ، فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ. فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ، وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ. لأَنَّ هَذَا الْفَاسِدَ لاَ بُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ، وَهَذَا الْمَائِتَ يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ. وَمَتَى لَبِسَ هَذَا الْفَاسِدُ عَدَمَ فَسَادٍ، وَلَبِسَ هَذَا الْمَائِتُ عَدَمَ مَوْتٍ، فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ: ابْتُلِعَ الْمَوْتُ إِلَى غَلَبَةٍ. أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟ أَمَّا شَوْكَةُ الْمَوْتِ فَهِيَ الْخَطِيَّةُ، وَقُوَّةُ الْخَطِيَّةِ هِيَ النَّامُوسُ. وَلَكِنْ شُكْراً لِلَّهِ الَّذِي يُعْطِينَا الْغَلَبَةَ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ".

قبل هذا المقطع في 1 كورنثوس 15 يتكلم بولس عن قيامتنا بأجساد ممجدة على شبه جسد القيامة الذي قام به المسيح من الأموات. حتى هذه المرحلة في مناقشاتنا المتعلقة بالنبوءة المستقبلية، إن العنصر الرئيسي والأهم في دراستنا كان الدلالات الزمنية التي يقدّمها يسوع أو كاتب سفر الرؤيا في ما يتعلق بالوقت الذي يمكن أن نتوقع تتميم هذه النبوءات فيه. نحن ندرك أنه في الكنيسة الأولى إحدى العقائد المسيحية الأولى التي تمت صياغتها هي تلك العقيدة التي تُعرف بقانون إيمان الرسل. وفي قانون إيمان الرسل توجد عبارة في اللغة اللاتينية الأصلية مفادها Resurrectionis carnis، التي نؤكد فيها كمسيحيين إيماننا بقيامة الجسد.

نحن نقول: "أنا أؤمن بقيامة الجسد". إن إعلان الإيمان هذا النابع من الكنيسة الأولى، لم يكن ببساطة إعلان إيمان بقيامة جسد المسيح بل بقيامة أجسادنا. كما وعد المسيح بأن يكون باكورة القائمين من الأموات، هكذا أيضاً قيل لنا في العهد الجديد إننا سننال أجساداً ممجدة في القيامة، وإننا لن نكون أرواحاً بلا جسد تهيم في الأبدية بتلك الحالة، لكن سيأتي وقت تتحد فيه مجدداً نفوسنا بأجسادنا وتُقام أجسادنا. والأجساد الجديدة التي سنتمتع بها ستكون عديمة الفساد وعديمة الموت إذا جاز التعبير. لطالما كان هذا الرجاء الأسمى للمجتمع المسيحي، وهو أننا نتوق إلى اليوم الذي سنشارك فيه في قيامة الجسد.

يعتبر مؤيدو نظرية التحقيق الكامل إن تلك النبوءة المتعلقة بالمستقبل قد تمت، وهو استنتاج مذهل ومدهش. فلنرَ بداية لماذا يحاولون أن يبرهنوا أن النبوّات قد تمت في الماضي، ومن ثم سنرى كيفية تقديمهم لهذا البرهان. إن لاحظتم، بينما كنت أقرأ من 1 كورنثوس 15، قال بولس ما يلي: "هُوَذَا سِرٌّ أَقُولُهُ لَكُمْ: لاَ نَرْقُدُ كُلُّنَا وَلَكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ، فِي لَحْظَةٍ، فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ"، ثم يتابع قائلاً: "وَلَكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ". نحن نلاحظ أنه في هذا النص، وخلافاً للحديث على جبل الزيتون، لا توجد إشارات إلى إطار زمني محدد وواضح. لم يقل بولس إن الأمر سيتم قبل أن يمضي هذا الجيل، ولم يقل إن هذه الأمور ستتم بعد فترة قصيرة أو أنها قريبة. فلماذا قد يعتبر أحدهم هذه نبوة مستقبلية يتوقع حدوثها في المستقبل القريب؟

الأشخاص الذين يؤمنون بأن النبوات تمت كلها في الماضي يستندون إلى استعمال الضمير "نحن" في هذا النص. في هذا النص الذي قرأته للتو، يستعمل بولس كلمة "نحن" مراراً، ويقول: " لاَ نَرْقُدُ كُلُّنَا وَلَكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ، ونلبس عدم الفساد". وفي مرجع آخر متعلق بالاختطاف يستعمل بولس المصطلحات نفسها. هذا مرتبط بالنص المتعلق بالاختطاف، حيث يقول بولس في 1 تسالونيكي "نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبّ". ما يبيّن أن الضميرَين "نحن" و"نا" يشملان الرسول بولس. إذاً، يبدو أن بولس يقول إن تلك الأمور ستحدث في حياته بما أنه يشمل نفسه في المجموعة التي أشار إليها عبر استعمال الضميرين "نحن"، أو "نا". لاحظوا أن بولس لا يقول في هذا التصريح: "سأكون حياً" بشكل واضح ومحدد، بل إنه يقول بين هلالين "نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى ذلك اليوم"، ويقول في 1 كورنثوس "كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ"، إلى آخره. هذا لا يعني بالضرورة أن الرسول توقّع أن يكون لا يزال بعد حياً حين تتم هذه النبوات.

يقول المدافعون عن نظرية التحقيق الكامل للنبوات في الماضي، إن الضمير "نحن" يعني أن بولس توقّع حدوث تلك الأمور في حياته. ويجدر بي القول في هذا الصدد إن التحقيقيين ليسوا وحدهم من يعتبر أن بولس يتوقع هنا أن يكون هو نفسه بين الأشخاص الذين سيكونون بعد أحياء حين تتم هذه النبوات، لأن علماء النقد الأعلى للعهد الجديد استندوا أيضاً إلى هذه النقطة، معتبرين أن بولس توقّع حتماً أن يأتي الملكوت بشكل نهائي وهو لا يزال على قيد الحياة بما فيه القيامة العظيمة والاختطاف، وهم يستندون إلى الأساس نفسه الذي استند إليه التحقيقيون. وهي استنتاجات مستوحاة من لغة الشمولية التي يستعملها الرسول بولس بقوله "نحن" أو "نحن الأحياء".

لكن تلك الكلمات لا تعني بالضرورة أن نفترض أن بولس كان يحاول أن يقول لشعبه إنه سيكون هو شخصياً على قيد الحياة، لكنه كان يكلّم المجتمع المسيحي، وليس لبني جيله فحسب وإنما لجسد المسيح كله ابتداءً من ذلك اليوم. وبالطبع، سيكون بولس مشمولاً بالقيامة أياً يكن الوقت الذي تتم فيه، سواء كان في القرن الأول أو في الألفية الثالثة، سيكون هو أيضاً مشمولاً بالضمير "نحن" لأن جميع المؤمنين سيشاركون في القيامة، وسيشاركون جميعاً في الاختطاف. وفي إطار الاختطاف، حين يقول " نَحْنُ الأَحْيَاءَ"، فهذا لا يعني بالضرورة أنه سيكون حياً على وجه الأرض في ذلك الوقت. ما أقوله هو أن تلك الاستنتاجات المأخوذة من نظرية التحقيق الكامل هي استنتاجات محتملة من النص، لكنها ليست استنتاجات حتمية من النص. إذاً، نحن ننظر إلى الأمر من حيث كيفية رؤيتهم لتتميم تلك الأمور في القرن الأول.

لكي نعتبر أن القيامة والاختطاف تمّا في القرن الأول علينا أن نقوم بروحنة النص من حيث الأفكار والمفاهيم التصويرية المستخدمة في ما يتعلق بهذه القيامة. وتكمن الخطورة في البدء بروحنة الأمور عندما تقوم بروحنة أمر يعالج موضوعاً يفترض به أن يكون جسدياً ومادياً. فمن الصعب جداً أن تروحن القيامة الجسدية للقديسين من دون أن تنكر في الوقت نفسه القيامة الجسدية للقديسين، لأنه لو كانت القيامة روحية فحسب، فمن الواضح أنها ليست قيامة جسدية.

لكن المدافعين عن نظرية التحقيق الكامل، أمثال ستوارت روسيل وماكس كينغ، يفعلون تحديداً ما يلي. هم يقولون إن القيامة التي يتكلم عنها بولس تمت في العام 70 م.، لكنها كانت قيامة روحية للذين كانوا قد ماتوا، لقد قاموا روحياً وهم في السماء الآن، ولا يجب إدراجهم في الفئة الجسدية.  ولم يتم من دون سبب اتهام هذا الموقف بأنه نوع من الغنوسطية، لأنه وكما ينكر الغنوسيون حقيقة قيامة يسوع بالجسد وحتى تجسّده الفعلي، يبدو هذا إنكاراً للقيامة الجسدية للقديسين، لأنه لكي تكون الأمور قد تمت في القرن الأول من دون أن يدرك أحد ذلك، ومن دون أن يسجل أحد في الكنيسة الأولى قيامة هؤلاء الذين ماتوا قبلهم، فإن هذا اضطرهم إلى الاعتبار أن القيامة كانت روحية.

الأمر سيان بالنسبة إلى معالجة مسألة الاختطاف التي يصفها بولس في رسالته إلى أهل تسالونيكي، في رسالة تسالونيكي الأولى. في الفصل الرابع من تسالونيكي الأولى نقرأ الأمر الآتي عن الاختطاف، وهو أمر قد لقي اهتماماً كبيراً في الإيمان المسيحي المتعلق بالآخرة، لذا يجدر بنا قراءة النص. في الآية 13 من الفصل الرابع من رسالة تسالونيكي الأولى نقرأ ما يلي: "ثُمَّ لاَ أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ مِنْ جِهَةِ الرَّاقِدِينَ، لِكَيْ لاَ تَحْزَنُوا كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ وَقَامَ، فَكَذَلِكَ الرَّاقِدُونَ بِيَسُوعَ، سَيُحْضِرُهُمُ اللهُ أَيْضاً مَعَهُ. فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هَذَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ: إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ، لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ. لأَنَّ الرَّبَّ نَفْسَهُ سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلاً. ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعاً مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهَكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ. لِذَلِكَ عَزُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً بِهَذَا الْكَلاَمِ".

هنا، عمد الرسول بولس إلى معالجة أمر أثار قلق المسيحيين الأوائل. فلقد كان للكنيسة الأولى رجاء بالقيامة المستقبلية وبعودة المسيح على سحاب المجد، لكن قبل أن تحدث تلك الأمور مات الكثير من مؤمني الكنيسة الأولى. إذاً، السؤال البديهي الذي طرحه أقارب هؤلاء هو الآتي: هل يعني ذلك أن أقاربنا وأصدقاءنا الذين رقدوا ستفوتهم هذه الأحداث الأخروية العظيمة التي وُعدنا بها؟ فأجاب بولس المجتمع المسيحي قائلاً: "إطلاقاً". في الواقع، ليس أن هؤلاء الذين رقدوا لن تفوتهم عودة المسيح والقيامة العظيمة في نهاية الأزمنة فحسب، بل إنهم سيشاركون فيها وسيجلسون في المقاعد الأمامية، سيكونون في المقدمة، لأن الرسول بولس يقول "إن الأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلاً"، وسوف يُخطفون في الهواء. ونحن الذين سنكون أحياء عند مجيئه سنُخطف أيضاً للانضمام إلى الرب أو "لملاقاة الرب" كما يقول الرسول بولس "في الهواء" حين ينزل بصوت البوق وما شابه.

لذا اضطر مؤيدو نظرية التحقيق الكامل للقول إن الاختطاف تم سراً، وأنه كان اختطافاً صامتاً وغير منظور. والقول إن الاختطاف قد تم، فهذا يعني أنه تم ولم يسمع به أحد ولم يره أحد ولم يدركه أحد. إذاً، إن كان ببساطة روحياً وغير منظور وصامتاً، فكيف يمكن لنا أن نكون منصفين بحق لغة هذا النص وغيره؟ مجدداً، يلجأ روسيل وغيره إلى الرمزية التي غالباً ما تم استخدامها في النبوءات، والتي تبين أنه ليس عليك أن تفسر هذه الأمور تفسيراً حرفياً. لكن بالنسبة إلي، علينا أن نشوّه كثيراً كلمات هذا النص لنتكلم عن سر، وهو أمر بحسب لغة الرسول بولس أسوأ سر تم التكتم عليه في التاريخ، وحدث صعب أن يتم بصمت لأن السماء كلها ستنفجر.

ومن ناحية أخرى، كثر الجدال بشأن ما سيحدث فعلياً أثناء الاختطاف، وأيضاً بشأن توقيت الاختطاف. الأشخاص الذين يعتبرون أن الأحداث الأخروية في العهد الجديد ستتم كلها في المستقبل، لا سيما التدبيريون مؤيدو نظرية ما قبل الألفية، يتوقعون أن يتم الاختطاف قبل الضيق. تسمعون عن أشخاص يتكلمون عن اختطاف قبل الضيق. الفكرة الأساسية هي أنه سيكون ضيق عظيم في نهاية الأزمنة، لكن قبل هذا الضيق، ستُخطف الكنيسة لملاقاة يسوع، وسيعود يسوع جزئياً إلى الأرض، سيخطف القديسين من الأرض لملاقاته في الهواء، ثم سيبقى مع قديسيه مرتفعاً إما طوال سنوات الضيق السبع أو أياً يكن المخطط لتحقق الأمر. وفي النهاية، سيعود مجدداً ليتجلى للمرة الأخيرة، سيعود مع القديسين الذين اختطفهم من العالم قبل الضيق. إذاً، يتضمن هذا المخطط عودتين ليسوع في نهاية الأزمنة، العودة الأولى ستكون سرية حين سيختطف قديسيه من العالم لملاقاته، ثم ستكون عودته الأخيرة بعد الضيق.

أظن أن هذا سوء فهم للتعابير المجازية التي استخدمها الرسول بولس هنا في ما يتعلق بالاختطاف ومعناه. لا يقول بولس إن المؤمنين سيُخطفون في الهواء ثم سيبقون في الهواء مع يسوع. التعبير المجازي هنا هو ملاقاة المسيح حين يعود بمجده، لكن يشارك المؤمنون بعودته المنتصرة إلى هذا العالم. وليس المقصود أنه سيعود ويختطف الكنيسة ثم يبقى في الهواء أو يعود إلى السماء حتى وقت لاحق. لكن الهدف من التعبير المجازي هنا يعكس أمراً كان شائعاً في العالم الذي عاش فيه بولس، أي أسلوب عودة الجيوش الرومانية المنتصرة إلى روما.

فمتى عادت الجيوش الرومانية من الحملة العسكرية قبل أن تدخل مدينة روما، كانت تخيّم على بعد ميل خارج المدينة ومعهم جميع الجنود والأسرى الذين أتوا بهم من المعركة، ثم يرسلون رسولاً إلى مجلس الشيوخ ليعلن عن مجيئهم. تذكروا أنهم كانوا يحملون الرايات SPQR: "مجلس الشيوخ وشعب روما"، ما يمنح الوقت للمخططين في المدينة ليبنوا قوس نصر وليزينوا المدينة، مثلما نفعل عندما نقيم استعراضاً لإظهار براعة الأبطال المنتصرين. وكانوا يرشون أكاليل زهور زكية الرائحة في المدينة كلها ليغطوا رائحة العبيد النتنة. وفي وقت تم ترتيبه مسبقاً كانت تُعطى إشارة فتُضرَب الأبواق، وهي إشارة تدعو الجيوش الرومانية إلى التقدم منتصرة داخل المدينة. وقبل أن تبدأ المسيرة عند الضرب بالبوق، كان كل مواطن في روما يُدعى للخروج من المدينة للانضمام إلى الاستعراض العسكري وللتوجه نحو قوس النصر مع الجيش المنتصر لكي يشارك في النصر ويشارك في الغلبة.

وأظن أنكم إن نظرتم من خلال كتابات بولس، فهو كان يقتبس دائماً صوراً من الرومان. وما أفهمه بكلام بولس هو أنه حين يأتي يسوع، فهو سيعود إلى الأرض مع كنيسته كلها، سوف تُخطَف الكنيسة لتلاقيه في نزوله، وهو سيتابع النزول مع جميع المؤمنين المحيطين به. أما توقيت حدوث ذلك، فيعتمد على نظرتك للألفية. سنتكلم عن هذه الأمور في محاضرتنا المقبلة والأخيرة.