المحاضرة 1: أَزْمَةٌ فِي الأُخْرَوِيَّاتِ - خدمات ليجونير
 

المحاضرة 1: أَزْمَةٌ فِي الأُخْرَوِيَّاتِ

فِي هَذِهِ الْمُحَاضَرَةِ، سَنَبْدَأُ سِلْسِلَةً تَعْلِيمِيَّةً فِي مَوْضُوعِ عِلْمِ الْأُخْرَوِيَّاتِ. أَنَا أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْمُصْطَلَحَ يَبْدُو فَنِّيًّا بَعْضَ الشَيْءِ بِالنِسْبَةِ إِلَى الْبَعْضِ مِنْكُمْ، لَكِنَّهُ مُصْطَلَحٌ مَأْلُوفٌ فِي اللَاهُوتِ. يُشَكِّلُ عِلْمُ الْأُخْرَوِيَّاتِ جُزْءًا مِنَ اللَاهُوتِ النِظَامِيِّ. وَهُوَ يَتَنَاوَلُ بِشَكْلٍ خَاصٍّ الْأُمُورَ الْأَخِيرَةَ أَوِ الْأُمُورَ الْمُسْتَقْبَلِيَّةَ، أَوْ مَا نُسَمِّيهِ "الْأَيَّامَ الْأَخِيرَةَ". وَهُوَ تَعْبِيرٌ مُسْتَوْحًى مِنَ الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ لِلْإِشَارَةِ إِلَى الْأَزْمِنَةِ الْأَخِيرَةِ.

عِنْدَمَا نَدْخُلُ فِي مَجَالِ الْأُخْرَوِيَّاتِ فَإِنَّنَا نَتَطَرَّقُ إِلَى مَوْضُوعٍ مُذْهِلٍ. لَكِنَّهُ قَلَّمَا يَلْقَى إِجْمَاعًا بَيْنَ الْمَسِيحِيِّينَ. رُبَّمَا نِقَاطُ الْخِلَافِ حَوْلَ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأُخْرَوِيَّاتِ بَيْنَ الْمَسِيحِيِّينَ تَفُوقُ نِقَاطِ الْخِلَافِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِسَائِرِ الْعَقَائِدِ الْأُخْرَى مُجْتَمِعَةً الَتِي تَمِيلُ إِلَى التَفْرِقَةِ بَيْنَنَا. لِهَذَا السَبَبِ، نَشَأَتْ أَزْمَةٌ فِي أَيَّامِنَا فِي إِطَارِ مُحَاوَلَةِ فَهْمِ مَا يُعَلِّمُهُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالنُّبُوَّاتِ الْمُسْتَقْبَلِيَّةِ.

بِدَايَةً، أُرِيدُ أَنْ أُنَبِّهَكُمْ مِنْ أَنَّنِي بَيْنَمَا أَفْحَصُ بَعْضَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأُخْرَوِيَّاتِ، فِي هَذِهِ السِّلْسِلَةِ سَوْفَ أَتَبَنَّى مَوْقِفًا مِنْ مَوْضُوعِ الْأُخْرَوِيَّاتِ تَتَبَنَّاهُ الْأَقَلِّيَّةُ. فِي الْوَاقِعِ، إِنَّهَا وُجْهَةُ نَظَرٍ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْأُخْرَوِيَّاتِ رُبَّمَا يَسْمَعُهَا كَثِيرُونَ بَيْنَكُمْ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْظَمُكُمْ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى. حَتَّى إِنَّكُمْ قَدْ تُصَابُونَ بِصَدْمَةٍ عِنْدَمَا تَعْرِفُونَ وُجْهَةَ نَظَرِي، لِأَنَّ رَأْيِي بِالْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأُخْرَوِيَّاتِ لَمْ يَعُدْ كَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ. فَفَهْمِي لِهَذِهِ الْأُمُورِ مَرَّ بِمَرَاحِلَ مُخْتَلِفَةٍ حَتَّى إِنَّ مَا وَصَلْتُ إِلَيْهِ الْيَوْمَ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى جُمُودٍ عَقَائِدِيٍّ، لِأَنَّهُ مِنَ الْخَطَرِ فِعْلُ ذَلِكَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأُخْرَوِيَّاتِ، لِأَنَّ الْمَوْضُوعَ نَفْسَهُ صَعْبٌ لِلْغَايَةِ.

سَوْفَ أَتَّبِعُ بِشَكْلٍ أَسَاسِيٍّ الْبُنْيَةَ وَالْأُسْلُوبَ اللَّذَيْنِ اتَّبَعْتُهُمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ بِعُنْوَانِ: "الْأَيَّامُ الْأَخِيرَةُ بِحَسْبِ يَسُوعَ". وَهُوَ يَتَضَمَّنُ عُنْوَانًا فَرْعِيًّا: "مَتَى قَالَ يَسُوعُ إِنَّهُ سَيَأْتِي ثَانِيَةً؟" إِذَنْ، كَمَا قُلْتُ، إِنَّ الْمَسَائِلَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْأُخْرَوِيَّاتِ تَلْقَى إِجْمَاعًا أَقَلَّ بِكَثِيرٍ مِنْ أَيِّ مَوْضُوعٍ لَاهُوتِيٍّ آخَرَ.

وَنَحْنُ نَسْمَعُ دَائِمًا بِمُنَاقَشَاتٍ جَدَلِيَّةٍ بِشَأْنِ تَوْقِيتِ الْمُلْكِ الْأَلْفِيِّ وَطَبِيعَتِهِ الَذِي تَمَّ التَنَبُّؤُ بِهِ فِي سِفْرِ الرُؤْيَا، وَمَسْأَلَةِ عَلَاقَةِ إِسْرَائِيلَ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ بِكَنِيسَةِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، وَآرَاءٍ حَوْلَ هُوِيَّةِ هَذِهِ الشَخْصِيَّةِ الْغَامِضَةِ الَتِي نُسَمِّيهَا "ضِدَّ الْمَسِيحِ"، وَأَسْئِلَةٍ بِشَأْنِ طَبِيعَةِ الِاخْتِطَافِ وَتَوْقِيتِهِ، وَالْعَلَاقَةِ بَيْنَ مَجِيءِ يَسُوعَ ثَانِيَةً وَالْمَفْهُومِ الْكِتَابِيِّ عَنِ الِاخْتِطَافِ.

وَأَنَا أَفْتَرِضُ أَنَّ مُعْظَمَنَا يَعِي هَذَا النَوْعَ مِنَ الْمَسَائِلِ، لَكِنْ مَا أُرِيدُ التَرْكِيزَ عَلَيْهِ، لَيْسَ الْيَوْمَ فَحَسْبُ بَلْ خِلَالَ السِلْسِلَةِ كُلِّهَا، هُوَ أَزْمَةٌ أُخْرَى فِي الْأُخْرَوِيَّاتِ، غَالِبًا مَا يَتِمُّ التَغَاضِي عَنْهَا أَوْ تَجَاهُلُهَا دَاخِلَ الْأَوْسَاطِ الْإِنْجِيلِيَّةِ فِي الْكَنِيسَةِ الْمَسِيحِيَّةِ، وَهِيَ الْأَزْمَةُ الْأَكْثَرُ خُطُورَةً عَلَى الْإِطْلَاقِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَفْهُومِنَا لِلنُبُوَّةِ الْمُسْتَقْبَلِيَّةِ.

تَتَعَلَّقُ هَذِهِ الْأَزْمَةُ بِمَسْأَلَةِ الْمِصْدَاقِيَّةِ، بِمِصْدَاقِيَّةِ أَمْرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ: أَوَّلًا، إِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِمِصْدَاقِيَّةِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ نَفْسِهِ وَجَدَارَتِهِ بِالثِّقَةِ كَمَا سَأُحَاوِلُ أَنْ أُرِيَكُمْ. وَثَانِيًا، تَتَعَلَّقُ بِأَمْرٍ أَهَمَّ وَهُوَ مِصْدَاقِيَّةُ يَسُوعَ نَفْسِهِ. لِذَا، يُهِمُّنِي التَأَمُّلُ فِيمَا عَلَّمَهُ الرَبُّ يَسُوعُ عَنِ الْأَيَّامِ الْأَخِيرَةِ. لَنْ أَتَطَرَّقَ إِلَى الْكَثِيرِ مِنَ الْمَسَائِلِ الْمَأْلُوفَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأُخْرَوِيَّاتِ مِثْلِ تَفْسِيرِ سِفْرِ دَانْيَالَ، وَالْأَسَابِيعِ السَبْعِينَ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، وَهَذَا النَوْعِ مِنَ الْأُمُورِ، لِأَنِّي سَأُرَكِّزُ أَكْثَرَ عَلَى الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، وَعَلَى تَعْلِيمِ يَسُوعَ بِشَكْلٍ خَاصٍّ. لِهَذَا السَبَبِ، فَإِنَّ النُقْطَةَ الَتِي غَالِبًا مَا يَتِمُّ التَغَاضِي عَنْهَا بَيْنَ الْإِنْجِيلِيِّينَ هِيَ أَنَّهُ خِلَالَ السَنَوَاتِ الْمِئَتَيْنِ الْأَخِيرَةِ تَمَّ شَنُّ هُجُومٍ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ مَثِيلٌ عَلَى مِصْدَاقِيَّةِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ. لَيْسَ أَنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ لَمْ يَتَعَرَّضْ أَبَدًا لِلنَقْدِ قَبْلَ حَرَكَةِ التَنْوِيرِ الْفَلْسَفِيَّةِ. وَإِنَّمَا مُنْذُ قِيَامِ حَرَكَةِ التَنْوِيرِ الْفَلْسَفِيَّةِ تَمَّ تَصْعِيدُ النَقْدِ ضِدَّ مِصْدَاقِيَّةِ الْأَسْفَارِ الْكِتَابِيَّةِ. وَلَمْ يَنْطَلِقْ هَذَا الْهُجُومُ بِبَسَاطَةٍ مِنْ خَارِجِ الْكَنِيسَةِ، وَلَكِنْ فِي الْجُزْءِ الْأَكْبَرِ مِنَ الْقَرْنِ الْأَخِيرِ، عَلَتْ وَتِيرَةُ النَقْدِ ضِدَّ سُلْطَانِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ مِنْ دَاخِلِ الْكَنِيسَةِ.

تَتَعَدَّدُ أَسْبَابُ شَنِّ أَنْصَارِ النَقْدِ الْعَالِي هَجَمَاتٍ عَلَى مِصْدَاقِيَّةِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، وَلَكِنَّ الْهُجُومَ الْأَسَاسِيَّ الَذِي شَنَّهُ النَقْدُ الْعَالِيَ ضِدَّ وَحْيِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ وَسُلْطَانِهِ يُرَكِّزُ عَلَى مَسَائِلَ مُتَعَلِّقَةٍ بِالْأُخْرَوِيَّاتِ. قِيلَ إِنَّ ثُلْثَيْ مَضْمُونِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ يَتَنَاوَلُ النُبُوَّةَ الْمُسْتَقْبَلِيَّةَ. وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ النُبُوَّةُ مَوْضِعَ شَكٍّ لَدَى النُقَّادِ فَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ يُثِيرُ بِالطَبْعِ شُكُوكًا جِدِّيَّةً بِشَأْنِ مَفْهُومِنَا لِطَبِيعَةِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ وَمِصْدَاقِيَّتِهِ.

سَوْفَ أَحْكِي لَكُمْ أَمْرًا شَخْصِيًّا بَسِيطًا يَتَعَلَّقُ بِخَلْفِيَّتِي وَدِرَاسَاتِي، عِنْدَمَا كُنْتُ طَالِبًا فِي كُلِّيَّةِ لَاهُوتٍ لَا تُعْرَفُ بِشَغَفِهَا بِالْعَقِيدَةِ الْمَسِيحِيَّةِ الْمُسْتَقِيمَةِ، تَعَلَّمْتُ فِيهِ مُعْظَمَ النَظَرِيَّاتِ الْأَسَاسِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ فِي أَيَّامِنَا. فَبَدَا لِي أَنْ لَا نِهَايَةَ لِنَقْدِ الْأَسَاتِذَةِ لِصِحَّةِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، وَبِشَكْلٍ خَاصٍّ، فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالنُبُوَّاتِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ حَوْلَ مَجِيءِ الْمَسِيحِ وَالْأَحْدَاثِ الْمُسْتَقْبَلِيَّةِ الْمُرَافِقَةِ لَهُ. وَكَمَا ذَكَرْتُ، رَكَّزَ النُقَّادُ عَلَى هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي هُجُومِهِمْ عَلَى مِصْدَاقِيَّةِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، وَالْأَمْرُ الْأَهَمُّ مِنْ مَسْأَلَةِ مِصْدَاقِيَّةِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، هُوَ بِالطَبْعِ مِصْدَاقِيَّةُ الْمَسِيحِ نَفْسِهِ. فَحَتَّى خَارِجَ إِطَارِ الْكَنِيسَةِ ثَمَّةَ أَشْخَاصٌ لَا يَعْتَرِفُونَ بِأُلُوهِيَّةِ الْمَسِيحِ، لَكِنَّهُمْ يُؤَكِّدُونَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُعَلِّمًا عَظِيمًا أَوْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا.

لَكِنْ عِنْدَمَا نَتَأَمَّلُ فِي نُبُوَّاتِ الرَبِّ يَسُوعَ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأُمُورِ الْمُسْتَقْبَلِيَّةِ، فَإِنَّ النُقَّادَ يَتَطَرَّقُونَ إِلَيْهَا وَيَقُولُونَ إِنَّ النُبُوَّاتِ الَتِي أَعْلَنَهَا يَسُوعُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَقْبَلِ لَمْ تَتَحَقَّقْ ضِمْنَ الْإِطَارِ الزَمَنِيِّ الْمُحَدَّدِ الَّذِي قَالَ إِنَّهَا سَتَتَحَقَّقُ فِيهِ. وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ صَحِيحًا، أَيْ إِنَّ نَبَوَّاتِ يَسُوعَ لَمْ تَتَحَقَّقْ فِي الْإِطَارِ الزَمَنِيِّ الَذِي حَدَّدَهُ بِنَفْسِهِ، فَإِنَّ هَذَا يُحَوِّلُ يَسُوعَ إِلَى نَبِيٍّ كَاذِبٍ. لِذَا، دَعُونِي أَتَوَقَّفُ هُنَا قَلِيلًا وَأَقُولُ إِنَّ الْأَمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ يُثِيرَانِ قَلَقَيْ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمَا عِنْدَمَا أَتَطَرَّقُ إِلَى الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِنُبُوَّاتِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ يَتَعَلَّقَانِ بِالْهُجُومِ النَقْدِيِّ عَلَى الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ مِنْ نَاحِيَةٍ وَعَلَى تَعْلِيمِ يَسُوعَ نَفْسِهِ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى.

دَعُونِي أُصَوِّرُ هَذِهِ الْمُشْكِلَةَ لَيْسَ كَمَا يُعَبِّرُ عَنْهَا عُلَمَاءُ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ فَحَسْبُ، كَمَا سَنَرَى لَاحِقًا، بَلْ كَمَا يُلَخِّصُهَا لَنَا النَقْدُ الشَهِيرُ ضِدَّ الْمَسِيحِيَّةِ عَلَى لِسَانِ الْفَيْلَسُوفِ الْبَرِيطَانِيِّ بِيرْتْرَانْدْ رَاسِيلْ (Bertrand Russell). أَصْدَرَ رَاسِيلْ كِتَابًا صَغِيرًا بِعُنْوَانِ "لِمَاذَا لَسْتُ مَسِيحِيًّا؟" وَأَدْرَجَ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ سِلْسِلَةً مِنَ الِانْتِقَادَاتِ ضِدَّ الْمَسِيحِيَّةِ التَارِيخِيَّةِ وَضِدَّ الْبَرَاهِينِ عَلَى وُجُودِ اللَّهِ وَغَيْرِهَا. لَكِنَّهُ رَكَّزَ عَلَى أَهَمِّيَّةِ يَسُوعَ الْكَبِيرَةِ فِي الْمَسِيحِيَّةِ التَارِيخِيَّةِ، فَتَطَرَّقَ إِلَى هَذِهِ الْمُشْكِلَةِ قَائِلًا إِنَّهُ يَعْتَبِرُ أَنَّ الدِّينَ بِشَكْلٍ عَامٍّ وَالْمَسِيحِيَّةَ بِشَكْلٍ خَاصٍّ تُسَبِّبَانِ أَذًى فِعْلِيًّا. فَخُلَاصَةُ تَأْثِيرِ الدِّينِ عَلَى الْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ وَعَلَى سَلَامَةِ الثَقَافَةِ وَالْحَضَارَةِ كَانَ سَلْبِيًّا بِالنِسْبَةِ إِلَى رَاسِيلْ. فَجَمِيعُ الْحُرُوبِ الدِينِيَّةِ وَالْخُصُومَاتِ وَالتَحَزُّبِ وَالشِجَارَاتِ وَالْحَمَلَاتِ ضِدَّ الْمُنْشَقِّينَ وَهَذِهِ كُلُّهَا –وَهِيَ جُزْءٌ مِنْ عُيُوبِ تَارِيخِ الْكَنِيسَةِ– وَضَعَهَا كُلَّهَا فِي حُزْمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَاسْتَنْتَجَ أَنَّ الْخُلَاصَةَ هِيَ أَنَّ الدِينَ يُسَبِّبُ الْأَذَى. وَقَالَ إِنَّهُ يَشُكُّ فِي وُجُودِ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ، أَيْ إِنَّهُ مِنْ وُجْهَةِ النَظَرِ التَارِيخِيَّةِ يَشُكُّ رَاسِيلْ فِي وُجُودِ يَسُوعَ. وَهَذَا لَيْسَ رَأْيَهُ وَحْدَهُ فَكَمَا رَأَيْنَا، الْكَثِيرُ مِنَ النَظَرِيَّاتِ النَقْدِيَّةِ فِي الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ بِشَكْلٍ خَاصٍّ، وَفِي الْأَبْحَاثِ الْمُتَعَدِّدَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِيسُوعَ كَشَخْصِيَّةٍ تَارِيخِيَّةٍ، الَتِي أَثَارَتْ أَسْئِلَةً حَوْلَ مَا إِذَا كَانَ يَسُوعُ أُسْطُورَةً بَحْتَةً اخْتَرَعَهَا كُتَّابُ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، وَلَمْ يُوجَدْ أَبَدًا فِي الزَمَانِ وَالْمَكَانِ. وَقَدْ رَأَيْنَا النَقْدَ اللَاذِعَ مِنْ مَجْمُوعَةِ "الْحَلْقَةِ الدِرَاسِيَّةِ حَوْلَ يَسُوعَ"، حَتَّى فِي يَوْمِنَا هَذَا، وَالَذِي يُشْبِهُ هَذَا النَوْعَ مِنَ التَفْكِيرِ.

لَكِنْ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، يُمَيِّزُ بِيرْتْرَانْدْ رَاسِيلْ بَيْنَ يَسُوعَ كَشَخْصِيَّةٍ تَارِيخِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ، مُسْتَبْعِدًا أَنْ نَتَمَكَّنَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ، وَيَسُوعَ الَذِي يُصَوِّرُهُ لَنَا الْعَهْدُ الْجَدِيدُ، وَالْأَنَاجِيلُ بِشَكْلٍ خَاصٍّ. لَقَدْ قَالَ بَعْضَ الْأُمُورِ الْإِيجَابِيَّةِ عَنْ يَسُوعَ، وَكَانَ يَكُنُّ نَوْعًا مِنَ الِاحْتِرَامِ لِشَخْصِيَّةِ يَسُوعَ الْأَخْلَاقِيَّةِ، عَلَى الْأَقَلِّ لِيَسُوعَ الَذِي يَظْهَرُ فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ. وَبِالْمُنَاسَبَةِ، أَنَا أَجِدُ الْأَمْرَ مُذْهِلًا بَعْضَ الشَيْءِ، لِأَنَّهُ حَتَّى نُقَّادُ الْمَسِيحِيَّةِ الْأَكْثَرُ ضَرَاوَةً، يَجِدُونَ صُعُوبَةً فِي شَنِّ هُجُومٍ عَلَى اسْتِقَامَةِ يَسُوعَ الشَخْصِيَّةِ فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ. وَفِي إِحْدَى الْمُنَاسَبَاتِ، انْتَقَدَ جُورْجْ بِيرْنَارْدْ شُو يَسُوعَ عَلَى أَحَدِ التَعَالِيمِ الَتِي قَدَّمَهَا وَقَالَ إِنَّهُ فِي تِلْكَ الْمُنَاسَبَةِ بِالذَاتِ، لَمْ يَسْلُكْ يَسُوعُ كَمَسِيحِيٍّ. فَوَجَدْتُ أَنَّ الْأَمْرَ مُثِيرٌ لِلْغَرَابَةِ بَعْضَ الشَيْءِ، لِأَنَّهُ حِينَ قَدَّمَ هَذَا النَقْدَ، لَمْ يَجِدْ مِقْيَاسًا يَدِينُ بِهِ يَسُوعَ أَسْمَى مِنْ مِقْيَاسِ يَسُوعَ نَفْسِهِ.

لَكِنْ فَوْقَ ذَلِكَ، قَالَ بِيرْتِرَانْدْ رَاسِيلْ إِنَّهُ عَلَى الرَغْمِ مِنْ أَنَّ الْمَسِيحَ الَذِي يَظْهَرُ فِي الْأَنَاجِيلِ يَبْدُو شَخْصًا ذَا أَخْلَاقِيَّاتٍ عَالِيَةٍ، لَكِنْ لَا يَبْدُو أَنَّهُ يَتَمَتَّعُ بِقَدْرٍ وَافِرٍ مِنَ الْحِكْمَةِ. أَلَيْسَ مِنَ اللَافِتِ أَنَّ هَذَا الَذِي يُعْتَبَرُ أَعْظَمَ مُعَلِّمٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ اعْتَبَرَهُ بِيرْتِرَانْدْ رَاسِيلْ يَفْتَقِرُ إِلَى الْحِكْمَةِ. أَمَّا شَكُّهُ فِي حِكْمَةِ يَسُوعَ فَرَكَّزَ بِشَكْلٍ أَسَاسِيٍّ عَلَى تَعْلِيمِ يَسُوعَ الْمُتَعَلِّقِ بِالْأُمُورِ الْمُسْتَقْبَلِيَّةِ. دَعُونِي أَقْتَبِسُ لَكُمْ مِنْ كَلَامِ بِيرْتِرَانْدْ رَاسِيلْ، إِذْ يَقُولُ رَاسِيلْ: "هُوَ، أَيْ يَسُوعُ، كَانَ يَظُنُّ بِالطَبْعِ، أَنَّ مَجِيئَهُ الثَّانِيَ سَيَتِمُّ عَلَى سَحَابِ الْمَجْدِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ جَمِيعُ النَاسِ الَذِينَ يَعِيشُونَ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ. مِنَ الْمُؤَكَّدِ أَنَّ يَسُوعَ كَانَ يَظُنُّ أَنَّ مَجِيئَهُ الثَانِيَ سَيَتِمُّ عَلَى سَحَابٍ مِنْ مَجْدٍ قَبْلَ مَوْتِ أَبْنَاءِ جِيلِهِ". هَذَا هُوَ النَقْدُ الْأَسَاسِيُّ الَذِي أَثَارَهُ بِيرْتِرَانْدْ رَاسِيلْ. وَيُمْكِنُنِي أَنْ أُضِيفَ أَنَّ هَذَا هُوَ النَقْدُ الْأَسَاسِيُّ الَذِي أَثَارَهُ نُقَّادُ وَعُلَمَاءُ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ خِلَالَ السَنَوَاتِ الْمِئَتَيْنِ الْأَخِيرَةِ، أَيْ أَنَّ يَسُوعَ اعْتَقَدَ وَعَلَّمَ أَنَّهُ سَيَعُودُ، وَأَنَّهُ سَيَظْهَرُ، وَأَنَّهُ سَيَأْتِي ثَانِيَةً. وَأَنَّ الْبَارُوسْيَا أَيْ مَجِيئَهُ أَوْ ظُهُورَهُ، سَيَتِمُّ ضِمْنَ إِطَارٍ زَمَنِيٍّ مُعَيَّنٍ، وَهُوَ إِطَارٌ زَمَنِيٌّ مَحْصُورٌ بِالْقَرْنِ الْأَوَّلِ، وَخِلَالَ فَتْرَةٍ لَا تَزِيدُ عَنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً، ابْتِدَاءً مِنَ الْوَقْتِ الَذِي تَنَبَّأَ فِيهِ بِالْأَمْرِ.

وَالنُصُوصُ الثَلَاثَةُ الَتِي يَرْجِعُ إِلَيْهَا مُعْظَمُ الْعُلَمَاءِ، وَالَتِي اسْتَشْهَدَ بِهَا بِيرْتِرَانْدْ رَاسِيلْ فِي إِطَارِ نَقْدِهِ لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ فِي تِلْكَ الْمَرْحَلَةِ هِيَ كَمَا يَلِي: أَوَّلًا، الْكَلَامُ الَذِي قَالَهُ يَسُوعُ لِتَلَامِيذِهِ فِي مَتَّى 10: 23: "لَاَ تُكَمِّلُونَ مُدُنَ إِسْرَائِيلَ حَتَّى يَأْتِيَ ابْنُ الْإِنْسَانِ". هُنَا يَقُولُ يَسُوعُ إِنَّهُمْ، أَيْ التَّلَامِيذَ، لَنْ يُكْمِلُوا جَوْلَتَهُمْ الْإِرْسَالِيَّةَ فِي دَائِرَةِ جَمِيعِ مُدُنِ إِسْرَائِيلَ حَتَّى يَأْتِيَ ابْنُ الْإِنْسَانِ. وَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ لَقَبَ "ابْنِ الْإِنْسَانِ" كَانَ اللَّقَبَ الْمُفَضَّلَ لَدَى يَسُوعَ لِيُشِيرَ بِهِ إِلَى نَفْسِهِ، لِذَا فَمِنَ الْوَاضِحِ أَنَّهُ يَتَكَلَّمُ عَنْ نَفْسِهِ – حَتَّى يَأْتِيَ ابْنُ الْإِنْسَانِ. مَرَّةً أُخْرَى، كَمْ مِنَ الْوَقْتِ اسْتَغْرَقَتِ الْكَنِيسَةُ الْأُولَى لِإِنْهَاءِ مُهِمَّتِهَا فِي نَشْرِ رِسَالَةِ الْإِنْجِيلِ عَبْرَ مُدُنِ إِسْرَائِيلَ؟ قَبْلَ نِهَايَةِ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ بِوَقْتٍ طَوِيلٍ. وَمِنَ الْمُؤَكَّدِ أَنَّ هَذِهِ الْمُهِمَّةَ لَمْ تَسْتَغْرِقْ وَقْتًا حَتَّى الْيَوْمِ لِتَكْتَمِلَ. إِذَنْ، هَذَا هُوَ الْإِطَارُ الزَمَنِيُّ الَذِي أَعْطَاهُ يَسُوعُ "لاَ تُكَمِّلُونَ مُدُنَ إِسْرَائِيلَ حَتَّى يَأْتِيَ ابْنُ الإِنْسَانِ".

ثانيًا، "إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ هَهُنَا قَوْمًا لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوْا ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي مَلَكُوتِهِ". هَا إِنَّ يَسُوعَ يَتَوَجَّهُ مُجَدَّدًا إِلَى مُعَاصِرِيهِ، حَيْثُ قَالَ هَذَا الْكَلَامَ لِلْأَشْخَاصِ الْمُتَجَمِّعِينَ حَوْلَهُ لِيُصْغُوا إِلَيْهِ، وَهُوَ كَمَا يَلِي: "مِنَ الْقِيَامِ هَهُنَا.."، لَمْ يَكُنْ يَتَكَلَّمُ عَنَّا، بَلْ كَانَ يَتَوَجَّهُ إِلَى الْأَشْخَاصِ الْمَوْجُودِينَ آنَذَاكَ لِيَسْمَعُوا نُبُوَّتَهُ. قَالَ لَهُمْ: "الْبَعْضُ مِنْكُمْ لَاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوُا ابْنَ الْإِنْسَانِ آتِيًا فِي مَلَكُوتِهِ". سَوْفَ نَتَطَرَّقُ إِلَى الْأَمْرِ لَاحِقًا، ثُمَّ نَسْأَلُ عَلَى الْفَوْرِ: "مَا الَّذِي قَصَدَهُ يَسُوعُ بِمَجِيئِهِ فِي مَلْكُوتِهِ؟" هَلْ كَانَ يُشِيرُ إِلَى مَجِيئِهِ الثَانِي؟ أَمْ أَنَّهُ كَانَ يُشِيرُ إِلَى حَدَثٍ آخَرَ؟ هَذَا وَاحِدٌ مِنَ الْأَسْئِلَةِ الَتِي سَنَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا. أَمَّا الْآنَ، فَتَذَكَّرُوا أَنَّ هَذَا هُوَ النَصُّ الثَانِي الَذِي يَذْكُرُهُ بِيرْتِرَانْدْ رَاسِيلْ كَدَلِيلٍ عَلَى عَدَمِ تَحَقُّقِ نَبُوَّاتِ يَسُوعَ.

أَمَّا النَصُّ الثَالِثُ وَهُوَ رُبَّمَا مَوْضِعُ الْجِدَالِ الْأَكْبَرِ، وَسَنَبْذُلُ جُهْدًا كَبِيرًا لِلتَأَمُّلِ فِيهِ فِي هَذِهِ السِلْسِلَةِ، نَجِدُهُ فِي الْأَصْحَاحِ 13 مِنْ إِنْجِيلِ مَرْقُسَ وَالْآيَةِ 30، حَيْثُ أَعْلَنَ يَسُوعُ لِتَلَامِيذِهِ، بَعْدَ أَنْ أَطْلَعَهُمْ عَلَى تَفَاصِيلِ عَوْدَتِهِ بِالْمَجْدِ قَالَ: "لَا يَمْضِي هَذَا الْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ هَذَا كُلَّهُ". لَا يَمْضِي هَذَا الْجِيلُ حَتَّى تَتِمَّ جَمِيعُ هَذِهِ الْأُمُورِ، مَا تَعْلِيقُكُمْ عَلَى الْأَمْرِ؟

الطَرِيقَةُ الَتِي فَسَّرَ بِهَا الْعُلَمَاءُ الْإِنْجِيلِيُّونَ هَذِهِ الْإِشَارَاتِ لِلْإِطَارِ الزَمَنَيِّ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ مُقْنِعَةٍ فِي حَالَاتٍ عِدَّةٍ. وَمِنَ الْمُؤَكَّدِ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُقْنِعَةً إِطْلَاقًا لِلنُقَّادِ الَذِينَ يَقُولُونَ إِنَّ مَا يَعْنِيهِ يَسُوعُ بِوُضُوحٍ فِي هَذِهِ النُصُوصِ هُوَ أَنَّهُ يَنْوِي أَنْ يُظْهِرَ نَفْسَهُ وَأَنْ يَأْتِيَ بِالْمَجْدِ ضِمْنَ فَتْرَةٍ زَمَنِيَّةٍ لَا تَزِيدُ عَنْ جِيلٍ وَاحِدٍ. وَبِحَسْبِ التَوْقِيتِ الْعِبْرَانِيِّ، مُدَّةُ الْجِيلِ هِيَ أَرْبَعُونَ سَنَةً تَقْرِيبًا. بِالْإِضَافَةِ إِلَى تِلْكَ النُصُوصِ الثَلَاثَةِ الْمُهِمَّةِ، يُشِيرُ رَاسِيلْ وَغَيْرُهُ إِلَى الْكَثِيرِ مِنَ التَصْرِيحَاتِ الْأُخْرَى فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، الَتِي تُبَيِّنُ أَنَّ الْكَنِيسَةَ الْأُولَى وَجَمَاعَةَ الرُسُلِ وَالرَسُولَ بُولُسَ بِالطَبْعِ، هَؤُلَاءِ الْكُتّابُ جَمِيعًا شَدَّدُوا عَلَى اقْتِرَابِ مَجِيءِ الْمَسِيحِ. لَكِنْ بِالنِسْبَةِ إِلَى النُقَّادِ، فَإِنَّ تِلْكَ الْأُمُورَ الَتِي تَنَبَّأَ الْمَسِيحُ بِأَنَّهَا سَتَتِمُّ فِي غُضُونِ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ تَتِمَّ حَتَّى هَذَا الْيَوْمِ. كَمَا أَنَّ سِفْرَ الرُؤْيَا، وَهُوَ الْمَصْدَرُ الْمُفَضّلُ الَذِي يَتَنَاوَلُ الْمَسَائِلَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالْأُمُورِ الْمُسْتَقْبَلِيَّةِ وَمَجِيءِ يَسُوعَ ثَانِيَةً، يَتَضَمَّنُ أَيْضًا إِشَارَاتٍ إِلَى أُطُرٍ زَمَنِيَّةٍ سَوْفَ نَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا، تُبَيِّنُ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ سَتَتِمُّ بَعْدَ فَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ. وَإِنْ كَانَ سِفْرُ الرُؤْيَا فِي مُعْظَمِهِ يُشِيرُ إِلَى الِاكْتِمَالِ النِهَائِيِّ لِمَلَكُوتِ الْمَسِيحِ، وَظُهُورِهِ النِهَائِيِّ فِي التَارِيخِ، فَمِنَ الصَعْبِ أَنْ نَرَى –نَظَرًا لِمُرُورِ أَلْفَيْ سَنَةٍ عَلَى كِتَابَةِ السِفْرِ– كَيْفَ أَنَّهُ يُمْكِنُ لِلْأَمْرِ الَذِي تَمَّ الْوَعْدُ بِحُدُوثِهِ بَعْدَ فَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ أَنْ يَسْتَغْرِقَ أَلْفَيْ سَنَةٍ، وَنَظَلُّ نَعْتَبِرُ أَنَّهُ سَيَتِمُّ بَعْدَ فَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ، إِلَّا إِذَا قُمْنَا بِإِضْفَاءِ الرُوحَانِيَّةِ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، وَقُلْنَا إِنَّ يَوْمًا وَاحِدًا فِي عَيْنَيِ الرَبِّ كَأَلْفِ سَنَةٍ، وَبِالتَالِي، لَقَدْ مَرَّ يَوْمَانِ فَقَطْ عَلَى إِعْطَاءِ النُبُوَّةِ.

لَكِنْ فِي ضَوْءِ تَعْلِيمِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، مِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ الْكَنِيسَةَ الْأُولَى وَالْمُجْتَمَعَ الْمَسِيحِيَّ الْأَوَّلَ، كَانَ لَدَيْهِمْ هَذَا التَوَقُّعُ الْمُلِحُّ. وَبِالطَبْعِ، يَقُولُ النُقَّادُ إِنَّهُ حِينَ بَدَأَ الْوَقْتُ يَمُرُّ، وَلَمْ تَحْدُثْ هَذِهِ الْأُمُورُ كَمَا تَمَّ التَنَبُّؤُ بِهَا، تَمَّ تَعْدِيلُ تَوَقُّعَاتِهِمْ، بِمَا يَجْعَلُ الْأَسْفَارَ الْأَخِيرَةَ فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ تُبَيِّنُ أَنَّهُ لَا يَزَالُ يُوجَدُ فَجْوَةٌ كَبِيرَةٌ فِي التَارِيخِ لِتَتْمِيمِ هَذِهِ النُبُوَّاتِ. وَهَذِهِ هِيَ نَوْعِيَّةُ الْأُمُورِ الَتِي سَنَتَأَمَّلُ فِيهَا هُنَا. أَمَّا الْهَدَفُ الْأَسَاسِيُّ فِي هَذِهِ السِلْسِلَةِ فَهُوَ التَرْكِيزُ عَلَى كَيْفِيَّةِ فَهْمِنَا لِهَذِهِ الْأُطُرِ الزَمَنِيَّةِ الَتِي اسْتَخْدَمَهَا النَاسُ لِانْتِقَادِ مِصْدَاقِيَّةِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، وَمِصْدَاقِيَّةِ رَبِّنَا نَفْسِهِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ.