المحاضرة 3: أربع فئات من الناس | خدمات ليجونير
 

المحاضرة 3: أربع فئات من الناس

سنتابع الآن دراستنا لموضوع التيقن من الخلاص. في أول رسالتين لنا رأينا الجدال القائم بين مجموعات لاهوتية مختلفة بشأن إمكانية التمتع بيقين الخلاص. وفي رسالتنا الثانية، تكلمنا عن الدعوة الكتابية إلى السعي وراء التيقن من الخلاص. إذًا الآن، أريد التكلم عن بعض المشاكل التي نواجهها عندما نسعى باجتهاد إلى التيقن من الخلاص. عندما أتطرق إلى هذا الموضوع، فأنا أشير دائمًا إلى وجود أربع فئات من الناس في العالم. أنا أعلم أن هذا يختلف عن التقسيم المعتمَد في العالم، حيث نقول عادةً إنه توجد فئتان من الناس في العالم، وهاتان الفئتان من الناس في العالم تضمّان هؤلاء الذين يقسمون العالم إلى فئتين من الناس ومن لا يفعلون؛ أو كما يقول جايمس كينيدي، توجد ثلاث فئات من الناس في العالم، هؤلاء الذين يقدرون أن يعدّوا، وهؤلاء الذين لا يقدرون. لكننا سننظر الآن إلى الفئات الأربع من الناس التي يجب أن نميزها في ما يتعلق بمسألة التيقن من الخلاص.

فلنبدأ بالفئة الأولى من الناس: إنهم الأشخاص غير المخلّصين والذين يعرفون ذلك. أذكر أني كرزت مرة بالإنجيل لرجل في سينسيناتي، وطرحت عليه الأسئلة الكرازية التشخيصية الكبيرة، وبدأت بالسؤال الأول: "هل توصّلت إلى مرحلة في حياتك الروحية تدرك فيها بالتأكيد أنك ستذهب إلى السماء حين تموت؟" فلم يجفل الرجل. نظر مباشرة في عينيّ وقال: "آه لا، أنا واثق من أني لن أذهب"، قال: "أنا واثق من أني سأذهب إلى الجحيم". فصُعقت بجوابه، لأنه لم يكن قد سبق لي أن التقيت شخصًا واثقًا تمامًا من مصيره ومن ذهابه إلى الجحيم. لكن هذا الرجل كان واثقًا من الأمر، لقد كان يعيش حياته في الإثم، وهو كان يعلم أنه يعيش في الإثم، وكان يعرف عواقب حياة الإثم هذه، وهي تتماشى مع ما يقوله لنا الرسول بولس في الفصل الأول من رسالة رومية. في آخر هذا الفصل، بعد أن عدّد الخطايا والرذائل التي تمارسها البشرية الساقطة، توصّل إلى الاستنتاج التالي، وهو أننا نحن البشر الساقطين لا نفعل هذه الأمور فحسب، بل إننا نشجع الآخرين على فعلها عالمين أن كل من يصنع هذه الأمور يستحق الموت. وما يقوله بولس هنا هو أنه وفق إعلان الله الطبيعي، لا في الكتاب المقدس فحسب، ليس على الإنسان أن يسمع وعظًا من الكتاب المقدس لكي يعي ذلك، وإنما حين يكتب الله شريعته في قلوب الناس ويزرع كلمته في أذهان الناس من خلال الضمير، فإن الناس يعلمون في قرارة أنفسهم أنهم مذنبون بسبب سلوكهم، ويعلمون أنهم ليسوا في شركة مع خالقهم.

يوجد الكثير من الأشخاص في العالم ممن يعلمون أنهم في حالة ضياع أكثر مما نتصور. فظاهريًا، ينكر معظم الناس تعرّضهم لغضب الله أو حتى إنهم ينكرون وجود الله، لكن كما يقول الكتاب المقدس، "اَلشِّرِّيرُ يَهْرُبُ وَلَا طَارِدَ"، والشرير يرتعد أمام ارتعاش الورقة، وبالتالي، ضمنيًا ووراء كواليس البشرية الساقطة الطبيعية هم يدركون أنهم في مأزق أمام الله. لذا لدينا الظاهرة التي أسميناها الخلاص كمن بنار، حيث أن الناس في آخر أيام حياتهم، إن كانوا يعلمون أنهم سيموتون، يصحون فجأة، فيستدعون الكاهن أو يتصلون بالقس ويستعدون للحصول على ضمانة الحياة الأبدية. تعرفون قصة و. س. فيلدز، الذي كان على فراش الموت وفعل أمرًا فاجأ كل من يعرفونه. جاء إليه أحد أصدقائه ووجده يتصفح الكتاب المقدس وهو على فراش الموت، فقال له صديقه: "و. س. ما الذي تفعله؟" فأجاب: "أبحث عن مهرب". إذًا، حتى في حس الدعابة لديه كان يعلم أنه في حالة خطرة جدًا لأنه سيواجه صانعه.

إذًا، هذه هي الفئة الأولى، إنها فئة الأشخاص غير المخلّصين والذين يعون ذلك. هم يعلمون أنهم ليسوا في حالة نعمة، ويعلمون أنهم ليسوا في شركة مع الله، ويعلمون أنهم مبعدين عن الله، وبالتالي، لديهم يقين سلبي. أما الفئة الثانية فتضمّ الأشخاص المخلّصين ويعلمون أنهم مخلّصون، أي أن هذا الإنسان متيقن تمامًا من أنه في حالة نعمة ومن أنه مخلّص. سنتكلم أكثر في سياق هذه العظة عن كيفية تمكننا من الاكتساب، من خلال الكتاب المقدس وبموجب علاقتنا مع الله، يقينًا تامًا من أننا في حالة النعمة. إذًا، ثمة أشخاص غير مخلّصين يعلمون أنهم غير مخلّصين، وثمة أشخاص مخلّصون يعلمون أنهم مخلّصون. إذًا، هاتان الفئتان متناقضتان تمامًا، تملك الاثنتان ضمانة –الضمانة الأولى تبشر بآخرة صالحة، والضمانة الأخرى تنبئ بآخرة سيئة.

الفئة الثالثة تضم الأشخاص المخلّصين، لكنهم لا يعرفون ذلك. إذًا، من الممكن أن تكون في حالة النعمة وألا تكون متيقنًا تمامًا من أنك في حالة النعمة. البعض يعترض على ذلك. في الواقع، لا يتم الاعتراض فقط على الفئة الثانية وعلى القول إنه يمكنك أن تعلم أنك نلت الخلاص، لكن يقول البعض إنه من المستحيل أن تكون في حالة نعمة من دون أن تدرك ذلك، لأنك إن كنت تتمتع بالإيمان المخلّص فإن مضمون هذا الإيمان هو الثقة بمخلّص تؤمن بأنه سيخلّصك. إذًا، إن لم يكن لديك إيمان مخلِّص، أعني، عذرًا، إن كان لديك إيمان لكنه ليس نوع الإيمان الذي يؤكد لك أن الله خلّصك، فعندئذٍ نحن نتساءل إن كان لديك إيمان حقًا.

أو يمكننا النظر إلى الأمر بطرق مختلفة. يقول بعض الأشخاص: "أنا أظن أني مؤمن لكني لست واثقًا من ذلك". نحن نلتقي دائمًا بأشخاص مماثلين. يعود جزء من المشكلة إلى النظرة الشعبية الثقافية للديانة، فنحن نسمع ببيلي غراهام، على سبيل المثال، الذي يطلعك على اليوم والساعة التي أصبح فيها مؤمنًا. هو يشير إلى أنه اهتدى إلى المسيح بعد أن كان يلعب البايسبول، ثم ذهب إلى اجتماع كرازي بعد المباراة وكان المبشر مردكاي هام يعظ، فتقدم بيلي غراهام إلى الأمام واهتدى إلى المسيح فجأة، فتغيرت حياته رأسًا على عقب. أنا أيضًا اختبرت الأمر نفسه في حياتي. أنا أعرف تحديدًا الوقت الذي التقيت فيه بالمسيح، يمكنني إطلاعكم على التاريخ والساعة، ويمكنني أن أخبركم أين كنت تحديدًا وكيف حدث الأمر. ثم إنه ثمة أشخاص لا يستطيعون أن يطلعوك لا على السنة، ولا على السنوات الخمس التي آمنوا فيها، فروث غراهام، زوجة بيلي مثلًا لا تعرف متى أصبحت مؤمنة.

لدينا مشكلة في الكنيسة، وهي ميولنا إلى تعميم اختباراتنا الشخصية ومحاولة جعلها معيارًا للجميع، بحيث أن الأشخاص الذين اهتدوا إلى المسيح فجأة على طريق دمشق، والذين يستطيعون إطلاعك على اليوم والساعة، يميلون أحيانًا إلى الشك في الأشخاص الذين لم يمروا في هذا الاختبار، ويقولون إنك إن عجزت عن تحديد اليوم والساعة فربما أنت لست مؤمنًا. وفي الوقت نفسه، ثمة أشخاص ممن لا يقدرون أن يحددوا اليوم والساعة، ويميلون إلى الشك في الأشخاص الذين يقولون إنهم يعرفون اليوم والساعة. والفكرة الأساسية هي أنه لا شيء في الكتاب المقدس يقول إنه علينا أن نعرف الوقت المحدد الذي آمنا فيه.

هنا يزداد الأمر تعقيدًا، ويصبح من الصعب حلّه. لا يمكن لأحد أن يكون نصف متجدد أو شبه متجدد، فإما أن تكون مولودًا من روح الله أو لا تكون. والتجدد، الذي هو عمل الله الذي ننتقل من خلاله من مملكة الظلمة إلى ملكوت النور، هو اهتداء حقيقي إلى الله. والتجديد يحدث فورًا من خلال قوة الله ومن خلال عمل الروح القدس، إنه يحدث على الفور، وإما أن تكون متجددًا أو لا تكون. أكرر، التجديد لا يحدث بشكل تدريجي، إنه عمل فوري. إن كانت هذه الحال، فإن الأمر يثير شكوكًا بشأن الأشخاص الذين لا يستطيعون إطلاعك على اليوم والساعة. لا لا لا، يجب أن نميز بين واقعية الاهتداء واختبار الاهتداء، ويجب أن ندرك أنه لا يعي الجميع على الفور اللحظة التي قام خلالها روح الله بعمله الفائق للطبيعة داخل نفوسهم. لذا، فمن الخطر جدًا أن نخلق معايير للشك في الأشخاص الذين لا يتوافق اختبارهم مع اختبارنا.

في الواقع، عندما أتكلم عن اختبار اهتدائي، يمكنني أن أطلعكم بكل تأكيد على اليوم والساعة اللذين اختبرت فيهما الخلاص، لكن قد لا يتطابق هذا الاختبار مع عمل الله في نفسي. ربما جدّدني الله الروح القدس قبل أسبوع من ذلك، قبل شهر من ذلك، أو قبل خمس سنوات قبل أن أختبر حقيقة ما حدث في داخلي. إذًا، حتى تأكّدي من الوقت الذي اهتديت فيه إلى الله ينطبق على اختبار اهتدائي فحسب وليس على واقعية الأمر، لأنه يمكننا أن نخدع أنفسنا في ما يتعلق باختبار اهتدائنا، ويمكن لاختبارنا أن يكون واحدًا من أكثر الأمور تضليلًا التي يمكن أن نواجهها في حياتنا المسيحية. أحد أكثر الأمور خطورة التي يمكن أن تفعلها كمؤمن هو أن تحدد لاهوتك بناء على اختبارك، لأن اختبارك واختباري ليسا معيارًا في الحياة المسيحية. يجب أن نحدد لاهوتنا بناءً على كلمة الله وليس ما نشعر به. ليس هذا فحسب، بل من الممكن لنا أن نسيء فهم وتفسير معنى الاختبارات التي نمر بها وأهميتها، لذا نحن مدعوون إلى امتحان اختباراتنا على ضوء الكتاب المقدس وعلى ضوء كلمة الله، بحيث أننا نحدد إيماننا بناء على ما جاء في كلمة الله وليس ما نشعر به أو ما اختبرناه. إذًا، هذا تحذير يجب أن نتداركه بينما نتكلم عن مسألة التيقن من الخلاص، لأننا إن بنينا يقيننا على اختبار لا على كلمة الله، فنحن نستدعي شتى أنواع الشكوك والمشاكل لتشن هجومًا علينا في مسيرة إيماننا.

أيضًا يختبر بعض الناس شعورًا غامضًا بالدفء في أرواحهم ونفوسهم، فيقولون: "شعرت بشيء ما في تلك الليلة فقبلت المسيح". ربما كنت تعاني من عسر هضم، لسنا ندري. عندما نتكلم عن كوننا مخلّصين ونحن لا ندرك ذلك، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار الطرق التي يمكن لنا أن نخدع أنفسنا بها، والطرق التي يمكن لها أن تضللنا لكي نبحث عن المعرفة الحقيقية لضمانتنا، وليس عن اختبار غامض.

لكن مجددًا، تضم هذه المجموعة الثالثة أشخاصًا مخلّصين لكنهم لا يعلمون أنهم مخلّصون، هم لم يتعلموا كيفية التأصل في كلمة الله والتيقن من خلاصهم. يتضمن الأمر افتراضًا مقدمًا. عندما كتب بطرس للمؤمنين في أول رسالتين له، حيث قال: "ٱجْتَهِدُوا... أَنْ تَجْعَلُوا دَعْوَتَكُمْ وَٱخْتِيَارَكُمْ ثَابِتَيْنِ"، إنه لمن الحماقة إعطاء هذه النصيحة للناس إن كانوا متأكدين جميعًا من الأمر. إذًا، هذا يفترض مقدمًا أنه يمكن للناس أن يكونوا مخلّصين من دون أن يكونوا متأكدين من ذلك.

هذا جيد حتى الآن. من السهل أن نتابع ذلك. ثمة أشخاص غير مخلّصين وهم يدركون ذلك، وثمة أشخاص مخلّصون وهم يدركون ذلك، أيضًا، ثمة أشخاص مخلّصين لكن لم يحدث لهم بعد، لسبب أو لآخر، أن تيقنوا من أنهم في حالة نعمة أمام الله. هذه كلها فئات من السهل جدًا علينا أن نفهمها. الفئة الرابعة هي التي تفسد مسألة يقين الخلاص؛ إنها فئة الأشخاص غير المخلّصين الذين يظنون أنهم مخلّصون. تضم الفئة الرابعة أشخاصًا ليسوا في حالة النعمة، لكنهم يظنون أنهم في حالة النعمة، إنهم غير مخلّصين لكنهم متأكدون من أنهم مخلّصون. سنكرّس بعض الوقت للكلام عن هذه الفئة بالذات ونرى لماذا يمكن أن يكون للناس يقين مزيف، لأنه من المهم لنا أن نفهم المزيف إن أردنا أن نميز الحقيقي. أظن أن أمناء الصناديق في المصارف يخضعون دائمًا لهذا التدريب ليقدروا أن يعرفوا الصفات الأساسية للمال المزور لكي يقدروا أن يميزوه عندما يرونه. وكلما درست عن التزوير، أصبح بإمكانك أن تميز علامات الشيء الأصلي.

في هذا الإطار، استفادت الكنيسة عبر التاريخ من العقائد المزيفة ومن الهرطقات، ليس لأن الهرطقات جيدة، أو لأن العقائد المزيفة جيدة، لكن ما يحدث في تاريخ الكنيسة هو أنه كلما ظهرت هرطقة خطيرة واضطرت الكنيسة لمعالجتها، فإن هذا الأمر كان يرغم الكنيسة على دراسة الحق بمزيد من التمعن. ربما لما كان لدينا كتاب مقدس نقرأه اليوم لولا المهرطق مارسيون، فمارسيون كان أول من أصدر نسخة عن العهد الجديد، لكنها كانت نسخة مشوهة للعهد الجديد، فهو كان يكنّ حقدًا كبيرًا تجاه إله العهد القديم، وبالتالي، كل إشارة إلى يهوه العهد القديم في نصوص الجديد قام مارسيون بحذفها. لذا فهو تخلص من جزء كبير من مضمون الإنجيل ومن العديد من الرسائل. إذًا، هو قدّم كتابًا مقدسًا مزيفًا، ما اضطر الكنيسة إلى القول: "مهلًا، فلندّون الشروط الأساسية لإدراج الكتب في أسفار الكتاب المقدس المعترف بها". ولولا هذا المهرطق الكبير لا أظن أن الكنيسة كانت لتحاول التطرق إلى هذا الموضوع. ثم حدث الأمر نفسه في القرن الرابع مع المهرطق آريوس الذي أنكر ألوهية المسيح. لا يعني ذلك أن الكنيسة لم تؤمن بألوهية المسيح حتى القرن الرابع، حتى انعقاد مجمع نيقية وكتابة قانون الإيمان المسيحي، هذا غير صحيح، فالكنيسة اعترفت بألوهية المسيح منذ البداية، لكن الغموض كان يشوب الأمر، ولم يصدر التعريف الصحيح لألوهية المسيح وللثالوث إلا عندما فرضت الهرطقة ذلك. إذًا أكرر، فهم المزيف يساعدنا على فهم الأصلي بشكل أفضل.

منذ بضع سنوات، قمنا بجولة على المواقع التي نشأ فيها الإصلاح، وسرنا على خطى مارتن لوثر وزرنا أماكن مختلفة في ما كان يُعرف بألمانيا الشرقية، حيث قام مارتن لوثر بخدمته. زرنا أورفورت، وفيتنبرغ، وفورمز، وأماكن مماثلة، وننبرغ، وكانت ترافقنا امرأة مضحكة كانت تتحلى بروح الفكاهة. وذات يوم، وبعد أن انتهينا من زيارة أحد المواقع بالباص كان لدينا وقت فراغ لتناول الغداء في المكان الذي نريد، فذهب أفراد المجموعة التي تقوم بالرحلة في اتجاهات مختلفة في المدينة، وقيل لنا في أي وقت يجدر بنا العودة وأين يجدر بنا أن نلتقي لنتجمّع ونتابع الرحلة. فخرجنا وتناولنا طعام الغداء، جلنا في أرجاء المدينة وتناولنا طعام الغداء، ثم خرجنا من المطعم وتساءلنا: "من أي طريق أتينا؟ كيف سنعود إلى الباص؟" فقالت تلك السيدة: "أنا أعلم". فوقفت في المقدمة وبدأت تسير في المدينة ونحن نتبعها، ورحنا نجول في أرجاء المدينة. ولما بدأ القلق ينتابني سألتها: "عذرًا يا ماري، هل أنت متأكدة من أننا نسير في الطريق الصحيح؟" فأجابت: "نعم بالطبع"، فاطمأن بالي. ثم قامت ببضع خطوات إلى الأمام والتفتت صوبنا قائلة: "أنا دائمًا متأكدة، لكني قلما أكون محقّة". ربما هذا ما نقصده عندما نتكلم عن هؤلاء الأشخاص الذين يقولون بكل ثقة إنهم سيذهبون إلى السماء، ويقولون إنهم مؤمنون، وإنهم واثقون من خلاصهم، وإنهم ليسوا قلقين بشأن خلاصهم. لديهم يقين، لكنه يقين مزيف.

إذًا، هذا ما يولّد التوتر والقلق اللذين نحاول معالجتهما في هذه السلسلة، لا سيما عندما نقارن المجموعة الثانية بالمجموعة الرابعة. هذه المجموعة تتضمن الأشخاص المخلّصين والمتيقنين من خلاصهم، وهذه المجموعة تتضمن الأشخاص غير المخلّصين لكنهم متيقنين من خلاصهم. إذًا، السؤال الذي طرحناه في بداية المحاضرة يطرح نفسه من جديد، أليس كذلك؟ إن كان لدي يقين الخلاص، وكان لدى هذه المجموعة يقين الخلاص، ولدى هذه المجموعة يقين الخلاص، فكيف يمكنني أن أتأكد من يقيني؟ لنفرض أنك كنت تتناقش مع أحدهم وطرحت عليه سؤالًا، فأجاب مؤكدًا بإصرار، فتسأله: "هل أنت متأكد؟" فيقول: "نعم، أنا متأكد"، فتطرح عليه السؤال التالي: "هل أنت واثق من أنك متأكد؟" لأننا عندما نتكلم عن الثقة أو اليقين فنحن لا نتكلم ببساطة عن الفئات الفلسفية للثقة، لكننا بذلك نصف نوعًا ما حالتنا العاطفية في ما يتعلق بمسائل أو تأكيدات مختلفة. والميول السائد لدى البشر في ما يتعلق بمسألة التأكيد على الثقة هو أنه توجد سلسلة متصلة تعمل الثقة من خلالها. فمثلًا، قد يقول لك أحدهم: "هل تؤمن بأن الله موجود؟" توجد طرق عديدة للإجابة على هذا السؤال: يمكنك القول: "لا، لا أؤمن"، أو يمكنك القول: "لا أظن ذلك"، أو يمكنك القول: "لست أدري. أرجو ذلك"، أو يمكنك القول: "ربما"، أو يمكنك القول: "نعم أنا أؤمن بالله"، أو يمكنك القول: "طبعًا، أنا أؤمن بالله". كل واحدة من هذه الأجوبة تصف درجة ثقة مختلفة ترافق الاقتراح أو التأكيد.

إذًا، أنا لا أتكلم هنا عن التأكيد الحسابي، أي أن اثنين زائد اثنين يساوي أربعة، فأنا أتكلم عن اليقين الذي أشعر به في داخلي، وهو يقين يترجّح بين يوم وآخر. فأحيانًا يقول لي أحدهم: "أر سي، هل أنت متأكد من أنك مخلّص؟" فأجيب: "حتمًا". وفي اليوم التالي، إن كنت مثقلًا بالشعور بالذنب أجيب: "أتعلم، أظن ذلك". لكن توجد تقلّبات في الحياة المسيحية. إذًا، ما يجب أن نفهمه هو أنه يوجد أساس لقوة يقيننا يجعلنا نقول: "لِأَنَّنِي عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ، وَمُوقِنٌ (بل موقن تمامًا) أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَ وَدِيعَتِي إِلَى ذَلِكَ ٱلْيَوْمِ". إذًا، تكمن المشكلة الكبيرة في التمييز بين اليقين الزائف واليقين الحقيقي، وهذا ما سنتكلم عنه في المحاضرة المقبلة.