المحاضرة 4: بناء كاتدرائيَّة القديس بطرس

نُكْمِلُ الآنَ فِي دِراسَتِنا لِلُوثَرَ وَالإِصْلاحِ. فِي حِصَّتِنا الأَخِيرَةِ، تَكَلَّمْنا عَنِ الأَزْمَةِ الَّتِي حَدَثَتْ فِي حَياةِ لُوثَرَ عامَ 1515، فِي مَا يُدْعَى تَجْرِبَةَ الْبُرْجِ، عِنْدَمَا حَصَلَ عَلَى إِعْلانٍ، وَفَهِمَ بِشَكْلٍ جَدِيدٍ بِرَّ اللهِ، أَنَّ بِرَّ اللهِ الَّذِي بِالإِيمانِ هُوَ الْبِرُّ الَّذِي يُؤَمِّنُهُ اللهُ لأُولَئِكَ الَّذِينَ يُعْوِزُهُمُ الْبِرُّ فِي أَنْفُسِهِمْ. قَالَ لُوثَرُ لاحِقًا إِنَّهُ عِنْدَمَا رَأَى هَذَا الْمَفْهُومَ وَفَهِمَ الإِنْجِيلَ مِنْ وِجْهَةِ النَّظَرِ تِلْكَ، بَدَأَ يَرَاهُ تَقْرِيبًا فِي كُلِّ صَفَحاتِ الْكِتابِ الْمُقَدَّسِ. وَقَدْ غَيَّرَ هَذَا فَهْمَهُ لِلَّاهُوتِ وَلِلْحَياةِ الْمَسِيحِيَّةِ تَمامًا. فِي تِلْكَ الأَثْناءِ، فِي رُومَا، بَدَأَتْ أُمُورٌ شَدِيدَةُ الأَهَمِّيَّةِ. فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ، كَانَ هُناكَ اثْنانِ مِنَ الْباباواتِ فِي السُّلْطَةِ، وَهُمَا يُعَدَّا، حَتَّى بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُؤَرِّخِي الْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ، مِنْ أَكْثَرِ الْباباواتِ فَسادًا فِي تَارِيخِ الْكَنِيسَةِ.

أَوَّلُهُما هُوَ يُولْيُوسُ الثَّانِي، الَّذِي عُرِفَ بِأَنَّهُ الْبابَا الْمُحارِبُ، وَكانَ يَقُودُ جُنودَهُ مُحَاوِلًا أَنْ يَضُمَّ الأَرَاضِي إِلَى السَّيْطَرَةِ الْبَابَاوِيَّةِ، فَسَفَكَ الْكَثِيرَ والْكَثِيرَ مِنَ الدِّماءِ فِي سَعْيِهِ هَذَا. كَانَ طَمُوحًا فِي أَحْلامِهِ. أَرادَ أَنْ يَبْنِيَ كَاتِدْرَائِيَّةً جَدِيدَةً لأُسْقُفِ رُومَا، بَازِيلِيك جَدِيدَةً وَقُبَّتُها تُنافِسُ الْبارْثِينُون. كَانَتْ تِلْكَ الْقُبَّةُ لِتُغَطِّيَ الْكَنِيسَةَ الضَّخْمَةَ وَتُشَكِّلَ مَأْوًى مُلائِمًا لِعِظامِ الرَّسُولَيْنِ بُطْرُسَ وَبُولُسَ، الَّتِي يُفْتَرَضُ بِها أَنْ تَكُونَ فِي قَبْوِ هَذَا الصَّرْحِ الضَّخْمِ. لِذَا، بَدَأَ الْعَمَلَ عَلَى هَذَا الْمَشْرُوعِ. وَبَعْدَ فَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ مِنْ بِناءِ أَساساتِ كَنِيسَةِ الْقِدِّيسِ بُطْرُسَ تُوُفِّيَ يُولْيُوسُ الثَّانِي، وَخَلَفَهُ الْبابَا الْمِيدِيشِي لِيُو الْعاشِرُ، الَّذِي وَصَفَهُ أَحَدُ الْمُؤَرِّخِينَ الْكَاثُولِيكِيِّينَ بأَنَّهُ مِحْنَةٌ شَدِيدَةٌ لِلْكَنِيسَةِ، لأَنَّهُ فِي وَسَطِ فَسادِهِ الشَّخْصِيِّ أَفْرَغَ لِيُو الْعاشِرُ خَزائِنَ الْكَنِيسَةِ الْكاثُولِيكِيَّةِ بِاسْتِنْفاذِ الأَمْوالِ الَّتِي جَمَعَها كُلُّ مَنْ سَبَقَهُ مِنْ بَاباواتٍ، بِالإِضافَةِ إِلَى الأَمْوالِ الَّتِي كانَتْ مَوْجُودَةً عِنْدَما اسْتَلَمَ. لِذَا، كَانَتِ الْكَنِيسَةُ عَلَى شَفِيرِ الإِفْلاسِ. وَتَمَّ إِيقافُ بِناءِ كَاتِدْرَائِيَّةِ الْقِدِّيسِ بُطْرُسَ بَعْدَ وَضْعِ الأَساساتِ. وَبَدَأَتِ الأَعْشابُ الضَّارَّةُ تُغَطِّي أَساساتِ الْمَبْنَى الأَرْضِيَّةَ. وَبَدَا، لِفَتْرَةٍ مِنَ الْوَقْتِ عَلَى الأَقَلِّ، أَنَّ مَبْنَى الْكَاتِدْرَائِيَّةِ لَنْ يُكْمَلَ أَبَدًا.

فِي الْوَقْتِ عَيْنِهِ، بَيْنَمَا كَانَ لِيُو الْعاشِرُ فِي رُومَا يُصارِعُ مَعَ مَوارِدِهِ الْمَادِّيَّةِ الْمُسْتَنْفَذَةِ فِي أَلْمَانْيَا، كانَ هُناكَ أَمِيرٌ شَابٌّ مِنْ سُلالَةِ هُوهنِتْسُولِرْن، وَهْوَ يُدْعَى الأَمِيرَ أَلْبِرْت مِنْ بْرانْدِنْبُرْغ. يُشَكِّلُ أَلْبِرْت أَيْضًا شَخْصِيَّةً مِحْوَرِيَّةً لِلإِصْلاحِ الْبْرُوتِسْتَانْتِيِّ لِلسَّبَبِ التَّالِي: عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهُ كانَ أَصْغَرَ مِنْ أَنْ يُمْسِيَ أُسْقُفًا وَفْقَ الْقَانُونِ الْكَنَسِيِّ، إِلَّا أَنَّهُ كانَ أُسْقُفَ مِنْطَقَتَيْنِ، إحْدَاهُمَا فِي هَالْبِرْشْتادت، وَالأُخْرَى فِي ماغْدِيبُورْغ. وَقَدِ اقْتَنَى هَذَيْنِ الْمَرْكَزَيْنِ مِنْ خِلالِ عَمَلِيَّةٍ تُدْعَى "السِّيمونِيَّة". سَأُدوِّنُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ عَلَى اللَّوْحِ، "السِّيمُونِيَّةَ". السِّيمُونِيَّةُ هِيَ الْعَمَلِيَّةُ الَّتِي تُمَكِّنُ النَّاسَ مِنْ شِراءِ مَنَاصِبَ كَنَسِيَّةٍ. كَانُوا يَدْفَعُونَ لِلْبَابَا أَوْ لِلنِّظامِ الْكَنَسِيِّ مَا يَكْفِي مِنَ الْمالِ لِيُكافَأُوا بِتَعْيِيناتٍ كَمَنْصِبِ الأُسْقُفِ. والاسْمُ "سِيمُونِيَّةُ" يَعُودُ إِلَى الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، إِلَى الْحَدَثِ الَّذِي حَاوَلَ فِيهِ سِيمُونُ السَّاحِرُ الْمَجُوسِيُّ أَنْ يَشْتَرِيَ الرُّوحَ الْقُدُسَ مِنْ بُطْرُسَ عِنْدَمَا رَأَى بُطْرُسَ يَقُومُ بِالْمُعْجِزاتِ، عِنْدَئِذٍ أَجابَهُ بُطْرُسُ "لِتَكُنْ فِضَّتُكَ مَعَكَ لِلْهَلاَكِ". وَأَظُنُّ أَنَّها تَرْجَمَةٌ مُلَطِّفَةٌ لِمَا قَالَهُ بُطْرُسُ لِسُيمونَ الْمَجُوسِيَّ. لَكِنْ عَلَى كُلِّ حَالٍ، أَمْسَتِ السِّيمُونِيَّةُ مُمارَسَةً شَائِعَةً فِي الْعُصُورِ الْوُسْطَى، وَبِخَاصَّةٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.

هَذَا نَوْعُ الأُمُورِ الَّتِي شَهِدَهَا لُوثَرُ فِي زِيارَتِهِ إِلَى رُومَا فِي عامِ 1510، حَيْثُ رَأَى الْمَدِينَةَ مُسْتَسْلِمَةً إِلَى الْكَثِيرِ مِنَ الْفَسادِ. أَوَّلًا، لَمْ يَكُنْ يُسْمَحُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَكُونَ أُسْقُفًا أَكْثَرَ مِنْ مكَانٍ واحِدٍ، ثَانِيًا، كُلُّ الْقَوانِينِ الْكَنَسِيَّةِ تَنُصُّ عَلَى عُمْرٍ مُعَيَّنٍ، وَلَمْ يَكُنْ أَلْبِرْت مُؤَهَّلًا فِي كِلا الْحَالَتَيْنِ، لَمْ يَكُنْ بِالْعُمْرِ الْمُناسِبِ وَكَانَ أُسْقُفَ مِنْطَقَتَيْنِ، وَقَدِ اشْتَرَى هَذَيْنِ الْمَرْكَزَيْنِ. كَانَ يَطْمَحُ لأَنْ يُصْبِحَ أَقْوَى رَجُلِ دِينٍ فِي كُلِّ أَلْمَانْيَا. وَشَغَرَ مَنْصِبُ مِطْرَانٍ فِي مَدِينَةِ مَايْنْز الْكَبِيرَةِ، فَاشْتَعَلَتْ شَهْوَةُ أَلْبِرْت لِلتَّمامِ. كانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ تَمَكَّنَ مِنْ نَوَالِ أَبْرَشِيَّةِ ماينز، مَعَ الْمَرْكَزَيْنِ اللَّذَيْنِ يَتَمَتَّعُ بِهِمَا، كانَ بِإِمْكانِهِ أَنْ يُحَقِّقَ حُلْمَهُ بِأَنْ يَكُونَ أَقْوَى رَجُلِ دِينٍ فِي أَلْمَانْيَا.

لِذَا بَدَأَ بِمُفاوَضَاتٍ مَعَ رُومَا وَمَعَ الْبَابَا لِيُو مِنْ أَجْلِ الْحُصُولِ عَلَى هَذِهِ الأَبْرَشِيَّةِ الْجَدِيدَةِ. لِذَا بَدَأَتِ الْمُفاوَضاتُ بِطَلَبِ الْبَابَا دُفْعَةَ 12000 دُوكاتِ ذَهَبٍ، فِي مُقابِلِ أَبْرَشِيَّةِ مِنْطَقَةِ مَاينز. قابَلَ الأَمِيرُ أَلْبِرْت طَلَبَهُ بِعَرْضِ 7000 دوكات ذَهَب. قالَ الْبَابَا إِنَّهُ أَرادَ 12000، أَلْفٌ لِكُلِّ رَسُولٍ، وَقَابَلَهُ أَلْبِرْت بِعَرْضِ 7000، أَلْفٌ لِكُلٍّ مِنَ الْخَطايَا السَّبْعِ الْمُمِيتَةِ. وَأَخِيرًا تَوَصَّلُوا إِلَى تَسْوِيَةٍ، تَمَكَّنَ مِنْ خِلالِها أَلْبِرْت أَنْ يَحْصُلَ عَلَى أَبْرَشِيَّةِ مايْنْزْ مُقَابِلَ دُفْعَةِ 10,000 دوكاتِ ذَهَبٍ، أَلْفٌ لِكُلٍّ مِنَ الْوَصايَا الْعَشْرِ. لَكِنَّ عُقْدَةَ الْقِصَّةِ تَكْمُنُ فِي طَرِيقَةِ تَوفيرِ هَذِهِ الأَمْوالِ، فَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ ثَراءِ الأَمِيرِ أَلْبِرْت إِلَّا أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ بِحَوْزَتِهِ 10,000 دُوكاتِ ذَهَبٍ لِشِراءِ أَبْرَشِيَّةِ ماينز، لِذَا قامَ بِاقْتِراضِ الْمَالِ مِنْ مَصْرِفِيِّي فُوغِر في أَلْمانْيا، وَوَافَقُوا عَلَى إِقْراضِهِ مَبْلَغَ10,000 دُوكاتِ ذَهَبٍ لِيُمَرِّرَها لاحِقًا إِلَى الْبَابَا.

وَلِتَحْسِينِ الصَّفْقَةِ، مَنَحَ الْبَابَا فَائِدَةً إِضافِيَّةً إِلَى أَلْبِرْت مِنْ بْرانْدِنْبُرْغ، مَنَحَهُ إِذْنًا لِيَكُونَ مَسْؤُولًا عَنْ تَوْزِيعِ الْغُفْرَانِ فِي كُلِّ أَلْمَانْيا، وَفِي كُلِّ الْمَناطِقِ وَالأَنْحاءِ الْمَسْمُوحِ بِهَا سِياسِيًّا. وَكانَ الاتِّفاقُ هُوَ التَّالِي: مُقابِلَ الأَمْوالِ الَّتِي تَمَكَّنَ أَلْبِرْت مِنْ جَمْعِهَا عَبْرَ تَوْزِيعِ غُفْرانِ الْبَابَا، تَعُودُ 50 بِالْمِئَةِ مِنْهَا إِلَى رُومَا لِبِناءِ كَاتِدْرائِيَّةِ الْقِدِّيسِ بُطْرُسَ، بَيْنَمَا 50 بِالْمِئَةِ الْمُتَبَقِّيَةُ مِنْهَا يَعُودُ لِدَفْعِ دَيْنِهِ لِمَصْرِفِيِّي أَلْمَانْيا. بَدَأَتْ هَذِهِ الْعَمَلِيَّةُ مِنَ الْمَبِيعاتِ الْوَاسِعَةِ لِلْغُفْرَانِ فِي أَلْمَانْيَا. لِنَفْهَمَ كَيْفَ حَدَثَ هَذَا، لا بُدَّ مِنْ أَنْ أُوَضِّحَ بَعْضَ الأُمُورِ. أَوَّلًا، كانَ مِنَ الْمُتَعارَفِ عَلَيْهِ فِي الْكَنِيسَةِ الْكاثولِيكِيَّةِ أَنَّهُ بِصِفَتِهِ خَلِيفَةَ بُطْرُسَ وَمُمَثِّلَ الْمَسِيحِ عَلَى الأَرْضِ، كَانَ الْبَابَا يَحْمِلُ مَفاتِيحَ الْمَلَكُوتِ، كَانَ يَمْلِكُ مَا يُدْعَى "بِسُلْطَةِ الْمَفاتِيحِ".

بِالْعَوْدَةِ إِلَى أَيَّامِ الرُّسُلِ، عِنْدَمَا قَالَ يَسُوعُ لِلتَّلامِيذِ "كُلُّ مَا تَرْبِطُهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاوَاتِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولًا فِي السَّمَاوَاتِ"، يَفْهَمُونَ أَنَّ يَسُوعَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ مَنَحَ مَفاتِيحَ السَّماواتِ، لَيْسَ لِلتَّلامِيذِ إِجْمالًا، بَلْ لِبُطْرُسَ تَحْدِيدًا. وَتِلْكَ السُّلْطَةُ الْبُطْرُسِيَّةُ وَمِلْكِيَّةُ مَفَاتِيحِ الْمَلَكُوتِ انْتَقَلَتْ بَعْدَئِذٍ إِلَى جَمِيعِ خُلَفَاءِ بُطْرُسَ، مِنْ أَوَّلِ بَابَا وُصُولًا إِلَى الْقَرْنِ السَّادِسَ عَشَرَ إِلَى لِيُو الْعَاشِرَ. مَا كانَ مُهِمًّا لِهَذِهِ الدَّرَجَةِ بِمَفاتِيحِ الْمَلَكُوتِ، هُوَ أَنَّ مَفاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّماواتِ كَانَتْ بِالأَساسِ مِفْتاحًا لأَهَمِّ ثَرْوَةٍ تَمْلِكُها الْكَنِيسَةُ، لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الثَّرْوَةُ هِيَ الْخَزْنَةُ الَّتِي كَانَتْ تَحْوِي دُوكاتِ الذَّهَبِ، بَلْ تِلْكَ الَّتِي تَحْوِي مَا كَانَتْ الكنيسةُ تَدْعُوهُ آنَذاكَ، وَما تَزالُ تَدْعُوهُ "كَنْزَ الْكَنِيسَةِ".

وَكَنْزُ الْكَنِيسَةِ هُوَ ذَلِكَ الْمَخْزَنُ حَيْثُ تُوضَعُ جَمِيعُ الاسْتِحْقاقاتِ الَّتِي جَناهَا يَسُوعُ الْمَسِيحُ. وَبِالإِضافَةِ إِلَى الاسْتِحْقاقاتِ الَّتِي جَناها يَسُوعُ، هُناكَ أَيْضًا مَجْمُوعُ اسْتِحْقاقاتِ مَرْيَمَ وَيُوسُفَ وَالرُّسُلِ الأَصْلِيِّينَ وَالْقِدِّيسِينَ الْعُظَماءِ عَبْرَ الْعُصُورِ. لِذَا كَنْزُ الْكَنِيسَةِ هُوَ مَجْمُوعُ كُلِّ الاسْتِحْقاقاتِ الَّتِي جُمِعَتْ عَبْرَ الْقُرُونِ مِنْ خِلالِ عَمَلِ الْمَسِيحِ وَعَمَلِ الرُّسُلِ وَعَمَلِ الْقِدِّيسِينَ الْعُظَماءِ. مِنْ أَجْلِ أَنْ يَصِلَ شَخْصٌ إِلَى السَّماواتِ فِي الْمَفْهُومِ الْكَاثُولِيكِيِّ، الَّذِي سَنَتَكَلَّمُ عَنْهُ لاحِقًا بِشَكْلٍ مُنْفَصِلٍ، تَوَجَّبَ عَلَى الشَّخْصِ أَنْ يَصِلَ إِلَى مَرْحَلَةٍ فِي حَياتِهِ حَيْثُ يَكُونُ بِطَبِيعَتِهِ بَارًّا، حَيْثُ لا خَطِيَّةَ مُمِيتَةَ تُلَطِّخُ شَخْصِيَّتَهُمْ أَوْ تَصَرُّفَهُمْ وسُلُوكَهُمْ، لَكِنْ أَيْضًا لا خَطِيَّةَ عَرَضِيَّةَ وَلا عَيْبَ أَبَدًا. إِنْ ماتَ أَيُّ شَخْصٍ وَأَيُّ عَيْبٍ مُعَلَّقٌ فِي رُوحِهِ، قَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ هَذَا الشَّخْصُ مِنَ الذَّهابِ إِلَى السَّماواتِ لا بُدَّ مِنْ أَنْ يَقْضِيَ بَعْضًا مِنَ الْوَقْتِ فِي الْمَطْهَرِ، وَهْوَ مَكانُ التَّطْهِيرِ، مُهِمَّتُهُ تَطْهِيرُ الْعُيُوبِ مِنَ الرُّوحِ كَمَا تُطَهِّرُ الْبَوْتَقَةُ نِفاياتِ الْمَعادِنِ مِنَ الذَّهَبِ النَّقِي.

وَكَمَا رَأَيْنَا، فَقَدْ يَتَراوَحُ وَقْتُ الْمَرْءِ فِي الْمَطْهَرِ مِنْ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ إِلَى مَلايِينَ السِّنِينِ، وَفْقَ عَدَدِ الْعُيُوبِ الَّتِي يَحْمِلُها مَعَهُ إِلَى الْمَطْهَرِ. لِذَا، فَالنَّاسُ الَّذِين تُعْوِزُهُمْ الاسْتِحْقَاقاتُ لِيَصِلُوا إِلَى السَّماءِ، لا بُدَّ مِنْ أَنْ يَجِدُوا طَرِيقَةً، إِنْ أَمْكَنَ، لِيُقَلِّلُوا مِنَ الْوَقْتِ الَّذِي يُمْضُونَهُ فِي مَكانِ التَّطْهِيرِ هَذَا. حَفْنَةٌ قَلِيلَةٌ مِنَ النَّاسِ عَبْرَ التَّارِيخِ حَقَّقُوا مَا يَكْفِي مِنَ الاسْتِحْقاقاتِ يَتَمَكَّنُونَ مِنْ خِلالِها أَنْ يَصْعَدُوا مُباشَرَةً إِلَى السَّمَاءِ بَعْدَ مَوْتِهِمْ. تُمَيِّزُ الْكَنِيسَةُ الْكَاثُولِيكِيَّةُ بَيْنَ أَنْوَاعِ الاسْتِحْقاقاتِ الثَّلاثَةِ. وقَدْ أَمْسَى هَذَا الْجَدَلُ مِحْوَرِيًّا بِفَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ جِدًّا فِي الإِصْلاحِ.

أَنْوَاعُ الاسْتِحْقاقاتِ الثَّلاثَةِ هِيَ: أَوَّلُهَا يُدْعَى "الاسْتِحْقاقُ الْمُسْتَحَقُّ"، وَيُكْتَبُ بالطَّرِيقَةِ التَّالِيَةِ: "الاسْتِحْقاقُ الْمُسْتَحَقُّ"، أَوْ فِي اللُّغَةِ اللَّاتِينِيَّةِ "مِيرِيتُوم دِي كُونْدِيغْنُو". وَالاسْتِحْقاقُ الْمُسْتَحَقُّ هُوَ اسْتِحْقاقٌ فَاضِلٌ لِدَرَجَةِ أَنَّهُ يَفْرِضُ الْتِزامًا مِنَ الْعَدالَةِ عَلَى اللهِ ليُكافِئَهُ. إِنْ كانَ الشَّخْصُ يَتَمَتَّعُ بِاسْتِحْقاقٍ مِنْ هَذَا النَّوْعِ، يَكُونُ اللهُ ظالِمًا إِنْ لَمْ يُقَدِّمِ الْجَائِزَةَ الْمُلائِمَةَ لَهُ. بِالطَّبْعِ كَانَتِ الْكَنِيسَةُ تُؤْمِنُ أَنَّ اسْتِحْقاقَ يَسُوعَ الَّذِي حَقَّقَهُ كانَ اسْتِحْقاقًا مُسْتَحَقًّا. لَكِنْ لَمْ يُحَقِّقْ يَسُوعُ وَحْدَهُ اسْتِحْقاقًا مُسْتَحَقًّا، بَلْ أَيْضًا عَدَدٌ مِنَ الْقِدِّيسِينَ عَبْرَ التَّارِيخِ.

نَوْعُ الاسْتِحْقَاقِ الثَّانِي يُدْعَى "الاسْتِحْقاقَ الْمُناسِبَ"، أَوْ "مِيرِيتِيم دِي كُونْغْرُوُو". وَالاسْتِحْقاقُ الْمُناسِبُ لَيْسَ بِسُمُوِّ أَوْ بأَهَمِّيَّةِ الاسْتِحْقاقِ الْمُسْتَحَقِّ، لَكِنَّ فِيهِ بَعْضًا مِنَ الاسْتِحْقاقِ الْمُرْتَبِطِ بِهِ أَيْضًا. الاسْتِحْقاقُ الْمُناسِبُ هُوَ اسْتِحْقاقٌ كَافٍ لِيُلائِمَ أَوْ يَسْتَاهِلَ مُكافَأَةً مِنَ اللهِ، وَسَيَلْعَبُ هَذَا دَوْرًا مُهِمًّا جِدًّا فِي عَقِيدَةِ الْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ فِي مَا يَتَعَلَّقُ بِسِرِّ التَّوْبَةِ. عِنْدَمَا نَدْرُسُ عَقِيدَةَ الْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى التَّبْرِيرِ، سَنَرَى دَوْرَ هَذَا الاسْتِحْقاقِ الْمُناسِبِ.

لَكِنْ هُناكَ نَوْعٌ ثالِثٌ مِنَ الاسْتِحْقاقِ مُهِمٌّ جِدًّا لاعْتِبَارِنَا هُنَا، وَهْوَ مَا يُدْعَى "الاسْتِحْقاقَ الَّذِي يَفُوقُ نِدَاءَ الْوَاجِبَ"، يُحَقَّقُ بِالأَعْمَالِ الَّتِي تَفُوقُ نِدَاءَ الْوَاجِبَ. لَيْسَتِ الأَعْمالُ الَّتِي تَفُوقُ النِّداءَ، بَلِ الَّتِي تَفُوقُ نِداءَ الْوَاجِبَ. الأَعْمالُ الَّتِي تَفُوقُ نِداءَ الْوَاجِبَ هِيَ أَعْمَالٌ مُسْتَحَقَّةٌ، تَفُوقُ وَتَسْمُو فَوْقَ نِدَاءِ الْوَاجِبِ، هِيَ اسْتِحْقاقاتٌ تُحَقِّقُ أَكْثَرَ مِمَّا يَطْلُبُهُ اللهُ مِنَ الْمَسِيحِيِّينَ الْمُطِيعِينَ. مِنْ بَيْنِهِمْ الشُّهَداءُ فِي شَهَادَتِهِمْ، تَمَكَّنُوا مِنْ نَوَالِ الاسْتِحْقاقِ الَّذِي يَفُوقُ نِدَاءَ الْوَاجِبِ، وَالْقِدِّيسِونَ الْعُظَمَاءُ الَّذِينَ مَرُّوا فِي التَّارِيخِ، أَشْخَاصٌ مثلُ جِيرومَ وَالْقِدِّيسِ فْرَنْسِيس الأسيزي وَالْقِدِّيسِ أُوغُسْطِينَ وَتُومَا الأَكْوِيني. هَؤُلاءِ القدِّيسُونَ الْعُظَماءُ الَّذِينَ كَانُوا فَاضِلِينَ فِي حَياتِهِمْ لِدَرَجَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يُحَقِّقُوا أَوْ يَكْتَسِبُوا مَا يَكْفِي مِنَ الاسْتِحْقاقِ الْمُسْتَحَقِّ لِيَدْخُلُوا إِلَى السَّماءِ مُبَاشَرَةً مِنْ دُونِ الْمُرُورِ إِلَى الْمَطْهَرِ فَحَسْبُ، لَكِنْ كانَتْ لَدَيْهِمْ اسْتِحقاقاتٌ أَكْثَرُ مِمَّا يَحْتاجُونَهُ. كَانُوا قَدْ جَنَوْا إِضافَةً مِنَ الاسْتِحْقاقاتِ مِنْ خِلالِ – كَمَا ذَكَرْتُ مُنْذُ قَلِيلٍ – أَعْمَالٍ تَفُوقُ نِداءَ الْواجِبِ. لِذَا، هَذِهِ الإِضَافَةُ مِنَ الاسْتِحْقاقاتِ الَّتِي اكْتَسَبَها الْقِدِّيسُونَ، تُضَافُ إِلَى كَنْزِ الْكَنِيسَةِ.

أَتَرَوْنَ الصُّورَةَ؟ يَحْوِي هَذَا الْكَنْزُ اسْتِحْقاقَ الْمَسِيحِ، وَاسْتِحْقاقَ الْعَائِلَةِ الْمُقَدَّسَةِ، وَاسْتِحْقاقَ الرُّسُلِ، وَاسْتِحْقاقَ الْقِدِّيسِينَ. كُلُّ هَذِهِ الاسْتِحْقاقاتِ الإِضَافِيَّةِ مَوْجُودَةٌ وَبِالإِمْكانِ اسْتِخْدامُهَا وَتَوْزِيعُها كَما يَشاءُ الْبابا وَيُقَرِّرُ بِسُلْطَةِ الْمَفاتِيحِ.  أَمَّا الْغُفْرَانُ، فَهْوَ هِبَةٌ بَاباوِيَّةٌ، يُؤْخَذُ مِنْ كَنِزِ الْكَنِيسَةِ وَيُمْنَحُ إِلَى شَخْصٍ تُعْوِزُهُ اسْتِحْقاقاتٌ أَوْ تَنْقُصُهُ اسْتِحْقاقاتٌ، لِيَتَمَكَّنَ مِنْ تَقْصِيرِ فَتْرَتِهِ فِي الْمَطْهَرِ وَيَذْهَبَ إِلَى السَّماءِ. لِذَا، نَوالُ الْغُفْرانِ كانَ وَلا يَزالُ أَمْرًا مُهِمًّا فِي نِظامِ الْخَلاصِ الْكَاثُولِيكِيِّ. هُناكَ بَعْضُ الْمُفارَقَاتِ الْمُرْتَبِطَةِ بِهَذَا، وَسَأَتَكَلَّمُ عَنْهَا لاحِقًا لأَنَّهَا تَضُمُّ بَعْضًا مِنَ الإِسْنادِ، تَعْيِينُ اسْتِحقاقِ شَخْصٍ لاسْتِحْقاقِ شَخْصٍ آخَرَ بِسَبَبِ نَقْصِهِ.

لِلْحُصُولِ عَلَى الْغُفْرَانِ وَتَطْبِيقِ هَذَا الاسْتِحْقاقِ مِنْ كَنْزِ الْكَنِيسَةِ، كانَ لا بُدَّ مِنْ حُدُوثِ بَعْضِ الأُمُورِ، وَسَأَتَكَلَّمُ عَنْهَا بِشَكْلٍ أَعْمَقَ لاحِقًا، وَهْيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِسِرِّ التَّوْبَةِ. لَكِنَّ أَحَدَ عَناصِرِ سِرِّ التَّوْبَةِ الَّذِي يَتَقَدَّمُ فِيهِ الْخَاطِئُ التَّائِبُ لِلاعْتِرافِ، وَيَعْتَرِفُ بِخَطاياهُ إِلَى الْكَاهِنِ، وَيَحْصُلُ عَلَى الْغُفْرَانِ مِنَ الْكاهِنِ، وَيَتَوَجَّبُ عَلَيْهِ بَعْدَئِذٍ أَنْ يَقُومَ بِبَعْضِ أَعْمَالِ الاسْتِحْقاقِ الْمُناسِبِ مِثَالَ قَوْلِ عَدَدٍ مِنْ صَلاةِ "تَطْوِيبِ الْعَذْرَاءِ" أَوِ "الأَبانا" أَوِ التَّعْوِيضِ، وَأَحَدُ الأُمُورِ الْمُحَدَّدَةِ مِنْ أَجْلِ تَحْقِيقِ مُتَطَلِّبَاتِ التَّوْبَةِ، هُوَ مَنْحُ الصَّدَقاتِ. بِحَيْثُ إِنَّهُ إِنْ مَنَحَ الشَّخْصُ صَدَقَةً نَابِعَةً مِنْ شُعُورٍ حَقِيقِيٍّ بِالتَّوْبَةِ، فَالصَّدَقَةُ الَّتِي كانَتْ تُدْفَعُ، تُمَكِّنُ نَقْلَ الْغُفْرَانِ إِلَى حِسَابِهِ.

يُوَضِّحُ الْقانُونُ الْكَنَسِيُّ الْخَاصُّ بِالْكَنِيسَةِ أَنَّهُ يَجِبُ أَلَّا يُؤْخَذَ هَذَا عَلَى أَنَّهُ بَيْعٌ لِلْغُفْرَانِ بِبَسَاطَةٍ، يَسْتَطِيعُ النَّاسُ مِنْ خِلالِهِ أَنْ يُدَوِّنُوا شِيكًا وَيُخْرِجُوا أَقْرِباءَهُمْ مِنَ الْمَطْهَرِ، أَوْ يَرْمُوا نُقُودًا فِي الْقِدْرِ لِيُحَقِّقُوا الْغَايَةَ عَيْنَها.  لَكِنَّ الطَّرِيقَةَ الْعَمَلِيَّةَ لِتَنْفِيذِ هَذَا، بِخَاصَّةٍ فِي أَلْمانْيَا، أَمْسَتْ فَضِيحَةً حَثَّتْ لُوثَرَ لأَنْ يَتَحَرَّكَ وَيُدَوِّنَ أُطْرُوحَةً مِنْ 95 قَضِيَّةً، عَلَّقَها عَلَى حَائِطِ الْكَنِيسَةِ لَيْلَةَ عِيدِ جَمِيعِ الْقِدِّيسينَ عامَ 1517. لَكِنَّ الْمَسْأَلَةَ بِرُمَّتِها كَانَتْ تَتَعَلَّقُ بِالصَّدَقاتِ الَّتِي تَحْدُثُ. وَكانَ الْبَابَا يَسْتَخْدِمُ هَذِهِ الْعَمَلِيَّةَ لِيَكْسَبَ الأَمْوالَ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيْهَا لِبِناءِ الْكَنِيسَةِ. يُمْكِنُنِي أَنْ أَتَفَهَّمَ الْبَابَا لأَنَّنِي أَعْرِفُ مَا مَرَرْتُ فِيهِ هُنَا مِنْ أَجْلِ بِناءِ هَذِهِ الْكَنِيسَةِ، وَأَتَمَنَّى لَوْ أَنَّهُ كانَ لَدَيَّ كَنْزُ الْكَنِيسَةِ لأَسْحَبَ مِنْهُ، مِنْ أَجْلِ تَشْجِيعِ النَّاسِ عَلَى الْعَطاءِ لِبِناءِ كَنِيسَتِنا هُنا، كَنِيسَةِ الْقِدِّيسِ أَنْدْراوُسَ. لَكِنَّ هَذَا مَا بَدَأَ الْمَسْأَلَةَ الَّتِي انْفَجَرَتْ تِلْكَ الْفَتْرَةَ فِي سَاكْسُونْيَا مَعَ بَيْعِ تِيتْزِل، مُمَثِّلِ الْبَابَا، لِلْغُفْرَانِ، وَهْوَ مَا سَنَتَكَلَّمُ عَنْهُ فِي مُحاضَرَتِنَا الْمُقْبِلَةِ.