المحاضرة 10: الرد على اعتراضات كنيسة روما

بَيْنَمَا نُقَدِّمُ الآنَ مُحَاضَرَتَنا الأَخِيرَةَ حَوْلَ دِراسَتِنا لِلُوثَرَ وَالإِصْلاحِ، أَوَدُّ أَنْ أُلْقِيَ نَظْرَةً وَجِيزَةً عَلَى بَعْضِ رُدُودِ الأَفْعالِ الْمُهِمَّةِ الَّتِي قَامَتْ بِهَا كَنِيسَةُ رُومَا إِزَاءَ تَأْكِيدَاتِ الإِصْلاحِ الْكَاثُولِيكِيِّ وَإِثْباتَاتِهِ. كَثُرَتْ رُدُودُ الأَفْعالِ وَالاسْتِجاباتُ الْمُمَاثِلَةُ، إِلَى جَانِبِ حِرْمَانِ لُوثَرَ مِنَ الْكَنِيسَةِ وَالْحُكْمِ عَلَيْهِ كَمُهَرْطِقٍ مِنْ قِبَلِ لِيُونَ الْعَاشِرَ. لَكِنَّ الْمَسائِلَ الرَّئِيسِيَّةَ الثَّلاثَ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي الْمُقَدِّمَةِ فِي الْقَرْنِ السَّادِسَ عَشَرَ تَتَضَمَّنُ مَا يَلِي: أَوَّلًا، مَا سَمِعَتْهُ رُومَا مِنْ لُوثَرَ وَالْمُصْلِحِينَ كَانَ نَوْعًا مِنَ الأَنْتَايْنُومْيانِيزم، أَوْ تَناقُضِ الْقَوانِينِ.

"أَنْتَايْنُومْيانِيزِمْ" هِيَ كَلِمَةٌ مُتَطَوِّرَةٌ لاهُوتِيًّا تُشِيرُ إِلَى رُوحِ الْفَوْضَى أَوِ الْفُجُورِ، حَيْثُ يَقُولُ النَّاسُ إِنَّ كُلَّ مَا عَلَيَّ فِعْلُهُ هُوَ الإِيمَانُ ثُمَّ يُمْكِنُنِي أَنْ أَعِيشَ حَيَاةَ الْفُجُورِ الَّتِي أُرِيدُ وَأَنْ أَبْقَى مُخَلَّصًا. هَذَا مُعادِلٌ لِمَا نُسَمِّيهِ النِّعْمَةَ الرَّخِيصَةَ أَوِ الإِيمانَ السَّهْلَ. إِذًا، بُغْيَةَ مُوَاجَهَةِ ذَلِكَ كَانَ عَلَى الْمُصْلِحينَ الْقِيامُ بِتَمْيِيزٍ دَقِيقٍ بِشَأْنِ مَا قَصَدُوهُ بِالإِيمانِ الَّذِي يُخَلِّصُ. كَمَا ذَكَرْتُ سَابِقًا، صِيغَةُ لُوثَرَ هِيَ أَنَّنَا مُخَلَّصُونَ بِالإِيمانِ وَحْدَهُ لَكِنْ لَيْسَ بِالإِيمانِ الَّذِي يَبْقَى وَحْدَهُ. سَنَغُوصُ فِي ذَلِكَ بِشَكْلٍ أَعْمَقَ بَعْدَ قَلِيلٍ.

لَكِنِ الآنَ، فِي التَّعْرِيفِ الأَوَّلِيِّ لِمُقَوِّمَاتِ الإِيمانِ الَّذِي يُخَلِّصُ، ذَكَرَ الْمُصْلِحُونَ ثَلاثَةَ عَنَاصِرَ مُحَدَّدَةٍ. تِلْكَ الْعَنَاصِرُ طَبْعًا وَرَدَتْ بِاللُّغَةِ اللَّاتِينِيَّةِ، وَهْيَ تَتَضَمَّنُ "نُوتِيشيا"، "أَسِنْسُوسْ"، و"فِيدُوكِيَا". تِلْكَ الْعَناصِرُ الثَّلاثَةُ تَضَمَّنَتْ مَا يَلِي: "نُوتِيشْيَا"، أيِ الْمُعْطَيَاتِ. لا أَحَدَ يَتَبَرَّرُ عَبْرَ الإِيمانِ بِأَيِّ شَيْءٍ. تَسْمَعُونَ أَنَّهُ يُقالُ في الْمُجْتَمَعِ لا يَهُمُّ مَا تُؤْمِنُ بِهِ مَا دُمْتَ صَادِقًا. إِنْ كَانَ الأَمْرُ صَحِيحًا، عِنْدَئذٍ يُمْكِنُكَ وَضْعُ ثِقَتِكَ فِي الشَّيْطَانِ. وَإِنْ وَثِقْتَ بِالشَّيْطَانِ بِصِدْقٍ، عِنْدَئِذٍ يُمْكِنُكَ أَنْ تَخْلُصَ. هَذَا مُنافٍ لِلْعَقْلِ. مِنَ الْوَاضِحِ أَنَّهُ مِنْ وِجْهَةِ نَظَرٍ مَسِيحِيَّةٍ وَكِتَابِيَّةٍ، مَا تُؤْمِنُ بِهِ مُهِمٌّ جِدًّا. ثَمَّةَ مَضْمُونٌ فِي الإِنْجِيلِ عَلَى الإِنْسانِ أَنْ يَفْهَمَهُ بِذِهْنِهِ وَأَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ، وَهْوَ يَتَضَمَّنُ شَخْصَ يَسُوعَ وَعَمَلَهُ، عَمَلَهُ الْخَلاصِيَّ. إِذًا، حِينَ نَقُولُ إِنَّنَا مُبَرَّرُونَ بِالإِيمانِ فَهَذَا لَيْسَ إِيمَانًا فَارِغًا أَوْ إِيمانًا عَارِيًا أَوْ إِيمانًا عَامًّا، إِنَّهُ إِيمانٌ بِشَخْصِ يَسُوعَ وَعَمَلِهِ. وَيُوجَدُ مَضْمُونٌ فِعْلِيٌ هُنَا، إِنَّهُ أَمْرٌ نُؤْمِنُ بِهِ.

لَيْسَ هَذَا فَحَسْبُ. تِلْكَ الْمَعْلُومَاتُ أَوِ الْمُعْطَياتُ الَّتِي نُؤْمِنُ بِهَا لا بُدَّ مِنْ أَنْ تَتَطَلَّبَ مُوَافَقَةً ذِهْنِيَّةً. إِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنَّ يَسُوعَ وُلِدَ مِنْ عَذْرَاءَ وَمَاتَ مَوْتًا كَفَّارِيًّا وَقامَ لأَجْلِ تَبْرِيرِنا، وَقُلْتُ: "هَلْ تَفْهَمُونَ ذَلِكَ؟" فَأَجَبْتُمْ: "أَجَل"، وَقُلْتُ: "هَلْ تُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ؟" فَمَا أَسْأَلُهُ فِي هَذَا الصَّدَدِ هُوَ "هَلْ تُؤَكِّدُونَ أَنَّ هَذَا الْكَلامَ الْمُتَعَلِّقَ بِيَسُوعَ هُوَ صَحِيحٌ؟ وَتُعْطُونَ مُوَافَقَتَكُمُ الذِّهْنِيَّةَ على صِحَّةِ ذَلِكَ الْكلامِ؟ إِنْ وَصَلْنَا إِلَى هَذَا الْحَدِّ، فَكُلُّ مَا فَعَلْناهُ حَتَّى الآنَ هُوَ أَنَّنَا أَهَّلْنا أَنْفُسَنا لِنَكُونَ شَيَاطِينَ، لأَنَّ الْكِتابَ الْمُقَدَّسَ يَقُولُ إِنَّهُ حَتَّى الشَّياطِينِ يُؤْمِنُونَ وَيَقْشَعِرُّونَ. لَكِنَّ الْمَقْصُودَ بِذَلِكَ هُوَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَعْرِفُ الْحَقائِقَ، إِنَّهُ يَعْرِفُ الْمُعْطَياتِ. وَهْوَ لا يَعْرِفُ الْمُعْطَياتِ فَحَسْبُ، إِنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ الْمُعْطَياتِ صَحِيحَةٌ وَهْوَ يَبْذِلُ كُلَّ مَا فِي وُسْعِهِ لِيُقْنِعَ النَّاسَ بِأَنَّها غَيْرُ صَحِيحَةٍ، لَكِنَّهُ يَعْرِفُ الْحَقَّ، ذِهْنِيًّا أَقَلَّهُ. إِدْراكِيًّا، الشَّيْطَانُ يَعْرِفُ الْحَقَّ.

إِذًا، الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ الَّذِي أَضَافَهُ الْمُصْلِحُونَ كانَ "فِيدُوكيا"، ما يَعْنِي ثِقَةً شَخْصِيَّةً وَقُبُولًا إِرَادِيًّا لِيَسُوعَ. لَيْسَ بِبَساطَةٍ قُبُولَ الذِّهْنِ لِصِحَّةِ الْمُعْطَياتِ، بَلْ رَدُّ فِعْلِ الْقَلْبِ عَبْرَ وَضْعِ الإِنْسانِ ثِقَتَهُ فِي الْمَسِيحِ الْحَيِّ. الْفَيْلَسُوفُ الْمَسِيحِيُّ فِي الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ غُورْدِن كْلارْك اعْتَرَضَ عَلَى ذَلِكَ، قَائِلًا إِنَّ حَتَّى "فِيدُوكْيا" هِيَ تَمْرِينٌ ذِهْنِيٌّ، وَإِنَّهُ فِي عَمَلِيَّةِ الثِّقَةِ تَشْتَرِكُ أَذْهانُنا فِي الأَمْرِ. وَلا اعْتِراضَ لَدَيَّ عَلَى ذَلِكَ، لَكِنِّي أَعْتَقِدُ أَنَّهُ مُحِقٌّ تَمامًا. قَالَ إِدْوَارْدْز أَمْرًا مُماثِلًا جِدًّا فِي الْقَرْنِ الثَّامِنَ عَشَرَ فِي كِتابِهِ النِّهائِيِّ عَنْ حُرِّيَّةِ الإِرادَةِ، لُوثَرَ أَقْصِدُ، عُذْرًا. عَرَّفَ إِدْوَارْدْز الإِرادَةَ عَلَى أَنَّهَا اخْتِيارُ الذِّهْنِ. نَحْنُ نُمَيِّزُ بَيْنَ الذِّهْنِ وَالإِرَادَةِ، بَيْنَ التَّفْكِيرِ وَالاخْتِيارِ. لَكِنْ مَا أَرَادَ إِدْوَارْدْز قَوْلَهُ هُوَ إِنَّهُ لا يُمْكِنُكَ اخْتِيارُ أَمْرٍ يَرْفُضُهُ الذِّهْنُ، وَحِينَ يَنْجَذِبُ الذِّهْنُ إِلَى مَسْأَلَةٍ مَا وَيَقْبَلُهَا فَهَذا يُدْعَى اخْتيارًا أَوْ إِرادَةً، لَكِنْ لا يُوجَدُ عُضْوٌ بِالْقُرْبِ مِنْ كَبِدِكَ أَوْ طَحالِكَ يُدْعَى عُضْوَ الإِرادَةِ. الإِرادَةُ عَمَلُ الذِّهْنِ. هَذَا مَا أَرادَ إِدْوَارْدْز قَوْلَهُ.

تَمَّ إِعْلانُ فِكْرَةٍ مُمَاثِلَةٍ فِي الْقَرْنِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ خِلالِ تُورِيتِين، الَّذِي لَمْ يُمَيِّزْ ثَلاثَةَ بَلْ سِتَّةَ أَوْ سَبْعَةَ جَوَانِبَ تَلْعَبُ دَوْرًا فِي الإِيمانِ الَّذِي يُخَلِّصُ. لَكِنَّ جَمِيعَ تِلْكَ التَّفاصِيلِ الدَّقِيقَةِ كَانَتْ تُحاوِلُ الإِيضَاحَ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ مُوافَقَةِ الشَّيْطَانِ وَالْمُوَافَقَةِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ تَكُونَ لَدَيْنَا لِكَيْ نَخْلُصَ، هُوَ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ نُوافِقَ عَلَى حَلاوَةِ الْمَسِيحِ، عَلَى جَمالِ الْمَسِيحِ، عَلَى تَفَوُّقِ الْمَسِيحِ. الشَّيْطَانُ يَعْرِفُ الْحَقِيقَةَ الْمَوْضُوعِيَّةَ لِشَخْصِ يَسُوعَ، لَكِنَّهُ يَكْرَهُ الْحَقِيقَةَ. هُوَ لا يَرَى أَوْ يَعْتَرِفُ بِتَفَوُّقِ يَسُوعَ أَوْ جَمالِ يَسُوعَ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ حِقْدِهِ. وَهَذا مَا أَرَادَ الْمُصْلِحُونَ إِيضاحَهُ.

وَمَا كَانُوا يُحَاوِلُونَ إِيضَاحَهُ أَيْضًا هُوَ أَنَّ الإِيمانَ الَّذِي يُخَلِّصُ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَأْكِيدٍ سَهْلٍ، حَيْثُ يَرْفَعُ أَحَدُهُمْ يَدَهُ فِي اجْتِماعٍ كِرَازِيٍّ، وَبِمَا أَنَّهُ أَعْلَنَ إِيمَانَهُ، إِذًا لَدَيْهِ الإِيمانُ الَّذِي يُخَلِّصُ. لا، الإِيمانُ الَّذِي يُخَلِّصُ نِتَاجُ عَمَلِ الرُّوحِ الْقُدُسِ التَّجْدِيدِيِّ، وَإِنْ كانَ حَقِيقِيًّا، إِنْ كَانَ صَادِقًا، إِذًا هَذَا الإِنْسانُ مُرْتَبِطٌ مِنْ خِلالِ وَسِيلَةِ التَّبْرِيرِ الْوَحِيدَةِ؛ مِنْ خِلالِ ذَلِكَ الإِيمانِ بِالْمَسِيحِ، وَيَنَالُ كُلَّ مَا هُوَ عَلَيْهِ وَكُلَّ مَا صَنَعَهُ.

الاعْتِراضُ الرَّئِيسِيُّ الثَّانِي الَّذِي قَدَّمَتْهُ رُومَا عَلَى النَّظْرَةِ الْبْرُوتِسْتَانْتِيَّةِ فِي الْقَرْنِ السَّادِسَ عَشَرَ، هُوَ أَنَّ نَظْرَةَ الإِصْلاحِ لِلتَّبْرِيرِ وَرَّطَتِ اللهَ فِي مَا أَسْمَتْهُ رُومَا التَّحايُلَ الْقانُونِيَّ، الَّذِي يَنْسِفُ فِعْلًا اسْتِقامَةَ اللهِ. مَا قَصَدُوهُ بِالتَّحايُلِ الْقانُونِيِّ، تَعْرِفُونَ مَا هُوَ التَّحايُلُ، التَّحَايُلُ هُوَ أَمْرٌ ادِّعَائِيٌّ، إِنَّهُ مُبْتَدَعٌ، وَهْوَ لا يَمُتُّ بِالضَّرُورَةِ للْحَقِيقَةِ بِصِلَةٍ. وَالسُّؤالُ الَّذِي طَرَحُوهُ هُوَ "كَيْفَ يُمْكِنُ للهِ بِبِرِّهِ وَقَدَاسَتِهِ الْكَامِلَيْنِ أَنْ يُعْلِنَ الْخَاطِئَ بَارًّا وَهْوَ لَيْسَ بَارًّا فِعْلِيًّا؟" هَذَا يُوَرِّطُ اللهَ بِإِعْلانٍ تَحَايُلِيٍّ. وَبِالطَّبْعِ جَاءَ رَدُّ الْبْرُوتِسْتَانْتِ عَلَى ذَلِكَ بَسِيطًا نَوْعًا مَا، قَالُوا إِنَّ السَّبَبَ الَّذي يَجْعَلُ اللهَ يُعْلِنُ النَّاسَ أَبْرارًا هُوَ أَنَّ اللهَ يَحْسِبُ فِعْلًا بِرَّ الْمَسِيحِ الْفِعْلِيَّ عَلَى ذَلِكَ الإِنْسانِ. لا يُوجَدُ أَيُّ تَحَايُلٍ إِطْلاقًا بِشَأْنِ بِرِّ الْمَسِيحِ، وَلا يُوجَدُ أَيُّ تَحَايُلٍ إِطْلاقًا بِشَأْنِ حِسْبَانِ اللهِ بِرَحْمَتِهِ ذَلِكَ الْبِرَّ عَلَى شَخْصٍ لا يَتَمَتَّعُ بِهِ فِعْلًا بَعْدَ التَّحْلِيلِ.

لَكِنَّ الاعْتِراضَ الثَّالِثَ، وَالأَكْبَرَ إِلَى حَدٍّ كَبِيرٍ، الَّذِي قَدَّمَتْهُ رُومَا فِي الْقَرْنِ السَّادِسَ عَشَرَ وَاسْتَعْمَلَتْهُ كَدَلِيلٍ كِتابِيٍّ عَلَى رَفْضِها لِلنَّظْرَةِ الْبْرُوتِسْتَانْتِيَّةِ، فِي مَجْمَعِ تْرَانْت، فِي الْجَلْسَةِ السَّادِسَةِ، كَانَ تَعْلِيمَ يَعْقُوبَ الْمُتَعَلِّقِ بِالتَّبْرِيرِ. فِي الأَصْحَاحِ 2 مِنْ رِسَالَةِ يَعْقُوبَ نَقْرَأُ مَا يَلِي "أَلَمْ يَتَبَرَّرْ إِبْرَاهِيمُ أَبُونَا بِالأَعْمَالِ، إِذْ قَدَّمَ إِسْحَاقَ ابْنَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ؟" إِنَّهَا الآيَةُ 21. ثُمَّ جَاءَ فِي الآيَةِ 23 "وَتَمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ «فَآمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللَّهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرًّا»، وَدُعِيَ خَلِيلَ اللَّهِ. تَرَوْنَ إِذًا..." اسْمَعُوا مَا يَقُولُهُ يَعْقُوبُ "تَرَوْنَ إِذًا أَنَّهُ بِالأَعْمَالِ يَتَبَرَّرُ الإِنْسَانُ، لاَ بِالإِيمَانِ وَحْدَهُ". أَكانَ بِإِمْكانِكُمْ إِيجادُ جُمْلَةٍ أَكْثَرَ وُضُوحًا وَدَلالِيَّةً وَإِعلانًا مِنْ تِلْكَ الَّتِي نَجِدُهَا هُنَا فِي رِسَالَةِ يَعْقُوبَ، حَيْثُ قَالَ يَعْقُوبُ "تَرَوْنَ إِذًا أَنَّهُ بِالأَعْمَالِ يَتَبَرَّرُ الإِنْسَانُ، لاَ بِالإِيمَانِ وَحْدَهُ".

تَمَّ تَذْكِيرُ لُوثَرَ بِذَلِكَ الْمَقْطَعِ مِرارًا وَتَكْرارًا. وَفِي لَحْظَةِ ضَعْفٍ شَكَّ فِي صِحَّةِ رِسالَةِ يَعْقُوبَ، قَائِلًا إِنَّ رِسالَةَ يَعْقُوبَ هِيَ رِسَالَةٌ هَشَّةٌ. كَانَ هَذَا فِي خَلْوَتِهِ الرُّوحِيَّةِ الأَخِيرَةِ. لَكِنْ حِينَ عَايَنَ الْعُلَمَاءُ الْفَرْقَ بَيْنَ تَعْلِيمِ بُولُسَ فِي رِسَالَةِ رُومِيَةَ وَالأَصْحَاحاتِ 3 و4 و5، وَتَعْلِيمِ يَعْقُوبَ فِي الأَصْحاحِ 2، عَايَنُوا الأَمْرَ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ. يَقُولُ الْبَعْضُ إِنَّ رِسَالَةَ يَعْقُوبَ كُتِبَتْ قَبْلَ رِسَالَةِ رُومِيَةِ. وَأَحَدُ الأُمُورِ الَّتِي أَدْرَجَها بُولُسُ عَلَى جَدْوَلِهِ أَثْناءَ كِتابَةَ رِسالَةِ رُومِيَةَ كانَ تَصْحِيحَ الْخَطَإِ الَّذِي عَلَّمَهُ يَعْقُوبُ فِي رِسالَتِهِ. وَيَقُولُ آخَرُونَ "لا"، رِسالَةُ رُومِيَةَ كُتِبَتْ أَوَّلًا وَمِنْ ثَمَّ رِسَالَةُ يَعْقُوبَ، وَجُزْءٌ مِنْ جَدْوَلِ يَعْقُوبَ كَانَ تَصْحِيحَ التَّعْلِيمِ الْخَاطِئِ الَّذِي أَعْطَاهُ الرَّسُولُ بُولُسُ. وَيَقُولُ آخَرُونَ "لا يَهُمُّ مَنْ كَتَبَ الأُولَى أَوِ الثَّانِيَةَ، هَذَا مِثالٌ وَاضِحٌ عَلَى اعْتِمادِ مُخْتَلِفِ الرُّسُلِ فِي الْقَرْنِ الأَوَّلِ نَظَرِيَّاتٍ لاهُوتِيَّةً مُخْتَلِفَةً، وَلا تُوجَدُ نَظْرَةٌ مُتَآلِفَةٌ وَثابِتَةٌ لِلتَّبْرِيرِ فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ".

لَكِنَّ الأَشْخاصَ الَّذِين يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ الْكِتابَ الْمُقَدَّسَ هُوَ كَلِمَةُ اللهِ، وَبِأَنَّ رِسالَةَ يَعْقُوبَ مُوحًى بِهَا مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَبِأَنَّ رِسالَةَ رُومِيَةَ مُوحًى بِهَا مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، لا يُمْكِنُهُمُ الْخُرُوجُ مِنَ الْمَأْزَقِ بِسُهُولَةٍ. إِنَّهُمْ يُواجِهُونَ مُهِمَّةً صَعْبَةً مُتَعَلِّقَةً بِالتَّوْفِيقِ بَيْنَ الرِّسالَتَيْنِ. قَدْ يَكُونُ مِنَ الْجَيِّدِ الْقَوْلُ إِنَّهُ حِينَ تَكَلَّمَ يَعْقُوبُ عَنِ التَّبْرِيرِ اسْتَعْمَلَ كَلِمَةً يُونَانِيَّةً مُعَيَّنَةً، وَحِينَ تَكَلَّمَ بُولُسُ عَنِ التَّبْرِيرِ اسْتَعْمَلَ كَلِمَةً يُونَانِيَّةً أُخْرَى. لا، الْمُشْكِلَةُ هِيَ أَنَّ كِلاهُمَا اسْتَعْمَلَ الْكَلِمَةَ الْيُونَانِيَّةَ نَفْسَهَا "دِيكِياسُوني". مِنَ الْجَيِّدِ أَيْضًا الْقَوْلُ إِنَّهُ حِينَ كانَ يَعْقُوبُ يَتَكَلَّمُ اسْتَشْهَدَ بِأَحَدِ آباءِ الإِيمانِ كَمِثالٍ لِعَرْضِ وِجْهَةِ نَظَرِهِ، فِي حِينِ أَنَّ بُولُسَ اسْتَشْهَدَ بِمَثَلٍ آخَرَ مِنَ التَّارِيخِ لِعَرْضِ وِجْهَةِ نَظَرِهِ. لَكِنْ مِنَ الْمُؤْسِفِ مُجَدَّدًا أَنَّ الْمِثَالَ التَّوْضِيحِيَّ فِي عَقِيدَةِ بُولُسَ لِلتَّبْرِيرِ هُوَ إِبْرَاهِيمُ، وَفِي عَقِيدَةِ يَعْقُوبَ لِلتَّبْرِيرِ، الْمِثالُ التَّوْضِيحِيُّ هُوَ إِبْراهِيمُ أَيْضًا. إِذًا، كُلَّمَا دَرَسْنا هَذَا الأَمْرَ ازْدَادَتِ الْمَسْأَلَةُ تَعْقِيدًا، وَازْدَادَتْ صُعُوبَةُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ النَّظْرَتَيْنِ.

أَعْتَقِدُ أَنَّهُ بُغْيَةَ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا عَلَيْنَا النَّظَرُ إِلَى أَمْرَيْنِ مُهِمَّيْنِ جِدًّا؛ بالرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الاثْنَيْنِ يَرْجِعَانِ إِلَى إِبْراهِيمَ، الاقْتِباسُ الَّذي اسْتَعْمَلَهُ بُولُسُ لِلإِشارَةِ إِلَى تَبْرِيرِ إِبْراهِيمَ وَرَدَ فِي الأَصْحَاحِ 15 مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ، وَمُجَدَّدًا فِي رِسالَةِ رُومِيَةَ يُوَضِّحُ بُولُسُ أَنَّ إِبْراهِيمَ حُسِبَ بَارًّا قَبْلَ الْقِيامِ بِأَيِّ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ النَّامُوسِ وَقَبْلَ أَنْ يُقَدِّمَ إِسْحَقُ ذَبِيحَةً عَلَى الْمَذْبَحِ. إِذًا، ابْتِداءً مِنَ الأَصْحاحِ 15 كانَ إِبْرَاهِيمُ فِي حَالَةِ تَبْرِيرٍ. فِي حِينِ أَنَّهُ حِينَ يَتَكَلَّمُ يَعْقُوبُ عَنْ إِبْراهِيمَ بِصِفَتِهِ الشَّاهِدَ الْمُفَضَّلَ لَدَيْهِ فَإِنَّهُ يُشِيرُ إِلَى عَمَلِ إِبْراهِيمَ فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ الأَصْحَاحِ 22، الَّذِي يَذْكُرُ طَاعَةَ إِبْراهِيمَ لِدَعْوَةِ اللهِ بِأَنْ يُقَدِّمَ ابْنَهُ إِسْحَقَ عَلَى الْمَذْبَحِ. إِذًا، حِينَ يَتَكَلَّمُ يَعْقُوبُ عَنْ تَبْرِيرِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ يُشِيرُ فِي الْمَقامِ الأَوَّلِ إِلَى الْعَمَلِ الَّذِي يَحْدُثُ فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ 22، حَيْثُ يُوَضِّحُ بُولُسُ أَنَّ إِبْراهِيمَ تَبَرَّرَ مَجَّانًا وَبِالنِّعْمَةِ بِدُونِ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَامَ بِأَيِّ عَمَلٍ وَبِدُونِ أَنْ يَسْتَحِقَّ أَيَّ شَيْءٍ رُجُوعًا إِلَى الأَصْحَاحِ 15 مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ.

لَكِنِّي أَعْتَقِدُ أَنَّ الْحَلَّ الْحَقِيقِيَّ لِلْمُشْكِلَةِ يَظْهَرُ عَبْرَ دِرَاسَةِ مَا يَلِي: مَا هُوَ السُّؤالُ الَّذِي يُجِيبُ عَنْهُ بُولُسُ فِي رِسالَةِ رُومِيَةَ؟ وَهَلْ هُوَ السُّؤالُ نَفْسُهُ الَّذِي يُعالِجُهُ يَعْقُوبُ فِي الأَصْحاحِ 2 مِنْ رِسالَةِ يَعْقُوبَ؟ أَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا هُوَ مِفْتَاحُ فَهْمِ هَاتَيْنِ الرِّسالَتَيْنِ، بُولُسَ وَيَعْقُوبَ. وَبُغْيَةَ دِراسَةِ ذَلِكَ فَلْنَقْرَأْ رِسالَةَ يَعْقُوبَ، حَيْثُ إِنَّهُ فِي الآيَةِ 14 مِنَ الأَصْحاحِ 2 يَطْرَحُ هَذَا السُّؤالَ "مَا الْمَنْفَعَةُ يَا إِخْوَتِي إِنْ قَالَ أَحَدٌ إِنَّ لَهُ إِيمَانًا وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَعْمَالٌ؟ هَلْ يَقْدِرُ الإِيمَانُ..." وَيُمْكِنُنا أَنْ نُضِيفَ كَلِمَةً هُنَا "هَلْ يَقْدِرُ ذَلِكَ الإِيمَانُ أَنْ يُخَلِّصَهُ؟ إِنْ كَانَ أَخٌ وَأُخْتٌ عُرْيَانَيْنِ وَمُعْتَازَيْنِ لِلْقُوتِ الْيَوْمِيِّ، فَقَالَ لَهُمَا أَحَدُكُمُ «امْضِيَا بِسَلاَمٍ، اسْتَدْفِئَا وَاشْبَعَا»، وَلَكِنْ لَمْ تُعْطُوهُمَا حَاجَاتِ الْجَسَدِ، فَمَا الْمَنْفَعَةُ؟ هَكَذَا الإِيمَانُ أَيْضاً، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَعْمَالٌ، مَيِّتٌ فِي ذَاتِهِ". إِذًا، تَرَوْنَ أَنَّ السُّؤالَ الَّذِي يُحاوِلُ يَعْقُوبُ طَرْحَهُ هُوَ الآتِي "إِنْ قالَ أَحَدٌ إِنَّ لَهُ إِيمانًا لَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَعْمَالٌ، لَيْسَتْ لَهُ أَعْمَالٌ نَاتِجَةٌ عَنْ إِعْلانِهِ إِيمانِهِ، أَيُمْكِنُ لِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الإِيمانِ أَنْ يُخَلِّصَهُ؟"

كَيْفَ أَجابَ لُوثَرُ عَنْ هَذَا السُّؤالِ؟ "بِالطَّبْعِ لا". لِذَا قَالَ لُوثَرُ "نَحْنُ مُبَرَّرُونَ بِالإِيمانِ وَحْدَهُ لَكِنْ لَيْسَ بِإِيمانٍ يَبْقَى وَحْدَهُ". إِنْ كانَ الإِيمانُ الَّذِي نُعْلِنُهُ إِيمانًا أَعْزَلَ، بِدُونِ أَيِّ أَعْمالٍ كَدَلِيلٍ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ هَذَا إِيمانًا يُخَلِّصُ. هُوَ لا يُخَلِّصُ أَحَدًا. إِنَّهُ إِيمانٌ مَيِّتٌ. وَهْوَ لَيْسَ مَا أَسْمَاهُ لُوثَرُ "فِيدَيْسْ فِيفَا". الإِيمانُ الْوَحِيدُ الَّذِي يُبَرِّرُ أَحَدَهُمْ هُوَ "فِيدَيْسْ فِيفَا"، إِيمانٌ حَيَوِيٌّ، إِيمانٌ حَيٌّ، إِيمانٌ حَيٌّ يُبْرِزُ حَيَاتَهُ عَبْرَ الطَّاعَةِ، عَبْرَ الأَعْمالِ الَّتِي تَتْبَعُهُ. إِلَى أَيِّ مَدًى تُساهِمُ هَذِهِ الأَعْمالُ فِي التَّبْرِيرِ؟ لا تُساهِمْ. أَساسُ تَبْرِيرِنَا لا يَكْمُنُ فِي الأَعْمالِ الَّتِي تَتْبَعُ تَبْرِيرَنَا، لَكِنْ إِنْ لَمْ يَتْبَعْ تَبْرِيرَنَا أَيُّ أَعْمالٍ فَهَذا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّنَا لَسْنَا شَعْبًا مُبَرَّرًا وَلَيْسَ لَنَا إِيمانٌ يُخَلِّصُ.

إذًا السُّؤَالُ الَّذِي يَطْرَحُهُ يَعْقُوبُ هُوَ "إِنْ قَالَ أَحَدُهُمْ إِنَّ لَهُ إِيمانًا وَلَيْسَ لَهُ أَعْمَالٌ، فَهَلْ يُخَلِّصُهُ هَذَا الإِيمانُ؟" وَقالَ "لا، هَذَا الإِيمانُ مَيِّتٌ وَلا مَنْفَعَةَ مِنْهُ". قَالَ "لَكِنْ يَقُولُ قَائِلٌ «أَنْتَ لَكَ إِيمَانٌ، وَأَنَا لِي أَعْمَالٌ! أَرِنِي إِيمَانَكَ بِدُونِ أَعْمَالِكَ، وَأَنَا أُرِيكَ بِأَعْمَالِي إِيمَانِي»". نَرَى هُنَا أَنَّ السُّؤَالَ الَّذِي يَحْتَلُّ الصَّدارَةَ فِي تَفْكِيرِ يَعْقُوبَ هُوَ تَجَلِّي الإِيمانِ أَوْ إِظْهارِهِ، لِمَنْ؟ هَلْ يَجِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يَنْتَظِرَ لِيَرَى أَعْمَالِي لِيَرَى مَا إِذَا كَانَ إِعْلانُ إِيمانِي صَادِقًا؟ أَلَمْ يَكُنِ اللهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لَدَى إِبْرَاهِيمَ إِيمانٌ يُخَلِّصُ رُجُوعًا إِلَى الأَصْحَاحِ 15 مِنْ سِفْرِ التَّكْوِينِ؟ وَأَوْضَحَ بُولُسُ أَنَّهُ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الإِيمانُ الْحَقِيقِيُّ وَالأَصِيلُ وَالصَّادِقُ مَوْجُودًا لِيَحْسِبُهُ اللهُ بَارًّا.

لَكِنْ إِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنَّ لِي إِيمانًا وَلَيْسَ لِي أَعْمَالٌ فَبِأَيِّ طَرِيقَةٍ أُخْرَى أُثْبِتُ لَكُمْ أَنَّ إِعْلانَ إِيمانِي صَادِقٌ إِلَّا بِطاعَتِي وَبِإظْهارِ أَعْمَالِي؟ حِينَ يَسْتَعْمِلُ بُولُسُ كَلِمَةَ "يُبَرِّرُ" فَهْوَ يَسْتَعْمِلُها بِالْمَعْنَى اللَّاهُوتِيِّ الأَسْمَى، مُبَيِّنًا كَيْفَ أَنَّ الإِنْسانَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَ اللهِ، أَمَامَ حَاجِزِ مَحْكَمَتِهِ، وَيَتَصَالَحُ مَعَهُ وَيَنالُ الْخَلاصَ. حِينَ يَتَكَلَّمُ يَعْقُوبُ عَنِ التَّبْرِيرِ هُنَا فَهْوَ يَتَكَلَّمُ عَنْ تَبْرِيرِ إِعْلَانِ إِيمانٍ أَمامَ النَّاسِ. يَسُوعُ نَفْسُهُ اسْتَعْمَلَ كَلِمَةَ "تَبْرِيرٍ" بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِها، حِينَ قالَ "وَالْحِكْمَةُ تَبَرَّرَتْ مِنْ جَمِيعِ بَنِيهَا". مَا الَّذِي قَصَدَهُ بِذَلِكَ؟ لَمْ يَقْصِدْ أَنَّ الْحِكْمَةَ دَخَلَتْ فِي عَلاقَةِ مُصالَحَةٍ مَعَ اللهِ عَبْرَ إِنْجابِ الأَطْفالِ، بَلْ قَصَدَ أَنَّ الْعَمَلَ الَّذِي نَعْتَبِرُهُ عَمَلَ حِكْمَةٍ أَوْ عَمَلًا حَكِيمًا يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ حَكِيمٌ مِنْ خِلالِ الثَّمَرِ الَّذِي يَحْمِلُهُ.

إِذًا، مَا يَقْصِدُهُ يَعْقُوبُ هُنَا هُوَ إِظْهَارُ أَوْ إِعْلانُ الإِيمانِ الْحَقِيقِيِّ. وَحِينَ يَقُولُ "أَلَمْ يَتَبَرَّرْ إِبْرَاهِيمُ أَبُونَا بِالأَعْمَالِ، إِذْ قَدَّمَ إِسْحَاقَ ابْنَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ؟" لَيْسَ أَمَامَ اللهِ، لَكِنَّهُ دَافَعَ أَوْ أَثْبَتَ أَنَّ إِعْلانَ إِيمانِهِ صادِقٌ لِكَيْ نَراهُ جَمِيعًا. وَيُتَابِعُ قَائِلًا إِنَّ "الإِيمَانَ عَمِلَ مَعَ أَعْمَالِهِ، وَبِالأَعْمَالِ أُكْمِلَ الإِيمَانُ، وَتَمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ: «فَآمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللَّهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرّاً». إذًا، هُوَ لَمْ يَتَبَرَّرْ فِي نَظَرِ اللهِ، بَلْ فِي نَظَرِ النَّاسِ. تَمَّ تَبْرِيرُ إِعْلانِ إِيمانِهِ وَلَيْسَ أَنَّ نَفْسَهُ أَصْبَحَتْ فِي حَالَةِ مُصَالَحَةٍ. إِنْ تَأَمَّلْنا فِي الأَمْرِ بِدِقَّةٍ وَفَكَّرْنَا مَلِيًّا فِي مُخْتَلِفِ الأَسْئِلَةِ الَّتِي تَمَّتْ مُعَالَجَتُها فَسَتَرَوْنَ أَنَّ الصُّعُوبَةَ تَخْتَفِي.  لَكِنْ حِينَ يُعالِجُ بُولُسُ عَقِيدَةَ التَّبْرِيرِ بِمَعْنَى مُصَالَحَتِنا النِّهائِيَّةِ بِإِلَهٍ بَارٍّ وَقُدُّوسٍ، فَإِنَّهُ يَكْتُبُ هَذِهِ الرِّسالَةَ بِرُمَّتِهَا لِيُفَسِّرَ كَيْفِيَّةَ تَتْمِيمِ الْخَلاصِ النِّهائِيِّ. وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي رِسَالَةِ رُومِيَةَ وَالأَصْحاحاتِ 1، و2، و3، و4، و5 حَيْثُ يُوَضِّحُ الرَّسُولُ أَنَّهُ لَيْسَ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ بَلْ بِالإِيمانِ بِدُونِ أَعْمالِ النَّامُوسِ نَحْنُ نَتَبَرَّرُ، وَأَنَّنَا لَمْ نَتَبَرَّرْ بِبِرِّنَا الْخَاصِّ بَلْ بِبِرِّ الْمَسِيحِ.

دَعُونِي أَخْتِمْ بِقَوْلِ مَا يَلِي: قُلْتُ لِطُلَّابِي فِي مَعْهَدِ اللَّاهُوتِ مِرارًا عِدَّةً عَقِيدَةُ التَّبْرِيرِ بِالإِيمانِ وَحْدَهُ لَيْسَ فَهْمُهَا صَعْبًا جِدًّا وَلا تَلْزَمُ شَهادَةَ دُكْتُوراه فِي اللَّاهُوتِ لِسَبْرِ غَوْرِ مَضْمُونِ الْعَقِيدَةِ. بِقَدْرِ مَا هِيَ بَسِيطَةٌ وَبِقَدْرِ مَا يَسْهُلُ فَهْمُهَا، هَذِهِ وَاحِدَةٌ مِنْ أَصْعَبِ حَقائِقِ الْكِتابِ الْمُقَدَّسِ لِيَتِمَّ تَقَبُّلَها. وَنَحْنُ نُدْرِكُ فِعْلًا أَنَّهُ لا يُمْكِنُ فِعْلُ أَيِّ أَمْرٍ لِلْكَسْبِ وَالاسْتِحْقاقِ وَالإِضافَةِ إِلَى اسْتِحْقاقِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. وَحِينَ نَقِفُ أَمَامَ عَرْشِ اللهِ الدَّيَّانِ، نَأْتِي غَيْرَ حَامِلِينَ أَيَّ شَيْءٍ بِأَيْدِينَا سِوَى الالْتِصاقِ بِصَلِيبِ الْمَسِيحِ وَوَضْعِ ثِقَتِنا فِيهِ وَفِيهِ هُوَ وَحْدَهُ. لِذَا خَتَمَ الْمُصْلِحُونَ اعْتِرافَهُمْ دَائِمًا بِالْكَلِمَاتِ "سُولِي دِيُو جْلُورْيَا"، الْمَجْدُ للهِ وَحْدَهُ، لأَنَّ الْخَلاصَ مِنَ الرَّبّ.