المحاضرة 4: وُجْهَةُ النَظَرِ الْكَاثُولِيكِيَّة | خدمات ليجونير
 

المحاضرة 4: وُجْهَةُ النَظَرِ الْكَاثُولِيكِيَّة

إِذَا أَعْطَيْتَ احْتِجَاجَاتِ لُوثَرَ الْخَمْسَةَ والتِسْعِينَ الْوَقْتَ الْكَافِي لِقِرَاءَتِها، فَسَتَرَى أَنَّهَا لا تَتَضَمَّنُ الْكَثِيرَ عَنْ عَقِيدَةِ التَبْرِيرِ، لَكِنَّ الْمُنَاقَشَةَ الَتِي أَرَادَ لُوثَرُ إِجْرَاءَهَا مَعَ أَعْضَاءِ هَيْئَةِ التَدْرِيسِ بِشَأْنِ احْتِجَاجَاتِهِ تَتَعَلَّقُ بِنِظَامِ الْعَقِيدَةِ بِأَكْمَلِهِ الْمُرْتَبِطِ بِصُكُوكِ الْغُفْرَانِ. فِي الْبَدَاءَةِ، لُوثَرُ لَمْ يَكُنْ يُعَارِضُ صُكُوكَ الْغُفْرَانِ فِي حَدِّ ذَاتِهَا، بَلِ اسْتِغْلالَ بَيْعِهَا عَلَى طَرِيقَةِ تِيتْزِل. وَمَعَ ذَلِكَ، عِنْدَمَا بَدَأَ فِي كِتَابَةِ احْتِجَاجَاتِهِ الْخَمْسَةِ وَالتِسْعِينَ وَإِذَا قَرَأْتُمُوهَا، سَتَجِدُونَ أَنَّهُ يُثِيرُ أَسْئِلَةً بِشَأْنِ النِظَامِ بِأَكْمَلِهِ الْمُرْتَبِطِ بِصُكُوكِ الْغُفْرَانِ وَفَهْمِ الْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ لِلتَبْرِيرِ وَلِرِسَالَةِ الإِنْجِيلِ. لِكَيْ نَفْهَمَ نَحْنُ، كَمَا قُلْتُ، مَفْهُومَ الإِصْلاحِ، أَعْتَقِدُ أَنَّ أَفْضَلَ طَرِيقَةٍ لِذَلِكَ هِيَ بِمُقَارَنَتِهِ بِوُجْهَةِ نَظَرِ الْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ.

لَمْ تَتَحَدَّدْ عَقِيدَةُ التَبْرِيرِ الْكَاثُولِيكِيَّةُ بِكُلِّ تَعْقِيدَاتِهَا بَيْنَ عَشِيَّةٍ وَضُحَاهَا مِنْ قِبَلِ أُوغُسْطِينُوسَ أَوْ لاحِقًا مِنْ قِبَلِ جْرِيجُورْيُوسَ الْكَبِيرِ أَوْ أَحَدٍ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. بَلِ اسْتَغْرَقَ نِظَامُ الْخَلاصِ دَاخِلَ الْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ قُرُونًا مُمْتَدَّةً لِيَتَطَوَّرَ بِطَبَقَةٍ فَوْقَ أُخْرَى مِنْ وَقْتٍ لآخَرَ. وَمِنْ مَنْظُورٍ لاهُوتِيٍّ، يُطْلَقُ عَلَى نِظَامِ الْخَلاصِ الْكَاثُولِيكِيِّ "الْوَسَاطَةَ الْكَهْنُوتِيَّةَ، أَيْ إِنَّ الْخَلاصَ يَتَحَقَّقُ بِوَاسِطَةِ خِدْمَتَيْ الْكَنِيسَةِ وَالْكَهْنُوتِ.

فَعَقِيدَةُ التَبْرِيرِ لَدَيْهِمْ لَمْ تَتَحَدَّدْ كُلِّيًّا إِلَّا بَعْدَ بِدَايَةِ الإِصْلاحِ، عِنْدَمَا رَأَيْنَا مَا كَانَ يُسَمَّى "الإِصْلاحَ الْمُضَادَّ". فِيهِ رَدَّتِ الْكَنِيسَةُ الْكَاثُولِيكِيَّةُ عَلَى البْرُوتِسْتَانْتِيَّةِ بِنَهْجٍ مُضَادٍّ ثُلاثِيِّ الاتِّجَاهَاتِ. الأَوَّلُ كَانَ مَعَ بِدَايَةِ مَحَاكِمِ التَفْتِيشِ الإِسْبَانِيَّةِ، إِذْ تَعَرَّضَ كُلُّ مَنِ اعْتَنَقَ هَذِهِ الْمَذَاهِبَ الْهَرْطُوقِيَّةَ البْرُوتِسْتَانْتِيَّةَ لأَبْشَعِ صُوَرِ التَعْذِيبِ. ثَانِيًا، تَأْسِيسُ نِظَامِ الرَهْبَنَةِ الْيَسُوعِيَّةِ، وَهِيَ جَمَاعَةٌ خَاصَّةٌ مِنَ الْكَهَنَةِ لِلتَعَامُلِ مَعَ الْقَضَايَا الْفِكْرِيَّةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَتُسَمَّى بِجَمَاعَةِ يَسُوعَ وَأَسَّسَها إِغْنَاطْيُوسَ لُويُولا. فَإِذَا رَأَيْتَ كِتَابَاتٍ لأَكَادِيمِيِّينَ يَسُوعِيِّينَ، فَسَتَرَى أَسْمَاءَهُمْ وَبَعْدَهَا بَدَلًا مِنْ بَادِئَةِ PhD "د."، بادِئَةَ SJ "ج. ي."، جَمَاعَةِ يَسُوعَ، أَيْ أَنَّهُمْ يَسُوعِيُّونَ. فَهُمْ صَفْوَةُ نُخْبَةِ الْكَهَنَةِ الأَكَادِيمِيِّينَ فِي الْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ.

لَكِنَّ الْعُنْصُرَ الرَئِيسِيَّ فِي الإِصْلاحِ الْمُضَادِّ تَمَثَّلَ فِي الدَعْوَةِ إِلَى عَقْدِ مَجْمَعٍ مَسْكُونِيٍّ دَوْلِيٍّ مِثْلِ مَجْمَعِ الْفَاتِيكَانِ الأَوَّلِ وَالثَانِي، وَمَجْمَعِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَمَجْمَعِ أَفَسُسَ، وَمَجْمَعِ خَلْقِيدُونِيَّةِ؛ وَغَيْرِهَا مِنْ تِلْكَ الْمَجَامِعِ الْعَظِيمَةِ فِي تَارِيخِ الْكَنِيسَةِ؛ فَفِي مُنْتَصَفِ الْقَرْنِ السَادِسَ عَشَرَ، عُقِدَ هَذَا الْمَجْمَعُ فِي مَدِينَةِ تْرِينْت بِإِيطَالْيا وسُمِّيَ بِاسْمِها. كَثِيرًا مَا يُطْلَقُ عَلَى مَرَاجِعِ قَراراتِ مَجْمَعِ تْرِينْت اسْمُ "تْرَايْدِنْتِينِي" (Tridentines)، فَإِذَا سَمِعْتَ هَذِهِ اللَفْظَةَ بَيْنَ الْحِينِ وَالآخَرِ، تَفْهَمُ أَنَّهُ يَعْنِي أَنَّ تِلْكَ الآراءَ الَتِي تَبَنَّاهَا وَصَاغَها بِوُضُوحٍ رَسْمِيًّا بِحَسَبِ الإِيمَانِ مَجْمَعُ تْرِينْت. فَقَدْ عُقِدَ هَذَا الْمَجْمَعُ عِدَّةَ دَوْرَاتٍ عَلَى مَدَارِ سَنَواتٍ عَدِيدَةٍ، لَكِنَّ أَهَمَّ دَوْرَةٍ كَانَتِ الدَوْرَةَ السَادِسَةَ الَتِي نَاقَشَتْ عَقِيدَةَ التَبْرِيرِ. وَقَدْ قَامَتْ هَذِهِ الدَوْرَةُ السَادِسَةُ لِمَجْمَعِ تْرِينْت بِأَمْرَيْن.

فِي الْجُزْءِ الأَوَّلِ مِنَ الدَوْرَةِ، حَدَّدْتِ الْمَنْظُورَ الْكَاثُولِيكِيَّ لِلتَبْرِيرِ. أَمَّا في الْجُزْءِ الثَانِي فأُصْدِرَ 20 قَانُونًا أَيْ أَحْكَامًا بِالإِدَانَةِ ضِدَّ وُجْهَاتِ النَظَرِ الْهَرْطُوقِيَّةِ أَوْ بِالْحِرْمَانِ الْكَنَسِيِّ. كَمَا تَعْلَمُونَ "يُقال: فَلْيَكُنْ أَنَاثِيمَا، أَوْ مَلْعُونًا، أَوْ لِيَهْلِك". وَعَلَيْهِ لا يَزَالُ الْجِدَالُ، الَذِي سَنَتَحَدَّثُ عَنْهُ بَعْدَ قَلِيلٍ، بَيْنَ الْمُعَاصِرِينَ بِشَأْنِ مَدَى دِقَّةِ مَجْمَعِ تْرِينْت، لَكِنَّنِي أَذْكُرُهُ بِاقْتِضَابٍ لأَقُولَ إِنَّ قَرَارَاتِ مَجْمَعِ تْرِينْت قَدْ أُعِيدَ تَأْكِيدُهَا بِالْكَامِلِ فِي التَعْلِيمِ الْمَسِيحِيِّ لِلْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ فِي تِسْعِينِيَّاتِ الْقَرْنِ الْمَاضِي. لِذَلِكَ رَسْمِيًّا دَاخِلَ الْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ -عَلَى الرُغْمِ مِنْ أَنَّكُمْ سَتَجِدُونَ الْبَعْضَ فِي أَمْرِيكا وَكَنَدا وَالْجَنَاحِ الْغَرْبِيِّ لِلْكَنِيسَةِ لا يَعْتَدُّونَ بِمَجْمَعِ تْرِينْت- لا تَزالُ السُلُطَاتُ الْمَرْكَزِيَّةُ لِلْجَنَاحِ اللاتِينِيِّ لِلْكَنِيسَةِ وَالْبَابَوِيَّةِ تُؤَكِّدُ، بِدُونِ لَبْسٍ، عَلَى مَرَاسِيمِ مَجْمَعِ تْرِينْت وَقَوَانِينِهِ. لِذَلِكَ لاحِقًا هَذَا مَا سَنَقُومُ بِهِ لِفَهْمِ مَنْظُورِهَا عَنِ التَبْرِيرِ.

قَبْلَ أَنْ أَشْرَحَ مَرَّةً أُخْرَى، فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ فِي الْمُنَاقَشَةِ وَالْمُنَاظَرَاتِ بَيْنَ الْكَاثُولِيكِيَّةِ وَالْبْرُوتِسْتَانْتِيَّةِ، يَدَّعِي كُلُّ طَرَفٍ بِمُغَالَطاتٍ عَلَى الآخَرِ وَيَتَهَاجَمَانِ بِأُمُورٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ. وَفِي الْهُجُومِ تَشْهِيرٌ، فَأَنَا أَسْمَعُ هَذَا دَوْمًا. حَسَنًا، نَحْنُ نُؤْمِنُ بِالتَبْرِيرِ بِالإِيمَانِ وَحْدَهُ، أَمَّا الْكَنِيسَةُ الْكَاثُولِيكِيَّةُ تُؤْمِنُ بِالتَبْرِيرِ بِالأَعْمَالِ كَمَا لَوْ أَنَّ الإِيمَانَ لَيْسَ مُهِمًّا. أَوْ، نَحْنُ نُؤْمِنُ بِالتَبْرِيرِ بِالإِيمَانِ وَحْدَهُ، أَمَّا الْكَنِيسَةُ الْكَاثُولِيكِيَّةُ تُؤْمِنُ بِالتَبْرِيرِ بِالاسْتِحْقَاقِ. فَهَذَا تَحْرِيفٌ وَتَبْسِيطٌ مُفْرِطٌ. أَوْ يَقُولُ الْبَعْضُ: "نَحْنُ نُؤْمِنُ بِالتَبْرِيرِ بِالْمَسِيحِ، وَهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالتَبْرِيرِ بِأَعْمَالِهِمْ". هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ. لِذَا دَعُونَا نَطْرَحُ السُؤَالَ التَالِي: "مَاذَا تُعَلِّمُ الْكَنِيسَةُ الْكَاثُولِيكِيَّةُ عَنْ مَسْأَلَةِ التَبْرِيرِ هَذِهِ؟"

حَسَنًا، فِي تِلْكَ الدَوْرَةِ السَادِسَةِ، بَدَأَ الأَمْرُ بِقَوْلِ إِنَّ الْخُطْوَةَ الأُولَى لِلتَبْرِيرِ هِيَ سِرُّ الْمَعْمُودِيَّةِ، الَذِي تُعَرِّفُهُ الْكَنِيسَةُ الْكَاثُولِيكِيَّةُ بِأَنَّهُ "الْعِلَّةُ الْوَسِيلِيَّةُ لِلتَبْرِيرِ". الْعِلَّةُ الْوَسِيلِيَّةُ لِلتَبْرِيرِ. حِينَ نَقُولُ التَبْرِيرَ "بِـ" أَوْ نَسْتَخْدِمُ صِيغَةَ الْمَجْرُورِ لِلتَعْبِيرِ عَنِ الْوَسِيلَةِ، فَإِنَّنَا نَتَحَدَّثُ عَنِ الْوَسِيطِ الَذِي مِنْ خِلالِهِ يَحْدُثُ شَيْءٌ مَا. يَعُودُ هَذَا التَمْيِيزُ فِي الْعِلَّةِ الْوَسِيلِيَّةِ إِلَى دِرَاسَةِ أَرِسْطُو لِلأَسْبَابِ، وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُكُمْ عَلَى دِرَايَةٍ بِذَلِكَ إِذْ مَيَّزَ بَيْنَ الْعِلَّةِ الْفَاعِلَةِ، وَالْعِلَّةِ الصُورِيَّةِ، وَالْعِلَّةِ الْغَائِيَّةِ، وَالْعِلَّةِ الْمَادِّيَّةِ، وَالْعِلَّةِ الْوَسِيلِيَّةِ وَمَا إِلَى ذَلِكَ، فَهَذِهِ الْفُرُوقُ الدَقِيقَةُ الْمُخْتَلِفَةُ تَتَعَلَّقُ بِالسَبَبِيَّةِ.

فَتَعْتَقِدُ الْكَنِيسَةُ الْكَاثُولِيكِيَّةُ أَنَّ الْعِلَّةَ الوَسِيلِيَّةَ الَتِي بِها يَتَبَرَّرُ الشَخْصُ أَوَّلًا هِيَ سِرُّ الْمَعْمُودِيَّةِ. مَا يَحْدُثُ فِي هَذَا السِرِّ هُوَ غَرْسٌ، أَوْ سَكْبٌ فِي نَفْسِ الْمُعَمَّدِ، بِرَّ الْمَسِيحِ أَوْ مَا يُدْعَى أَحْيانًا "النِعْمَةَ الْمُبَرِّرَةَ". ثُمَّ إِنَّ هُنَاكَ جِدَالًا قَائِمًا عَنِ التَفَاصِيلِ الدَقِيقَةِ بَيْنَ لاهُوتِيِّي الْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ بِشَأْنِ فَهْمِهِمْ لِلنِعْمَةِ بِرُمَّتِها. فَاللُغَةُ الَتِي يَسْتَخْدِمُونَهَا تَصِفُ النِعْمَةَ بِأَنَّها نَوْعٌ مِنَ الْجَوْهَرِ أَوِ الشَيْءِ الَذِي يَنْسَكِبُ فِي النَفْسِ وَيَسْكُنُها؛ أَيْ تَسْكُنُ النَفْسُ. أَمَّا نَحْنُ نَتَحَدَّثُ عَنِ النِعْمَةِ بِاعْتِبَارِها عَمَلًا مِنَ اللهِ، وَتَعَامُلًا كَرِيمًا مُوَجَّهًا لَنَا لا نَسْتَحِقُّهُ، لَكِنَّنَا لا نُفَكِّرُ فِي النِعْمَةِ بِطَرِيقَةٍ مَادِّيَّةٍ. لَكِنْ مَرَّةً أُخْرَى لِفَهْمِ وُجْهَةِ النَظَرِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ، تُغْرَسُ النِعْمَةُ أَوْ تُسْكَبُ فِي الرُوحِ، وَتُؤَثِّرُ فِيمَا تَنْوِي التَأْثِيرَ بِهِ ex opere operato، أَيْ بِتَأْثِيرِ الأَسْرَارِ. فَهُمْ لا يُحِبُّونَ اسْتِخْدَامَ لَفْظَةِ "التِلْقَائِيَّةِ"، لَكِنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ تِلْقَائِيَّةٌ. بِالْمَعْمُودِيَّةِ، تَنَالُونَ النِعْمَةَ سَكْبًا، وَتَكُونُونَ فِي حَالَةِ الْمُبَرَّرِينَ.

وَلِلْبَقَاءِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مِنَ التَبْرِيرِ، عَلَيْكُمْ بِالتَعَاوُنِ مَعَ هَذِهِ النِعْمَةِ الْمَغْرُوسَةِ وَالْمَسْكُوبَةِ. إِنَّ الْعِبَارَةَ الَتِي اسْتَخْدَمُوهَا فِي تْرِينْت هِيَ عِبَارَةُ Coopare et assentare (كُوبَارِي إِتْ أَسِنْتَارِي)، الَتِي تَعْنِي التَعَاوُنَ بِمُوَافَقَةٍ عَلَى هَذِهِ النِعْمَةِ الَتِي غُرِسَتْ فِيكَ بِحَيْثُ حِينَ تَتَعَاوَنُ مَعَ هَذِهِ النِعْمَةِ وَتُوَافِقُ عَلَيْهَا، يَكُونُ الْبِرُّ الَذِي غُرِسَ فِيكَ أَصِيلًا حَتَّى تُعَدَّ بَارًّا فِي عَيْنَيِ اللهِ. أَيْ أَنَّ سَبَبَ كَوْنِكَ بَارًّا فِي نَظَرِ اللهِ هُوَ أَنَّكَ بَارٌّ حَقًّا. فَقَدْ تَعَاوَنْتَ وَوَافَقْتَ عَلَى هَذِهِ النِعْمَةِ الْمَغْرُوسَةِ، وَلِذَا فَأَنْتَ فِي حَالَةِ تَبْرِيرٍ حَتَّى أَوْ مَا لَمْ تَرْتَكِبْ خَطِيَّةً مُمِيتَةً.

وَعِنْدَ هَذِهِ النُقْطَةِ، تَكُونُ الْكَنِيسَةُ الْكَاثُولِيكِيَّةُ تُفَرِّقُ بَيْنَ الْخَطِيَّةِ الْمُمِيتَةِ وَالْخَطِيَّةِ الْعَرَضِيَّةِ. فَالْخَطِيَّةُ الْعَرَضِيَّةُ خَطِيَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ وَيَنْبَغِي الاعْتِرَافُ بِهَا وَالصَفْحُ عَنْهَا وَمَا إِلَى ذَلِكَ، لَكِنَّها لا تُمِيتُ النِعْمَةَ الْمُخَلِّصَةَ الْمَغْرُوسَةَ فِي نَفْسِكَ. بَيْنَمَا الْخَطِيَّةُ الْمُمِيتَةُ سُمِّيَتْ هَكَذَا لأَنَّهَا تُمِيتُ نِعْمَةَ التَبْرِيرِ الْمَغْرُوسَةَ فِي نَفْسِكَ. وَكَمَا تَعْلَمُونَ، عَارَضَ كَالْفِن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ إِنَّ كُلَّ الْخَطَايَا مُمِيتَةٌ بِمَعْنَى أَنَّها تَسْتَحِقُّ الْمَوْتَ، لَكِنْ مَا مِنْ خَطِيَّةٍ مُمِيتَةٍ بِالنِسْبَةِ إِلَى الْمُؤْمِنِ مِنْ شَأْنِهَا تَدْمِيرُ الْخَلَاصِ. لَكِنْ مِنْ وُجْهَةِ النَظَرِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ، إِذَا ارْتَكَبْتَ خَطِيَّةً مُمِيتَةً وَمُتَّ فِيهَا، تَذْهَبُ إِلَى الْجَحِيمِ.

أَوَّلُ مَا يَنْبَغِي لَكُمْ مُلاحَظَتُهُ هُنَا هُوَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَكَ إِيَمانٌ حَقِيقِيٌّ، الَذِي هُوَ ضَرُورِيٌّ لِلْخَلاصِ، وَلَكَ إِيمَانٌ مُخَلِّصٌ وَمَا زِلْتَ تَرْتَكِبُ خَطَايَا مُمِيتَةً. سَأُوَضِّحُ هَذَا سَرِيعًا لِكَيْ نُفَرِّقَ بَيْنَ الشَرْطِ الضَرُورِيِّ وَالشَرْطِ الْكَافِي. إِذَا كُنْتُ أَرْغَبُ فِي إِشْعَالِ نَارٍ فِي الْخَلاءِ، فَأَنَا بِحَاجَةٍ إِلَى كَمِّيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الأُكْسِجِينِ لإِشْعَالِ حَرِيقٍ. فَالأُكْسِجِينُ شَرْطٌ ضَرُورِيٌّ فِي الظُرُوفِ الْعَادِيَّةِ لإِشْعَالِ حَرِيقٍ، لَكِنَّهُ لَيْسَ شَرْطًا كَافِيًا. إِذَا كَانَتْ حَالَةً كَافِيَةً، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ كُلَّ مَا تَحْتَاجُهُ لإِشْعَالِ النَارِ هُوَ وُجُودُ الأُكْسِجِينِ. إِذَا كَانَ الأَمْرُ هَكَذَا، فَمَاذَا سَيَحْدُثُ؟ لَكَانَ الْعَالَمُ بِرُمَّتِهِ مُشْتَعِلًا الآنَ، لأَنَّهُ أَيْنَمَا تَوَافَرَ الأُكْسِجِينُ سَتَشْتَعِلُ النِيرَانُ. فَلَنْ تَحْصُلَ عَلَى نِيرَانٍ بِدُونِ تَوَافُرِ الأُكْسِجِينِ. فَالْفِكْرَةُ هِيَ أَنَّ النِيرَانَ لَنْ تَشْتَعِلَ دُونَ أُكْسِجِينٍ، وَلَكِنْ يُمْكِنُكَ الْحُصُولُ عَلَى الأُكْسِجِينِ دُونَ إِشْعَالِ نِيرانٍ.

بِاسْتِخْدَامِ هَذَا الْمِثَالِ لِلتَوْضِيحِ بَيْنَ الشَرْطَيْنِ الضَرُورِيِّ وَالْكَافِي، فَيَكْمُنُ الْمَنْظُورُ الْكَاثُولِيكِيُّ لِهَذَا الإِيمَانِ فِي أَنَّ الإِيمَانَ شَرْطٌ ضَرُورِيٌّ لِلتَبْرِيرِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ شَرْطًا كَافِيًا. أَيْ قَدْ تَكُونُ مُؤْمِنًا حَقِيقِيًّا لَكِنَّكَ لَسْتَ مُبَرَّرًا، فِي حِينِ أَنَّ الإِيمَانَ فِي الْمَنْظُورِ الْبْرُوتِسْتَانْتِيِّ لَيْسَ مُجَرَّدَ شَرْطٍ ضَرُورِيٍّ لِلتَبْرِيرِ، بَلْ شَرْطٌ كَافٍ لِلتَبْرِيرِ. أَيْ إِنْ كُنْتَ مُؤْمِنًا حَقِيقِيًّا، فَأَنْتَ مُبَرَّرٌ. يَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنًا حَقِيقِيًّا وَلَسْتَ مُبَرَّرًا. وَيَسْتَحِيلُ أَنْ تَتَبَرَّرَ دُونَ أَنْ تَكُونَ مُؤْمِنًا حَقِيقِيًّا. هَلْ أَنَا مُسْرِعٌ؟ حَسَنًا.

مَرَّةً أُخْرَى، خِلالَ الدَوْرَةِ السَادِسَةِ لِمَجْمَعِ تْرِينْت، مُسْتَطْرِدِينَ فِي فِكْرَةِ الْخَطِيَّةِ الْمُمِيتَةِ وَفِي الإِيمَانِ، أَضَافَتِ الْكَنِيسَةُ الْكَاثُولِيكِيَّةُ أَنَّ الإِيمَانَ يَمْتَلِكُ الْوَظِيفَةَ التَالِيَةَ: وَظِيفَةً ثُلاثِيَّةً مِنْ حَيْثُ عَلاقَتُهُ بِالتَبْرِيرِ. فَالْإِيمَانُ، بِحَسَبِ زَعْمِ الْكَنِيسَةِ اَلْكاثوليكيَّةِ هوَ اَلـ initium وَاَلـ fundamentum وَاَلـ radix لِلْتَبْرِيرِ. مَا يَعْنِي بالْعَرَبِيَّةِ أَنَّ الإِيمَانَ بَدَاءَةُ التَبْرِيرِ وَأَسَاسُهُ وَأَصْلُهُ. لِذَلِكَ عِنْدَمَا يَقولُ الْبَعْضُ: "الْكَنِيسَةُ الْكَاثُولِيكِيَّةُ تُؤْمِنُ بِالتَبْرِيرِ دُونَ إِيمَانٍ أَوْ بِالأَعْمَالِ فَحَسْبُ"، لا، هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ إِذْ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَحْظَى بِالإِيمَانِ، الْعُنْصُرِ الأَوَّلِيِّ لِتَبْرِيرِكَ. كَمَا أَنَّهُ الأَسَاسُ الَذِي عَلَيْهِ يُرْسَى التَبْرِيرُ. وَثَالِثًا، هُوَ الأَصْلُ، جَذْرُ التَبْرِيرِ أَوْ نَوَاتُهُ. فَلِذَا، الْإِيمَانُ لَيْسَ خَيارًا مُهَلْهَلًا بِإِمْكَانِكَ حَوْزَتُهُ أَوْ رَفْضُهُ فِي الْكَنِيسَةِ اَلْكاثوليكيَّةِ. بَلْ شَرْطٌ ضَرُورِيٌّ لِنَيْلِ التَبْرِيرِ. فَهُوَ بَدَاءَةُ التَبْرِيرِ وَأَسَاسُهُ وَأَصْلُهُ. لَكِنْ إِذَا كُنْتَ تَحْظَى بِهَذَا الإِيمَانِ، فَأَنْتَ لا تَزالُ تَرْتَكِبُ خَطَايَا مُمِيتَةً، وَمِنْ هُنَا تَنْبَثِقُ الْمُشْكِلَةُ.

فَإِذَا ارْتَكَبْتَ خَطِيَّةً مُمِيتَةً، سَتَفْقِدُ تَبْرِيرَكَ، وَإِذَا فَقَدْتَ تَبْرِيرَكَ، فَأَنْتَ بِحَاجَةٍ إِلَى مَا سَمَّتْهُ الْكَنِيسَةُ الْكَاثُولِيكِيَّةُ فِي تْرِينْت "خَشَبَةَ التَبْرِيرِ الثَانِيَةَ" لِلَذِينَ يُغْرِقُونَ نُفُوسَهُمْ. إِنَّ فِكْرَةَ الإِكْرَاهِ عَلَى الْقَفْزِ أَوْ حِيَازَةَ لَوْحٍ خَشَبِيٍّ عَلَى مَتْنِ سَفِينَةٍ أَوْ أَيِّ مَبْدَأٍ مُخْتَلِفٍ مِثْلِ الْبَرْنَامَجِ الْجُمْهُورِيِّ، لَدَيْهِمْ مَبَادِئُ أَوْ مَوَاقِفُ يَتَّخِذُونَها. هُنَا تَسْتَخْدِمُ الْكَنِيسَةُ الْكَاثُولِيكِيَّةُ الْمَفْهُومَ الْبَحْرِيَّ. فَأَنْتَ تَفْقِدُ خَلاصَكَ مِنْ ثَمَّ تَبْرِيرَكَ بِالْخَطِيَّةِ الْمُمِيتَةِ. لَكِنَّ السُؤَالَ الآنَ، كَيْفَ يُعَادُ تَبْرِيرِي؟ حَسَنًا، قَدْ تَظُنُّونَ أَنَّ إِجَابَةَ هَذَا السُؤَالِ "حَسَنًا، سَتَعْتَمِدُ مَرَّةً أُخْرَى". لَكِنَّهُمْ يَنْفُونَ ذَلِكَ: "لا، لَنْ تَعْتَمِدَ ثَانِيَةً". لَقَدْ مُنِحَتْ عَلامَةٌ لا تُمْحَى فِي مَعْمُودِيَّتِكَ الأَصْلِيَّةِ وَلَنْ تَفْقِدَهَا أَبَدًا. لا يَهُمُّ حَتَّى إِنْ ذَهَبْتَ إِلَى الْجَحِيمِ، فَسَتَبْقَى هَذِهِ الْعَلامَةُ الَتِي لا تُمْحَى"، وَعَلَيْهَا لَنْ تَحْتَاجَ إِلَى تَعْمِيدِكَ ثَانِيَةً بَلْ تَحْتَاجُ إِلَى سِرٍّ آخَرَ غَيْرِ سِرِّ الْمَعْمُودِيَّةِ مِنْ أَجْلِ إِعَادَةِ تَبْرِيرِكَ. الَذِي هُوَ سِرُّ التَوْبَةِ وَالاعْتِرَافِ، الَذِي كَانَ لُبَّ الْجِدَالِ وَمَرْكَزَهُ فِي الْقَرْنِ السَادِسَ عَشَرَ، لِمَاذَا؟

حَسَنًا، تَشْتَمِلُ عَنَاصِرُ سِرِّ التَوْبَةِ وَالاعْتِرَافِ عَلَى الاعْتِرَافِ أَوَّلًا. فَإِنْ كُنْتَ قَدِ ارْتَكَبْتَ خَطِيَّةً مُمِيتَةً، عَلَيْكَ الاعْتِرَافُ بِهَا، عَلَيْكَ الاعْتِرَافُ إِلَى الْكَاهِنِ بِهَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اعْتِرَافًا صَادِقًا، لَيْسَ مُجَرَّدَ خَوْفٍ. الْخَوْفُ الْمَقْصُودُ هُوَ تِلْكَ التَوْبَةُ خَوْفًا مِنَ الدَيْنُونَةِ، كَمَا تَعْلَمُونَ، مِثْلَ الطِفْلِ عِنْدَمَا تُمْسِكُهُ مُتَلَبِّسًا وَبِيَدِهِ عُلْبَةُ الْكَعْكِ المُحَلَّى، فَيَقُولُ: "أَرْجُوكَ لا تَصْفَعْنِي، لا تَصْفَعْنِي". وَيَشْعُرُ بِالأَسَفِ الشَدِيدِ لأَنَّهُ سَيُعَاقَبُ، لا لأَنَّهُ ارْتَكَبَ خَطَأً. لَكِنَّ النَدَمَ الْحَقِيقِيَّ يُشْبِهُ مَا تَقْرَؤُونَهُ فِي الْمَزْمُورِ الْحَادِي وَالْخَمْسِينَ لِدَاوُدَ حِينَ انْكَسَرَ قَلْبُهُ أَمَامَ اللهِ، فَقَدْ كُسِرَ قَلْبُهُ وَنَدِمَ لأَنَّهُ أَدْرَكَ أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي حَقِّ إِلَهٍ قُدُّوسٍ وَبَارٍّ. لِذَا تَتَقَدَّمُ لِلاعْتِرَافِ وَتَقُولُ: "يَا أَبِي، لَقَدِ اقْتَرَفْتُ هَذَا وَأَنَا أَعْتَرِفُ وَأَتُوبُ لا خَوْفًا مِنْ عِقَابِ اللهِ، وَلَكِنْ لأَنَّنِي أَسَأْتُ إِلَيْكَ" وَهَكَذَا دَوَالَيْكَ فِي صَلاةِ الاعْتِرَافِ.

أَمَّا الْجُزْءُ الثَانِي مِنَ السِرِّ يَتَمَثَّلُ فِي الْحِلِّ الْكَهْنُوتِيِّ "أُحِلُّكَ" الَذِي يَنْطِقُ بِهِ الْكَاهِنُ. يُثِيرُ هَذَا غَضَبَ الْبْرُوتِسْتَانْت بِشِدَّةٍ. إِذْ يَقُولُونَ: "لَسْتُ مُجْبَرًا عَلَى الاعْتِرَافِ إِلَى إِنْسَانٍ بِخَطِيَّتِي. لَيْسَ عَلَيَّ الذَهَابُ إِلَى الْكَاهِنِ، عَلَيَّ الذَهَابُ فَوْرًا إِلَى اللهِ". كَمَا تَعْلَمُونَ حِينَ نَقُولُ إِنَّهُ يَنْبَغِي الاعْتِرَافُ بِالْخَطَايَا؛ نُقِرُّ أَيْضًا بِعَدَمِ خَطَأِ الاعْتِرَافِ بِهَا إِلَى شَخْصٍ آخَرَ أَوْ إِلَى رَاعِي كَنِيسَتِكَ. لَيْسَ خَطَأً أَنْ يَمْنَحَ الرَاعِي تَأْكِيدًا عَلَى الْغُفْرَانِ، كَمَا نَفْعَلُ بِانْتِظَامٍ فِي نِظَامِ عِبَادَتِنَا. إِذْ نَقُولُ: "إِنِ ٱعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ". حِينَ يَنْطِقُ الْكَاهِنُ قَائِلًا: "أُحِلُّك"، فَهْوُ لا يَقْصِدُ أَنَّهُ يَمْتَلِكُ سُلْطَةً مَوْرُوثَةً لِيَغْفِرَ الْخَطَايَا. وَحْدَهُ اللهُ مَنْ يَمْلِكُ هَذِهِ السُلْطَةَ، لَكِنَّهُ، أَيِ الْكَاهِنَ، يُمَارِسُ الْحَقَّ الإِنَابِيَّ. يُمَارِسُ سُلْطَةً وُهِبَتْ لَهُ حِينَ خَضَعَ لِسِرِّ الْكَهْنُوتِ الْمُقَدَّسِ، وَصَارَ كَاهِنًا. وَكَما تَعْرِفُونَ، فَجُزْءٌ مِنْ كَهْنُوتِهِ، التَحَلِّي بِسُلْطَةِ إِعْلانِ مَغْفِرَةِ اللهِ لِلتَائِبِ. حَتَّى الآنَ، لا ضَرَرَ وَلا ضَرَارَ.

إِنَّمَا الْجُزْءُ الثَالِثُ مِنْ سِرِّ التَوْبَةِ وَالاعْتِرَافِ هُوَ مَا أَثَارَ كُلَّ هَذِهِ الضَجَّةِ. وَهُوَ كَمَا يَلِي. فِي الْجُزْءِ الثَالِثِ، بَعْدَ أَنْ تَنَالَ الْحِلَّ الْكَهْنُوتِيَّ، لا بُدَّ أَنْ تُمَارِسَ أَعْمَالَ الاسْتِحْقاقِ لِكَيْ تَتَبَرَّرَ مُجَدَّدًا بِشَكْلٍ كَامِلٍ. وَهُنَا تَقَعُ الأَعْمَالُ. أَعْمَالُ الاسْتِحْقَاقِ مِثْلُ الإِكْثَارِ مِنْ تَرْدِيدِ تَسْبِحَةِ "السَلامُ عَلَيْكِ يَا مَرْيَمُ" وَصَلاةِ "أَبَانَا الَذِي"، وَتَقْدِيمِ الصَدَقَاتِ وَالتَبَرُّعَاتِ، وَالْقِيامِ بِبَعْضِ الأَعْمَالِ الصَالِحَةِ الأُخْرَى، هَذِهِ هِيَ الأَعْمَالُ الْمَطْلُوبَةُ مِنْ أَجْلِ التَبْرِيرِ. فِي الْمَنْظُورِ الْمُصْلَحِ، التَبْرِيرُ بِالإِيمَانِ وَحْدَهُ. أَمَّا فِي الْمَنْظُورِ الْكَاثُولِيكِيِّ، التَبْرِيرُ بِالإِيمَانِ بِالإِضَافَةِ إِلَى الأَعْمَالِ. وَيُطْلَقُ عَلَى هَذِهِ الأَعْمَالِ، الأَعْمَالُ الَتِي يُرَافِقُهَا اسْتِحْقَاقٌ مُعَادِلٌ، meritum de congruo (مِرِيتُوم دِي كُونْجْرُوُو) بِحَسَبِ تَعْبِيرِ الْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ.

يَخْتَلِفُ الاسْتِحْقاقُ الْمُعَادِلُ عَنِ الاسْتِحْقَاقِ السَخِيِّ أَوْ meritum de condigno (مِرِيتُوم دِي كُونْدِينْيُو) إِذْ يَتَّسِمُ الاسْتِحْقَاقُ السَخِيُّ بِالْغِنَى وَالْبِرِّ، فَهُوَ بَرَكَةٌ أَوْ جَعَالَةٌ مِنَ اللهِ. سَيَكُونُ اللهُ ظَالِمًا إِذَا لَمْ يَعِدْ بِتَبْرِيرِ أَيِّ إِنْسَانٍ يَتَنَعَّمُ بِالاسْتِحْقَاقِ السَخِيِّ، لَكِنَّ الْكَنِيسَةَ الْكَاثُولِيكِيَّةَ تَقُولُ: "لا، السِرُّ لا يَمْنَحُ الاسْتِحْقَاقَ السَخِيَّ، إِنَّهُ يَمْنَحُ الاسْتِحْقَاقَ الْمُعَادِلَ"، مِمَّا يَعْنِي أَنَّهُ إِذَا أدَّى الإِنْسَانُ أَعْمَالَ الاسْتِحْقَاقِ هَذِهِ، فَمِنَ الْمُنَاسِبِ أَوِ اللائِقِ أَوِ الْمُعَادِلِ حِينَهَا أَنْ يُكَافِئَهُ اللهُ بِتَبْرِيرِهِ مِنْ جَدِيدٍ. بِعِبَارَةٍ أُخْرَى، إِنَّ اللهَ يَتَصَرَّفُ بِغَيْرِ عَدْلٍ أَوْ تَوَافُقٍ إِنْ لَمْ يَسْتَرِدَّ لِهَذَا الإِنْسَانِ خَلاصَهُ، هَلِ اتَّضَحَ لَكُمُ الأَمْرُ؟ إِذَنْ، هَذَا هُوَ الأَمْرُ.

يَكُونُ الإِنْسَانُ مُبَرَّرًا وَيَظَلُّ مُبَرَّرًا حَتَّى يَرْتَكِبَ خَطِيَّةً مُمِيتَةً أُخْرَى. فَإِنِ اقْتَرَفَ خَطِيَّةً مُمِيتَةً، إِمَّا سَيَمُوتُ بِهَا وَيَذْهَبُ إِلَى الْجَحِيمِ أَوْ يَلْتَجِئُ إِلَى سِرِّ التَوْبَةِ وَالاعْتِرَافِ وَيُسْتَرَدُّ وَهَكَذا دَوَالَيْكَ. وَإِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ بِأَيِّ إِثْمٍ فِيهِ، سَيَذْهَبُ إِلَى الْمَطْهَرِ. وَأُطْلِقَ عَلَيْهِ هَذَا الاسْمَ، لأَنَّهُ مَوْضِعُ التَطْهِيرِ مِنَ الآثَامِ. إِذْ يُطَهِّرُكَ مِنْ أَيِّ إِثْمٍ مُتَّ بِهِ. فَقَدْ تَقْضِي أُسْبُوعَيْنِ فِي الْمَطْهَرِ، وَقَدْ تَقْضِي مِلْيُونَيْ سَنَةٍ بِحَسَبِ مَا احْتَجْتَهُ لِتَتَطَهَّرَ لِتَدْخُلَ السَمَاءَ، لَكِنَّكَ لَنْ تَدْخُلَها حتَّى تَكُونَ (أَوْ إلَّا إذا كُنْتَ) بَارًّا بِالطَبِيعَةِ. هَذَا بِإِيجَازٍ نُسْخَةُ الْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ مِنْ رِسَالَةِ الإِنْجِيلِ، وَيُمْكِنُكُمْ رُؤْيَةُ التَنَاقُضِ الْجَذْرِيِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْظُورِ الإِصلاحِ، الَذِي يُعَلِّمُ بِأَنَّ فِي اللَحْظَةِ الَتِي أُؤمِنُ فِيهَا، قَدْ رَبِحْتُ الْمَلَكُوتَ. فَمَا مِنْ مَطْهَرٍ. لِي الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ، وأَنَا مُتَبَنًّى فِي مَلَكُوتِ اللهِ، وَقَدْ غُفِرَتْ خَطَايَايَ مَرَّةً وَاحِدَةً وَإِلَى الأَبَدِ.

لِذَا فَإِنَّ التَنَاقُضَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْمَنْظُورَيْنِ هُوَ التَنَاقُضُ بَيْنَ الْخَبَرِ السَارِّ وَالْخَبَرِ السَيِّئِ؛ وَهُمَا مَنْظُورَانِ مُخْتَلِفَانِ كُلِّيًّا لِلإِنْجِيلِ. لَدَيَّ الْمَزِيدُ أَحْتَاجُ إِلَى التَحَدُّثِ عَنْهُ بِإِيجَازٍ بِشَأْنِ مَنْظُورِ الْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِصُكُوكِ الْغُفْرَانِ وَسُلْطَةِ الْمَفَاتِيحِ وَزَوَائِدِ الْفَضَائِلِ. هَذا كُلُّهُ جُزْءٌ مِنَ النِظَامِ الَذِي مَا زَالَتِ الْكَنِيسَةُ الْكَاثُولِيكِيَّةُ تُطَبِّقُهُ عَلَى فَهْمِهِمْ لِلْخَلاصِ. فَبِمَشِيئَةِ اللهِ، سَنَتَنَاوَلُ هَذَا فِي مُحَاضَرَتِنَا التَالِيَةِ.