المحاضرة 1: ما هو معيار إيمانك؟

منذ أن سألت الحية حواء في الجنة "أحقًّا قال الله؟" ويتم التشكيك في سلطان كلمة الله وانتقاده.  أيمكن لمؤمني اليوم الوثوق في سلطان الكتاب المقدس وتعليمه؟ الدكتور آر سي سبرول يبحث في دقّة الكتاب المقدس وسلطانه على مر التاريخ ضمن سلسلة "أحقًا قال الله؟" اليوم في برنامج "جدِّد ذهنك".

الكنيسة المسيحية موجودة على الأرض منذ ألفَي سنة تقريبًا، وطوال السنوات الألف وثمانمائة الأولى من تاريخ الكنيسة لقيت الكنيسة ثقة عالمية فعلية بالمصدر الرئيسي لسلطانها المكتوب، أي الكتاب المقدس. لكن خلال السنوات المئتين الأخيرة عرفت الكنيسة فترة غير مسبوقة من الأزمات، أزمات بلغت جذور حياة الكنيسة فيما يتعلق بالسؤال: "الآن، أيمكننا الوثوق بالكتاب المقدس؟" وبرزت انتقادات كثيرة بين الأكاديميين والعلماء ضد جدارة الكتاب المقدس بالثقة خلال السنوات المئتين الأخيرة؛ بحيث أننا لم نختبر في الكنيسة فحسب – بل في المجتمع أيضًا – خسارة واضحة للسلطان برمته.

أحد اللاهوتيين في مطلع القرن العشرين، أبدى هذه الملاحظة، قال "أيام انتقاد الكتاب المقدس بلغت ذروتها، بحيث أننا نعيش الآن في مرحلة تخريب متعمّد للكتاب المقدس". لكي نفهم الأزمة المتعلقة بسلطان الكتاب المقدس أودّ أن نذهب في رحلة استطلاع تاريخية، وأن نذهب أولًا إلى القرن السادس عشر، إلى الإصلاح البروتستانتي.

أظن أن معظم الأشخاص في الكنيسة يدركون أن المسألة الرئيسية في الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر كانت عقيدة لوثر بالمتعلقة بالتبرير بالإيمان وحده.  وشعار الإصلاح، وبما أن التبرير كان نقطة الجدال الأساسية، كان هذه العبارة اللاتينية البسيطة "سولا فيدي" ومعناها "بالإيمان وحده". سمعنا قصة "لوثر" ليلة عيد جميع القديسين وهو يسمّر الفرضيّات الخمسة والتسعين على باب الكنيسة في فيتنبرغ، ونرى أيضًا الانتشار السريع لهذا الجدال ليتجاوز حدود الجامعة مجتاحًا ألمانيا كلها ومحدثًا صخبًا، ما أدى في نهاية المطاف إلى أكبر شرذمة في جسد المسيح على الإطلاق.  في الواقع، حين تم حرم لوثر أخيرًا من الكنيسة بأمر من بابا روما، كان الأمر الرسمي البابوي الذي أعلن حرم لوثر من الكنيسة يحمل العنوان Exsurge Domine ما ترجمته في اللاتينية "استيقظ يا رب".

كانت هذه الكلمات الأولى في المنشور البابوي، وتلتها هذه الملاحظة "يوجد خنزير بريّ طليق في كرمك"، وبالطبع، كان ذلك الخنزير البري، مارتن لوثر، الذي قلب العالم رأسًا على عقب بسبب الجدل حول عقيدة التبرير بالإيمان وحده. لكن ما تم التغاضي عنه غالبًا في هذا الجدال في القرن السادس عشر، هو بروز جدال آخر ربما كان مهمًا لحياة الكنيسة وللأجيال المستقبلية تمامًا مثل ذلك الجدال حول التبرير.

في الواقع، يحب مؤرّخو الكنيسة استعمال تمييز قديم كان أرسطو أول من تكلّم عنه في أثينا القديمة، إنه التمييز بين ما يُعرف ب "الشكل" و"المادة". المادة هي جوهر الشيء، والشكل هو طبعًا البنية التي تم سكب هذا الشيء فيها أو صبّه. إذًا، نحن نميّز في الفلسفة بين الشكلي والمادي. وعندما يتطرق المؤرخون إلى القرن السادس عشر فإنهم يقولون "المسألة المادية في الإصلاح، وجوهر الجدال هو الجدال حول التبرير"، لكن المسألة الشكلية في القرن السادس عشر، البنية التي نتج عنها الجدال برمته، هي مسألة السلطان النهائي في حياة الكنيسة والمؤمن المسيحي.

بعد أن علق لوثر فرضياته في فيتنبرغ؛ واسترعى انتباه السلطات الكنسية في روما؛ وأوقع نفسه في مأزق كنسي كبير، التمس فرصة للدخول في مناقشة، وحتى للمشاركة فيما يُعرف بالمناظرات العامة. وكما تبين كلمة "مناظرات"، هي تعني المشاركة في مناقشات لاهوتية مع ممثلين من الكنيسة لمحاولة التوصل إلى حلّ سلمي حول هذه المسألة التي كانت تهدد وحدة الكنيسة.

وبالطبع، خلال تلك الفترة، دخل لوثر في مناظرتَين من هذا القبيل، ربما مع أعظم لاهوتيَّين كاثوليكيَّين في القرن السادس عشر، وهما "مارتن إيك" والكاردينال "كاجوتين". لكن الأمر اللافت الذي حدث في تلك الجدالات، بالنسبة إليّ على الأقل، هو أنهم بينما كانوا يناقشون مسألة التبرير – هذان اللاهوتيان العظيمان في الكنيسة – أشارا إلى هذا الراهب الأوغسطيني من فيتنبرغ، واعتبرا أن وجهات نظره المتعلقة بموضوع التبرير مختلفة إلى حد كبير عن بعض التعاليم الرسمية في الكنيسة. وذكّرت هذه السلطات لوثر بما كانت الكنيسة قد علّمته في مجامعها الكبيرة، حين اجتمع مفكرون كثر في الكنيسة ودرسوا بعض المسائل اللاهوتية، وتوصلوا إلى تعريف رسمي للعقيدة وأعلنوها تحت اسم "دي فيدي"، تفسير لعقيدة الكنيسة الرسمية، ما جعلها مُلزِمة لأي عضو تأسيسي في الكنيسة. ولم يلفت هذان اللاهوتيان الانتباه إلى مجامع سابقة في الكنيسة فحسب، لكنهما وقفا أيضًا وقاما بتلاوة إعلانات بابوية متعلّقة بمسائل التبرير. واستطاعا أن يبيّنا أن لوثر كان يختلف في الرأي مع البابا ومجامع الكنيسة. وفي هذه المرحلة من المداولات اعتبر بعض رجال الدين في الكنيسة مارتن لوثر الإنسان الأكثر غطرسة وتعجرفًا على الإطلاق، وكانوا يطرحون هذا السؤال "من تخال نفسك حتى تعرف أكثر من مجامع الكنيسة، أو من الحبر الأعظم الموجود في روما؟ كيف تجرؤ على تعليم عقيدة التبرير الخاصة بك، وأنت على تضارب مع تعريف الكنيسة لهذه المسائل رسميًا في الماضي؟".

إذًا، في هذه الجدالات سُئل لوثر "هل تقف ضد البابا والمجامع الكنسية؟" ولصدمة الأشخاص الموجودين، اعترف لوثر بأنه شكّ فعلًا في بعض تعاليم الكنيسة، واعترف أمام الذين كانوا مجتمعين هناك بأنه – وبرأيه الذي لم يبدُ رأيًا متواضعًا بالنسبة إلى كثيرين – برأيه، يمكن لمجامع الكنيسة أن تخطئ، يمكن لمجامع الكنيسة أن ترتكب الأخطاء. وليست مجامع الكنيسة وحدها التي يمكن لها أن تخطئ في اللاهوت، لكن يمكن للبابا نفسه أن يكون على خطأ. في هذه المرحلة طبعًا تم تشبيه لوثر بالمهرطق البوهيمي "جون هاس"، الذي تم حرقه على عمود بسبب إعلانه كلامًا مماثلًا قبل قرن أو أكثر. وفي هذه المرحلة، حُرم لوثر من الكنيسة، وتم تخصيص مبلغ من المال لمن يتمكن من قتله، لأنه كان رجلًا مطلوبًا.       

أخيرًا، وبما أن الأمر أثار غضبًا شديدًا حول العالم، تمت محاولة التوصل إلى قرار نهائي، وانعقد المجلس التشريعي الملكي في "فورمز" في ألمانيا، حيث اجتمع المسؤولون في الكنيسة مع المسؤولين في الدولة لفرصة واحدة أخيرة لمناقشة هذه المسائل، وأُعطي لوثر جواز مرور بأمان، ما يعني أن بإمكانه حضور المناقشة بحرية من دون أن يخشى أن يتم توقيفه أو قتله.  فتم رفع الحظر عنه مؤقتًا فتمكن من الوصول إلى "فورمز"، وتعرفون تلك اللحظة التاريخية التي دُعي فيها إلى التخلي عن موقفه في تعاليمه عن التبرير وما إلى ذلك، قام لوثر بهذا الإعلان حين قيل له "أيها الأخ مارتن، هل ترجع في رأيك؟" فأجاب "ما لم أقتنع عبر الكتاب المقدس أو عبر سبب واضح، لن أرجع في رأيي".

ثم تابع قائلًا هذه الكلمات التي كان لها وقع على العالم منذ ذلك الحين، "لأن ضميري مأسور بكلمة الله. والعمل ضد ضميري ليس صائبًا ولا آمنًا. هذا هو رأيي، لا يمكنني أن أفعل أي شيء آخر، فليساعدني الله..." ولما خرج ليلًا، اختطفه أصدقاؤه، فذهب إلى قصر "وارتبرغ"، وترجم الكتاب المقدس إلى اللغة الألمانية.

لكن بأي حال، في "فورمز"، وفي هذه اللحظة التاريخية، تم وضع الشعار الثاني للإصلاح، بالإضافة إلى ال "سولا فيدي" الذي سبق أن لفتُ الانتباه إليه. نصل الآن إلى الراية "سولا سكريبتورا". أكرر، كلمة "سولا" تعني "وحده". وطبعًا يُشار بكلمة "سكريبتورا" إلى الكتاب المقدس. إذًا، هذا هو الشعار "بواسطة الكتاب المقدس وحده!".

ما معنى "بواسطة الكتاب المقدس وحده"؟ قال لوثر إن المصدر المكتوب الوحيد في هذا العالم الذي يملك مستوى السلطان الذي يوثق ضمير الإنسان هو الكتاب المقدس. كان لوثر يكنّ احترامًا كبيرًا للفطنة والحكمة والتعاليم الجماعية للاهوتيين العظماء في الماضي، قال: "يمكننا حتمًا أن نتعلم من خلال تقاليد الكنيسة، يمكن أن نُقاد بمجالس الكنيسة، لا يجب الازدراء بالعقائد واعترافات إيماننا. ويكون المرء متعجرفًا بشكل لا يوصف إن ابتكر لاهوتًا خاصًا به من دون الرجوع بأي شكل من الأشكال إلى عمل الماضي، لكن على قدر ما أننا نحترم تلك الأشياء، وعلى قدر ما أنها تتمتع بسلطان ثانوي لتنظيم شؤون الكنيسة وما إلى ذلك. ما من وثيقة مكتوبة بقلم إنسان، وما من اعتراف إيمان، وما من بيان عقائدي، وما من تعبير مجمعي يقدر أن يوثق الضمير تمامًا. واحد فقط يملك هذا النوع من السلطان، ليعلن أمرًا قائلًا "فليتمّ ما قيل" هو الله نفسه. وكلمة الله وحدها هي التي تحمل هذا النوع من النفوذ والسلطان".

إذًا، ما نراه هنا هو أزمة سلطان، هل السلطان راسخ في كتاب؟ أم إن السلطان راسخ في مؤسسة، في الكنيسة؟ كانت هذه المسألة الأساسية في الإصلاح البروتستانتي، وبالطبع، استمر الجدال انطلاقًا من هذه النقطة، وردّت الكنيسة الكاثوليكية على "سولا سكريبتورا" بطريقتين رئيسيتين، في المقام الأول، ذكّرت لوثر وكالفين وغيرهم من مصلحي القرن السادس عشر بأن الكنيسة ما كانت لتحصل على الإنجيل لولا المجامع الكنسيّة التي عُقدت في وقت مبكر من تاريخ الكنيسة، والتي حدّدت ماهية الكتاب المقدس. وحين تم وضع لائحة بالأسفار التي تشكل الكتاب المقدس أو العهد الجديد في مجامع الكنيسة – سوف نجري محاضرة خاصة حول تلك المسألة وحول كيفية جمع الأسفار التي تشكل الكتاب المقدس في تاريخ الكنيسة. لكن الفكرة التي كانت روما توضحها الآن، ردًّا على لوثر فهي الآتية: بما أن الكتاب المقدس وُضع بسلطان الكنيسة، فلا بد أن الكنيسة تتمتع على الأقل بسلطان مساوٍ لسلطان الكتاب المقدس الذي وضعته، أو، وكما يقول البعض، بسلطان أعظم من وثائق الكتاب المقدس المكتوبة هل نرى كيف أنه يتم طرح هذا السؤال هنا؟

إن كانت الكنيسة هي المؤسسة التي وضعت الكتاب المقدس، أفلا يبين ذلك أن الكنيسة أو المؤسسة التي تفعل ذلك، تتمتع على الأقل بسلطان مساو لسلطان الكتاب المقدس أو أكثر؟ وبالطبع، ردّ لوثر وكالفين بسخط على ذلك، وذكّرا سلطات روما بأن الكلمة الرئيسية التي استعملتها الكنيسة على مرّ التاريخ، عندما حدّدت مضمون الكتاب المقدس هل الكلمة اللاتينية "ريسيبيموس"، ما ترجمته "نحن نقبل". أي أنه حين أعلنت الكنيسة قائمة الأسفار التي يجب إدراجها في العهد الجديد، قالت الكنيسة "نحن نقبل هذه على أنها الكتاب المقدس". دعوني أجري تشبيهًا هنا مثلما يفعل لوثر وكالفين، يستعمل العهد الجديد كلمة "نقبل" في إطار علاقة المؤمن بيسوع، نحن مدعوون لقبوله "وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللَّهِ"، عندما قبلتُ المسيح ربًّا ومخلصًا لي، فإن قبولي ليسوع لا يعطيه أي سلطان حتمًا، فيسوع يملك ذلك السلطان سواء قبلتُه أو لم أقبله إنه الرب، سواء اعترفت به ربًا أو لم أفعل، أليس الأمر واضحًا؟

وما كان مصلحو القرن السادس عشر يذكّرون الكنيسة به هو الآتي: في بداية تاريخ الكنيسة، حين تم استعمال هذه الكلمة "ريسيبيموس" في الواقع، ما كانت الكنيسة تفعله هو ببساطة إعلان خضوعها بتواضع لسلطان الكتاب المقدس. جاء رد الفعل الثاني على ذلك في منتصف القرن السادس عشر، بعد أن بدأ الإصلاح البروتستانتي واجتاح العالم، لم ترقد الكنيسة الكاثوليكية أو تقرر أن تتشتت، بل قامت الكنيسة الكاثوليكية بردّ صارم على البروتستانتية يُعرف بالإصلاح المعاكس. وأحد الأمور التي فعلتها الكنيسة في الإصلاح المعاكس هو أنها أخذت على محمل الجدّ بعض انتقادات الفضائح الأخلاقية التي كانت مروّعة في الكنيسة، وحدث فعلًا إصلاح أخلاقي حقيقي في الكنيسة الكاثوليكية في الإصلاح المعاكس. كان الأمر مهمًا جدًا وغالبًا ما تم التغاضي عنه، لكن ربما أهم حدث في الإصلاح المعاكس هو مجمع مسكوني دعت إليه روما في مكان يُدعى "ترانت". وكان مجمع "ترانت" هذا الردّ اللاهوتي الرسمي للكنيسة الكاثوليكية على الإصلاح البروتستانتي، وتمّت مناقشة مسائل كثيرة بعمق وتفصيل في هذا المجمع، وأهمّها طبعًا، التبرير بالإيمان وحده.

لكن قبل معالجة مسألة التبرير التي تمّ التطرق إليها في الجلسة السادسة، في الجلسة الرابعة من مجمع "ترانت" تمّت معالجة مسألة السلطان، وفي هذه المحاضرة الرابعة، أوضحت الكنيسة الكاثوليكية – في مجمع ترانت – أنه يوجد مصدران للسلطان الإلهي في العالم اليوم، وهذان المصدران – ولن أدخل في التفاصيل هنا لأني فعلت ذلك في سلسلة محاضرات أخرى، ولا أظن أنّكم تجدونه على شريط فيديو بل على شريط صوتي حول لاهوت الكنيسة الكاثوليكية – لكن المصدران هما الكتاب المقدس والكلمة اللاتينية هي "et" وهي صيغة الماضي لفعل “eat” أي "يأكل" كانت جدتي تقول "هل أكلت طعام العشاء" مستعملة كلمة “et”. الكتاب المقدس والتقليد هذه إشارة إلى ما يُعرف بالمصدر الثنائي للإعلان الإلهي الخاص المكتوب، إن استطعتم إيجاد الأمر هنا في الكتاب المقدس وفي تقليد الكنيسة، ما معنى ذلك؟ معناه هو الآتي لطالما كان للكنيسة الكاثوليكية نظرة توقير للكتاب المقدس، لم تنكر الكنيسة الكاثوليكية سلطان الكتاب المقدس إطلاقًا، الكنيسة الكاثوليكية تعترف آنذاك والآن رسميًا بأن الكتاب المقدس ليس أقل من كلمة الله الموحى بها والمعصومة من الخطأ، هي لم تنكر ذلك، لكنها قالت "بالإضافة إلى ذلك المصدر لدينا مصدر آخر معصوم من الخطأ لحق الله، وهذا المصدر المعصوم من الخطأ هو التقليد". هنا تكمن المعضلة، ماذا لو تبين وجود تضارب بين تعليم التقليد وتعليم الكتاب المقدس؟ هذا ما عبّر عنه لوثر، قال "أنا أعرف ما يعلّمه التقليد، لكن لا يمكنني أن أرى كيف أن التقليد ينسجم مع ما يعلّمه بولس عن التبرير في رسالته إلى أهل رومية". فجاء رد الكنيسة بالقول إن مهمة التقليد تقضي بأن يعطي ليس فقط مصدر معلومات غير موجود في الكتاب المقدس، بل بأن يعطي أيضًا تفسيرًا معصومًا من الخطأ للكتاب المقدس، وبالتالي، فإن إنكار لوثر للتقليد – بحسب وجهة نظر روما – هو أيضًا إنكار للكتاب المقدس، لأن روما تقول "التقليد والكتاب المقدس متطابقان". وبالطبع، لا يزال هذا النزاع قائمًا حتى اليوم.

خلال الدقائق القليلة المتبقية، أريد وضع المزيد من الأسس لهذه السلسلة، يمكنكم أن تروا هنا محور هذا النزاع، وأنا خصصت وقتًا طويلًا للكلام عن القرن السادس عشر لأن هذا الجدال لا يزال قائمًا رسميًا حتى اليوم. الجدال في حياة الكنيسة يتمحور حول هذا السؤال "ما هو السلطان؟" هل يقرر كل إنسان عن نفسه؟ هل نعتنق النسبية الثقافية، أم النسبية الفلسفية؟"

في جريدة هذا الصباح، قرأت إحدى المقالات الافتتاحية بقلم تشارلي ريس، يقول فيها إننا نعيش اليوم في مجتمع يفتقر إلى الأخلاقية، هو ليس غير أخلاقي، إنه فاقد للحس الأخلاقي! لا معيار فيه ولا سلطان مطلق، وهذه هي الأزمة التي نواجهها اليوم "هل يوجد سلطان؟"

عندما كنت في الجامعة، قرأت كتابًا صغيرًا، كان كتابًا عميقًا وفلسفيًا للغاية وعنوانه بسيط، على شكل سؤال، هذا هو عنوان الكتاب "وفق أي معيار؟" لا أعلم كم مرة فكّرت في عنوان ذلك الكتاب، منذ أن قرأته حين كنت تلميذًا جامعيًا، وفق أي معيار نحدد من يقول الحق؟ أو هل يوجد معيار؟ هل يوجد امتحان؟ أيمكننا أن نعرف أي شيء بشكل مطلق؟ أو هل سقطت جميع المعايير بيننا؟ والمسألة مسألة سلطان.

وقبل أن نتابع مسألة سلطان الكتاب المقدس أريد تخصيص الدقائق القليلة الأخيرة في هذا الجزء لإعطاء بعض التعريفات الوجيزة لمعنى كلمة "سلطان". ما معنى كلمة "سلطان"؟ ماذا تعني كلمة "سلطان؟" سأدوّن ذلك على اللوح، هذا اللوح يخضع للتدريب هنا، وأرجو أن تعذروني بسبب غبار الطبشور الذي يتطاير باتجاهكم. التعريف البسيط لكلمة سلطان هو "الحق بفرض التزام" "الحق بفرض التزام"، نحن نستعمل لغة الأمر دائمًا في مجتمعنا، نقول "يجدر بك، يجب عليك، يتوجب عليك". والإنسان العقلاني، عندما يسمع أحدهم يقول له "يجب عليك أن تفعل ذلك، أو يجدر بك فعل ذلك، أو يتوجب عليك فعل ذلك"، الإنسان العقلاني، يقول على الأقل في سره "ومن قال ذلك؟ لماذا يجب عليّ فعل ذلك؟ لماذا سأسمح بأن تفرض التزامًا علي؟ بأيّ سلطان تحاول أن تأمرني وأن تحاسبني على أي تصرّف أو سلوك؟" وهذا هو السؤال "وفق أي معيار؟ بسلطان مَن نطرح هذه الأسئلة؟ هذا هو محور مسألة سلطان الكتاب المقدس.