المحاضرة 5: الحَقِيقَةُ وَنَقِيضُها | خدمات ليجونير
 

المحاضرة 5: الحَقِيقَةُ وَنَقِيضُها

رَأَيْنَا فِي دِرَاسَتِنَا حَتَّى الْآنَ عَنْ عِلْمِ الْكَوْنِيَّاتِ أَنَّ الْجَدَلَ الْكَبِيرَ بَيْنَ الْإِلْحَادِ وَالْإِيمَانِ بِوُجُودِ اللَّهِ يَتَعَلَّقُ بِالْخَلْقِ. وَجُزْءٌ كَبِيرٌ مِمَّا يَشْغَلُ الْجِدَالَاتِ الْيَوْمَ بَيْنَ أَنْصَارِ الْعِلْمِ وَأَنْصَارِ اللَاهُوتِ يُرَكِّزُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْخَلْقِ. وَرَأَيْنَا سَابِقًا أَنَّ الْمَبْدَأَ الرَئِيسِيَّ لِلْفَلْسَفَةِ كُلِّهَا، وَبِرَأْيِي أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِلْعِلْمِ بِرُمَّتِهِ، هُوَ عِبَارَةُ "إِكْسْ نِيهِيلُو نِيهِيلْ فِيتْ" (ex nihilo nihil fit)؛ لَا شَيْءَ يَأْتِي مِنَ الْعَدَمِ. وَذَكَرْتُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ شَيْءٌ مَوْجُودًا الْآنَ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنَّ شَيْئًا مَا كَانَ مَوْجُودًا دَائِمًا، وَإِلَّا لَمَا وُجِدَ شَيْءٌ الْيَوْمَ. ذَكَرْتُ ذَلِكَ بِطَرِيقَةٍ عَكْسِيَّةٍ سَابِقًا حِينَ قُلْتُ: "إِذَا كَانَ هُنَاكَ وَقْتٌ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مَوْجُودًا فِيهِ، عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَمَاذَا كَانَ لِيُوجَدَ الْيَوْمَ؟" لَا شَيْءَ عَلَى الْإِطْلَاقِ. مَا لَمْ يَكُنْ لِشَيْءٍ مَا الْقُدْرَةُ أَنْ يَخْلُقَ نَفْسَهُ، أَوْ الْقُدْرَةُ عَلَى مَا نُسَمِّيهِ "الْخَلْقَ الذَاتِيَّ". وَإِنْ طَبَّقْنَا قَوَاعِدَ الْمَنْطِقِ - أَيْ الْجَانِبَيْنِ الشَكْلِيِّ وَالِاسْتِنْبَاطِيِّ مِنَ الْمَنْهَجِ الْعِلْمِيِّ - عَلَى هَذَا الْمَفْهُومِ، نَكْتَشِفُ أَنَّهُ لَيْسَ فَقَطْ غَيْرَ مَنْطِقِيٍّ، بَلْ غَيْرُ عِلْمِيٍّ. فَكَيْ يَخْلُقَ الشَيْءُ نَفْسَهُ، عَلَيْهِ أَنْ يَسْبِقَ نَفْسَهُ زَمَنِيًّا. وَعَلَيْهِ أَنْ يُوجَدَ قَبْلَ أَنْ يُوجَدَ. أَيْ عَلَيْهِ أَنْ يُوجَدَ وَلَا يُوجَدُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ وَفِي الْعَلَاقَةِ نَفْسِهَا. يُشْبِهُ هَذَا قَوْلَنَا إِنَّ الْكَوْنَ تَفَجَّرَ إِلَى حَيِّزِ الْوُجُودِ، وَهُوَ مَا سَخِرْتُ مِنْهُ فِي مُحَاضَرَتِنَا السَابِقَةِ.

كَمَا ذَكَرْتُ سَابِقًا أَيْضًا، لَيْسَ كُلُّ مَنْ يُنْكِرُ الْخَلْقَ يَلْجَأُ إِلَى مَفْهُومِ الْخَلْقِ الذَاتِيِّ. فَهُنَاكَ مَنْ يَقُولُونَ إِنَّ الْكَوْنَ أَزَلِيٌّ. لَنْ أَتَطَرَّقَ إِلَى هَذَا الْمَوْضُوعِ هُنَا نَظَرًا لِضِيقِ الْوَقْتِ. فَالْجَدَلُ السَائِدُ الْيَوْمَ لَيْسَ بَيْنَ مَنْ يَرَوْنَ أَنَّ لِلْكَوْنِ بِدَايَةً وَمَنْ يَقُولُونَ إِنَّهُ أَزَلِيٌّ. بَلِ الرَأْيُ السَائِدُ هُوَ كُوزْمُولُوجْيا الِانْفِجَارِ الْكَبِيرِ، الَتِي تُشِيرُ إِلَى نُقْطَةِ نُشُوءٍ مُنْذُ ما بَيْنَ 15-18 مِلْيَارَ سَنَةِ.

خُضْتُ حِوَارًا بِالْمُرَاسِلَةِ مَعَ كَارْلْ سَاجَانْ (Carl Sagan) حَوْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُنْذُ بِضْعِ سَنَوَاتٍ، وَطَرَحْتُ عَلَيْهِ السُؤَالَ الْبَدِيهِيَّ الْمُقْتَرِنَ بِكُوزْمُولُوجْيَا الِانْفِجَارِ الْكَبِيرِ: "إِذَا كَانَتْ كُلُّ مَادَّةٍ وَطَاقَةٍ مَضْغُوطَةً فِي الْأَزَلِ فِي نُقْطَةِ تَفَرُّدٍ مُتَنَاهِيَةِ الصِغَرِ، ثُمَّ بَعْدَ ظُهْرِ يَوْمِ جُمُعَةٍ فِي السَاعَةِ الثَالِثَةِ انْفَجَرَتِ النُقْطَةُ، وَابْتَدَأَ الْكَوْنُ يَمْتَدُّ مِنْ هَذَا الِانْفِجَارِ". فَسَأَلْتُ: "مَا الَذِي سَبَّبَ الِانْفِجَارَ؟ وَمَاذَا كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ نُقْطَةِ التَفَرُّدِ؟ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَتْ نُقْطَةُ التَفَرُّدِ خَامِلَةً مُنْذُ الْأَزَلِ، فَمَا الْقُوَّةُ الْخَارِجِيَّةُ الَتِي مُورِسَتْ عَلَيْهَا فَجْأَةً وَسَبَّبَتْ هَذَا التَحَوُّلَ، أَيْ هَذَا الِانْفِجَارَ؟" أَجَابَ كَارْلْ أَنَّهُ لَمْ يَشْعُرْ بِحَاجَةٍ إِلَى اسْتِكْشَافِ شَيْءٍ سَابِقٍ لِلَحْظَةِ الْخَلْقِ الْأُولَى هَذِهِ، أَوْ إِلَى طَرْحِ أَيِّ أَسْئِلَةٍ بِشَأْنِهَا. وَأَدْهَشَنِي ذَلِكَ لِأَنِّي ذَكَرْتُ أَنَّ مُهِمَّةَ الْعِلْمِ وَالْفَلْسَفَةِ، وَفْقَ أَفْلَاطُونَ، هِيَ إِنْقَاذُ الظَوَاهِرِ. وَيَعْنِي ذَلِكَ الْوُصُولَ إِلَى عِلَّةٍ كَافِيَةٍ وَفَعَّالَةٍ لِكُلِّ مَا هُوَ مَوْجُودٌ. وَأَقْدَمُ سُؤَالٍ فِي الْعِلْمِ هُوَ: "لِمَاذَا يُوجَدُ شَيْءٌ بَدَلًا مِنْ لَا شَيْءَ؟" فَالْأَمْرُ الْوَحِيدُ الَذِي نَعْرِفُهُ يَقِينًا هُوَ أَنَّنَا لَسْنَا لَا شَيْءَ.

كَمَا ذَكَرْتُ قَبْلًا، غَالِبِيَّةُ الَذِينَ يُنْكِرُونَ الْخَلْقَ وَالْخَالِقَ يَلْجَؤونَ فِي تَفْسِيرِ أَصْلِ الْكَوْنِ إِلَى شَكْلٍ أَوْ آخَرَ مِمَّا نُسَمِّيهِ الْخَلْقَ الذَاتِيَّ. وَرَأَيْنَا أَنَّ فِكْرَةَ الْخَلْقِ الذَاتِيِّ خَاطِئَةٌ تَحْلِيلِيًّا، أَيْ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ مَنْطِقِيًّا. إِذَنْ، الْمُشْكِلَةُ الَتِي يُوَاجِهُهَا أَنْصَارُ هَذَا الرَأْيِ هِيَ كَيْفِيَّةُ تَبْرِيرِ فَرْضِيَّةٍ أَوْ افْتِرَاضٍ غَيْرِ مَنْطِقِيٍّ بِوُضُوحٍ، مِنْ خِلَالِ حُجَّةٍ مَا. تَقُومُ الْحُجَّةُ عَادَةً عَلَى عَمَلِيَّةٍ مِنْ عَمَلِيَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ.

أُولَئِكَ الْمُطَّلِعُونَ عَلَى الْفَلْسَفَةِ يَقُولُونَ إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نَنْسُبَ سَبَبًا سَابِقًا لِأَيَّةِ نَتِيجَةٍ، لِأَنَّ دَافِيدْ هِيُومْ، فِي نَقْدِهِ لِلسَبَبِيَّةِ، أَبْطَلَ مَبْدَأَ السَبَبِ وَالنَتِيجَةِ بِرُمَّتِهِ.

سَأُخَصِّصُ مُحَاضَرَةً مُنْفَصِلَةً لِهَذَا الْمَوْضُوعِ. الْأَمْرُ الْآخَرُ الَذِي جَذَبَ الْمَزِيدَ وَالْمَزِيدَ مِنَ الْأَشْخَاصِ الْيَوْمَ، وَلَا سِيَّمَا فِي الْمُجْتَمَعِ الْعِلْمِيِّ، هُوَ أَنَّ فِيزْيَاءَ الْكَمِّ، وَلَا سِيَّمَا مَبْدَأَ اللَّاحَتْمِيَّةِ لِهَايْزِنْبِرْجْ أَثْبَتَتْ عِلْمِيًّا إِمْكَانِيَّةَ الْخَلْقِ الذَاتِيِّ - أَيْ إِمْكَانِيَّةَ مَجِيءِ شَيْءٍ تِلْقَائِيًّا مِنَ الْعَدَمِ. هَذَا الْأَمْرُ أَثَارَ فِي الْأَيَّامِ الْأُولَى لِاخْتِبَارِ فِيزْيَاءِ الْكَمِّ جَدَلًا كَبِيرًا بَيْنَ عِمْلَاقَيْنِ عَالَمِيَّيْنِ فِي مَجَالِ الْفِيزْيَاءِ - نِيلْزْ بُورْ (Niels Bohr) مِنْ كُوبِنْهَاغِنْ وَأَلْبِرْتْ أَيْنِشْتَايْنْ.

دَعُونِي أُحَدِّثُكُمْ قَلِيلًا عَنْ نِيلْزْ بُورْ. كَانَ لَدَى نِيلْزْ بُورْ تُرْسٌ يَحْمِلُ شِعَارَ الْعَائِلَةِ، وَعَلَى شَارَةِ التُرْسِ كُتِبَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ اللَّاتِينِيَّةُ. سَأَكْتُبُهَا لَكُمْ: "كُونْتْرَارْيَا سُونْتْ كُومْبِلِيمِنْتَارِيَا" (Contraria sunt complementaria). مَا مَعْنَاهَا بِبَسَاطَةٍ؟ كَانَتْ شَارَةُ الْعَائِلَةِ تَقُولُ: "الْمُتَنَاقِضَاتُ تُكَمِّلُ بَعْضُهَا بَعْضًا". فِي الْمَنْطِقِ، ثَمَّةَ قَاعِدَةٌ تُسَمَّى اسْتِحَالَةَ اجْتِمَاعِ نَقِيضَيْنِ. وَهِيَ تَقُومُ فِي الْأَسَاسِ عَلَى الْقَانُونِ الْأَسَاسِيِّ لِلْعِلْمِ بِأَكْمَلِهِ -وَهُوَ قَانُونُ عَدَمِ التَنَاقُضِ، الَذِي يُفِيدُ بِأَنَّ الشَيْءَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ وَلَا يُوجَدُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ وَفِي الْعَلَاقَةِ نَفْسِهَا. أَيْ إِنَّ الشَيْءَ وَنَقِيضَهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَا فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ وَفِي الْعَلَاقَةِ نَفْسِهَا. إِلَيْكُمْ مَا قَالَهُ نِيلْزْ بُورْ. قَالَ: "الْحَقُّ الْعَظِيمُ هُوَ الْحَقُّ الَذِي يَكُونُ نَقِيضُهُ أَيْضًا صَحِيحًا". لَمْ يَتَحَدَّثْ عَنْ مُجَرَّدِ حَقٍّ، بَلْ الْحَقُّ الْعَظِيمُ هُوَ الْحَقُّ الَذِي نَقِيضُهُ أَيْضًا صَحِيحٌ. أَعِزَّائِي، لَيْسَتْ هَذِهِ مُجَرَّدَ نِهَايَةِ الْفَلْسَفَةِ، أَوِ اللَاهُوتِ، بَلْ نِهَايَةُ الْمَعْرِفَةِ، وَنِهَايَةُ الْعِلْمِ. فَهَذَا لَا يَقْضِي فَقَطْ عَلَى فِيزْيَاءِ نِيُوتَنْ، بَلْ عَلَى أَينِشْتَايِنْ أَيْضًا، وَعَلَى "بُورْ" نَفْسِهِ.

أَدْلَى كَارْلْ سَاجَانْ بِتَعْلِيقٍ لَافِتٍ عَلَى تَصْرِيحِ نِيلْزْ بُورْ. قَالَ سَاجَانْ: "لَوْ كَانَ هَذَا التَصْرِيحُ صَحِيحًا، فَرُبَّمَا تَكُونُ عَوَاقِبُهُ خَطِرَةً قَلِيلًا عَلَى الْأَقَلِّ". عَلَى الرَغْمِ مِنْ تَقْدِيرِي لِانْتِقَادِ سَاجَانْ لِكَلَامِ "بُورْ" فِي هَذَا الصَدَدِ، يَجِبُ تَسْجِيلُ نَقْدِهِ فِي "مَوْسُوعَةِ غِينِيسْ لِلْأَرْقَامِ الْقِيَاسِيَّةِ" بِاعْتِبَارِهِ أَكْثَرَ تَصْرِيحٍ مُخَفَّفٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ. " لَوْ كَانَ هَذَا صَحِيحًا، فَرُبَّمَا يَكُونُ خَطِرًا قَلِيلًا عَلَى الْأَقَلِّ". ثُمَّ تَابَعَ لِتَفْسِيرِ السَبَبِ، وَمِنَ اللَّافِتِ بِمَا يَكْفِي أَنَّهُ احْتَكَمَ إِلَى مَجَالِ الْأَخْلَاقِ، مُسْتَشْهِدًا بِالْقَاعِدَةِ الذَهَبِيَّةِ، ثُمَّ تَنَاوَلَ الْوَصَايَا الْعَشْرَ وَقَالَ: مَاذَا عَسَانَا نَفْعَلُ بِوَصِيَّةِ ‘لَا تَقْتُلْ’. فَلَوْ كَانَ نَقِيضُهَا أَيْضًا صَحِيحًا، وَإِنْ كَانَ حَقًّا عَظِيمًا أَنْ يَمْتَنِعَ النَاسُ عَنْ قَتْلِ أَحَدِهِمْ الْآخَرِ، مَعَ سَبْقِ الْإِصْرَارِ وَالتَرَصُّدِ، وَالنَقِيضُ أَيْضًا حَقًّا عَظِيمًا، فَمَاذَا سَيَعْنِي ذَلِكَ؟ يَجِبُ أَنْ تَقْتُلَ، أَيْ تَرْتَكِبَ جَرِيمَةَ قَتْلٍ مِنَ الدَرَجَةِ الْأُولَى". هَذَا مَا قَالَ كَارْلْ سَاجَانْ إِنَّهُ يَجْعَلُ هَذِهِ الْفَرْضِيَّةَ خَطِرَةً قَلِيلًا عَلَى الْأَقَلِّ. لَكِنِّي أَقُولُ إِنَّهُ لَوْ كَانَ مِنَ الصَوَابِ أَنْ تَكُونَ الْفَرْضِيَّةُ وَنَقِيضُهَا كِلَاهُمَا صَحِيحَيْنِ، فَهَذِهِ نِهَايَةُ الْعِلْمِ، وَنِهَايَةُ اللَاهُوتِ. أَوَدُّ الْقَوْلَ إِنَّ هَذِهِ الْفِكْرَةَ تَفْتِنُ الطُلَّابَ الْأَمْرِيكِيِّينَ الْيَوْمَ. آلَانْ بِلُومْ (Allan Bloom)، فِي كِتَابِهِ بِعُنْوَانِ "إِغْلاقُ العَقْلِ الأَميرِكيِّ" (The Closing of the American Mind)، وَثَّقَ هَذَا النَوْعَ مِنَ النِسْبِيَّةِ. وَحِينَ أَدْخُلُ صَفَّ كُلِّيَّةِ اللَّاهُوتِ لِأَعْلِّمَ طُلَّابَ السَنَةِ الْأُولَى الَذِينَ سَيُصْبِحُونَ لَاهُوتِيِّينَ، أَجِدُ غَالِبِيَّتَهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْحَقَّ نَفْسَهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُتَنَاقِضًا. تَتَغَلَّبُ هُنَا اللَاعَقْلَانِيَّةُ عَلَى تَفْكِيرِنَا، وَأَسْأَلُ: "مَنْ سَيُوقِفُ هَذِهِ السَخَافَةَ الْمُسْتَمِرَّةَ؟" أَرْجُو أَنْ تُؤَدِّيَ صِنَاعَةُ الْكُومْبِيُوتَرِ هَذَا الدَوْرَ، لِأَنَّ الْكُومْبِيُوتَرْ، حَسَبَ فَهْمِي، يَحْتَاجُ إِلَى قَدْرٍ مِنَ الِاتِّسَاقِ لِيَعْمَلَ دُونَ أَنْ يَخْرَبَ.

اعْتَرَضَ أَيْنِشْتَايِنْ عَلَى فَهْمِ "بُورْ" لِفِيزْيَاءِ الْكَمِّ وَمَبْدَأِ اللَاحَتْمِيَّةِ، وَأَدْلَى بِهَذَا التَعْلِيقِ الْقَوِيِّ. قَالَ أَيْنِشْتَايِنْ: "اللَّهُ لَا يَلْعَبُ بِالنَرْدِ، وَإِنْ كَانَ يَلْعَبُ بِهِ"، قَالَ أَيْنِشْتَايِنْ، "فَإِنِّي أُفَضِّلُ أَنْ أَكُونَ إِسْكَافِيًّا أَوْ مُوَظَّفًا فِي نَادِي قِمَارٍ عَنْ أَنْ أَكُونَ فِيزْيَائِيًّا". وَانْتَقَدَهُ كَاتِبُ سِيرَتِهِ، نَايْجِلْ كَالْدَرْ (Nigel Calder)، بِسَبَبِ انْتِقَادِهِ "نِيلْزْ بُورْ"، مُدْلِيًا بِهَذَا التَعْلِيقِ: "اللَّهُ حَقًّا يَلْعَبُ بِالنَرْدِ. فَلَدَيْهِ طَاوِلَاتُ قِمَارٍ فِي كُلِّ ذَرَّةٍ وَكُلِّ مِيلِلْمِتْرٍ مُكَعَّبٍ مِنَ الْفَرَاغِ". مَا الَذِي قَدْ يَدْفَعُ مَخْلُوقَاتٍ عَاقِلَةً وَذَكِيَّةً وَمُثَقَّفَةً وَوَاعِيَةً إِلَى التَكَلُّمِ هَكَذَا؟ يَعُودُ هَذَا جُزْئِيًّا إِلَى الْمُنَاخِ الَذِي نَعِيشُ فِيهِ، الَذِي يُرَحِّبُ بِمَا يُنَافِي الْعَقْلَ. نَعِيشُ الْيَوْمَ فِي مَسْرَحِ اللَامَعْقُولِيَّةِ، وَنَعْتَقِدُ نَوْعًا مَا لَيْسَ فَقَطْ بِوُجُودِ حُرِّيَّةٍ، بَلْ أَيْضًا عَظَمَةٍ، فِي أَنْ تُبْحِرَ سَفِينَتُنَا فِي بَحْرِ اللَّاعَقْلَانِيَّةِ. وَيَمِيلُ الْمَسِيحِيُّونَ إِلَى الِاعْتِقَادِ بِوُجُودِ نَوْعٍ مِنَ التَقْوَى فِي تَأْيِيدِ التَنَاقُضَاتِ، وَبِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْقِيَامِ بِقَفْزَةِ إِيمَانٍ ضَخْمَةٍ وَبُطُولِيَّةٍ، تُكْرِمُ اللَّهَ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهَ مَصْدَرًا لِلتَشْوِيشِ، وَيَجْعَلُ الرُوحَ الْقُدُسَ مُخَادِعًا. مَا عَلَيْنَا. فَالْمَسْأَلَةُ ضَخْمَةٌ مِنْ حَيْثُ تَأْثِيرُهَا الْوُجُودِيُّ.

دَعُونِي أَقْرَأُ مُقَطَعًا كَتَبَهُ تِيمُوثِي فِيرِّيسْ (Timothy Ferris)، يُلَخِّصُ بَعْضَ الْمَشَاكِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِفِيزْيَاءِ الْكَمِّ وَمَبْدَأِ اللَّاحَتْمِيَّةِ. بِوَجْهٍ عَامٍّ وَبِبَسَاطَةٍ، مَا أَثَارَ كُلَّ ذَلِكَ هُوَ بَعْضُ التَجَارِبِ عَلَى الْجُزَيْئَاتِ الْمُكَوِّنَةِ لِلذَرَّاتِ، التِي لَمْ تَتَمَكَّنْ مِنَ التَنَبُّؤِ بِحَرَكَةِ هَذِهِ الْجُزَيْئَاتِ عَنْ يَقِينٍ. وَكَانَتْ تَتَحَرَّكُ بِطَرِيقَةٍ تُدْهِشُ مُلَاحِظَهَا. ظَنَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مُجَرَّدَ وُجُودِ مُجْرِي تَجَارِبَ يَتَدَاخَلُ مَعَ أَنْمَاطِ حَرَكَةِ هَذِهِ الْجُزَيْئَاتِ. لَكِنْ لِلْوَهْلَةِ الْأُولَى، لَا يَسَعُنَا فَهْمُ سَبَبِ تَحَرُّكِ هَذِهِ الْجُزَيْئَاتِ بِالطَرِيقَةِ الَتِي نُلَاحِظُهَا. لَدَيْنَا إِذَنْ ظَاهِرَةٌ لَمْ تَتَمَكَّنْ أَيُّ صِيغَةٍ حَتَّى الْآنَ مِنْ إِنْقَاذِهَا. لِذَا، فَالْأَمْرُ مَفْتُوحٌ لِكُلِّ الِاحْتِمَالَاتِ، مِمَّا أَتَاحَ لِلْبَعْضِ التَحَدُّثَ عَنِ الْخَلْقِ الذَاتِيِّ، أَيْ مَجِيءِ شَيْءٍ مِنَ الْعَدَمِ، إِلَى آخِرِهِ. يُعْجِبُنِي أَنَّ هَايْنِزْبُرْجْ دَعَا ذَلِكَ "مَبْدَأَ اللَّاحَتْمِيَّةِ". وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِهَذَا مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ. يَبْدُو لِي أَنَّهُ مِنَ الِاتِّضَاعِ أَنْ نَقُولَ: "نَحْنُ نُجْرِي هَذِهِ التَجَارِبَ، وَيُدْهِشُنَا مَا نُلَاحِظُهُ وَنُسَجِّلُهُ. وَنَعْجِزُ عَنْ تَفْسِيرِ مَا يَجْرِي هُنَا بِالْمَعْرِفَةِ الْمُتَاحَةِ لَدَيْنَا". لِذَا حِينَ أَسْأَلُ: "مَاذَا تَسَبَّبَ فِي حُدُوثِ هَذَا الْفِعْلِ؟" عَلَيَّ فِي تَرَوٍّ أَنْ أَنْحَنِي بِاتِّضَاعٍ قَائِلًا: "لَا أَعْرِفُ. فَالسَبَبُ غَيْرُ مُحَدَّدٍ بَعْدُ، لَكِنَّنَا نَأْمُلُ بِمَزِيدٍ مِنَ الْفَحْصِ وَالتَحْلِيلِ وَالْمَعْرِفَةِ أَنْ نَتَمَكَّنَ مِنْ فَهْمِ مَا يَجْرِي". أَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا تَوَجُّهٌ عِلْمِيٌّ لَائِقٌ تُجَاهَ النَتَائِجِ الْمُحَيِّرَةِ لِلتَجَارِبِ. لَكِنْ إِنِ اتَّخَذَ أَحَدُهُمْ خُطْوَةً أَبْعَدَ قَائِلًا: "أَعْلَمُ أَنَّ حَرَكَةَ هَذِهِ الْجُزَيْئَاتِ هِيَ بِلَا سَبَبٍ"، هُنَا أَصِيَحُ قَائِلًا: "مَهْلًا! لَسْتُ فِيزْيَائِيًّا، وَلَسْتُ عَالِمَ فَلَكٍ، لَكِنِّي مُلِمٌّ بِالْمَنْطِقِ، وَالتَصْرِيحُ الَذِي أَدْلَيْتَ بِهِ لِتَوِّكَ لَيْسَ فَقَطْ غَيْرَ مَنْطِقِيٍّ وَمُنَافِيًا لِلْعَقْلِ، لَكِنَّهُ قِمَّةُ الْعَجْرَفَةِ، لِأَنِّي إِذَا لَمْ أَعْرِفْ سَبَبَ فِعْلٍ مُعَيَّنٍ، كَيْفَ يُمْكِنُنِي أَنْ أَتَيَقَّنَ هَكَذَا مِنْ عَدَمِ وُجُودِ سَبَبٍ لَهُ؟ فَلِبُلُوغِ هَذِهِ الدَرَجَةِ مِنَ الْيَقِينِ، يَجِبُ أَنْ أَفْحَصَ كُلَّ قُوَّةٍ يُمْكِنُ تَصَوُّرُهَا مَوْجُودَةً فِي الْكَوْنِ كُلِّهِ. لَا يَتَطَلَّبُ إِصْدَارُ حُكْمٍ كَهَذَا مَا يَقِلُّ عَنْ عِلْمٍ كُلِّيٍّ ". إِذَنْ، مِنْ نَاحِيَةٍ، نُصْدِرُ أَحْكَامًا غَيْرَ مَنْطِقِيَّةٍ، وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، نُصْدِرُ أَحْكَامًا مُتَعَجْرَفَةً، لِأَنَّنَا نَفْتَرِضُ مُسْبَقًا أَنَّنَا فَحَصْنَا وَفَهِمْنَا وَأَدْرَكْنَا كُلَّ احْتِمَالٍ يُمْكِنُ تَصَوُّرُهُ.

تِيمُوثِي فِيرِيسْ، الَذِي كَتَبَ الْمُؤَلَّفَ الرَائِعَ عَنْ تَارِيخِ عِلْمِ الْكُوْنِيَّاتِ فِيمَا يَخْتَصُّ بِدَرْبِ التَبَّانَةِ، قَدَّمَ هَذِهِ الْخُلَاصَةَ، قَائِلًا: "كُلَّمَا تَمَعَّنَ الْفِيزْيَائِيُّونَ فِي فَحْصِ الْعَالَمِ دُونَ الذَرِّيِّ، زَادَتِ اللَاحَتْمِيَّةُ. فَحِينَ يَصْطَدِمُ فَوتُونْ بَذَرَّةٍ، دَافِعًا الْإِلِكْتِرُونَ إِلَى مَدَارٍ أَعْلَى، يَنْتَقِلُ الْإِلِكْتِرُونُ مِنَ الْمَدَارِ الْأَدْنَى إِلَى الْأَعْلَى عَلَى الْفَوْرِ، دُونَ تَجَاوُزِ الْمِسَاحَةِ الْفَاصِلَةِ بَيْنَهُمَا. إِنَّ أَقْطَارَ الْمَدَارَاتِ نَفْسَهَا مُحَدَّدَةٌ، وَالْإِلِكْتِرُونُ بِبَسَاطَةٍ لَا يَعُودُ مَوْجُودًا عِنْدَ نُقْطَةٍ مُعَيَّنَةٍ، ثُمَّ يَظْهَرُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ عِنْدَ أُخْرَى. هَذِهِ هِيَ النَقْلَةُ النَوْعِيَّةُ الشَهِيرَةُ وَالْمُحَيِّرَةُ، وَهِيَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ لُغْزٍ فَلْسَفِيٍّ. وَمَا لَمْ تُؤْخَذْ عَلَى مَحْمَلِ الْجِدِّ، لَنْ يُمْكِنَنَا التَنَبُّؤُ بِدِقَّةٍ بِحَرَكَةِ الذَرَّاتِ. وَأُولَئِكَ الَذِينَ يَجِدُونَ هَذِهِ الْأَفْكَارَ غَيْرَ مَفْهُومَةٍ لَيْسُوا بِمُفْرَدِهِمْ". أَعْجَبَنِي ذَلِكَ التَصْرِيحُ الْأَخِيرُ، فَهُوَ يَمْنَحُنِي بَعْضَ الرَاحَةِ لِأَنِّي أَجِدُ الْأَفْكَارَ غَيْرَ مَفْهُومَةٍ تَمَامًا.

مَا مُشْكِلَتِي؟ أُكَرِّرُ، مُشْكِلَتِي لَا تَتَعَلَّقُ بِالْمُعْطَيَاتِ أَوْ بِالتَجْرِبَةِ، لَكِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِنْتَاجَاتِ الَتِي يَسْتَخْلِصُهَا النَاسُ مِنْهَا، وَبِطَرِيقَةِ صِيَاغَتِهِمْ لَهَا. لِأَنَّ حُصُولَ أَحَدِهِمْ عَلَى دَرَجَةِ دُكْتُورَاه فِي الْفِيزْيَاءِ لَا يَجْعَلُ مِنْهُ تِلْقَائِيًّا خَبِيرًا فِي الدِقَّةِ اللُغَوِيَّةِ. مِنْ نَاحِيَةٍ، نَقْرَأُ فِي هَذِهِ النَقْلَةِ النَوْعِيَّةِ أَنَّ الْإِلِكْتِرُونَ بِبَسَاطَةٍ لَا يَعُودُ مَوْجُودًا عِنْدَ نُقْطَةٍ مُعَيَّنَةٍ، ثُمَّ يَظْهَرُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ عِنْدَ أُخْرَى. لِنُحَلِّلْ ذَلِكَ. هَذَا الْإِلِكْتِرُونُ سَرِيعُ الْحَرَكَةِ لَا يَعُودُ مَوْجُودًا عِنْدَ نُقْطَةٍ مُعَيَّنَةٍ. رَاقِبُونِي. هَأَنَذَا. يُمْكِنُكُمْ مُرَاقَبَتِي. أَوْ تَخَيَّلُوا مَعِي أَنَّنِي وَاقِفٌ عِنْدَ نُقْطَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَسَأَتَحَرَّكُ. فَحِينَ أَتَحَرَّكُ، هَلْ يَنْتَهِي وُجُودِي؟ لَا، فَوُجُودِي يَظَلُّ مُسْتَمِرًّا. لَكِنْ هَلْ يَنْتَهِي وُجُودِي عِنْدَ النُقْطَةِ الَتِي كُنْتُ فِيهَا لِتَوِّي؟ نَعَمْ، فَلَمْ أَعُدْ هُنَاكَ، لَكِنِّي تَحَرَّكْتُ. إِذَنْ، إِنْ قُلْنَا إِنَّ جَزَيْئًا لَمْ يَعُدْ مَوْجُودًا فِي النُقْطَةِ الَتِي كَانَ فِيهَا، فَمَا الْمُدْهِشُ فِي ذَلِكَ؟ مِنَ الْوَاضِحِ أَنَّ "فِيرِّيسْ" أَرَادَ قَوْلَ شَيْءٍ أَعْمَقَ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ يَنْطَبِقُ عَلَى حَرَكَةِ أَيِّ جِسْمٍ. لَكِنَّهُ يَقُولُ: "يَبْدُو أَنَّهُ يَخْتَفِي مِنَ الْوُجُودِ ثُمَّ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ يَعُودُ إِلَى الْوُجُودِ". إِنَّهَا فِكْرَةٌ عَمِيقَةٌ أَلَّا يَعُودَ شَيْءٌ مَوْجُودًا وَفِي اللَحْظَةِ نَفْسِهَا تَمَامًا يُوجَدُ مِنْ جَدِيدٍ. هَذَا خَلْقٌ مِنَ الْعَدَمِ بِامْتِيَازٍ، وَانْتِهَاكٌ شَدِيدٌ لِقَانُونِ عَدَمِ التَنَاقُضِ. فَهُوَ يَقُولُ: "هَذَا الشَيْءُ يَظْهَرُ فَجْأَةً فِي أَنْحَاءِ الْمَكَانِ، وَلَا أَعْلَمُ لِمَاذَا اخْتَفَى مِنْ هُنَا وَظَهَرَ هُنَا ثَانِيَةً فَجْأَةً دُونَ اجْتِيَازِ الْمَسَافَةِ الْفَاصِلَةِ". لَدَيْنَا إِذَنْ أَشْيَاءُ مَادِّيَّةٌ تَنْتَقِلُ مِنَ النُقْطَةِ أ إِلَى النُقْطَةِ بِ دُونَ اجْتِيَازِ الْمَسَافَةِ الْفَاصِلَةِ بَيْنَهُمَا. ثَمَّةَ وَسِيلَةٌ لِحُدُوثِ ذَلِكَ، وَهِيَ الْوَسِيلَةُ الَتِي افْتَرَضَهَا تِيمُوثِي فِيرِّيسْ. يَتَوَقَّفُ وُجُودُ الْجُزَيْءِ فِي النُقْطَةِ أ ثُمَّ يَظْهَرُ فَجْأَةً فِي النُقْطَةِ بِ. وَإِنْ كَانَ هَذَا مَا يَحْدُثُ، وَسَأُسَلِّمُ جَدَلًا بِإِمْكَانِيَّةِ ذَلِكَ، يَتَطَلَّبُ الْأَمْرُ قُوَّةً خَالِقَةً. وَسَيَكُونُ هَذَا أَكْبَرَ بُرْهَانٍ يُمْكِنُ أَنْ يُقْدَّمَ عَلَى وُجُودِ اللَّهِ. مُجَدَّدًا، الْأَمْرُ مُتَزَامِنٌ. إِنِ اخْتَفَى شَيْءٌ مِنَ الْوُجُودِ، فَكَيْفَ تَعْلَمُونَ حِينَ يَظْهَرُ مُجَدَّدًا فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ الَذِي اخْتَفَى فِيهِ أَنَّ هَذَا هُوَ الشَيْءُ نَفْسُهُ الَذِي اخْتَفَى؟ هَلْ يَحْمِلُ عَلَامَةً مَا؟ هَلْ هُنَاكَ جَرَسُ إِنْذَارٍ مُتَّصِلٌ بِهِ؟ أُكَرِّرُ، لَسْتُ فِيزْيَائِيًّا، لَكِنِّي أُحَاوِلُ فَهْمَ مَا يَقُولُهُ هَؤُلَاءِ. فَاللُغَةُ الَتِي يَسْتَخْدِمُونَهَا، وَالطَرِيقَةُ الَتِي يَجْمَعُونَ بِهَا الْكَلِمَاتِ مَعًا بِلَا مَعْنًى. كُنْتُ سَأَنْبَهِرُ أَكْثَرَ إِذَا سَمِعْتُ عَالِمًا يَقُولُ: "ثَمَّةَ أُمُورٌ تُحَيِّرُ الْعَقْلَ تَجْرِي هُنَا فِي حَرَكَةِ الْجُزَيْئَاتِ الْمُكَوِّنَةِ لِلذَرَّاتِ". "يَبْدُو" - فَقَطْ اسْتَخْدَمُوا كَلِمَةَ "يَبْدُو" - "يَبْدُو لِلْعَيْنِ الْمُجَرَّدَةِ أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَتَحَرَّكُ مِنْ مَكَانٍ إِلَى الْآخَرِ دُونَ اجْتِيَازِ الْمَسَافَةِ الْفَاصِلَةِ بَيْنَهُمَا. نَعْلَمُ اسْتِحَالَةَ حُدُوثِ ذَلِكَ. لَكِنْ هَكَذَا يَبْدُو الْأَمْرُ". هُنَا يَبْدُو الْعِلْمُ حَكِيمًا. فَلَدَيْنَا لُغْزٌ حَقِيقِيٌّ أَنَا مُقْتَنِعٌ أَنَّهُ سَيَكُونُ دَافِعًا أَوْ حَافِزًا لِتَحْقِيقِ إِنْجَازٍ عِلْمِيٍّ أَعْظَمَ وَتَقَدُّمٍ عِلْمِيٍّ أَكْبَرَ. هَذَا مَا يَحْدُثُ حِينَ نَعْجِزُ عَنْ حَلِّ الْمَشَاكِلِ، فَإِنَّنَا نَنْسَاقُ إِلَى حُلُولٍ جَدِيدَةٍ، وَصِيَغٍ جَدِيدَةٍ، وَاكْتِشَافَاتٍ جَدِيدَةٍ. هَذَا هُوَ التَوَجُّهُ الْمُحَفِّزُ لِلْعِلْمِ. لَكِنْ لِيَحْدُثَ ذَلِكَ، يَجِبُ أَنْ نَكُفَّ عَنِ التَحَدُّثِ عَنِ الصُدْفَةِ، وَالْحَظِّ، وَالْعَدَمِ.