المحاضرة 3: شخص المسيح وعمله (الجزء الأول)

في هذه المحاضرة – محاضرتنا الثالثة ضمن دراستنا لأسس العقيدة المسيحية – وبينما نتابع التأمل في قانون الإيمان، سنتطرق اليوم إلى ذلك الجزء من قانون الإيمان الذي يحوّل انتباهنا من الله الآب إلى الله الابن. ورغم أن قانون الإيمان وجيز، الجزء الأكبر من قانون الإيمان يركّز طبعًا على شخص يسوع وعمله، لذا تدعى الديانة بالمسيحية، لأن محور إيماننا هو شخص يسوع وعمله. إذًا، جاء في قانون الإيمان بعد عبارة "صانع السماء والأرض"، المتعلقة بالله، "وبيسوع المسيح ابن الله الوحيد ربنا".

فلنتأمل في هذا الجزء من قانون الإيمان: "يسوع المسيح ابن الله الوحيد ربنا". قيل الكثير من خلال هذه الكلمات. ولدينا سلسلة أشرطة منفصلة هنا في ليجونير، تغوص تفصيلًا في عمق معنى الألقاب التي تم نسبها إلى يسوع في العهد الجديد. إذًا، لن يتسنى لنا الوقت في هذه النظرة العامة للغوص في هذه التفاصيل، لكني سأذكر بين هلالين بعض الأوجه المهمة لهذا الجزء من العقيدة؛ وهو أنه حين تقول الكنيسة إنها تؤمن بيسوع المسيح، فإن كلمة "مسيح" لا تُفهم هنا ببساطة كاسم شخص، لكن في العهد الجديد نجد ألقابًا عديدة منسوبة إلى يسوع. ومن حيث تكرار الألقاب التي تم نسبها إلى يسوع، اللقب الأول الأكثر ترددًا من حيث العدد هو لقب "المسيح". وعلينا أن نتذكر أن "يسوع" هو اسمه، وأن "المسيح" هو لقبه الأسمى. إن سألت في العصور القديمة ماذا كان اسم يسوع الكامل، فإنك تسمع جوابًا مثل يسوع ابن يوسف، أو يسوع الناصري. هو لا يدعى يسوع المسيح، لكن هذا اللقب مهم جدًا وبارز جدًا في تعليم العهد الجديد عن يسوع، لدرجة أنه في تاريخ الكنيسة، الاسم واللقب مقترنان بشكل وثيق، لدرجة أننا غالبًا ما نفكر في لقب "المسيح" كما لو أنه اسم عائلة يسوع.

لكن يجب أن نتذكر أنه حين قامت الكنيسة الأولى بهذا الاعتراف، كانت تكرر الاعتراف الذي قام به بطرس في قيصرية فيلبس: "أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ الْحَيِّ". كلمة "مسيح" في العهد الجديد مشتقة مباشرة من الكلمة اليونانية "كريستوس"، وهي ترجمة كلمة "مسيخ" في العهد القديم. وما ترجمتها باللغة الإنجليزية؟ المسيا. معنى كلمة "مسيا"، معنى كلمة "كريستوس" أو المسيح، هو الممسوح. لكن حين نقول إننا نؤمن بيسوع المسيح، فإننا نقوم باعتراف إيمان في هذا الصدد، قائلين إن يسوع هو المسيح الذي طال انتظاره. وبالطبع هذا رئيسي في إعلان يسوع في العهد الجديد بأنه هو المسيح.

وهذا المفهوم – ومجددًا أحيلكم إلى سلسلة تعليمية أخرى حيث نغوص تفصيلًا في دراسة معنى كلمة "مسيح". كلمة "مسيح"، اللقب "مسيح" هو لقب غني بالمعاني، لأننا في العهد القديم لا نجد أي وصف ولو بسيط لما سيكون عليه المسيا الموعود به لإسرائيل، بل نجد خيوطًا مختلفة متعلقة بترقب مجيء المسيح في العهد القديم. هناك نبوّات عن المسيح الذي سيأتي، والذي سيكون مثل موسى وسيط لعهد جديد. إذًا، لديكم هذا الخيط المتعلق بصورة المسيح الذي سيأتي وسيكون مثل موسى؛ أو تسمعون في نبوات إشعياء بتنبؤات عن ذاك الذي هو عبد إسرائيل المتألم، عبد الرب، الذي سيحمل خطايا العالم، الذي سيأتي بتواضع. إذًا، لديكم هذه النبوات كلها بشأن شخص المسيح هذا الذي سيكون عبدًا متألمًا. ثم لديكم الوعود المتعلقة بالمسيح في العهد القديم التي تتكلم عن إرجاع ملك إسرائيل إلى أيام المجد، كما كانت الحال في عهد داود. ومن نسل داود، من ذرية داود، ومن سبط يهوذا سيأتي الملك ليمهّد الطريق للبعد الجديد لملك الله. إذًا، المفهوم الكامل للملك على مستوى ملك داود، هو ما يتوق إليه الناس. ويمكننا أن نقول المزيد. كيف أنه في النصوص المتعلقة بنهاية الأزمنة في العهد القديم، وخصوصًا في سفر دانيال الذي يخبر عن كائن سماوي مرسل إلى الأرض من عرش قديم الأيام، الذي تقضي وظيفته بأن يكون ديّان العالم، ولقبه هو "ابن الإنسان".

إذًا، لديك مختلف وجهات النظر أو الآراء أو الفروق البسيطة المتعلقة بصورة المسيح. وإن قرأت العهد القديم، وتأملت في جميع تلك الخيوط المختلفة: آدم الثاني، ذاك الذي يشبه موسى، ابن الإنسان، العبد المتألم، ملك على رتبة داود. عن أي واحد غفلت؟ نسيت، لكن بأي حال لديك جميع هذه الخيوط المختلفة التي تبحث عنها. كيف يمكن لهذه كلها أن تجتمع في شخص واحد؟ هذا مذهل. لا يسعك التصور أنه يمكن أن يكون لديك مولود من نسل داود، إنسان هو ملك، لكنه في الوقت نفسه ديان مرسل من السماء. حاول الجمع بين هذين اللقبين، وإن لم يكن الأمر معقّدًا كفاية أضِف إليه فكرة العبد المتألم. كيف ينسجم هذا العبد المتألم مع صورة ملك أو معطي شريعة مثل موسى؟

لكن ما نجده في العهد الجديد، هو أن تلك الخيوط الفردية كلها تلتقي لتتطابق مع حياة يسوع المسيح وعمله. هذا أمر مذهل، خصوصًا إن درست تفاصيل تلك التنبؤات المختلفة، ورأيت كيف أنها تحققت كلها. مجددًا، رئيس الكهنة – أضيفوا تلك الفكرة – هذا يجعل الأمر أكثر تعقيدًا. ومع ذلك يأتي يسوع ويؤدي دور الأنبياء، ويؤدي دور الملك، ويؤدي دور رئيس الكهنة العظيم، والنبي، والكاهن، والملك. ليس هذا فحسب، إنه حامل الخطايا، إنه العبد المتألم. تذكرون رؤيا يوحنا في سفر الرؤيا، حين سُمح له بالتحديق في كرسي الدينونة في السماء، وكان الدرج هناك، وكان كتاب الحياة أيضًا، وتم الإعلان "مَنْ هُوَ مُسْتَحِقٌّ أَنْ يَفْتَحَ السِّفْرَ؟" ولم يوجد أحد مستحقًا. وأخيرًا نادى الملاك قائلًا "هُوَذَا قَدْ غَلَبَ الأَسَدُ الَّذِي مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا، لِيَفْتَحَ السِّفْرَ"، وأنتم تنتظرون أن يأتي الأسد زائرًا مقتحمًا الوسط، فيفتح ختوم الدرج ويعلن مضمون السفر، وماذا يحدث؟ هل يأتي الأسد؟ إذًا، بحمل مذبوح في الوسط. من هنا، لقب "المسيح" غني بالمعاني، وهو يستمد معناه من الصفحات والفصول المختلفة في تاريخ العهد القديم في الكتاب المقدس. وهذا كله تم بيسوع.

إذًا، تعلن الكنيسة إيمانها بأن يسوع هو الممسوح، الموعود به سلفًا لإسرائيل، مسيح شعب الله، وبيسوع المسيح ابنه الوحيد. هنا يلفت قانون الإيمان الانتباه إلى فرادة المسيح. يُدعى يسوع ابن الآب الوحيد في الكتاب المقدس. البنوة التي يتمتع بها، العلاقة التي تربطه بالآب فريدة من نوعها. في الواقع، أنا أبحث في اللغة الإنجليزية عن كلمة تتضمن المفهوم الذي نجده في الكتاب المقدس، أي في العهد الجديد. نحن نستعمل كلمة "فريد"، أو نستعمل كلمة "وحيد"، لكن هذه لا تغطي كافة التفاصيل المتعلقة بالموضوع. لدى الألمان كلمة تفيد المعنى: "إيمولاكايت"، أي مرة وإلى الأبد. يسوع، الذي يسميه الكتاب المقدس "مونوغينيس"، ابن الآب الوحيد، هو من نسميه "سيوي غانيروس"، أي أنه يشكل وحده فئة قائمة بحد ذاتها، لا مثيل له، لم يكرر أحد ذلك. نحن ندعى أبناء الله، لكن فقط بموجب تبنينا بيسوع المسيح. إذًا، يسوع هو ابن الله بشكل فريد.

سأعلّق بسرعة على لقب "ابن الله". يشير العهد الجديد تكرارًا إلى يسوع على أنه ابن الله – هذا واحد من ألقابه – لكن في كثير من الأحيان يشير العهد الجديد إلى يسوع على أنه ابن ماذا؟ ابن الإنسان. نسيت الرقم المحدد، 82 أو 83 مرة في العهد الجديد، دعي يسوع ابن الإنسان. وفي كل المرات، ما عدا مرتين أو ثلاث مرات، من يدعو يسوع ابن الإنسان؟ يسوع نفسه. إذًا، رغم أن لقب "ابن الإنسان" يأتي في المرتبة الثالثة من حيث التكرار، بعيدًا جدًا عن المرتبتين الثانية والثالثة – أولًا، المسيح، ثانيًا، رب، ثالثًا، ابن الإنسان. لقب "ابن الإنسان" بعيد جدًا من حيث عدد تكرره، إنه يحتل المرتبة الأولى من حيث الألقاب التي ينسبها يسوع إلى نفسه، إنه اللقب المفضل لدى يسوع لينسبه إلى نفسه: "ابن الإنسان".

إذًا، بما أن الكنيسة تعترف بطبيعتي يسوع البشرية والإلهية، ولدينا لقبان – "ابن الله" و"ابن الإنسان" – من الطبيعي الافتراض أن لقب "ابن الإنسان" يشير بشكل أساسي إلى ماذا؟ طبيعته البشرية؛ ولقب "ابن الله" يشير بشكل أساسي إلى ألوهيته. من المؤسف أن الأمور لا تعمل بهذه الطريقة. ففي الواقع، صورة ابن الإنسان في العهد القديم هي صورة كائن سماوي. ولقب "ابن الإنسان" لا يشير إلى ألوهية يسوع حصريًا. هناك عامل في لقب ابن الإنسان يشير إلى طبيعته البشرية، لكن في الغالب التشديد في لقب ابن الإنسان هو على طبيعته السماوية. إذًا، المعنيان معكوسان تقريبًا، لكن ليس تمامًا. نكون مخطئين على حد سواء إن قلنا العكس تمامًا. لقب "ابن الإنسان" يشدّد على الألوهية، لكنه يشمل الطبيعة البشرية. لقب "ابن الله" يشدد على الطبيعة البشرية، لأن البنوة تحدَّد بالطاعة. وأحيانًا يدعى الملائكة أبناء الله. الرؤساء أو الملوك يدعون أبناء الله. إذًا، لقب ابن الله بحد ذاته لا يعني الألوهية بالضرورة. لكن حين نتأمل في لقب "الابن الوحيد"، حين يتناول العهد الجديد موضوع الـ"مونوغينيس"، وحيد الآب، أظن أن الأمر يتضمن أكثر من علاقة الطاعة البنوية، ويلفت الانتباه إلى طبيعة المسيح الإلهية.

حسنًا، سنمضي قدمًا بسرعة. لدينا لقب "المسيح"، ولدينا لقب "الابن الوحيد"، ولدينا لقب "ربنا". تذكروا أني قلت في البداية إن أول اعتراف إيمان للكنيسة الأولى كان الجملة البسيطة "ييسوس هو كيوريوس"، يسوع هو رب. الكلمة التي تعني رب في العهد الجديد، الكلمة اليونانية التي تنطبق على يسوع هنا هي الترجمة اليونانية للقب العبري "أدوناي"، وهي تُنسب فعليًا وحصريًا في العهد القديم إلى الله الآب. تذكروا أن يهوه لم يشأ قول اسم "يهوه"، فهو كان الاسم الأقدس من أن يُذكر، إذًا، كان اليهود يتّبعون الإطناب، وما هو الإطناب؟ الدوران حول أمر ما، أو الكلام حول أمر ما. الإطناب هو الأسلوب اليوناني، آه لا، الأسلوب اللاتيني لقول الأمر على ما أظن. والإسهاب كلمة أخرى تعني الأمر نفسه، وتأتي من لغة أخرى: مفهوم الدوران أو الكلام حول أمر ما بدون قوله. إذًا، في العبادة اليهودية، وبغية تجنب تدنيس الاسم المقدس أو التجديف عليه، الاسم الذي استعملوه في معظم الأحيان للإشارة إلى الله هو اللقب "أدون، أدوناي"، وهو النظير العبري لكلمة "رب" في العهد الجديد.

إذًا، كان لمفهوم ربوبية يسوع معنى ملوكي وعظيم. الرب هو السيد، والسيادة بمعناها المطلق بالنسبة إلى اليهود يتفرّد بها الله. أحد أسباب جعل المسيحيين مشاعل بشرية لإضاءة حدائق نيرون، إلى آخره، هو أنه ضمن يمين الولاء للإمبراطورية الرومانية، كان عليهم القيام بهذا التأكيد البسيط: "كايزر هو كيوريوس"، قيصر هو رب. وكان المسيحي يقول "سندفع ضرائبنا، وسنطيع الحكام، وسنفعل كل ما تطلبونه منا، سنقول إن قيصر هو قيصر، لكن ثمة أمر واحد لن نفعله، وهو أخذ لقب "رب" ونسبه إلى قيصر. سنعطي لقيصر ما لقيصر، لكننا سنعطي لله ما لله. ولقب "كيوريوس"، بمعناه الأسمى "رب"، ينطبق على الله وحده". إذًا، حين اعترفت الكنيسة بأن يسوع رب، وليس ربًا فحسب، ليس "كيوريوس" فحسب، بل "كيوريوس كيوريو"، رب الأرباب، كان هذا بوضوح نسب ألوهية إلى يسوع.

هل تذكرون إعلان إخلاء الذات في رسالة فيلبي 2، حيث يقول بولس "فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هَذَا الْفِكْرُ الَّذِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضًا: الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا لِلهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ" (طبعًا ليس من ألوهيته)، "لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ، وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ، مَوْتَ الصَّلِيبِ"، إلى آخره. "لِذَلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ، لِكَيْ تَجْثُوَ بِاسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ"، بماذا؟ بأنه رب، بأنه "كيوريوس"، "لِمَجْدِ اللهِ الآبِ". والسؤال هو "ما هو هذا الاسم الذي فوق كل اسم؟" للوهلة الأولى، ربما ظهر في النص أن الاسم الذي يقول بولس إنه فوق كل اسم هو اسم يسوع، لكن كان يسوع يحمل هذا الاسم قبل أن يتمم عمل طاعته، هذا هو الاسم الذي كان يحمله منذ طفولته. لم يحدث إلا في صعوده وفي ارتفاعه أنه أُعطي اسمًا فائقًا، الاسم الذي فوق كل شيء. لكن ما هو ذلك الاسم؟ رب. وهذا هو الاسم الذي دعينا لقوله ونحن جاثون على ركبنا ووجوهنا أمام يسوع. إذًا، حين نقول إن يسوع ربنا، فنحن نقول إنه سيدنا، وإنه يتسلط علينا. هو ليس مخلصنا فحسب، بل إنه سيّدنا.

بعد هذا الاعتراف الوجيز بالألقاب في ما يتعلق بيسوع، بشكل موجز وسريع يغطي قانون الإيمان سريعًا الخطوط العريضة الأساسية لحياة يسوع. في اللاهوت نميّز بين شخص المسيح وعمل المسيح. لاحظوا أني قلت إننا نميز بينهما، لكن لا يمكنكم أبدًا الفصل بينهما، لأنه كيف يمكننا أن نعرف شخص المسيح؟ من خلال ما فعله. وكيف نعرف أهمية ما فعله؟ عبر فهم هويته. إذًا، توجد علاقة تبادل واتصال متبادل بين الاثنين، الشخص والعمل. لاحظوا أنه في بداية عقيدة الإيمان نجد اعترافًا بشأن شخص يسوع، هويته، ما هو عليه – إنه المسيح، إنه ابن الله الوحيد، إنه ربنا. ماذا عن عمل المسيح؟ هذا يلفت الانتباه الآن إلى ما فعله كمسيح وابن ورب، وما فعله مندرج في حياته.

من اللافت، بالنسبة إلي على الأقل، أن قانون الإيمان يبدأ بتأكيد على الولادة من عذراء. في العقيدة الرومانية التي ذكرناها من قبل، جاء ببساطة أنه ولد بالروح القدس من العذراء مريم. لم يؤتَ أبدًا على ذكر الحمل، لكن تمت إضافة هذه التفاصيل لاحقًا. لكن منذ الأيام الأولى في تاريخ الكنيسة، كان التأكيد على ولادة يسوع من العذراء مريم رئيسيًا في قانون إيمان الكنيسة. كنت أقرأ مجددًا في كتاب لجي سي بوركهاور اليوم الماضي، وعنوانه "عمل المسيح"، أنه قال إنه منذ القرن الأول وحتى القرن التاسع عشر، كان هذا فعليًا بندًا متآلفًا وغير قابل للتفاوض في عقيدة الإيمان المسيحي. وحتى في القرن الثاني، اعتبر آباء الكنيسة بعد القرن الثاني، الولادة من عذراء بندًا ضروريًا في المسيحية، أي أنك إن لم تؤمن بالولادة من عذراء لا يمكن أن تلقى قبولًا في الكنيسة المسيحية. وقال بوركهاور إنه من اللافت أنه في تلك الحقبة فقط من تاريخ الكنيسة، كانت صحة الكتاب المقدس وجدارته بالثقة تحت هجوم، فكان على الكنيسة الدفاع ضمن أعضائها عن العقيدة القديمة المتعلقة بولادة يسوع من عذراء.

وحين أمضي قدمًا في استعراض الكتاب الذي تستعملونه ككتاب تدريس، "تدريب أساسي"، أحاول أن أستعرض بإيجاز بعض المسائل الرئيسية التي برزت في السنوات المئة والخمسين الأخيرة، والتي كانت متمحورة حول مسألة الولادة من عذراء هذه. لكني أريد التطرق إلى أمر هنا لبعض الوقت، ربما لم تفكروا فيه، وهو "لماذا اعتبر اللاهوتيون في تاريخ الكنيسة الولادة من عذراء أمرًا مهمًا؟" ليس فقط لأن صحة الشهادات الرسولية على المحك – جدارة لوقا بالثقة في سرد ذلك، وجدارة متى بالثقة في تعليم ذلك – لكن هل يوجد أي مغزى لاهوتي من الولادة من عذراء؟ ما إن تطرح هذا السؤال، حتى تواجه أمرًا يطرح تخمينًا كبيرًا، يمكن أن يصبح خطيرًا قليلًا. لكن يقول البعض "هل كان من الضروري أن يولد يسوع من عذراء لكي يتمم العمل الذي أرسله الله ليؤديه؟"

يقول البعض، وأنا واثق من أنكم سمعتم هذا الكلام، وهو أنه كان من المهم جدًا ألا يولد يسوع ملطخًا بالخطية الأصلية، ومن البديهي في الكتاب المقدس أن كل من يولد عن طريق التدرج الطبيعي للولادة يأتي إلى العالم حاملًا طبيعة بشرية ساقطة: "اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ"، إنه في حالة سقوط. الفادي يشبهنا في جميع النواحي، إلا في ناحية واحدة، إنه بلا خطية. وهذا لا يعني فحسب الخطية الفعلية، لكنه أيضًا بدون خطية أصلية. إذًا، يرى البعض ببساطة التفسير – التفسير المنطقي للولادة من عذراء – على أنه يركز بصرامة على كون يسوع مولود مع أو بدون خطية أصلية. توجد بعض الفروق الدقيقة الأخرى للأمر، ما قد يدخلنا في تفاصيل جانبية قد تدوم إلى الأبد.

لكن البعد الآخر الذي يتم التغاضي عنه غالبًا، هو أنه في مفهوم الكنيسة للثالوث، وفي مفهوم الكنيسة لشخص المسيح، أعلنت الكنيسة أنه في الثالوث لدينا جوهر واحد، وكم أقنومًا؟ ثلاثة أقانيم. وهذه هي الصيغة الكلاسيكية والتقليدية للثالوث، وهي أن الله واحد في الجوهر وثلاثة أقانيم. لكن كيفية إعلان الكنيسة إيمانها في معضلة التجسد، بأقنوم يسوع؟ العكس تمامًا. كم أقنومًا لديك في يسوع؟ ثلاثة؟ أقنوم واحد، وطبيعتان. لكي تفهم الأمر لاهوتيًا، كيف يمكن أن يكون لديك أقنوم واحد وطبيعتان؟ سأطرح عليك هذا السؤال: هل كان لدى يسوع طبيعة بشرية؟ هل كان يسوع شخصًا بشريًا؟ لا. إن كان شخصًا بشريًا، كنت لأسألكم الآن هل كان شخصًا إلهيًا؟ عندئذٍ لديكم شخصان.

حسنًا، تحاول الكنيسة حماية ذلك (وحدة شخص يسوع)، وفي فهم قدر الإمكان، وهو أمر غير بعيد، معضلة التجسد، مجيء الله إلى هذا الكوكب، ليس أن الله لم يعد إلهًا وبدأ يصبح إنسانًا، أو أن الإنسان أصبح إلهًا فجأة، لكن الفكرة هي أن الأقنوم الثاني للثالوث، ابن الله الأزلي، لا يفقد شيئًا من طبيعته، لكنه يتخذ طبيعة بشرية؛ أي أن الأقنوم الثاني للثالوث يضيف إلى نفسه طبيعة بشرية، ليس شخصًا بشريًا، وإلا أصبح لديك شخصان. لديك شخص واحد، بطبيعة إلهية وطبيعة بشرية. الأقنوم الثاني للثالوث، اللوغوس الإلهي، يتخذ طبيعة بشرية، وهو ينال هذه الطبيعة البشرية من نسل امرأة، إنه يتخذ الجسد أو الطبيعة البشرية من مريم. لكن الأقنوم الإلهي يأتي ويتخذ ذلك، ويولد في هذا العالم. إذًا، لديك أقنوم واحد وطبيعتان. ومجددًا، يطرح الأمر تخمينًا. لكن يُعتقد أن هذا ما فعله الله ليتجنب أن يكون هناك شخصان، أو تحوّل للطبيعة الإلهية، أو تأليه للطبيعة البشرية. حسنًا، انتهى الوقت لهذه المحاضرة. وفي المحاضرة المقبلة، سنتطرق إلى الملخّص الذي يقدّمه لنا قانون الإيمان بشأن تألّم المسيح، وموته، وقيامته، وصعوده، وعودته. هذا ما سنفعله في المرة المقبلة.