المحاضرة 8: ملاك النور

بينما نصل الآن إلى ختام سلسلتنا التعليمية حول الملائكة، يبقى جزء كبير علينا تغطيته في ما يتعلق بعمل الشيطان. سبق أن رأينا أنه لا يتمتع بصفات إلهية، وأنه على الرغم من أنه أقوى منا هو ليس كلي القدرة، وعلى الرغم من أنه يفوقنا معرفة هو ليس كلي العلم ولا يمكنه أن يكون في أكثر من مكان واحد في آن واحد، لأنه محدود بمحدودية كونه مخلوقًا. لكننا رأينا أيضًا أنه كذّاب وأنه حاذق وماكر، لكن في الوقت نفسه يمكن مقاومته.

أحد الأمور التي يتم التغاضي عنها غالبًا بشأن طبيعة الشيطان ونشاطه هي طباعه المتحولة. وحين نتكلم عن التحول فإننا نتكلم عما يتغير مظهره الخارجي، مثلما تخضع الفراشة لعملية التحوّل من دودة إلى مخلوق جميل طائر. والمقصود بوصفنا الشيطان على أنه متحوّل هو قدرته، كما نقول في اللاهوت، على أن يظهر "ساب سبيسيز بوناي"، ما يعني حرفيًا أنه يبدو نذير خير. وبعيدًا عن كونه شخصية غريبة ببذلة حمراء وقرون مع مذارة كما ذكرنا في المحاضرة السابقة، هو يملك بالأحرى القدرة على الظهور، كما جاء في الكتاب المقدس كملاك نور. هو لا يهاجمنا بأنياب ووجه قبيح بل إنه يقترب منا متنكرًا بالجمال، فيبدو جذابًا. هذا جزء من إغراءات أساليبه المغوية. وأظن أنه إن أراد الشيطان أن يتجلّى في شخص إنسان بشري فهو لن يكون إنسانًا رهيبًا ومشهورًا وشريرًا للغاية، كما صدام حسين أو أسامه بن لادن، بل إنه سيظهر في التاريخ وهو يبدو مثل بيلي غراهام. وأنا لا أقصد إهانة بيلي غراهام، بل إني أقول ببساطة إنه سيحاول أن يظهر كإنسان جدير بالثناء، كإنسان يسلك بشيء من البر، لكنه يفعل ذلك برياء لأنه كذّاب.

يسمّيه الكتاب المقدس رئيس مملكة الظلمة، رئيس سلطان الهواء، رئيس هذا العالم. هذا هو مجاله. والوظيفتان الرئيسيتان اللتان يوكل العالم بهما هما وظيفتا الإغواء والشكاية. ومن المهم جدًا أن نفهم هاتين الوظيفتين للشيطان. والوظيفة الأكثر شيوعًا لدينا هي وظيفة الإغواء. سبق أن رأينا كيف أنه أغوى آدم وحواء في الجنة عبر حثّهما على ارتكاب الخطية. ونعلم أنه جنّد قواه ومهاراته كلّها ضد يسوع في تجربته الجهنّمية في برية اليهودية. أنا أرتعد حين أفكّر في ما مرّ فيه ربنا في تلك التجربة التي دامت أربعين يومًا.

وكما ذكرت سابقًا، أوجه الاختلاف بين البيئة التي تعرّض فيها يسوع لقوة الشيطان مقارنة ببيئة آدم وحواء شاسعة جدًا. تعرض آدم وحواء للتجربة وسط الجنة، وسط جنة شهية تجد فيها الثمر والطعام في كل مكان، لكن يسوع تعرّض لهجمات الشيطان وسط برية اليهودية. إن سبق لك أن زرت فلسطين ومررت بالقرب من برية اليهودية فهي من الأماكن الأكثر وحشة التي تصادفها يومًا في حياتك. وتقتصر الكائنات الحية فيها على بعض الطيور وقليل من الأرانب والعقارب، وبعض الأفاعي. إنه مكان رهيب. لكن يسوع أمضى أربعين يومًا في هذا المكان الموحش، وتعرّض للهجوم الجامح الذي يشنه العدو، أي الشيطان. وتعرض آدم وحواء للهجوم وهما شبعانان، في حين تعرض له يسوع بعد أربعين يومًا من الصوم، حين شعر بآلام الجوع البيولوجية الطبيعية. أيضًا، تعرض آدم وحواء للهجوم فيما هما يتمتعان بالقوة المتبادلة للشركة والرفقة البشريتين.

قال سورين كيركغارد "ما من حالة أكثر تدميرًا قد يتعرض لها الإنسان في أي فترة من الزمن من الوحدة". إن أردنا تشديد العقوبة على المساجين وراء القضبان فإننا نضعهم في حبس انفرادي. ولقد كان يسوع وحيدًا تمامًا خلال الأيام الأربعين التي تعرّض فيها للتجربة. فكروا مثلًا في المثل الذي ضربه بشأن الابن الضال، الذي سلك بطريقة معينة حين كان في بيت أبيه ومع العائلة. ولم يسلك بانحطاط جذري إلا حين ذهب إلى بلاد غريبة، حيث كان مجهول الهوية لا يعرفه أحد، وحيث لم ينتظر أحد منه مستوىً معينًا من السلوك. إذًا، تعرّض ربنا لعدم الكشف عن هويته في البرية، وحاول الشيطان استغلال ذلك. "أُسجد لي، إحنِ ركبتك مرة ولن يعرف أحد ذلك، لن يرى أحد ذلك. وجميع ممالك المسكونة تكون لك".

إذًا، هذا هو موطن قوته، أن يأتي إلى شعب الله ويحاول إغواءهم ليرتكبوا الخطية. فالخطية بحد ذاتها جذابة جدًا بالنسبة إلينا. إن كنا نعرف شيئًا عن أمور الله فإننا نعلم أنه لا يمكن أبدًا للخطية أن تسعد أحدهم، لكننا مندفعون للسعي وراء سعادتنا الخاصة. قال جوناثان إدواردز ذات مرة "إن عمل الإرادة، أو عمل الاختيار، هو أن الذهن يختار ما يبدو مفيدًا لنا في هذه اللحظة"، بحيث أننا حين نختار القيام بأمور معينة، فإننا نختار القيام بها لا لأننا نظن أنها تنطوي على أي برّ أخلاقي، بل لأننا نظن أنها ستعود علينا بالفائدة. ونحن نخلط بين السعادة واللذة. الخطية تعطي اللذة لكنها لا تعطي السعادة أبدًا. نحن لم نتعلم ذلك بعد، ولن نتعلم ذلك ما لم نكتشف أن سعادتنا الوحيدة تكمن في الله وفي أمور الله، حين نصبح سماويين. في هذه الأثناء، نحن نتعرض لهجمات الشيطان المغرية، وهو يجعل الخطية تبدو جميلة في نظرنا، ويعدنا باللذة.

نحن نرى كيف يحاول الشيطان أن يغري يسوع. لقد نجح مع آدم وحواء، وطارد بطرس وشعب الله كافة في صفحات الكتاب المقدس. وقيل لنا إن الله لا يجرّبنا أبدًا. يوجد فرق شاسع بين الشيطان والله، ومع ذلك غالبًا ما نقرأ في الكتاب المقدس أن الله يضعنا في مكان الامتحان، فهو امتحن إبراهيم. والروح القدس هو من قاد يسوع إلى البرية ليُجرَّب من إبليس. ومع ذلك يقول لنا يعقوب "لاَ يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ". وما نقصده بهذا المعنى هو أن الله لا يغرينا أبدًا أو يحاول أن يشجعنا على ارتكاب الخطية، لكنه قد يضعنا في مكان الامتحان.

وهنا تصبح قصة أيوب في العهد الجديد تعليمية جدًا بالنسبة إلينا. فلننظر إلى ذلك لبعض الوقت. نقرأ في الفصل الأول من هذا السفر في وصف أيوب، في الآية الأولى "كَانَ رَجُلٌ فِي أَرْضِ عَوْصَ اسْمُهُ أَيُّوبُ. وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ كَامِلًا وَمُسْتَقِيمًا، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ". يا له من وصف مذهل لاستقامة أيوب في هذا التعليم. "وَوُلِدَ لَهُ سَبْعَةُ بَنِينَ وَثَلَاثُ بَنَاتٍ. وَكَانَتْ مَوَاشِيهِ سَبْعَةَ آلَافٍ مِنَ الْغَنَمِ، وَثَلَاثَةَ آلَافِ جَمَلٍ". ربما هذا جعل منه الرجل الأغنى في العالم. "وَكَانَ بَنُوهُ يَذْهَبُونَ وَيَعْمَلُونَ وَلِيمَةً فِي بَيْتِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي يَوْمِهِ، وَيُرْسِلُونَ وَيَسْتَدْعُونَ أَخَوَاتِهِمِ الثَّلَاثَ لِيَأْكُلْنَ وَيَشْرَبْنَ مَعَهُمْ (كانت العائلة رائعة). وَكَانَ لَمَّا دَارَتْ أَيَّامُ الْوَلِيمَةِ، أَنَّ أَيُّوبَ أَرْسَلَ فَقَدَّسَهُمْ، وَبَكَّرَ فِي الْغَدِ – لماذا؟ ليعبد الله – وَأَصْعَدَ مُحْرَقَاتٍ عَلَى عَدَدِهِمْ كُلِّهِمْ، لِأَنَّ أَيُّوبَ قَالَ: «رُبَّمَا أَخْطَأَ بَنِيَّ وَجَدَّفُوا عَلَى اللهِ فِي قُلُوبِهِمْ». هَكَذَا كَانَ أَيُّوب يَفْعَلُ كُلَّ الأَيَّامِ". كان نموذجًا ومثالًا عن الفضيلة كأب في الكتاب المقدس. وماذا حدث بعد ذلك؟ ما الذي جعل عالم أيوب يتداعى وينهار؟

الآية 6:

وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَنَّهُ جَاءَ بَنُو اللهِ لِيَمْثُلُوا أَمَامَ الرَّبِّ، وَجَاءَ الشَّيْطَانُ أَيْضًا فِي وَسْطِهِمْ. فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟». فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: «مِنَ الْجَوَلَانِ فِي الْأَرْضِ، وَمِنَ التَّمَشِّي فِيهَا». فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: «هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الْأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ». فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: «هَلْ مَجَّانًا يَتَّقِي أَيُّوبُ اللهَ؟ أَلَيْسَ أَنَّكَ سَيَّجْتَ حَوْلَهُ وَحَوْلَ بَيْتِهِ وَحَوْلَ كُلِّ مَا لَهُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ؟ بَارَكْتَ أَعْمَالَ يَدَيْهِ فَانْتَشَرَتْ مَوَاشِيهِ فِي الْأَرْضِ. وَلَكِنِ ابْسِطْ يَدَكَ الْآنَ وَمَسَّ كُلَّ مَا لَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَجْهِكَ يُجَدِّفُ عَلَيْكَ».

هذا هو التحدي الذي يضعه الشيطان أمام الله. ها إنه يتّهم أيوب بالرياء، وهو يقول "لقد تمشيت في الأرض كلها والكل هنا في قبضتي. أنا هو رئيس هذا العالم، والكل يتبعني". فقال الله "ماذا عن أيوب؟ هل رأيت عبدي أيوب الكامل والمستقيم؟" فأجاب الشيطان "بالطبع، لن أرفض النعمة، فأنت سيجت من حوله وأعطيته مالًا أكثر من أي إنسان في العالم. هل يخدم أيوب الله مجانًا؟ بالطبع لا. لكن دعني أهاجمه، دعني أهاجمه وسأريك أن أيوب سيتركك ما إن يواجه المشاكل. وحين أنتهي منه، سيجدّف عليك في وجهك". هذا هو التحدي الذي يضعه الشيطان أمام الله. إذًا قال الله "حسنًا، إنه في يدك. سأزيل السياج ونرى ما سيحدث". ونصل بذلك إلى القصة الأكثر إذهالًا في العهد القديم عن البؤس البشري المستمر الذي أنزله الشيطان على حياة هذا الرجل التقي وعائلته وممتلكاته.

أولًا، يجب أن يعلّمنا هذا الأمر شيئًا عن عمل الشيطان. الشيطان قادر أن يعرّض حياتنا لضرر كبير؛ آلام جسدية، خسارة ممتلكات، شتى أنواع البؤس. لكن هنا نميل أكثر ما نميل إلى فصل الشيطان عن الله، وتحميل الشيطان مسؤولية جميع مصائبنا ومحننا كما لو أنه يملك القوة بنفسه ليخرب حياتنا. لكن كل ما يفعله الشيطان خاضع دائمًا لسلطان الله. لا يقدر الشيطان أن يحرّك إصبعًا من دون إذن إلهي. يسوع يفهم ذلك، ويفهم وضع أيوب. إنه يفهم الوضع الذي واجهه آدم وحواء حين كانا في الجنة. وبالطبع، هو لم ينسَ أبدًا عزلته في برية اليهودية، بحيث أنه حين علّم تلاميذه الصلاة قال "مَتَى صَلَّيْتُمْ فَقُولُوا: ... لَا تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ لَكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ".

أريد الإشارة إلى أمرين متعلقين بهذا الجزء من الصلاة الربانية. أولًا، تم إعلان ذلك بصيغة نحوية تدعى التطابق، أي أن السطر الثاني يحمل المعنى نفسه كما السطر الأول لكن الكلمات تختلف. والأمر الثاني هو أني لا أفهم لماذا ترجمت الكتب المقدسة الإنجليزية لسنوات وقرون تلك العبارة بهذه الطريقة "لَا تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ لَكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشر"، لأنه حين يتم التكلّم عن الشر بالمعنى النظري يتم استعماله بصيغة الحياد بدلًا من جنس التذكير. والكلمة المستعملة هنا في الصلاة الربانية في اليونانية هي كلمة "بونيروس"، التي تتم ترجمتها بدقة أكبر كما يلي "لَا تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ لَكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ". "بونيروس" هو لقب من ألقاب الشيطان.

إذًا، ما الذي يقوله يسوع؟ يجب أن نصلي أن يضع الله سياجًا من حولنا، وأن يُبقي هذا السياج حولنا وألا يضعنا في مكان نتعرض فيه لهجوم الشيطان. يجب أن تكون هذه صلاتنا، عالمين أننا عرضة دائمًا لهجمات العدو. إذًا، نحن نقول "يا رب، احمِنا، كُن حصنًا لنا، كن حصننا المنيع، احمنا من هجمات الشيطان". هذا ما طلب منا يسوع أن نقوله في الصلاة. لأننا نرى ما يحدث لأيوب؛ سقط السياج، والجحيم أطلق عنانه في حياته. وكان ألمه كبيرًا وشديدًا جدًا لدرجة أن أصدقاءه المفضّلين الذين افترضوا سابقًا أنه رجل مستقيم، جاءوا إليه الآن بينما كان جالسًا على كومة السماد وجسمه مليء بالتقرحات، وقالوا له "يا أيوب، لا بد أنك قمت بعمل سيء جدًا لتكون في هذا الوضع، لأنك الرجل الأكثر بؤسًا في العالم. لا بد أنك ارتكبت الخطايا الأكثر بؤسًا في العالم كله لكي يحدث لك ذلك".

ثم إن رفيقته الأقرب إليه، زوجته، لم تتحمل رؤية زوجها يتألم، فقالت "استسلم يا أيوب. العن الله ومُت. لن تجد الراحة إلا إذا لعنت الله". يشبه ذلك تلاميذ يسوع، أصدقاءه المقربين. "لا تذهب إلى أورشليم. مهما فعلت لا تطع الله، فسيكلفك الأمر كثيرًا". وها إن زوجته، وبينما كان واقفًا هناك وهو يقول "هُوَذَا يَقْتُلُنِي. لاَ أَنْتَظِرُ شَيْئاً. فَقَطْ أُزَكِّي طَرِيقِي قُدَّامَهُ"، قالت له "كفّ عن ذلك، لا يمكنك التحمل أكثر، العن الله ومُت". لكنه لم يفعل، وهُزم الشيطان. وتمجّد الله في ذلك، وتبرّأ أيوب حين استعاد كل ما كان قد خسره. يا لها من قصة مذهلة في العهد القديم حول قوة الشيطان وتبرئة الرب لشعبه.

أكرر، اتّبع الشيطان طريقتين للقضاء على أيوب: أولًا، حاول إغراءه لإنكار الله. وتكمن قوة التجربة في الألم الذي تسببه. لكن ليس هذا فحسب، لقد هاجم المؤمن بوسيلته المفضلة. ثمة لقب آخر للشيطان في الكتاب المقدس وهو "ديابولوس"، ومعناه "المشتكي". ويُعتبر الشيطان المشتكي على الإخوة. والتهمة التي أثارها ضد أيوب هي أن السبب الوحيد الذي يدفع أيوب إلى خدمة الله هو الازدهار الذي منحه إياها الله، وهذا غير صحيح. هذه تهمة باطلة واتهام باطل. نحن نعرف جميعًا الطريقة التي يتّبعها الشيطان ليجرّبنا، لكن عمله الأكثر خطورة مع المؤمن يكمن في شكايته على المؤمن وتعييرك بذنبك، وإبعادك عن الصليب والإنجيل والإشارة إلى مدى سوءك. والأمر الرهيب في لعب الشيطان دور النائب العام، هو أنه ليس عليه أن يختلق تهمًا خاطئة، فبإمكانه أن يشير إلى حقيقة خطايانا محاولًا أن يسلب منا فرحنا، محاولًا أن يسلب سلامنا، محاولًا أن يسلب ثقتنا بالإنجيل.

ومن الأمور الصعبة في حياة المؤمن التمييز بين عمل الروح القدس الذي يبكتنا على خطيتنا، وعمل الشيطان الذي يتهمنا بارتكاب الخطية، لأن كلاهما قد يشير إلى الخطية نفسها. لكني لاحظت هذا الفرق. حين يبكتنا الروح القدس على الخطية، بقدر ما قد يكون الأمر مؤلمًا لبعض الوقت، يوجد دائمًا جانب حلوٌ فيه. ففي التبكيت يذكّرنا الروح دائمًا بالوعد بالغفران والتعويض، في حين أن الشيطان، حين يشتكي ضدنا، الهدف من شكايته هو تدميرنا وشلّنا، ودفعنا إلى التخلي عن كل رجاء. لذا حين يتكلم بولس عن الاختيار، حين يتكلم بولس عن نعمة الله الفائضة والرائعة، فهو يوجّه تهمة جريئة ضد الشيطان: "مَنْ سَيَشْتَكِي عَلَى مُخْتَارِي اللهِ؟ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يُبَرِّرُ". لذا، حين يأتي الشيطان بشكايته، علينا القول "لا يمكنك أذيتي أيها الشيطان. أخرُج خارجًا. نحن نعلم أننا مذنبون، لكن لدينا المسيح، لدينا الإنجيل، وهذا هو ترسنا الذي يحمينا من شكايته". لذا يعجبني في تعليم هايدلبرغ التصريح الذي يفيد بأن المسيح هو رجاؤنا الوحيد في الحياة والممات. لذا عليَّ أن ألتصق به وأن ألتصق بالإنجيل، لأن الشيطان سيشتكي علينا في كل دقيقة.

أخيرًا، نقرأ في الكتاب المقدس أن لدى الشيطان جيشًا كاملًا من المعاونين، "دايمونيون" أي الشياطين. ونرى أن عملهم كان مركّزًا بشدة أثناء تواجد يسوع على هذه الأرض. في الواقع، الكائنات الأولى التي اعترفت بهوية يسوع هم الشياطين. لقد أسموه "قدوس إسرائيل"، "ابن الله". "أَجِئْتَ إِلَى هُنَا قَبْلَ الْوَقْتِ لِتُعَذِّبَنَا؟" لقد فهموا وأدركوا أن أيامهم معدودة، وكانوا يعلمون أنه سيأتي يوم ينتهي فيه أمرهم. لكنهم علموا أيضًا أن الوقت لم يحن بعد، وكانوا يحاولون التفاوض مع يسوع. لكن يسوع طردهم من الرجل الذي سكنوا فيه وكانوا يعذبونه، وأدخلهم إلى الخنازير وأرسلهم إلى الهلاك. يقول الناس "لماذا لم يرسلهم إلى الجحيم؟" لأن الوقت لم يكن قد حان بعد. لكنه طردهم وتشتت هؤلاء الشياطين في جميع أنحاء المكان.

في الكتاب المقدس، نراهم يمسّون الناس ويأسرونهم، مسببين أذى جسديًا وأضرارًا في الممتلكات وشتى أنواع الأمور الوحشية. والمؤمن يواجه دائمًا هذا السؤال "هل يمكن أن أصبح ممسوسًا؟" لا أعتقد ذلك. أعتقد أنه يمكن للناس أن يكونوا ممسوسين، لكني لا أعتقد أنه يمكن للمؤمن أن يكون ممسوسًا، ليس المؤمن الحقيقي، ليس الإنسان المتجدد. ففي هذا الإنسان المتجدد يسكن الله الروح القدس. ويقول لنا الكتاب المقدس "حَيْثُ رُوحُ الرَّبِّ هُنَاكَ حُرِّيَّةٌ". إذًا، لا يمكن لأي شيطان أن يأخذنا رهينة قوة الشيطان. بإمكانه أن يأسرنا، بإمكانه أن يضايقنا، بإمكانه أن يجرّبنا ويهاجمنا وأن يفعل جميع تلك الأمور، لكن شكرًا لله لأن الذي فينا أعظم من الذي في العالم.