المحاضرة 6: عبادة الملائكة

في إطار دراستنا للملائكة في الكتاب المقدس، مع إلقاء نظرة وجيزة على المقطع في يشوع 5، حيث نشهد ظهور رئيس أو قائد جند الرب الذي سجد يشوع أمامه وعبده، ما أثار مسألة لياقة تقديم العبادة أو التبجيل لكائنات ملائكية. وأصبحت هذه المسألة مشكلة كبيرة في العصور القديمة مع بعض الديانات الشرقية التي مارست عبادة الملائكة علنًا في نظامها، وهي مسألة كان على المجتمع المسيحي في الكنيسة الأولى أن يعالجها، لأن بعض المؤمنين الجدد بالمسيحية جلبوا معهم هذه النظريات من المجتمع الوثني. إذًا، ظهرت مشكلة ظهور المسيحيين المتورطين بعبادة الملائكة. وتشكّل رسالة بولس إلى أهل كولوسي مثلًا إحدى رسائله التي تعالج هذه المشكلة بشكل خاص. لكن ما من مكان آخر نجد فيه نظرة أكثر شمولًا لتفوّق المسيح على الملائكة أكثر من رسالة العبرانيين.

مجددًا، تذكّروا أن الملائكة كائنات سماوية، يأتون من محضر الله. لكن حتى ككائنات سماوية لا يزالون مخلوقات، وتقديم العبادة لأي مخلوق مهما كانت أهميته أو مرتبته يعني الوقوع في خطية عبادة الأوثان. مجددًا، نذكر تعليم بولس لأهل رومية، في الفصل الأول من رسالته، وهو أَنَّ "غَضَبَ اللهِ مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ، الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالْإِثْمِ". وما يتطرق إليه هنا في هذا الفصل الأول هو ميلنا إلى عبادة الأوثان، وأيضًا استبدال حق الله بالكذب، واتقاء وعبادة المخلوق دون الخالق. الوصية الأولى، والوصية الثانية، والوصية الثالثة، والوصية الرابعة تمنع كلها بطريقة أو بأخرى أي تورط في عبادة المخلوق.

إذًا، فلننتقل الآن إلى الفصل الأول من رسالة العبرانيين، حيث نقرأ هذه الكلمات في الآية الأولى "اللهُ، بَعْدَ مَا كَلَّمَ الْآبَاءَ بِالْأَنْبِيَاءِ قَدِيمًا، بِأَنْوَاعٍ وَطُرُقٍ كَثِيرَةٍ، كَلَّمَنَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ، الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ". إذًا، الآن، دعوني أتوقف هنا لبعض الوقت. ليس هذا المكان الوحيد في الكتاب المقدس الذي أُعلن فيه المسيح كخالق الكون. في إنجيل يوحنا، اللوغوس الذي كان ظاهرًا في تجسد يسوع، هو من تمت كل الأشياء به ومن خلاله. أيضًا، تشدّد رسالة كولوسي على ما نسميه "المسيح الكوني"، الذي هو خالق الكون كله. إذًا، الأمور التي تلفت الانتباه إلى طبيعة المسيح الفريدة، في هذه الكلمة الافتتاحية هنا، هي سبب كونه إعلان الله المتمم. تكلم الله بطرق مختلفة، وفي أوقات مختلفة، وبأساليب مختلفة في الماضي، لكنه تكلّم الآن بهذه الطريقة، من خلال ذاك الذي هو وارث الله، وهو الخالق أيضًا. المسيح وحده هو الوارث للآب، نحن أصبحنا شركاء معه في الميراث من خلال تبنّينا، لكن المسيح وحده، إذا جاز التعبير، يتمتع بالعلاقة الطبيعية أو الجوهرية بالآب بصفته ابن الآب الوحيد والوريث الشرعي لله.

إذًا، هو قال "الَّذِي جَعَلَهُ وَارِثًا لِكُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِهِ أَيْضًا عَمِلَ الْعَالَمِينَ". ثم جاء في الآية التالية، وهي آية رائعة، "الَّذِي، وَهُوَ بَهَاءُ مَجْدِهِ، وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ، وَحَامِلٌ كُلَّ الْأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ". هذه كريستولوجيا سامية كما تجدون في أي مكان في الكتاب المقدس. حين نفكر في مجد الله، البهاء المتألق الذي يتقد من حين إلى آخر عبر تاريخ الكتاب المقدس، حيث أن ذلك المجد، كما في سحاب المجد، أو المجد الذي رافق ظهور الملائكة في بيت لحم، وقد تكلمنا عنه، سحابة المجد التي أصعدت المسيح إلى السماء وما إلى ذلك، ثمة نور ساطع مرتبط بمجد الله. وما يقوله كاتب رسالة العبرانيين هو إن الابن هو بهاء ذلك المجد، أي أنه ينتمي إلى جوهر الكيان الإلهي.

مجددًا، في حقبة الكتاب المقدس، كان نسب المجد يعني نسب الألوهية، كان المجد أساسًا صفة إلهية. ونرى أنه في أحد أهم الأناشيد الأولى في الكنيسة المسيحية – نشيد "غلوريا باتري" – حيث نرنم ماذا؟ "مجدًا للآب والابن والروح القدس"، أي أن أقانيم الثالوث الثلاثة مكتسية بالمجد. "كما كان في البدء وهو الآن، هكذا يكون إلى الأبد"، أي أن هذا مبدأ أبدي عن المجد الإلهي، لا بداية له ولا نهاية في الزمن، إنه أمر يدوم إلى الأبد. إذًا، هنا، في رسالة العبرانيين، مجد المسيح الذي هو بهاء مجد الآب تم إثباته، أي رسم جوهره.

أظن أن الأمر يعني أكثر من طبيعة يسوع البشرية المتجسّدة، حيث إن يسوع يعلن لنا كمال صورة الله كما لم يفعل أي إنسان آخر. حين فشل آدم في الطاعة، فشل أيضًا في إظهار قداسة الله بمعنى ما، وهذه خطية كل إنسان. نحن لا نزال على صورة الله بمعنى معين، لكن تلك الصورة تلطخت الآن وتشوهت لأننا لا نعكس بدقة كمال قداسة الله، لكن هذا ما خُلقنا لنفعله. وبالطبع، الوحيد الذي تمم هذا الانعكاس أو الإظهار الكامل للقداسة الإلهية، هو يسوع بطبيعته البشرية. إذًا، يمكننا أن نقرأ في هذا النص أنه رسم جوهره، لكي نقول إنه أفضل حامل للصورة، وهذه إشارة إلى طبيعته البشرية. ربما هذا ما يعنيه الكاتب، لكني لا أظن ذلك، لأنه يتكلم عن كونه بهاء مجد الله، هذا تأكيد على ألوهيته، وهو رسم جوهر الآب، وأظن أن هذا تعبير عن الكلمة الأبدية، الذي هو التعبير الأبدي عن الألوهية في الكلمة. يبدو أن هذا سياق ما يقوله هنا في هذا النص.

لكن مجددًا، هذا كله استباق لما سيأتي لاحقًا، حيث قال "وَحَامِلٌ كُلَّ الْأَشْيَاءِ بِكَلِمَةِ قُدْرَتِهِ، بَعْدَ مَا صَنَعَ بِنَفْسِهِ تَطْهِيرًا لِخَطَايَانَا، جَلَسَ فِي يَمِينِ الْعَظَمَةِ فِي الْأَعَالِي، صَائِرًا أَعْظَمَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِمِقْدَارِ مَا وَرِثَ اسْمًا أَفْضَلَ مِنْهُمْ". ربما ينتقل التشديد الآن إلى خدمة المسيح المتجسد، لأنه من الواضح أنه لا يوجد ارتفاع للطبيعة الإلهية فوق الملائكة نتيجة خدمة أرضية. الارتفاع فوق الملائكة هو ارتفاع المسيح المتجسد فوق الملائكة. وتذكّروا أنه في الخلق، وكما يقول لنا كاتب المزامير، يطرح كاتب المزامير هذا السؤال "إِذَا أَرَى سَمَاوَاتِكَ عَمَلَ أَصَابِعِكَ، الْقَمَرَ وَالنُّجُومَ الَّتِي كَوَّنْتَهَا، فَمَنْ هُوَ الْإِنْسَانُ حَتَّى تَذْكُرَهُ؟ وَابْنُ آدَمَ حَتَّى تَفْتَقِدَهُ؟ وَتَنْقُصَهُ قَلِيلًا عَنِ الْمَلَائِكَةِ". إذًا، الكائنات البشرية، أدنى رتبة من الملائكة من حيث الخلق، الملائكة أعلى رتبة. إذًا، يسوع المتجسد، وبينما يلبس الطبيعة البشرية، إن الطبيعة البشرية في هذه المرحلة على الأقل أدنى رتبة من الملائكة.

لكن الأمر لا ينتهي هنا، فلنلقِ نظرة على الأمر "صَائِرًا أَعْظَمَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِمِقْدَارِ مَا وَرِثَ اسْمًا أَفْضَلَ مِنْهُمْ". لا نعلم ما هو الاسم هنا، أي الاسم الأفضل الذي يتلقاه يسوع. ربما على ضوء السياق المباشر لهذا المقطع، الاسم الأفضل من الملائكة يشير ببساطة إلى لقب "الابن"، وهذا هو محور الاهتمام هنا. من ناحية أخرى، في مكان آخر في الكتاب المقدس، نعلم أيضًا أن يسوع اكتسب اسمًا نتيجة كمال طاعته، وهذا الاسم ليس الاسم "ابن"، إنه الاسم "رب". نحن نجد ذلك في رسالة بولس إلى أهل فيلبي، حين يحثنا على أن يكون لنا الفكر نفسه الذي كان في المسيح يسوع "الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا لِلهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ (من الواضح أنه لم يُخلِ نفسه من ألوهيته لكنه أخلى نفسه من امتيازاته من مجده ومن ارتفاعه) آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ، وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ". إذًا، ما يقوله بولس هنا هو الآتي "انظروا إلى هذه القدوة التي منحنا إياها المسيح، الذي تخلى عن امتيازاته التي كان يتمتع بها في السماء، ونزل إلى مستوى وحدتنا ليأخذ طبيعتنا البشرية ويتحمل الذلّ بالنيابة عنا". إذًا، هذه هي الطريقة التي يجب أن نتصرف بها تجاه إخوتنا وأخواتنا، فلا نحافظ على مكانتنا أو منزلتنا بل نتخلى عنها لأجل مصلحة الآخرين.

وفي الختام يقول بولس " لِذَلِكَ رَفَّعَهُ اللهُ أَيْضًا، وَأَعْطَاهُ اسْمًا فَوْقَ كُلِّ اسْمٍ". هنا نقرأ عن الاسم الذي أعطاه الله للمسيح. والاسم الذي أعطي له، مكتوب أنه لاسم يسوع كل ركبة تنحني، "وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ، لِمَجْدِ اللهِ الْآبِ". إذًا، الاسم الذي فوق كل اسم ليس اسم يسوع، الاسم الذي فوق كل اسم هو الاسم المعطى ليسوع، حيث إنه لاسم يسوع كل إنسان يتجاوب مع هذا الاسم المعطى له، ألا وهو اللقب المحفوظ لله في العهد القديم، لقب "أدوناي"، أو "كيوريوس" في العهد الجديد. لذا، أول اعتراف إيمان في المجتمع المسيحي الأول كان ببساطة "يايسوس هو كيوريوس"، أي يسوع رب، ما يعكس هذا العمل الذي أعلنه الرسول وهو أنه الله نفسه منح لقبه لابنه.

إذًا، هذا هو السياق الأوسع للاسم المرتفع. لكن السياق المباشر لرسالة العبرانيين يتكلم عن مفهوم البنوّة. فلنتكلم عن هذا الأمر. يستخدم الكاتب السؤال البلاغي هنا بشكل فعال، لأنه يقول "لِأَنَّهُ لِمَنْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ قَالَ قَطُّ: «أَنْتَ ابْنِي، أَنَا الْيَوْمَ وَلَدْتُكَ»؟" هو لا يدعو الملائكة أبناء. الملائكة خدّام لا أبناء. "وَأَيْضًا: «أَنَا أَكُونُ لَهُ أَبًا، وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا»؟ وَأَيْضًا مَتَى أَدْخَلَ الْبِكْرَ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ...".

والآن دعوني أدعم كلامي ببراهين في تاريخ الكنيسة، هذه المقاطع التي أقرأ منها الآن في رسالة العبرانيين وغيرها، هي ما دعم إحدى أسوأ الهرطقات التي كان على الكنيسة مواجهتها، ألا وهي الهرطقة الأريوسية في القرن الرابع، التي أدت إلى عقد مجمع نيقية. لأن الكنيسة كانت مهدّدة بالانقسام بين الأريوسيين الذين كانوا موحّدين، والمسيحيين الأرثوذكسيين الذين كانوا ثالوثيين. أما أريوس، الذي كان يتبنى نظرة التبني المتعلقة بالمسيح، والتي لن نتطرق إليها هنا، لكن بين هلالين، ما كان يحاول قوله هو إن الكتاب المقدس يسمّي يسوع ابن الآب، وبكر الخليقة، كما تمت تسميته هنا في الرسالة إلى العبرانيين. والفكرة التي كان أريوس يحاول إيضاحها هي أن البكر أو المولود، وأصل الكلمة هو "جينوماي" أو "جنائو" وهي تعني "أن يكون" أو "أن يصبح" أو "أن يحدث"، وهي كلمة تُستعمل دائمًا للإشارة إلى شخص له بداية زمنية. إذًا، إن كان أحدهم مولودًا، فهذا يعني أنه في وقت ما لم يكن موجودًا. إذًا، يقول أريوس "بما أن الكتاب المقدس يقول إن يسوع هو البكر أو الابن الوحيد، إن كان يتكلم عن كونه منجبًا أو مولودًا، فمن الواضح أنه مخلوق". قد يكون المخلوق الأسمى، قد يكون أول ما خلقه الله قبل أن يفعل أي شيء آخر، قد يكون خالق الكون، والفكرة هي أنه ربما خلق الله أولًا هذا اللوجوس أو هذا المخلوق ثم منحه قوة لخلق بقية العالم، وهذا هو رأي المورمون وشهود يهوه مثلًا؛ يسوع مرتفع عاليًا لكنه يبقى مخلوقًا. وهذا ما كان أريوس يقوله.

قال أثناسيوس وغيره في مجمع نيقية "لا". وإن ألقيت نظرة على عقيدة نيقية – البعض منكم يستخدمها في طقوس كنيسته – وهي تتضمن سطرًا صغيرًا معبّرًا جدًا، حيث جاء أن المسيح "مولود غير" ماذا؟ "مخلوق"، أي أن الناس يقولون إنه وفق الكتاب المقدس والعهد الجديد، مفهوم البنوة غير مرتبط بعلم الأحياء، إنه مرتبط بعلاقة حميمة بين الآب والابن، ذاك الذي ينال البركة وهو الوارث. وقد تمت الإشارة إلى ذلك بطرق عدة. أولًا، من خلال المسيح الذي يُدعى "مونو جينيس" أي الابن الوحيد، أي أنه تم نسب شيء من الولادة إلى يسوع في صفحات العهد الجديد، وهي ولادة استثنائية، إنها فريدة تمامًا من نوعها، لا مثيل لها في أي مكان في العالم. إذًا، حين يتكلم الكتاب المقدس عن كون المسيح مولودًا، فهو يتكلم عن الأمر بطريقة محددة، بطريقة حذرة، معنى مميز يجب أن يبعدك عن القيام بافتراضات يونانية متعلقة بالولادة البيولوجية.

إذًا، بأي حال، جاء في هذا النص هنا، لاحظوا هذا "وَأَيْضًا مَتَى أَدْخَلَ الْبِكْرَ إِلَى الْعَالَمِ (الله هو الذي يُدخل البكر إلى العالم) يَقُولُ: «وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلَائِكَةِ اللهِ»".  أكرر، إن كان بكر الخليقة كلها مخلوقًا، فلا يمكن لشيء أن يكون أكثر تجديفًا من قول كاتب العبرانيين، وفق سفر المزامير، إن على الملائكة أن يسجدوا له، لأن الله يحظر عبادة المخلوقات. وإن أمر الله بعبادة بكره، فهذا يعني أن الله يقول إن البكر هو إله وليس مخلوقًا. إذًا، الملائكة خاضعون للمسيح، لأن الله أمر الملائكة بأن يعبدوه.

"وَعَنِ الْمَلَائِكَةِ يَقُولُ: «الصَّانِعُ مَلَائِكَتَهُ رِيَاحًا، وَخُدَّامَهُ لَهِيبَ نَارٍ». وَأَمَّا عَنْ الِابْنِ: «كُرْسِيُّكَ يَا اللهُ، إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. قَضِيبُ اسْتِقَامَةٍ قَضِيبُ مُلْكِكَ. أَحْبَبْتَ الْبِرَّ، وَأَبْغَضْتَ الْإِثْمَ. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَسَحَكَ اللهُ إِلَهُكَ بِزَيْتِ الِابْتِهَاجِ أَكْثَرَ مِنْ شُرَكَائِكَ». وَ«أَنْتَ يَارَبُّ فِي الْبَدْءِ أَسَّسْتَ الْأَرْضَ...»" إلى آخره. "ثُمَّ لِمَنْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ قَالَ قَطُّ: «اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ»؟". هذه إشارة إلى جلوس المسيح عن يمين الله. وجلوس المسيح عن يمين الله، إشارة إلى تلك الكلمات في قانون الإيمان: "جَالِسٌ عَنْ يَمِينِ اللهِ". الجلوس عن يمين الله يعني الجلوس في موضع السلطان الكوني. والمسيح القائم من الموت، المسيح الصاعد إلى السماء، لم يُعطَ ما يقل عن السلطان الكوني كملك الملوك ورب الأرباب الجالس عن يمين الله. لم يرتفع أي ملاك ليجلس عن يمين الله. في الواقع، لا يمكن لأي مخلوق أن يرتفع ليجلس عن يمين الله، ولا يعطي الله لأي مخلوق كل سلطان في السماء وعلى الأرض، وهو قد منح هذا السلطان لابنه. إذًا، نجد أن هذا النص يشدّد بأقوى ما يمكن على الفرق بين الملائكة ويسوع، وعلى تفوق المسيح على الملائكة.

"ثُمَّ لِمَنْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ قَالَ قَطُّ: «اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ»؟ أَلَيْسَ جَمِيعُهُمْ أَرْوَاحًا خَادِمَةً مُرْسَلَةً لِلْخِدْمَةِ لِأَجْلِ الْعَتِيدِينَ أَنْ يَرِثُوا الْخَلَاصَ!". إذًا، مجددًا، نجد ملخّصًا لطبيعة الملائكة ووظيفتهم. هم لا يحكمون الكون، لكن الملائكة الصالحون هم أرواح خادمة، مرسلة من الله، ولم يتم إرسالهم ليخدموا الجميع، تم إرسالهم ليخدموا ورثة الخلاص، أي المؤمنين. ومسألة ما إذا كان لدينا ملاك حارس واحد أو جند سماوي كذاك الذي أحاط بأليشع هي محط جدال مستمر، لكن لدينا عون عظيم.

ليلة أمس قرأت عظة لم أقرأها أبدًا من قبل بقلم مارتن لوثر، تتناول موضوع الملائكة، وقد أعطاني إياها أحد أعضاء مجموعتنا. ونجد فيها أن لوثر، الذي كان واعيًا تمامًا على العالم الملائكي نظرًا للهجوم الشيطاني المركّز الذي تعرض له في حياته كلها، بالنسبة إليه، كان الشيطان ملموسًا فعليًا، فهو مرّ في "الأنفيكتوم"، هذا الهجوم الجامح الذي شنّه الأعداء، وقال "لولا الملائكة الصالحون، ملائكة النور الذين دعموا الكنيسة المسيحية، لدُمِّرت الكنيسة تمامًا جراء شرّ الشيطان وأعوانه". إذًا، فلنتذكّر أن الله أرسل ملائكته الصالحين إلى العالم كأرواح خادمة. لأن لوثر كان على حق، حربنا هي مع العالم والجسد والشيطان، والملائكة موجودون لمساعدتنا بينما نتصارع مع تلك الأمور الثلاثة. ونصل بذلك إلى الجزء التالي من هذه الدراسة، حيث سنتطرق إلى الملائكة الساقطين. وفي البداية خصوصًا سنتكلم عن طبيعة الشيطان ووظيفته كما نراه في الكتاب المقدس.