المحاضرة 5: الثِّقَةُ فِي الإِنْجِيلِ | خدمات ليجونير
 

المحاضرة 5: الثِّقَةُ فِي الإِنْجِيلِ

جُورْج يَانْسِي، عَالِمُ اجْتِماعٍ. يُدَرِّسُ عِلْمَ الاجْتِمَاعِ بِجَامِعَةِ نُورْث تِكْسَاس. وَمُؤْمِنٌ مَسِيحِيٌّ، وَانْجَذَبَ انْتِبَاهُهُ مُؤَخَّرًا إِلَى مُصْطَلَحٍ قَدْ صَاغَهُ بِنَفْسِهِ. وَهْوَ مُصْطَلَحُ "كْرِيسْتِيَانُوفُوبْيا" (Christianophobia). وَتَتَمَثَّلُ دِرَاسَتُهُ، حَسَبَ اخْتِصَاصِهِ، فِي الاتِّجَاهَاتِ الْمُتَغَيِّرَةِ لِمَوَاقِفِ الْمُجْتَمَعِ الأَمْرِيكِيِّ تُجَاهَ الْمَسِيحِيِّينَ وَبِخَاصَّةٍ الْمُحَافِظُونَ لاهُوتِيًّا. فَلَيْسَ عَوَامُ الْمَسِيحِيِّينَ الْمُتَشَدِّقُونَ بِمَقُولَةِ "أَجَلْ أَنَا مَسِيحِيٌّ" فَحَسْبُ، بَلْ مُرْتَادُو الْكَنَائِسِ بِانْتِظَامٍ، وَالْمُقِرُّونَ بِتَعَالِيمِ الْكِتابِ الْمُقَدَّسِ، وَالْمُقِرُّونَ بِمَجْمُوعَةِ الْعَقائِدِ اللَّاهُوتِيَّةِ، بِمَجْمُوعَةِ الْعَقَائِدِ اللَّاهُوتِيَّةِ الْمُحَافِظَةِ. فَهْوَ يَتَّبِعُ سُلُوكِيَّاتِ الثَّقَافَةِ الأَمْرِيكِيَّةِ تُجَاهَ الْمَسِيحِيِّينَ الْمُحَافِظِينَ لاهُوتِيًّا. وَفِي مَسْعَى بَحْثِهِ، تَوَصَّلَ إِلَى هَذَا الْمُصْطَلَحِ، "كْرِيسْتْيَانُوفُوبْيَا"، وَأَلَّفَ كِتَابًا عَنْهُ. وَقَدْ أَلَّفَ الْعَدِيدَ مِنَ الْكُتُبِ، أَحَدُهَا بِعُنْوَانِ "مَسِيحِيُّون كَثِيرُونَ، وَأُسُودٌ قَلِيلُونَ" (So Many Christians, So Few Lions)، الْعُنْوَانُ الَّذِي فِي الْوَاقِعِ مَقُولَةٌ قَالَهَا مُشَارِكٌ لَهُ فِي أَحَدِ الاسْتِبَانَاتِ عَنْ وُجْهَةِ نَظَرِهِمْ حِيَالَ الْمَسِيحِيِّينَ. الَّذِي هُوَ إِشَارَةٌ مُبَاشِرَةٌ إِلَى الْقُرُونِ الأُولَى لِلْمَسِيحِيَّةِ حِينَمَا كَانَ يُلْقَى الْمَسِيحِيُّونَ إِلَى الأُسُودِ فِي سَاحَةِ الْمُدَرَّجِ الَّتِي كَانَتْ إِحْدَى صُوَرِ الاضْطِهَادَاتِ. مَسِيحِيُّونَ كَثِيرُونَ، وَأُسُودٌ قَلِيلُونَ. اسْمَحُوا لِي أَنْ أَقْتَبِسَ لَكُمْ بِضْعَةَ اكْتِشَافَاتٍ أَوْرَدَهَا فِي بَحْثِهِ:

"الأَعْضَاءُ مُؤْمِنُونَ عَامَّةً بِالْخُرَافَاتِ، وَيَتَشَارَكُونَ فِي الْمَوَاقِفِ عَيْنِها الَّتِي انْتَهَتْ بِأُورُوبَّا الْعُصُورِ الْوُسْطَى بِارْتِكَابِ فَظَائِعَ دِينِيَّةٍ". بِالطَّبْعِ هَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى الْحَمَلاتِ الصَّلِيبِيَّةِ.

"إِنَّهُ مِنَ الْعَارِ عَلَى الْبَشَرِيَّةِ أَنْ لا يَزَالَ لِلْجَهْلِ وَالْخُرَافَةِ وَالتَّعَصُّبِ وُجُودٌ فِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ. يَا لَهُ مِنْ خِزْيٍ أَنْ فِي عَصْرِ التَّنْوِيرِ وَالتَّقَدُّمِ الْعِلْمِيِّ لا تَزَالُ خُرَافَاتُ الْعُصُورِ الْوُسْطَى مُتَفَشِّيَةً". أَتَتَذَكَّرُونَ عِنْدَمَا تَحَدَّثْنَا سَابِقًا فِي مُحَاضَرَةِ "الثِّقَةِ فِي الْكَلِمَةِ" أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ حُجَجُكَ مُسْتَنِدَةً إِلَى الْعُلُومِ أَوِ الْعُلُومِ الاجْتِمَاعِيَّةِ، فَسَتَرَى الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ غَيْرَ مُوَاتِي وَعَفَا عَلَيْهِ الزَّمَنُ، وَلَيْسَ غَيْرَ نَافِعٍ فَحَسْبُ، بَلْ من الخَطَرِ اتِّبَاعُ تَعْلِيمِهِ. هَذَا مَا تُوحِي بِهِ هَذِهِ الْعِبَارَاتُ.

وَقَالَ آخَرُ: "إِنَّهُ عَزَّزَ الْمَفْهُومَ الَّذِي لَدَيَّ بِأَنَّهُمْ فِي الْغَالِبِ جَمَاعَةٌ مِنَ الأَغْبِيَاءِ يَفْرِضُونَ مَنْهَجَ جَهْلٍ بِوَاسِطَةِ حُلْمٍ وَهْمِيٍّ بِأَنَّ إِلَهًا أَبَوِيًّا فِي السَّمَاءِ غَيْرَ مَرْئِيٍّ وَابْنَهُ يُرْشِدَانِهِمْ فِي كُلِّ فِكْرٍ وَفِعْلٍ، أَكْثَرِ وَاقِعِيَّةٍ مِنْ خُرَافَاتِ بَابَا نُوِيلَ وَأَرْنَبِ الْفُصْحِ، لَكِنَّهُ لا يَزَالُ فِي مَرْحَلَةِ التَّفْكِيرِ الصِّبْيَانِي".

وَأَرْدَفَ فِي النِّهَايَةِ مَا يَلِي: "أَخِي-الْعَبْقَرِيُّ الْفَذُّ والشَّابُّ الْيَافِعُ الْمُضْطَرِبُ-جَحَدَ الْمَنْطِقَ وَالْعَقْلَ، وَالْتَحَفَ بِالْفِكْرِ الْمُحافِظِ. يَا لَهَا مِنْ خَسَارَةٍ هَائِلَةٍ مُفْجِعَةٍ لِقُدُرَاتِهِ".

وَمِنْ خِلالِ بَحْثِهِ، اكْتَشَفَ جُورْج يَانْسِي هَذِهِ الْمَوَارِدَ وَصَنَّفَها بِأَنَّهَا "كْرِيسْتِيَانُوفُوبْيا". وَهُنَا يَبْزُغُ السُّؤَالُ. هَذَا لَا يُخْبِرُنَا فَحَسْبُ بِأُمُورٍ عَنِ الْعَالَمِ الَّذِي نَحْيَا فِيهِ، بَلْ أَيْضًا يُثِيرُ فِي عَقْلِي سُؤالًا يَقُولُ: كَيْفَ نَتَكَلَّمُ بِالإِنْجِيلِ إِلَى هَذِهِ الْفِئَةِ مِنَ النَّاسِ؟ وَالَّذِي يُثِيرُ سُؤالًا آخَرَ يَقُولُ: هَلْ هَذَا الشَّخْصُ-أَوْ هَذِهِ الْفِئَةُ مِنَ النَّاسِ خَارِجَ دَائِرَةِ الإِنْجِيلِ؟ هَلْ فِي لَحْظَةٍ مَا -كُلَّمَا نَرَى عَدَاءً أَوْ نَجِدُ أَنْفُسَنَا مُهَمَّشِينَ- سَنَسْأَلُ: "أَلَا يَزَالُ الإِنْجِيلُ قَادِرًا عَلَى اخْتِرَاقِ قَلْبِ هَذَا الإِنْسَانِ؟" هَلْ نَرَى فَقَطْ خُطُوطَ الْحَرْبِ مَرْسُومَةً؟ أمْ نَرَى مُهِمَّتَنا فِي الْمُنَادَاةِ بِالإِنْجِيلِ وَندْرِكُ أَنَّنَا، حَتَّى فِي وَجْهِ الْمُقَاوَمَةِ وَالْعَدَاءِ، لا زِلْنَا مَدْعُوِّينَ لِلْكِرازَةِ بِالإِنْجِيلِ؟ وَهَلْ نُؤْمِنُ بِأَنَّ الإِنْجِيلَ قَادِرٌ كِفَايَةً عَلَى اخْتِراقِ هَذَا؟ اسْمَحُوا لِي بِأَنْ أُقَدِّمَ مِثالًا مِنَ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ حَدَثَ فِيهِ ذَلِكَ. إِنَّهُ الأَصْحَاحُ الأَوَّلُ مِنَ الرِّسَالَةِ إِلَى أَهْلِ فِيلِبِّي.

فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ نَتَعامَلُ مَعَ أَحَدِ كُتَّابِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ الَّذِي أَيْضًا كَانَ سَجِينًا. نَعَمْ، هَذَا بُولُسُ. كَانَ فِي سِجْنٍ رُومَانِيٍّ. وَهَذَا مَا نَسْتَنْتِجُهُ عَلَى الأَرْجَحِ مِنَ الرِّسَالَةِ. قَدْ يُجَادِلُ الْبَعْضُ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ سِجْنًا فِي رُومَا، بَلْ أَنَّ الإِشَارَاتِ إِلَى بَيْتِ قَيْصَرٍ وَالْحَارِسِ الإِمْبْرَاطُورِيِّ تَمُدُّنَا بِعَلاماتٍ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الرِّسَالَةَ قَدْ كُتِبَتْ إِلَى كَنِيسَةِ فِيلِبِّي حِينَمَا كَانَ بُولُسُ حَبِيسًا فِي رُومَا. عَلَى الأَرْجَحِ بَيْنَ عَامَيْ وَاحِدٍ وَسِتِّينَ أَوِ اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ مِيلادِيًّا. فَكَانَ بُولُسُ، فِي زِيَارَتِهِ الأُولَى إِلَى رُومَا، فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ تَحْتَ الإِقَامَةِ الْجَبْرِيَّةِ. وَقَدْ أُطْلِقَ سَرَاحُهُ فِيمَا بَعْدُ، وَخَاضَ بِضْعَةَ رِحْلاتٍ هُنَاكَ عَلَى مَدَارِ عَامَيْنِ. لَكِنْ بَعْدَ ذَلِكَ، مِنْ عَامِ أَرْبَعَةٍ وَسِتِّينَ إِلَى عَامِ سِتَّةٍ وَسِتِّينَ، فِي مَكَانٍ مَا هُنَاكَ اُقْتِيدَ هُوَ وَبُطْرُسُ -نَعْرِفُ هَذَا مِنْ تَقْلِيدِ الْكَنِيسَةِ- إِلَى رُومَا وَسُجِنَا، وَهْيَ الْمَرَّةُ الَّتِي لَمْ يُفَكَّ فِيهَا أَسْرُهُمَا. فِي الْوَاقِعِ، هَذِهِ الْمَرَّةُ الَّتِي اسْتُشْهِدَا فِيهَا. وَحَدَثَ ذَلِكَ فِي عَهْدِ الإِمْبْرَاطُورِ نَيْرُونَ. لَمْ يَكُنْ نَيْرُونُ الإِمْبْرَاطُورَ الَّذِي حَدَثَ فِي عَهْدِهِ سَجْنُ بُولُسَ ثَانِيَةً وَاسْتُشْهِدَ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ أَيْضًا مَنْ أَمَرَ بِسَجْنِهِ. يَصْعُبُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ إِمْبْراطُورٌ أَسْوَأُ مِنْ نَيْرُونَ. ضَعُوا فِي الاعْتِبَارِ مَا رَأَيْتُمُوهُ-مِنَ الْفَظَائِعِ الَّتِي شَاهَدْنَاهَا فِي الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ بِيَدِ حُكَّامِهِ وَقَادَتِهِ الَّذِينَ لَيْسَ أَقَلَّ مِمَّا يُقالُ إِنَّهُمْ تَمَادَوْا فِي ارْتِكَابِ الأَهْوَالِ-مُجَرَّدِ فَظَائِعَ وَشُرُورٍ عَلَى شُعُوبِهِمْ وَعَلَى الشُّعُوبِ الأُخْرَى-لا يَقِلُّ نَيْرُونُ عَنْ أَنْ يَكُونَ ضِمْنَ أَسْوَئِهِمْ. إِذِ اتَّسَمَ نَيْرُونُ بِأَنَا مُسْتَفْحِلَةٍ وَمُسْتَوْحِشَةٍ. فِي الْحَقِيقَةِ، قَدْ نَصَّبَ لِنَفْسِهِ تِمْثَالًا بَلَغَ ثَلاثِينَ مِتْرًا تَقْرِيبًا، وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمَ "كُولُوسُوس" (Colossus) أَيِ الْعِمْلاقِ، لِلافْتِخَارِ بِالْقَائِدِ الْعَظِيمِ الَّذِي سَكَنَ رُومَا. كَمَا غَرَسَ حَدَائِقَ لِنَفْسِهِ، وَلِلإِسْراعِ فِي غَرْسِهَا، سَخَّرَ الْعَبِيدَ لِلْعَمَلِ عَلَى مَدَارِ السَّاعَةِ. وَيُقَدِّرُ الْمُؤَرِّخُونَ بِأَنَّ لِغَرْسِ الْحَدَائِقِ فَحَسْبُ أُزْهِقَتْ أَرْوَاحُ عَشَرَاتِ الآلافِ مِنَ الْعَبِيدِ بِسَبَبِ ظُرُوفِ الْعَمَلِ الْقَاسِيَةِ وَالْقَبْضَةِ الْحَدِيديَّةِ الَّتِي اسْتَخْدَمَها نَيْرُونُ لِدَفْع الْعَبِيدِ إِلَى إِنْهَاءِ الْحَدَائِقِ. كُلُّ هَذَا لا لِشَيْءٍ سِوَى أَنْ يَقْضِيَ وَقْتَ فَرَاغِهِ سَائِرًا بَيْنَ الْحَدَائِقِ عَلَى قَدَمَيْهِ أَوْ فِي مَرْكَبَتِهِ. فَعَلَى الأَرْجَحِ كَانَ نَيْرُونُ مَجْنُونًا فِي مَنْصِبِ الإِمْبْرَاطُورِ. هَذَا كَانَ الإِمْبْرَاطُورَ الَّذِي يَحْكُمُ الإِمْبْرَاطُورِيَّةَ الرُّومَانِيَّةَ، وَيَمْلِكُ مِنْ رُومَا حِينَمَا كَانَ بُولُسُ بِهَا سَجِينًا. وَهَذا كَانَ، فِي الْحَقِيقَةِ، الْقَيْصَرَ-سَنَبْدَأُ مِنَ الأَصْحَاحِ الأَوَّلِ. لَكِنْ إِنِ انْتَقَلْتُمْ إِلَى نِهَايَةِ الرِّسَالَةِ فِي الأَصْحَاحِ 4 عِنْدَ الآيَةِ 22 الَّتِي تَقُولُ: "يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ جَمِيعُ الْقِدِّيسِينَ" يَقْصِدُ السَّاكِنِينَ فِي رُومَا-ثُمَّ يَقُولُ "وَلَا سِيَّمَا الَّذِينَ مِنْ بَيْتِ قَيْصَرَ". هَذَا نَيْرُونُ. كَانَ فِي بَيْتِ نَيْرُونَ قِدِّيسُونَ. دَعُونَا نَسْتَوْعِبْ هَذَا.

وَالآنَ، فَلْنَعُدْ إِلَى الأَصْحَاحِ الأَوَّلِ. وَسَنَتَمَعَّنُ مَعًا تَحْدِيدًا فِي الآيَتَيْنِ 13-14. أَعْتَذِرُ، الآيَاتِ 12-14. وَلْنَبْدَأْ بِالآيَةِ 12.

ثُمَّ أُرِيدُ أَنْ تَعْلَمُوا أَيُّهَا الْإِخْوَةُ أَنَّ أُمُورِي قَدْ آلَتْ أَكْثَرَ إِلَى تَقَدُّمِ الْإِنْجِيلِ، حَتَّى إِنَّ وُثُقِي صَارَتْ ظَاهِرَةً فِي الْمَسِيحِ فِي كُلِّ دَارِ الْوِلَايَةِ وَفِي بَاقِي الْأَمَاكِنِ أَجْمَعَ. وَأَكْثَرُ الْإِخْوَةِ، وَهُمْ وَاثِقُونَ فِي الرَّبِّ بِوُثُقِي، يَجْتَرِئُونَ أَكْثَرَ عَلَى التَّكَلُّمِ بِالْكَلِمَةِ بِلَا خَوْفٍ.

الآنَ، مَاذَا يَحْدُثُ هُنَا؟ بُولُسُ مَقْبُوضٌ عَلَيْهِ. وَعَلَى مَا يَبْدُو مُتَاحٌ لَهُ اسْتِقْبَالُ زُوَّارٍ، وَمُقَابَلَةُ رُفَقَائِهِ. لَكِنَّهُ مَقْبُوضٌ عَلَيْهِ. وَحَارِسُهُ مِنَ الْحَرَسِ الْمَلَكِيِّ أَوِ الإِمْبْرَاطُورِيِّ ذَاتِهِ، الَّذي كَانَ يُعَدُّ قُوَّةَ النُّخْبَةِ بَيْنَ الْجُنُودِ الرُّومَانِ، الَّذِينَ هُمْ أَنْفُسُهُمْ نُخْبَةُ الْقُوَّاتِ. كَانَ الْحَرَسُ الإِمْبْرَاطُورِيُّ فِي الأَصْلِ زُمْرَةَ حِرَاسَةِ قَيْصَرٍ، مِنْ ثَمَّ، وَلاتِّساعِ سُلْطَتِهِمْ، صَارُوا زُمْرَةَ حِرَاسَةِ أَعْضَاءِ مَجْلِسِ الشُّيُوخِ وَالْمَسْؤُولِينَ الرُّومَانِ الْمُنْتَشِرِينَ فِي أَرْجَاءِ الإِمْبْرَاطُورِيَّةِ. وَكَانَتْ مُنَاوَبَتُهُمْ فِي الْخِدْمَةِ تَمْتَدُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ إِلَى عَامٍ حَتَّى عَامٍ وَنِصْفٍ يُبْعَثُونَ فِي أَثْنَائِهَا إِلَى أَرْجَاءِ الإِمْبْرَاطُورِيَّةِ الرُّومَانِيَّةِ، وَكَانُوا يَتَبَدَّلُونَ بِسُهُولَةٍ مِنْ تَكْلِيفٍ إِلَى آخَرَ. لَكِنْ إِبَّانَ الْقَرْنِ الأَوَّلِ الْمِيلادِيِّ، ازْدَادَتْ قُوَّةُ الْحَرَسِ الإِمْبْرَاطُورِيِّ -الَّذِي أُسِّسَ لِحِمَايَةِ الْقَيْصَرِ- وَازْدَادَ ثَرَاؤُهُ مِمَّا أَخافَ الإِمْبْرَاطُورَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ لاحْتِمَالِيَّةِ تَنْفِيذِهِمْ انْقِلابًا عَسْكَرِيًّا. فَإِنْ كُنْتَ تَرْغَبُ فِي رَمْزٍ لِلْقُوَّةِ الرُّومَانِيَّةِ وَسُلْطَتِها، لَيْسَ أَمَامَكَ أَفْضَلُ مِنَ الْحَرَسِ الإِمْبْرَاطُورِيِّ.

هَذِهِ كَانَتِ الثَّقَافَةَ الرُّومَانِيَّةَ الْمُقَاوِمَةَ لِلْمَسِيحِيَّةِ. فِي الْحَقِيقَةِ، أَطْلَقَتْ رُومَا تَسْمِيَتَيْنِ عَلَى الدِّيَانَاتِ. أَوَّلُ هَاتَيْنِ التَّسْمِيَتَيْنِ كَانَ "لِيسِيتَاسْ رِيلِيجِيُو" (Licitas Religio)، الَّتي تَعْنِي بِالْعَرَبِيَّةِ "دِيَانَةً شَرْعِيَّةً"، لِيسِيتَاسْ رِيلِيجِيُو. أَمَّا الثَّانِيَةُ فَكَانَتْ "إِلِليسِيتَاسْ سُوبِرْسْتِيشِيُو" (illicitas superstitio)، الَّتِي بِمَعْنَى خُرَافَاتٍ. لَمْ تُسَمَّ حَتَّى بِدَيَانَةٍ غَيْرِ شَرْعِيَّةٍ. لِتَوْضِيحِ حَقًّا مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ، سَمُّوهَا "إِللِّيسِيتَاس سُوبِرْسْتِيشِيُو". وَمَع اسْتِيلاءِ رُومَا عَلَى شُعُوبٍ أُخْرَى، وَكَانَ لِتِلْكَ الشُّعُوبِ -فِي الْغَالِبِ دِيانَاتُهَا مُتَعَدِّدَةُ الآلِهَةِ، فَلا بَأْسَ- فَهْيَ مُجَرَّدُ آلِهَةٍ أُخْرَى نُضِيفُهَا إِلَى بَوْتَقَتِنَا، فَنَحْنُ لَدَيْنَا أَيْضًا آلِهَةٌ رُومَانِيَّةٌ تُشْبِهُ فِي وَظَائِفِهَا تِلْكَ الَّتِي لآلِهَةِ الشُّعُوبِ الأُخْرَى، سَوَاءٌ إِنْ كَانَتْ بِأَسْمَاءَ رُومَانِيَّةٍ، أَوْ أَسْمَاءَ يُونَانِيَّةٍ، أَوْ أيًّا كَانَتْ أَسْمَاءُ هَذِهِ الآلِهَةِ. لا بَأْسَ. فَنَحْنُ جُزْءٌ وَشُرَكَاءُ فِي مَحْفَلِ الآلِهَةِ الْعَظِيمِ، فَلْنُضِفِ الْمَزِيدَ مِنَ الآلِهَةِ لِهَذَا الْخَلِيطِ وَهَذِهِ الْبَوْتَقَةِ. فَبِاسْتِيلاءِ رُومَا عَلَى هَذِهِ الشُّعُوبِ، مُتَعَدِّدَةِ الآلِهَةِ فِي الْغَالِبِ، يُطْلَقُ عَلَى هَذِهِ الدِّيَانَاتِ اسْمُ "لِيسِيتَاسْ رِيلِيجِيُو"، مِمَّا يَعْنِي أَنَّ لَهُمُ الْحُرِّيَّةُ فِي مُمَارَسَةِ دِيَانَتِهِمْ. أَيْ خُتِمَتْ بِخِتْمِ مُوُافَقَةِ الإِمْبْرَاطُورِيَّةِ الرُّومَانِيَّةِ، لِمُمَارَسَةِ شَعَائِرِهِمْ الدِّينِيَّةِ بِحُرِّيَّةٍ. أَمَّا الْيَهُودِيَّةُ فَقَدْ حَظِيَتْ بِاسْمِ "لِيسِيتَاسْ رِيلِيجِيُو" لأَنَّهَا فِي الْمَقَامِ الأَوَّلِ لَيْسَتْ قَائِمَةً عَلَى التَّبْشِيرِ. كَانَ الأَمْرُ هُنَا مِنْ شَاكِلَةِ "السِّياجُ الْجَيِّدُ بَيْنَ الْجَارِ وَالْجَارِ يَجْعَلُ الْعَلاقَةَ بَيْنَهُمَا طَيِّبَةً". لَكِنْ مُنْذُ الْبَدَاءَةِ كَانَتِ الْمَسِيحِيَّةُ تُعَدُّ إِلِّليسِيتَاس سُوبِرْسْتِيشِيُو". فِي الْوَاقِعِ، بِحَوْزَتِنَا وَثِيقَةٌ لِلْمُؤَرِّخِ الرُّومَانِيِّ مِنَ الْقَرْنِ الأَوَّلِ الْمِيلادِيِّ تَاكِيتْس الَّذِي أَرَّخَ لِلْقَيَاصِرَةِ وَأَرَّخَ لِنَيْرُونَ نَفْسِهِ خَاصَّةً الْعَلاقَةَ الْمُهِمَّةَ بَيْنَ نَيْرُونَ وَالْمَسِيحِيِّينَ عَامَ أَرْبَعَةٍ وَسِتِّينَ وَحَادِثَةَ حَرِيقَةِ رُومَا. فَمَا اسْتَشَفَفْنَاهُ مِنَ الْمُؤرِّخِينَ يُشِيُر إِلَى أَنَّ نَيْرُونَ هُوَ المُدَانُ بِحَرْقِ رُومَا. إِذْ أَرَادَ التَّخَلُّصَ مِنَ الأَحْيَاءِ الْفَقِيرَةِ وَأَكْوَاخِهَا فِي رُومَا مِنْ أَجْلِ خِطَطِ مَبَانِيهِ الضَّخْمَةِ لِيَجْعَلَ مِنْ رُومَا مَدِينَتَهُ الْعَظِيمَةَ. لِذَا أَمَرَ جُنُودَهُ بِإِشْعَالِ النِّيرانِ فِي بَعْضِ هَذِهِ الأَحْيَاءِ، لَكِنْ خَرَجَ الأَمْرُ عَنِ السَّيْطَرَةِ وَانْتَهَى بِالْتِهَامِ النِّيرانِ مَسَاكِنَ أَكْثَرَ مِمَّا أَرَادَ نَيْرُونُ أَوْ حَتَّى تَخَيَّلَ. فَالآنَ صَارَ هُوَ الْمَسْؤُولُ عَنْ هَذَا. وَبَدَأَتِ الإِشَاعَاتُ تَنْتَشِرُ بَيْنَ الشَّعْبِ بِأَنَّ نَيْرُونَ هُوَ الْمَسْؤُولُ. وَرُبَّمَا قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّ "نَيْرُونَ كَانَ يَعْزِفُ مُوسِيقَى أَثْنَاءَ حَرِيقِ رُومَا". وَحَتَّى إِنْ كَانَ نَيْرُونُ غَيْرَ مُذْنِبٍ أَوْ مَسْؤُولٍ، فَهْوَ لَمْ يَظْهَرْ عِنْدَمَا احْتَاجَتْهُ رُومَا. لِذَا، كَمَا يُخْبِرُنَا تَاكِيتِس، احْتَاجَ إِلَى كَبْشِ فِدَاءٍ. لِذَا نَسَجَ التُّهْمَةَ لِتُنَاسِبَ طَائِفَةً مَكْرُوهَةً. طَائِفَةً مَمْقُوتَةً. فَلِمَاذَا كان الْمَسِيحِيُّونَ مَكْرُوهِينَ؟ لَقَدْ كَانُوا يُعَلِّمُونَ أَخْلاقِيَّاتٍ تَفُوقُ الَّتِي كَانَتْ لِمَنْ حَوْلَهُمْ. لَقَدْ نَشَرُوا الْفَضِيلَةَ. لَقَدْ نَشَرُوا الْفَضِيلَةَ فِي مَحَلِّ الْعَمَلِ. أَيْ لا يُمْكِنُ التَّرَاخِي عَنِ الْعَمَلِ لِمُجَرَّدِ أَنَّ رَبَّ الْعَمَلِ غَيْرُ صَالِحٍ. لأَنَّكَ تَعْمَلُ أَمَامَ الرَّبِّ. فَأَنْتَ مُلْتَزِمٌ بِتَأْدِيَةِ عَمَلِكَ كَمَا لَوْ أَنَّكَ تُؤَدِّيهِ لِلرَّبِّ. فَكَانَتْ أَخْلاقِيَّاتُ عَمَلٍ لَمْ يَرَها أَيُّ إِنْسَانٍ فِي التَّارِيخِ. لَكِنْ كَرِهَهُمْ مَنْ حَوْلَهُمْ بِسَبَبِ لاهُوتِهِمْ الْمُحَافِظِ. فَيَقُولُ تَاكِيتْس إِنَّ التُّهْمَةَ أُلْصِقَتْ بِجَمَاعَةٍ هِيَ الأَكْثَرُ كُرْهًا بِسَبَبِ مُمَارَسَتِها الدِّينِيَّةِ الْمَمْقُوتَةِ. وَاسْمُهَا عَلَى اسْمِ قَائِدِهِمْ كْرِيسْتُوس الَّذِي مَاتَ مَصْلُوبًا تَحْتَ حُكْمِ بِيلاطُسَ الْبُنْطِيِّ. فَلِذَا صَارُوا مُذْنِبِينَ، صَارُوا مُذْنِبِينَ بِجَرِيمَةِ إِللِّيسِيتَاس سُوبِرْسْتِيشِيُو". وَهَذِهِ كَانَتِ الثَّقَافَةَ الرُّومَانِيَّةَ الَّتِي نَشَأَتِ الْكَنِيسَةُ فِيهَا. كَانَ جُرْمًا أَنْ تَكُونَ مَسِيحِيًّا. فَالآنَ نَحْنُ أَمَامَ وَاقِعِ الْقَرْنِ الأَوَّلِ بِأَنَّ الْمَسِيحِيَّةَ جَرِيمَةٌ. وَأَمَامَ الْحَادِثَةِ التَّالِيَةِ. يَا لَهَا مِنْ حَادِثَةٍ غَرِيبَةٍ فِي الأَصْحَاحِ الأَوَّلِ مِنْ رِسَالَةِ فِيلِبِّي. لأَنَّ رَمْزَ الثَّقَافَةِ الرُّومَانِيَّةِ هَذَا قَدِ انْضَمَّ إِلَى حُدُودِ الإِنْجِيلِ. لَمْ يَكُنْ خَارِجَ نِطاقِ الإِنْجِيلِ، وَلَمْ يَكُنْ مَنِيعًا لِدَرَجَةِ أَنْ يَصْعُبَ عَلَى الإِنْجِيلِ اخْتِراقُهُ. فِي الْوَاقِعِ، لَقَدِ اخْتَرَقَ الإِنْجِيلُ وَاسْتَوْلَى عَلَى هَذَا الْمَكَانِ بِالتَّحْدِيدِ حَيْثُ نَعْتَقِدُ أَنَّهُ كَانَ عَلَى الأَرْجَحِ بَيْنَ الْحَرَسِ الإِمْبْرَاطُورِيِّ.

ثُمَّ أُرِيدُ أَنْ تَعْلَمُوا أَيُّهَا الْإِخْوَةُ أَنَّ أُمُورِي قَدْ آلَتْ أَكْثَرَ إِلَى تَقَدُّمِ الْإِنْجِيلِ، حَتَّى إِنَّ وُثُقِي صَارَتْ ظَاهِرَةً فِي الْمَسِيحِ فِي كُلِّ دَارِ الْوِلَايَةِ وَفِي بَاقِي الْأَمَاكِنِ أَجْمَعَ.

سَأَعُودُ سَرِيعًا إِلَى عِبَارَةِ "فِي الْمَسِيحِ". تَتَمَثَّلُ الْفِكْرَةُ فِي أَنَّ الْحَرَسَ الإِمْبْرَاطُورِيَّ، تَذَكَّرُوا، كَانُوا يَتَنَقَّلُونَ إِدَارِيًّا. أَيْ كَانُوا يُؤَدُّونَ خِدْمَتَهُمْ، ثُمَّ يَتَلَقَّوْنَ مُهِمَّةً جَدِيدَةً، فَتَذْهَبُ مَجْمُوعَةٌ جَدِيدَةٌ لِتَأْدِيَتِها، وَفَجْأَةً يَبْدَؤُونَ فِي التَّحَدُّثِ بَعْضُهُمْ مَعَ بَعْضٍ عَنْ هَذَا السَّجِينِ الْغَرِيبِ فِي رُومَا، السَّجِينِ الْمُخْتَلِفِ عَنْ أَيِّ سَجِينٍ آخَرَ كَانَ الْحَرَسُ الإِمْبْرَاطُورِيُّ مُكَلَّفًا بِهِ، لأَنَّ هَذَا السَّجِينَ كَانَ يُطَبِّقُ وَصِيَّةَ مَحَبَّةِ الأَعْدَاءِ وَيَحْيَاهَا. مِمَّا أَثَارَ إِعْجَابَهُمْ لِلْغَايَةِ. فَقَدْ كَانَ هَذَا السَّجِينُ لا يُحَدِّثُهُمْ بِكَلامِ النَّاسِ الَّذِي قَدْ سَمِعُوهُ كَثِيرًا وَمِنْ كَثِيرِينَ، بَلْ كَانَ يُحَدِّثُهُمْ بِكَلامِ اللهِ. وَلَمْ يَكُنْ مُتَحَمِّسًا لِخِطْبَتِهِمْ بِفَلْسَفَاتٍ أَرْضِيَّةٍ أَوْ بِتِلْكَ الَّتِي لِتُسَاعِدَهُمْ، كَمَا تَعْلَمُونَ، أَنْ يَكُونُوا أَشْخَاصًا أَفْضَلَ. كَانَ هَذَا السَّجِينُ يَعِظُهُمْ بِأَقْوَالِ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ: بِإِنْجِيلِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. وَهَا قَدْ أُعْلِنَ الإِنْجِيلُ. وَهَذَا مَا نَحْتَاجُ إِلَى رُؤْيَتِهِ. أَيْ نُقِلَتِ الْمَعْرَكَةُ إِلَى سَاحَتِهِمْ. فِي رُومَا فِي عَهْدِ نَيْرُونَ وَتَحْتَ حِرَاسَةِ الْحَرَسِ الإِمْبْرَاطُورِيِّ، نَجَحَ الإِنْجِيلُ وَكَانَ قَوِيًّا وَأَحْدَثَ اخْتِلافًا.

فَمَاذَا يَعْنِي كُلُّ هَذَا؟ انْظُرُوا إِلَى تَبِعَاتِ هَذَا وَآثَارِهِ. فَلَمْ يَنْتَشِرِ الإِنْجِيلُ بَيْنَ الْحَرَسِ الإِمْبْرَاطُورِيِّ، وَيَسْمَعُوا عَنِ الْمَسِيحِ، وَيَسْمَعُوا عَنِ الإِنْجِيلِ، بَلْ "وَأَكْثَرُ الْإِخْوَةِ"-يَقْصِدُ عَلَى الأَرْجَحِ الَّذِينَ فِي رُومَا، فَنَحْنُ الآنَ نَتَحَدَّثُ عَنِ الإِخْوَةِ فِي رُومَا-الْوَاقِفِينَ أَمَامَ بَوَّابَةِ قَصْرِ قَيْصَرَ!  فَإِنْ مَارَسُوا مَسِيحِيَّتَهُمْ عَلَنًا، سَيُكْشَفَونَ. وَمَاذَا نَفَعَهُمْ هَذَا؟ فَكانُوا "وَاثِقُينَ فِي الرَّبِّ"-لا بِتَنْصِيبِ بُولُسَ نَائِبًا فِي مَجْلِسِ الشُّيُوخِ وَلا بِانْتِزَاعِ بُولُسَ "جَائِزَةَ الْخَطَابَةِ لِلْمُوَاطِنِ الرُّومَانِيِّ عَامَ خَمْسَةٍ وَخَمْسِينَ"-بِوُثُقِ بُولُسَ. مَرَّةً أُخْرَى، هَذَا مُخَالِفٌ لِلْمَنْطِقِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ لِذَا كَانُوا وَاثِقِينَ فِي الرَّبِّ. لَمْ نَكُنْ لِنَتَوَقَّعَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ: "بِوُثُقِي". لَكِنَّهَا فِي الْوَاقِعِ مَا مَنَحَهُمُ الثِّقَةَ. وَبِسَبَبِ ثِقَتِهِمْ هَذِهِ، مَاذَا فَعَلُوا؟ "يَجْتَرِئُونَ أَكْثَرَ عَلَى التَّكَلُّمِ بِالْكَلِمَةِ بِلَا خَوْفٍ". فِي هَذِهِ الآيَةِ كَلِمَةٌ لَمْ نَتَحَدَّثْ عَنْهَا بَعْدُ. وَهْيَ الْخَوْفُ. فِي تِلْكَ الأَوْقَاتِ مِنَ التَّغْيِيرِ الثَّقَافِيِّ، وَفِي أَثْنَاءِ تِلْكَ التَّحَوُّلاتِ، وَإِبَّانَ تِلْكَ الظُّرُوفِ الْمُتَقَلِّبَةِ حِينَمَا لَمْ تَكُنِ الأَرْضُ تَحْتَ أَرْجُلِهِمْ، لَمْ يَتَعَلَّقِ الأَمْرُ بِعَدَمِ الْيَقِينِ فَحَسْبُ. تَعَلَّقَ بِالْخَوْفِ، زَمَنِ الْخَوْفِ، الزَّمَنِ الَّذِي تَرَوْنَ فِيهِ الْبَطْشَ وَالْقَهْرَ، وَالاضْطِهَادَ الْمُحْدِقَ، وَقُوَّةَ الْعَدُوِّ. إِنَّهُ زَمَنُ الْخَوْفِ. لَكِنْ لَيْسَ لِمَسِيحِيِّي رُومِيَةَ هَؤُلاءَ.

فَفِيمَا تَمَثَّلَ انْعِكاسُ ذَلِكَ؟ تَمَثَّلَ انْعِكَاسُ هَذَا عَلَى أَهْلِ فِيلِبِّي فِي أَنَّهُمْ غَدَوْا أَكْثَرَ جُرْأَةً بِقُيُودِ بُولُسَ، وَبِمِثَالِ مَسِيحِيِّي رُومَا. لِذَا اسْتَطَاعَ أَهْلُ فِيلِبِّي الْمُنَادَاةَ بِالإِنْجِيلِ بِجُرْأَةٍ. أَرَى مُؤْمِنًا بِعَيْنِهِ مِنْ كَنِيسَةِ فِيلِبِّي كَانَ الأَكْثَرَ فَرَحًا فِي أَثْنَاءِ قِرَاءَةِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ. وَهْوَ السَّجَّانُ. أَرَاهُ -أَبِإِمْكَانِكُمْ تَخَيُّلُ أَنَّكُمْ فِي مَدِينَةِ فِيلِبِّي، وَتَصِلُكُمُ الأَخْبَارُ: "مَرْحَبًا، وَصَلَتْ لِلتَّوِّ رِسَالَةٌ مِنْ بُولُسَ وَسَتُقْرَأُ عَلَيْنَا فِي يَوْمِ الرَّبِّ هَذَا"؟ أَيُمْكِنُكُمْ تَخَيُّلُ هَذَا؟ فَتَتَجَمَّعُونَ فِي كَنِيسَتِكُمُ الْمَنْزِلِيَّةِ فِي فِيلِبِّي، وَلَفَافَةُ الرِّسَالَةِ أَوْ صَفَحَاتُهَا مِنْ وَرَقِ الْبَرْدِي فِي يَدِ الرَّاعِي، إِنْ كَانُوا مَشْيَخِيِّينَ، فِي يَدِ الشَّيْخِ وَيَقِفُ أَمَامَ الْكَنِيسَةِ الْمُجْتَمِعَةِ وَيَقْرَأُ لِلْمَرَّةِ الأُولَى الرِّسَالَةَ إِلَى أَهْلِ فِيلِبِّي. وَيَقُولُ إِنَّ الْحَرَسَ الإِمْبْرَاطُورِيَّ يَسْمَعُونَ عَنِ الْمَسِيحِ. وَيَجْلِسُ السَّجَّانُ، رُبَّمَا عَلَى الْمَقْعَدِ الثَّانِي مِنَ الصَّفِّ الثَّانِي، مَسْرُورًا وَمُبْتَهِجًا قَائِلًا: "كُنْتُ هُنَاكَ. وَسَمِعْتُ عَنِ الْمَسِيحِ. وَأُدْرِكُ مَا يَتَحَدَّثُ عَنْهُ بُولُسُ". أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ لَكِنْ هَلْ تَرَوْنَ مَا يَحْدُثُ هُنَا؟ جُرْأَةُ بُولُسَ فِي الشَّهَادَةِ، تُجَرِّئُ أَهْلَ رُومِيَةَ. وَبِبُلُوغِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ إِلَى أَهْلِ فِيلِبِّي، تَجَرَّؤُوا فِي الشَّهَادَةِ. فَلْنَتَشَجَّعْ بِهَذَا. لِلإِنْجِيلِ قُوَّةٌ. وَلَنَا كُلُّ الأسْبابِ الْمُوجِبَةِ لِنَضَعَ ثِقَتَنا فِي الإِنْجِيلِ. فِي الْوَاقِعِ، نَحْنُ مُلْزَمُون بِهَذَا. نَحْنُ مُلْزَمُونَ بِالْمُنَادَاةِ بِالإِنْجِيلِ.

أَبِإِمْكَانِكُمْ الْعَوْدَةُ مَعِي إِلَى الأَصْحَاحِ الأَرْبَعِينَ مِنْ سِفْرِ إِشَعْيَاءَ. لا أُرِيدُ سِوَى النَّظَرِ إِلَى هَذَا. لَقَدْ أَمْضَيْنَا وَقْتًا فِيهِ. وَأُرِيدُ أَنْ أُمْضِيَ بَعْضَ الْوَقْتِ فِي أَوَّلِ بِضْعَةِ آيَاتٍ مِنْهُ. سَابِقًا، بَدَأْنَا مِنَ الآيَةِ 12 إِلَى نِهَايَةِ الأَصْحَاحِ. فَأَنَا أُرِيدُ النَّظَرَ فِيمَا قَبْلَ الآيَةِ 12. سَأَبْدَأُ مِنَ الآيَةِ التَّاسِعَةِ مِنَ الأَصْحَاحِ الأَرْبَعِينَ مِنْ سِفْرِ إِشَعْيَاءَ: "عَلَى جَبَلٍ عَالٍ اصْعَدِي، يَا مُبَشِّرَةَ صِهْيَوْنَ". أَتَعْلَمُونَ مَا يَفْعَلُهُ الْمُنَادُونَ؟ يُبَشِّرُونَ بِالأَخْبَارِ. إِنَّهُ سُؤَالٌ مُخَادِعٌ. الْمُنَادُونَ يُبَشِّرُونَ بِالأَخْبَارِ. يَذْهَبُونَ إِلَى مَكَانٍ مَا وَيُذِيعُونَ الأَخْبَارَ.

عَلَى جَبَلٍ عَالٍ اصْعَدِي، يَا مُبَشِّرَةَ صِهْيَوْنَ. ارْفَعِي صَوْتَكِ بِقُوَّةٍ، يَا مُبَشِّرَةَ أُورُشَلِيمَ. ارْفَعِي لَا تَخَافِي. قُولِي لِمُدُنِ يَهُوذَا: "هُوَذَا إِلَهُكِ. هُوَذَا السَّيِّدُ الرَّبُّ بِقُوَّةٍ يَأْتِي وَذِرَاعُهُ تَحْكُمُ لَهُ. هُوَذَا أُجْرَتُهُ مَعَهُ وَعُمْلَتُهُ قُدَّامَهُ. كَرَاعٍ يَرْعَى قَطِيعَهُ. بِذِرَاعِهِ يَجْمَعُ الْحُمْلَانَ، وَفِي حِضْنِهِ يَحْمِلُهَا، وَيَقُودُ الْمُرْضِعَاتِ".

وَهَا هُوَ مَا سَنَقُومُ بِهِ: سَنَقِفُ عَلَى جَبَلٍ عَالٍ، وَسَنُنَادِي بِجُرْأَةٍ وَنُعْلِنُ الْخَبَرَ السَّارَّ. لَكِنْ لَنْ نَقُولَ: "هُوَذَا اللهُ". بَلْ سَنَقُولُ "هُوَذَا حَمَلُ اللهِ! الْحَمَلُ الْمَذْبُوحُ عَنْ خَطَايَانَا".  وَهَذَا هُوَ الْخَبَرُ السَّارُّ. هَذَا هُوَ الإِنْجِيلُ. لَقَدْ بَشَّرَنَا أَحَدُ هَؤُلاءِ. لَقَدْ أَدْرَكُوا الضَّرُورَةَ الْمَوْضُوعَةَ عَلَيْهِمْ، وَأَدْرَكُوا الْقُوَّةَ الَّتِي يَحْمِلُهَا الإِنْجِيلُ، وَكَرَزُوا لنَا بِالْخَبَرِ السَّارِّ. وَسَمِعْنَاهُ مِنْهُمْ. وَرُوحُ اللهِ فَتَحَ عُيُونَنَا، وَصِرْنَا أَبْنَاءَ اللهِ. فَمُهِمَّتُنَا الآنَ أَلَّا نَتَجَبَّنَ وَأَلَّا نَخَافَ وَأَلَّا نَظُنَّ قَائِلِينَ: "رُبَّمَا هَذَا الإِنْسَانُ عِدَائِيٌّ أَوْ رُبَّمَا خَارِجَ حُدُودِ الإِنْجِيلِ وَنِطَاقِهِ". لا. ضَعُوا ثِقَتَكُمْ فِي الإِنْجِيلِ وَاكْرِزُوا بِالْخَبَرِ السَّارِّ.

فَلْنَثِقْ بِالإِنْجِيلِ. فِي مُحَاضَرَتِنَا الأَخِيرَةِ، سَنَتَحَدَّثُ عَنِ الثِّقَةِ فِي الرَّجَاءِ. سَنَتَحَدَّثُ عَنْ هَذَا مَعًا فِي الْمُحَاضَرَةِ التَّالِيَةِ.