سلطان الكتاب المقدس
۲۷ أبريل ۲۰۱۹
أكثر العقائد صعوبة في إقرارات دورت
۱٤ مايو ۲۰۱۹

المُخطط الليبرالي

عندما يُثار أي نقاش حول المسيحيّة والليبراليّة، من المهم تقديم تعريفًا صحيحًا لليبراليّة. قد يعني مصطلح "ليبرالي" أي شيء من تحرّر التفكير عند المرء إلى كونه مؤيدًا لآخر البدع في مجال اللاهوت أو في أي معتقد أخر. إن مصطلح "الليبراليّة" في تغير مستمر بمرور الوقت حيث قد تعتبر ليبراليّة الأمس محافظة اليوم دون تغيير وجهات النظر.

مع ذلك، حين نتحدث عن الليبراليّة في حقل اللاهوت فإننا لا نفكر في إطار ذهني أو نزعة فلسفيّة، بل في حركة تاريخيّة بارزة استحوذت على عقول العديد من رجال الكنيسة في القرن التاسع عشر. لقد التصقت ليبراليّة القرن التاسع عشر بالفكر التنويري واعتنقت من الناحية الفلسفيّة العديد من الأفكار التي حدّدت الحداثة. تمثّلت الفكرة الجذريّة التي حدّدت الليبراليّة في تأثير فلسفة مذهب الطبيعيّة. يجزم مذهب الطبيعيّة أن كل الواقع يمكن تفسيره من خلال عوامل طبيعيّة بحتة دون الحاجة لما هو فوق طبيعي. نتيجة لذلك، شنت ليبراليّة القرن التاسع عشر هجومًا شاملاً على كل الأشياء فوق الطبيعيّة الموجودة داخل المسيحيّة التاريخيّة القويمة.

شملت الأهداف الرئيسيّة لليبراليّة القرن التاسع عشر معجزات الرب يسوع في العهد الجديد (ناهيك عن جميع المعجزات المدونة في العهد القديم). رُفضت هذه الحوادث، التي عُرِّفت أو وصفت في الكتاب المقدس على أنها معجزات أجريت بالفعل بقوة الله الخارقة للطبيعة، باعتبارها خرافات ساذجة قبل عصر العلم وجدت طريقها إلى مخطوطات الكتاب المقدس الأصليّة. لقد تم التخلّص من معجزات الرب يسوع. على سبيل المثال، في بعض الأحيان كانت تُفسَر معجزة إطعام الخمسة آلاف على أنها عمليّة خداع قام بها الرب يسوع بالتستّر على مخبأ للأسماك والأرغفة داخل كهف له مدخل سري مخفي خلف ردائه الطويل المتسربل. ومثل الساحر الذي يسحب النقانق أو الأوشحة بلا توقّف من داخل سواعد ما يرتديه، فقد تلقّى الرب يسوع، الواقف أمام المدخل المخفي للكهف، المساعدة في عمله السحري من قبل التلاميذ الذين، مُشكلين سلسلة بشرية لنقل الطعام، كانوا ينقلون السمك والأرغفة من خلال المدخل السري إلى أذرع عباءة الرب يسوع إلى الجمع. بينما المنحى الآخر الذي اتخذه الليبراليون هو تقديم تفسير أخلاقي لمعجزات الرب يسوع. ففي حالة إطعام الخمسة آلاف، يتمثّل ما فعله الرب يسوع في إقناع أولئك الذين أحضروا الغداء معهم لمشاركته مع أولئك الذين لم يجلبوا شيئًا. كانت هذه "معجزة أخلاقية"، روج بها الرب يسوع لأخلاقيات المشاركة مع الآخر.

تضمن الهدف التالي لليبراليّة الجوانب فوق الطبيعية لحياة الرب يسوع. وعلى وجه الخصوص، عند ليبرالي القرن التاسع عشر كان الهجوم على الميلاد العذراوي. لم يُرفض الميلاد العذراوي فحسب، بل كل جانب فوق طبيعي من حياة الرب يسوع، بما في ذلك التجلي، وكفارته كعمل فائق وفوق طبيعي، وقيامته، وصعوده، وعودته في نهاية الزمان. نُحيت جميع هذه الأمور جانبًا باعتبارها تراكمات أساطير الكنيسة الأولى. من الواضح، بما أن الكتاب المقدس يسرد عن شخص السيد المسيح وعمله بجوانب فوق طبيعيّة تشمل الملائكة، والمعجزات، وتحقيق نبوءات عن المستقبل، فقد رُفضت أيضًا جميع تلك الجوانب الموجودة داخل الكتاب المقدس. كان الكتاب المقدس محور هذا الاعتداء، حيث رفض علماء النقد جميع النبوءات عن المستقبل وأي شيء يشير إلى ما هو فوق طبيعي، مما اختزل الكتاب المقدس لمجرد كتاب إنساني عن العالم القديم.

اجتاحت موجة التفكير الجديدة هذه أوروبا، وترسّخت في المقام الأول في ألمانيا، ثم اجتازت المحيط إلى كليات اللاهوت في الولايات المتحدة وأحدثت أزمة داخل العديد من الكنائس. ماذا يفعل المرء أمام ممتلكات تقدر بمليارات الدولارات لكنيسة وآلاف من البشر رُسموا قادة دين لم يعودوا يؤمنون بالمحتوى التاريخي للمسيحيّة القويمة؟ اتّخذ البعض موقفًا مفاده أن الرد الوحيد الصادق على هذا التشكيك هو ترك الخدمة وإيجاد وظيفة في مجال أخر. ومع ذلك، قررت الغالبية العظمى من أولئك الذين تبنوا هذا الرأي ببساطة إعادة هيكلة إرساليّة الكنيسة. لم تعد إرسالية الكنيسة مؤسّسة على تحقيق الفداء الشخصي بعمل خارق للطبيعة بين النفس والله. بدلاً من ذلك، سعت إلى الخلاص الاجتماعي من خلال تخفيف المعاناة الإنسانية قدر الإمكان. هذا ما أفسح المجال لميلاد ما يُسمى "الإنجيل الاجتماعي" الذي رأى أن الخبر السار وُجِدَ في إرسالية الكنيسة لتلبية الاحتياجات الإنسانيّة للمجتمع. حتى أن الإنجيل ذاته وُضع له تعريفًا جديدًا من ناحية العمل الاجتماعي. ومع إنكار جوانب معينة من المسيحيّة التاريخيّة، جاء إنكار أهميّة العقيدة المسيحيّة أيضًا. كانت العقيدة مستمدة من تعاليم الكتاب المقدس، وبما أن الكتاب المقدس محل شك الآن، فليس هناك حاجة لأي محافظة مُلحة على العقيدة المسيحيّة القويمة.

في كل عصر، تهدّد الهرطقة الكنيسةَ، لأن الهرطقة دومًا مرتبطة بالعقيدة الكاذبة. فإن رغبة جميع الهراطقة التقليل من أهمية العقيدة. فعندما يُنتَقص من العقيدة، تستطيع الهرطقة نشر نفسها بدون مقاومة. في القرن العشرين، كتب اللاهوتي السويسري إميل برونر (Emil Brunner) أطروحته عن شخص المسيح بعنوان الوسيط (The Mediator). في هذا الكتاب، استخدم برونر كلمة واحدة لوصف جوهر ليبراليّة القرن التاسع عشر: "عدم الإيمان". فلم ير في الليبراليّة تغييرًا بسيطًا للمعاني في محتوى الإيمان المسيحي، بل رفضًا تامًا لجوهر المسيحيّة الكتابيّة وروحها. شهد القرن العشرون استمرارًا لتأثير الليبراليّة، خاصة داخل الطوائف الرئيسيّة في أمريكا، مع ظهور ما يسمى بالليبراليّة الجديدة في أعقاب النقد الجذري لرجال مثل رودولف بولتمان (Rudolf Bultmann) وخلفائه.

لم يختفِ هذا المُخطّط الليبرالي من حياة الكنيسة. لقد اكتسب سيطرة شبه كاملة على الطوائف الرئيسيّة وأشتّد تأثيره داخل الأوساط الإنجيليّة. رأينا داخل الإنجيليّة نفسها تآكلًا خطيرًا للسلطة الكتابيّة، واستعدادًا للمساومة على الإنجيل الكتابي نفسه، ورفضًا واسعًا للعقيدة على أنها أمر غير مهم ولا تشكّل أساسًا للإيمان المسيحي. تقف الليبراليّة في كل جيل كرفضٍ صريحٍ للإيمان. لا ينبغي النظر إليها على أنها مجرد قسم فرعي للمسيحيّة أو توجّه طائفي لها؛ بل ينبغي النظر إليها على ما هي عليه — نقيض المسيحيّة على أساس الرفض الكامل لمسيح الكتاب المقدس وإنجيله.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

أر. سي. سبرول
أر. سي. سبرول
الدكتور أر. سي. سبرول هو مؤسس هيئة خدمات ليجونير، وكان أحد رعاة كنيسة القديس أندرو في مدينة سانفورد بولاية فلوريدا، كما كان أول رئيس لكلية الكتاب المقدس للإصلاح. وهو مؤلف أكثر من مائة كتاب، بما في ذلك "قداسة الله" (The Holiness of God).