المخاطر التي تواجه الكنيسة الإنجيلية
۱۸ أبريل ۲۰۱۹
صار يسوع لعنة من أجلنا
۲۰ أبريل ۲۰۱۹

ما هو الخطأ في رايت (Wright): فحص المنظور الجديد عن بولس

إنَّ مهمَّتي هي تقديم مراجعة نقديَّة لكتاب مؤثِّر كَتبَه المؤلِّف الأُسقفي الأنجليكاني ن. ت. رايت (N.T. Wright)، أُسقُف مدينة دورام في إنجلترا. عنوان الكتاب هو ما قاله القديس بولس حقًّا (What Saint Paul Really Said). الكتاب صغير الحجم إذ لا تتجاوز عدد صفحاته ٢٠٠ صفحة، وعلى الرغم من أنَّ رايت له العديد من الكتب، ومعروف ومؤثِّر بسبب أعماله العلميَّة الضخمة، فإنَّ هذا الكتاب الصغير المكتوب بأسلوب بسيط للشخص العادي الجاد هو من دون شك الأكثر تأثيرًا (وربما الأكثر جدلاً) من بين جميع أعماله المنشورة. يتمثَّل أحد أهداف الكتاب في شرح ما يُسمَّى "المنظور الجديد عن بولس" (New Perspective on Paul) بشكل واضح وموجز بحيث يتمكَّن القرَّاء العلمانيون من فهم الأفكار الرئيسيَّة.

الكتاب سهل القراءة ويُثير التفكير. إنَّ رايت كاتب موهوب. وهو قادر على التواصل دون عناء سواء على مستوي علمي أكاديمي أو شعبي، وينتقل ذهابًا وإيابًا بسهولة بين الأسلوبَين. ويبدو أنَّه قادر أن يكتب بسهولة كتابات بسيطة للعلمانيين، بقدر سهولة كتابته للمجلَّدات الضخمة لعلماء اللاهوت. وهو غزير الإنتاج. فليس من السهل مواكبة كل ما ينشره توم رايت.

إنَّ أسلوبه في هذا الكتاب دافئ وفاتن. ولا شك أنَّه توقَّع بأنَّ هناك من سينتقدهُ عندما كتب هذا الكتاب، لذلك نراه في جميع أنحاء الكتاب يبذل كلَّ جهد لنزع سلاح مُنتقديه. من الواضح أنَّه عمل على ترك الانطباع لدى القارئ في جميع أنحاء الكتاب أنّهُ على الرغم من تأييده "للمنظور الجديد عن بولس"، إلّا أنّه لا يُحاول الإطاحة بمعايير الاعترافات العقائديَّة للبروتستانتيَّة الكلاسيكيَّة. فهو يدّعي أنَّه لا ينكر أنَّ المسيح أخذ خطايا المؤمنين وهم بدورهم يحصلون على بِرِّهِ، ولكنَّهُ يقول ببساطة إنَّ هذا ليس ما قصَدَه بولس الرسول عندما تحدث عن التبرير. يدَّعي رايت أن اهتماماته كتابيَّة وتفسيريَّة، وليست لاهوتيَّة وعقائديَّة.

من المرجّح أن يقرأه القرّاء الإنجيليُّون الذين يعرفون رايت بتعاطف كبير، فقد دافع رايت بمهارة عن تاريخيَّة يسوع وحقيقة قيامتهِ ضدَّ الشكوك والدراسات الليبراليَّة مثل مجموعة "سيمنار يسوع" (Jesus Seminar). يعرفُ الكثير من الإنجيليِّين رايت بشكلٍ أفضل من خلال عمله الممتاز في مجال الدفاعيات الأكاديميَّة، ونحن مدينون له بالكثير لوضوحه والقوة التي أجاب بها على كتابات المعاصرين من الجناح الأيسر.

أصبح اسم توم رايت ووجهه معروفَين في جميع أنحاء المملكة المتحدة، ويرجع ذلك أساسًا إلى ظهوره المتكرِّر على هيئة الإذاعة البريطانيَّة (BBC)، حيث يأخذ عادةً الجانب المحافظ ضدَّ المتشكِّكين المتطرِّفين في العالم الأكاديمي. عادةً ما يفترض الأشخاص الذين يعرفونه من خلال وسائل الإعلام الشعبية أنَّ شهادات توم رايت وانجازاته الإنجيلية لا تشوبها شائبة. ودعونا نواجه الأمر، ربما لديه الكثير من القواسم المشتركة مع الفكر الإنجيلي أكثر من أيِّ أسقف أنجليكاني عادي هذه الأيام.

ولكن تبقى قناعتي القوية بأنَّ الرأي الذي طرحه رايت في كتابهِ ما قاله القديس بولس حقًّا ليس رأيًا إنجيليًّا على الإطلاق. بل هو إعادة تفسير خاطئة وخطيرة لبولس، وتُسئ فهم الكتاب المقدس بطريقة تُضعف بشكل مميت عقيدة التبرير بالإيمان ومبدأ (sola fide)، أي "بالإيمان وحده".

سأبيِّن لكم لماذا أؤمن بذلك وسأقدِّم لكم العديد من الأسباب الكتابيَّة لرفض المنظور الجديد عن بولس، على قدر استطاعتي.

اسمحوا لي أن أُقِرَّ في البداية بأنَّ رايت لديه العديد من المؤيِّدين والمدافعين عنه الذين يُصرِّون على أنَّنا يمكن أن نتبنّى رأي رايت حول المنظور الجديد عن بولس مع الحفاظ على معايير اعترافنا العقائدي. هم يزعمون، وتوم رايت نفسه يدَّعي هذا، بأنَّ رايت أعطانا ببساطة فهمًا أكبر وكتابيًّا أكثر عن مفهوم التبرير. فهم يقولون إنَّه إذا قبلتَ قراءة رايت الجديدة لما قصده بولس، فلا يزال بإمكانك الاحتفاظ بعناصر اعترافك اللاهوتي الذي تحبه. هذا ما يقولهُ رايت نفسه عن عقيدة التبرير في صفحة ١١٣: "بإيجاز ووضوح شديد، إن بدأت بوجهة النظر المُتعارف عليها فيما يخصُّ التبرير، قد تفقد حقًّا جوهر الإنجيل بحسب بولس؛ ولكن إن بدأتَ بالإنجيل بحسب بولس سوف تجد التبرير بكلِّ مجده".

هذا ادِّعاء مخادع. وليس بصحيح، والدليل على ذلك واضح في حقيقة أنَّه حيثما وجدتَ  تأثير رايت والمنظور الجديد ستجد بأن الصيغ التاريخية لعقيدة التبرير تحت مرمى النيران. وحيثما وجدتَ مؤيِّدًا للمنظور الجديد عن بولس، ستجد ناقدًا للرأي البروتستانتي الكلاسيكي عن مبدأ "الإيمان وحده". وهذا هو أحد الأسباب الرئيسيَّة، إن لم يكن السبب الوحيد والمركزي والأهم، بأنَّ عقيدة التبرير قد أصبحت فجأةً في غضون السنوات الثلاث إلى الخمس الماضية ساحةَ معركة شرسة على جبهات مختلفة وكثيرة بين الطوائف الإنجيلية المُتعدِّدة.

إنَّ عقيدة التبرير بالإيمان ليست القضيَّة الوحيدة المُعرَّضة للخطر. فالجدل الرئيسي التالي الذي يمكن أن تتوقع رؤيته ناشئًا عن المجموعة التي تعتنق المنظور الجديد عن بولس سيكون النقاش حول مسألة ما إذا كانت كفارة المسيح على الصليب هي حقًّا بدليَّة عقابيَّة. لذلك فإنَّ الكفارة ستُصبِح موضوعًا للنقاش بين أولئك الذين يعتنقون المنظور الجديد.

اسمحوا لي أن أشرح أساسيَّات المنظور الجديد عن بولس وفقًا لتوم رايت في كتابه، ومن ثم سأطرح بعض الحجج الكتابيَّة لاعتقادي بأنَّ منظور رايت عن بولس هو منظور خاطئ.

سأحاول أن أقدِّم لكم نظرة عامة مُصغَّرة عن كتاب ما يقوله القديس بولس حقًّا. سأسلِّط الضوء على ستِّ خصائص مميزة للمنظور الجديد بحسب رايت. وسأقتبس الكثير من كتاب رايت، وسأحاول أن أقصر الاقتباسات على ما يقوله في هذا الكتاب، لذلك عندما أقتبس منه وأذكر رقم الصفحة، فهذا مرجع من كتاب ما قاله القديس بولس حقًّا، الذي نُشر في الولايات المتحدة من قبل دار النشر (Eerdmans)، حقوق الطبع والنشر مُسجَّلة لسنة 1997. وتمَّ نشر نفس الكتاب في إنجلترا من قبل دار (Lion) للنشر.

هذا ما يقولهُ رايت في كتابه ما قاله القديس بولس حقًّا:

يبدأ رايت بإعطاء رسم تخطيطي لأصل الدراسات التي كُتبت عن بولس في القرن العشرين. ويعترف بأنَّ المنظور الجديد متجذِّر بعمق في عمل مجموعة من العلماء لم يكونوا إنجيليين بأي حال من الأحوال. في الواقع، كان معظمهم معاديًا للفكر الإنجيلي. يسرد رايت، على سبيل المثال، ألبرت شويتزر (Albert Schweitzer)، و. دي. ديفيز (W. D. Davies)، إرنست كاسيمان (Ernst Käsemann)، وإي. بي. ساندرز (E.P. Sanders) كأشخاص كان لهم تأثيرًا أساسيًّا في تطوير المنظور الجديد.

كانت مساهمة شويتزر هي التأكيد على حقيقة أنَّ بولس كان يهوديًّا عبرانيًّا وليس هيلينيًّا يونانيًّا. ففِكر بولس يقع في أُطر الفكر اليهودي وليس اليوناني. وعلى هذا الأساس قال شويتزر إنَّ تركيز البروتستانتيَّة التقليديَّة على التبرير بالإيمان أخطأ في فهم جوهر لاهوت بولس. كان تركيز بولس هو على اتِّحادنا بالمسيح [وهذا صحيح]، ولكن قال شويتزر بإنَّه من الخطأ إذن النظر إلى التبرير بالإيمان باعتباره إعلانًا قضائيًّا، وهي الطريقة الكلاسيكيَّة التي بها دائمًا نظر علماء اللاهوت المُصلحين والبروتستانت للأمر. في صفحة ١٤، يصف رايت وجهة نظر شويتزر كالآتي: "ما يهم [شويتزر] هو أنَّنا 'في المسيح' وليس المجادلات حول التبرير التي ينقصها المنطق، [ولذلك] فالإنسان حرٌّ أن يُطبِّق حياة المسيح في حياته بطرق جديدة ومختلفة".

لاحظ إذًا: إنَّ الفهم الكلاسيكي البروتستانتي لعقيدة التبرير بالإيمان كان تحت هجوم منذ البداية المبكرة للآراء الأولى التي قادت إلى هذا التفسير الجديد لفكر بولس الرسول. تمَّ رفض عقيدة التبرير القضائيَّة، لصالح تطبيق حياة المسيح في حياة المرء.

كانت نقطة التحوُّل الرئيسيَّة التالية — وكانت نقطة كبيرة — في نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما تمَّ الكشف عن النطاق الواسع للمُحرقة النازيَّة. أراد علماء العهد الجديد الليبراليُّون بشدِّة تبرئة بولس وغيره من كتَّاب العهد الجديد من تهمة معاداة الساميَّة. يبدو أن الكثيرين منهم قبلوا ومن دون معارضة كبيرة الزعم بأن أساس المعاداة الألمانيَّة للساميَّة متجذِّر في تاريخ الفكر البروتستانتي. وهكذا بدأوا في تفسير العهد الجديد بطريقة جديدة.

وبناءً على أعمال شويتزر، ركّز ديفيز بقوة على حقيقة أن بولس نفسه كان معلِّمًا يهوديًّا. في صفحة 16، يقول رايت: "تشير أعمال ديفيز إلى توجُّه جديد نحو اليهوديَّة في دراسات ما بعد الحرب. فحتى ذلك الوقت، كان ينظر معظم مُفسرِّي فكر بولس إلى اليهوديَّة باعتبارها المثال الأعظم للنوع الخاطئ من الدين. فقد تمثَّلَت في الجهد الذاتي للإنسان، والفريسيَّة، والتعصُّب والكبرياء ... [لكنَّ] المشهد تغيَّر بأكمله من خلال ديفيز ... وبالطبع مع ردِّ فعل بعد الحرب ضدَّ المعاداة الخسيسة للساميَّة التي تسبَّبت في المحرَقة. اشتهرت اليهوديَّة فجأةً؛ وصارت الأفكار اليهوديَّة تُعتبر جيدة، وتمَّ تصنيف الأفكار الهيلينيَّة اليونانيَّة 'بالوثنيَّة' وبالتالي (ضمنيًّا) سيئة".

وجاءت القنبلة الرئيسيَّة التالية في دراسات العهد الجديد في عام 1977، بنشر كتاب إي. بي. ساندرز الضخم بعنوان بولس واليهوديَّة الفلسطينيَّة (Paul and Palestinian Judaism). كان هذا الكتاب بمثابة تحليل لبولس استنادًا إلى دراسة شاملة للمصادر اليهوديَّة في القرن الأول. وكان هذا العمل هو الرئيسي والأول لمفهوم المنظور الجديد، وإن كان كاتبٌ لاحقًا وهو جيميس دي. جي. دون (James D. G. Dunn) هو أول من صاغ تعبير "المنظور الجديد" في محاضرة ألقاها عام ١٩٨٢.

بدون شك يعتبر ساندرز، ودون، ورايت هم الثلاثة المؤيِّدين المعاصرين الأكثر تأثيرًا لهذه المجموعة من الأفكار المرتبطة ببعضها التي تُعرف باسم المنظور الجديد عن بولس. ولكن وحده رايت من بين الثلاثة يمكن تصنيفه بأنه إنجيلي بالمعنى الأوسع للمصطلح. رفض كل من ساندرز ودون أن بولس هو كاتب الرسائل الرعويَّة، وكلاهما، جنبًا إلى جنب مع شويتزر وديفيز وكاسيمان — وتقريبًا كل اسم آخر مرتبط بمفهوم المنظور الجديد — ينبذون الكثير من العقائد التي نعتبرها نحن جوهريَّة في المسيحيَّة، بدءًا بسلطة الكتاب المقدس.

تبدو أن وجهة نظر رايت هي أنَّ المنظور الجديد عن بولس له أساس علمي ضخم. وما أريد أن أوضحه هو أن أساس هذه الآراء هو في الدراسات التي كانت معادية للمميزات الإنجيلية عبر التاريخ، مثل سلطة ووحي الكتاب المقدس. ومن المفارقات التي أظن أنها هامة أن الدعاة الأوائل لهذا التخصص الحديث عن بولس كانوا جميعًا أشخاصًا تجاهلوا عن رضا أي أجزاء من كتابات بولس لم تتناسب مع نظرياتهم. فلذلك نرى أن هناك خبراء في فكر بولس يرفضون أجزاءًا كبيرة مما كتبه بولس بالفعل.

باختصار، هذا هو الأساس الذي يجب أن يشجع ثقة علماء اللاهوت الإنجيليين. وأنا أظن أنه سيكون للإنجيليين اهتمامٌ أقل بالمنظور الجديد لولا أعمال رايت، الذي يحترمه العديد من علماء اللاهوت الإنجيليين من أجل ما قام به في الدفاع عن تاريخية قيامة المسيح.

الآن، إليك ست خصائص لمنظور رايت عن بولس، وسأضعها في ترتيب منطقي إلى حد ما. أولاً، يبدأ رايت بالتأكيد على أن علماء العهد الجديد قد أساءوا بشدة فَهْم يهوديَّة القرن الأول. ووفقًا لرايت، يعود سوء الفهم هذا على الأقل إلى أوائل القرن الخامس ومعركة أوغسطينوس ضد البيلاجيَّة (Pelagianism).

يزعم رايت أيضًا أن سوء فهمنا لليهوديَّة وصل إلى ذروته مع لوثر والمصلحين — وبعبارة أخرى، مع البروتستانتيَّة الكلاسيكيَّة. يرى رايت أن الإنجيليِّين على وجه الخصوص قد ساهموا في سوء الفهم بسبب منهجنا النظامي واللاهوتي في تفسير العهد الجديد. فنحن مذنبون في التفكير من خلال الأطر اليونانيّة بدلاً من الأطر اليهوديَّة. لقد كنا أكثر ميلاً نحو إقحام صراعات أوغسطينوس مع بيلاجيوس وصراع لوثر مع الكنيسة الكاثوليكيَّة في نصوص الكتاب المقدس، وهذا قد أفسد وأضرَّ بفهمنا للثقافة اليهوديَّة المحيطة ببولس.

ولكن وفقًا لرايت وكل المؤيدين الآخرين للمنظور الجديد عن بولس، لم تعلِّم اليهوديَّة في زمن بولس عن أي شكل من أشكال أعمال البرِّ. لم يكن لليهوديَّة أي قواسم مشتركة مع البيلاجيَّة. بدلاً من ذلك، بحسب كل من ساندرز، دون، ورايت، إن درست سجلات حقبة يهوديَّة الهيكل الثاني، ستجد أن هناك تأكيدًا قويًّا على النعمة الإلهيَّة وتركيزًا على العهد يستبعد فكرة أعمال البرِّ تمامًا. هذا ما يقولَهُ رايت في صفحة ٣٢: "أنا مقتنع بأن إد ساندرز على حق: لقد أسأنا تقدير اليهوديَّة المبكرة، وخاصة المذهب الفرّيسي، إن اعتقدنا أنها نسخة مبكرة من البيلاجيَّة".

ويواصل حديثه قائلاً (في نفس صفحة 32): "من الواضح أن هذه النقطة لها أهميَّة كبيرة، ولكن لا يسعني سوى أن أكررها في حالة وجود أي شك: لم يكن اليهود مثل شاول الطرسوسي مهتمين بنظام نظري للخلاص، خارج إطار الزمن، وغير تاريخي. ولم يكونوا حتى مهتمين بالدرجة الأولى، كما نقول اليوم، 'بالذهاب إلى السماء عندما يموتون'". (بالمناسبة، هذه عبارة مثيرة للسخرية، وإن كنت تريد أن ترى كم هي مثيرة للسخرية، اقرأ عبرانيين ١١: ١٣-١٦. فمَنْ كان لديهم إيمان حقيقي كانوا مهتمين بالذهاب إلى السماء عندما يموتون. عبرانيين ١١: ١٦: "‎يَبْتَغُونَ وَطَنًا أَفْضَلَ، أَيْ سَمَاوِيًّا".

على أي حال، وفقًا لرايت، نحن أسأنا فهم اليهوديَّة بشكل كبير، وهذا يقودنا إلى الفكرة الرئيسيَّة الثانية للمنظور الجديد. يقول رايت بما أننا أسأنا فهم اليهوديَّة، لذلك أسأنا تفسير ما قاله بولس في معارضته للتهوديِّين. من الواضح، إن كان الفريسيُّون غير متمسِّكين بحرفيَّة الشريعة، فبولس لم يكن يجادل ضد حرفية الشريعة في حد ذاتها. ولم يكن بولس حتى مهتمًّا بشكل أساسي بمسألة كيف يمكن للإنسان أن يكون في موقف صحيح مع الله. كتب رايت في صفحة ١٢٠:

على الرغم من وجود تقليد قديم عكس ذلك، فإن المشكلة التي يتناولها بولس في غلاطية ليست مسألة كيف يصبح تحديدًا الشخص مسيحيًّا أو يصل إلى علاقة مع الله. (لستُ حتى متأكدًا كيف سيُعبِّر بولس، باليونانيَّة، عن مفهوم 'العلاقة مع الله'، ولكننا سنترك ذلك جانبًا). المشكلة التي يتناولها هي: هل يجب أن يتم ختان المؤمنين من خلفية وثنية أم لا؟ من الواضح الآن أن هذه المسألة ليست لها علاقة بأي حال من الأحوال بالمسائل التي واجهها أوغسطينوس وبيلاجيوس، أو التي واجهها لوثر وإيرازموس. بالقراءة، وخاصة في سياق القرن الأول، فإن [المشكلة] تتعلق، بوضوح شديد، بمسألة كيف يمكنك تعريف شعب الله. هل يتم تعريفهم بعلامات العِرقْ اليهودي أم بطريقة أخرى؟

يعترف رايت صراحةً أنه إذا كان المنظور الجديد صحيحًا، ولم يكن ليهوديَّة القرن الأول مشكلة مع أعمال البرِّ، عندها يجب التخلص من جميع التفسيرات التقليدية لرسائل رومية، وغلاطية، وغيرها من رسائل بولس، ويجب علينا العودة إلى نقطة البداية في تفسيرنا لكتابات بولس.

أشار نقّاد رايت، بمن فيهم أنا، إلى أن هذا ادّعاء جريء للغاية. في الواقع، يزعم رايت بأنه أول شخص في تاريخ الكنيسة — أو على الأقل منذ وقت أوغسطينوس — قد فهم بشكل صحيح الرسول بولس (وبالتالي غالبية العهد الجديد). رايت حريص جدًا على عدم القول صراحة إنه يعتقد أن هذا يتطلّب إصلاحًا كاملاً لمعايير اعتراف الإيمان البروتستانتيّة. وقد أنكر بحماس شديد بعض أنصار رايت المشيخيين في أميركا أن معتقدات رايت تشكِّل أي تهديد على الإطلاق لإقرارات الإيمان البروتستانتيَّة الكلاسيكيَّة. ولكن يبدو واضحًا لي تمامًا أنه إذا عاد الأساس التام لتفسيرنا لكتابات بولس إلى نقطة البداية، عندها يمكننا أن نتخلص من كل إقرار للإيمان ولاهوت نظامي قد كتبه أي شخص التزم بالمنظور القديم عن بولس، ثم نبدأ من جديد باللاهوت الخاص بنا.

إليكم الفكرة الثالثة في التسلسل المنطقي للمنظور الجديد بحسب توم رايت. وفقًا لما ذكره رايت، لقد أخطأ علماء اللاهوت البروتستانت عبر التاريخ فيما قصده بولس عندما تحدث عن "أعمال الناموس".

بالطبع، يستخدم الرسول بولس هذه العبارة مرارًا وتكرارًا. في غلاطية ٢: ١٦ — في هذه الآية وحدها — يستخدمها ثلاث مرات: "إِذْ نَعْلَمُ أَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَتَبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ، بَلْ بِإِيمَانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، آمَنَّا نَحْنُ أَيْضًا بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، لِنَتَبَرَّرَ بِإِيمَانِ يَسُوعَ لاَ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ. لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ لاَ يَتَبَرَّرُ جَسَدٌ مَا". وفقًا لما ذكره رايت، عندما تحدث بولس عن "أعمال الناموس"، لم يكن يُفكّر في المتطلِّبات الأخلاقيَّة لناموس الله. ولكن كان يتحدث عن علامات القوميَّة اليهوديَّة — الختان، وشرائع الطعام، والكهنوت، والأعياد المقدسة، وغيرها. بعبارة أخرى، فإن بولس يتحدث عن الناموس الطقسي. ونقلاً مرة أخرى عن صفحة ١٢٠، يقول رايت أن المسألة التي يتناولها بولس في غلاطية هي "مسالة كيفية تعريف شعب الله. هل يتم تعريفهم بعلامات العِرْق اليهودي أم بطريقة أخرى؟"

لذلك، وفقًا لما يقوله رايت، إن بولس لا يستبعد عمدًا الأعمال كوسيلة للتبرير. بدلاً من ذلك، بحسب فَهم رايت، فإن بولس فقط يقول إن العناصر اليهوديَّة للمميِّزة لناموس موسى — العلامات العرقيّة لليهوديَّة — تلك الأشياء لا تضمن العضويَّة في العهد، ولا يمكن استخدامها لاستبعاد الأمم من عضويَّة العهد.  وبإيجاز، يقترح رايت أنه لا يُقصد من غلاطية ٢: ١٦ وغيرها من النصوص المشابهة إنكار أن استحقاقات الأعمال الإنسانيَّة لها أي دور على الإطلاق في التبرير.

وهذا يأتي بنا إلى الفكرة الرابعة الرئيسيَّة التي يطرحها رايت في كتابه، وهذه الفكرة كبيرة. وهي مصدر معظم الجدل الذي يحيط بكتاب رايت. يقول رايت إننا أخطأنا تمامًا في فهم عقيدة التبرير بالإيمان عند بولس. لقد أقحمنا لوثر في بولس، وبحسب كلمات رايت (صفحة ١١٧): "إن هذه الطريقة لقراءة رسالة رومية قد أضّرت بالنص باستمرار ولمئات السنين... وقد حان الوقت للنص نفسه أن يُسمع مره أخرى". ويُكمِل رايت ليقول: "قد يوافق أو يختلف بولس مع أوغسطينوس، أو لوثر، أو أي شخص آخر حول كيف يأتي الناس إلى معرفة شخصية لله في المسيح، لكنه لا يستخدم مصطلح 'التبرير' للدلالة على هذا الحدث أو العمليَّة".

يُصرُّ رايت على أنه بحسب اللاهوت الحقيقي لبولس، إن التبرير بالإيمان لا علاقة له بموقف الشخص أمام الله، بل يتعلق كليًّا بالتركيب المشترك لجماعة العهد. على حد تعبير رايت مرة أخرى (صفحة ١١٩):

لم يكن "التبرير" في القرن الأول يتعلق بكيفيّة إقامة شخص ما علاقة مع الله. بل كان يتعلَّق بالتعريف الإلهي الإسخاتولوجي، سواء للمستقبل أو الحاضر، لمن كان حقًا عضوًا في شعبه. في عبارات ساندرز، لم يكن الأمر يتعلق "بالدخول في"، أو حتى "البقاء في"، بل كان عن "كيف يمكنك معرفة من كان في الداخل". وباستخدام المصطلحات اللاهوتيّة المسيحيّة المُتعارف عليها، لم يتعلّق الأمر بالسيتوريولوجي بقدر ما كان عن الإكليزيولوجي؛ أي ليس عن الخلاص بقدر ما كان عن الكنيسة.

لذلك في نظر رايت، لا يتعلَّق التبرير بكيفيَّة ارتباطنا بالله؛ بل بكيفية ارتباط المجموعات العرقيَّة والثقافيَّة بعضها ببعض. صفحة ١٢٢: "ما يقصده بولس بالتبرير... ليس 'كيف يمكنك أن تصبح مسيحيًّا'، بقدر ما هو 'كيف يمكنك معرفة من هو عضو في أسرة العهد' ... [التبرير] هو العقيدة التي تُصرُّ على أن كل من يتقاسمون الإيمان بالمسيح ينتمون إلى نفس المائدة، بغض النظر عن اختلافاتهم العرقيّة".

لذلك ففي تقدير رايت، يُعدُّ التبرير قضية مسكونيَّة وكنسيَّة، وليست قضية خلاصيَّة. صفحة ١٥٨:

تدفع عقيدة بولس عن التبرير بالإيمان الكنائس، في حالتها المجزَّأة الحالية، إلى مهمة مسكونيَّة. ليس صحيحًا أن كل عقيدة تُعلّم بأن كل من يؤمن بيسوع ينتمي إلى نفس المائدة (غلاطية ٢) يجب أن تُستخدم كوسيلة للقول إن البعض، الذين يفهمون عقيدة التبرير بشكل مختلف، ينتمون إلى مائدة مختلفة. بعبارة أخرى، إن عقيدة التبرير ليست مجرد عقيدة يمكن أن يتفق عليها الكاثوليك والبروتستانت نتيجة لمسعى مسكوني جاد. بل هي في حد ذاتها عقيدة مسكونيَّة، إنها العقيدة التي تُوبِّخ كل التجمُّعات الكنسيَّة الصغيرة والتي غالبًا ما تكون مرتبطة بالثقافة، وتعلن أن جميع الذين يؤمنون بيسوع ينتمون معًا إلى أسرة واحدة... إن عقيدة التبرير هي في الواقع عقيدة مسكونيَّة عظيمة.

ألا يوجد بُعد خلاصي أو شخصي في فهم رايت للتبرير إذًا؟ يوجد، وهذا أحد الجوانب الأكثر إثارة للقلق في كتابهِ. وعلى غرار العديد اليوم الذين يقترحون مفاهيم جديدة عن التبرير، فإنه يقسم التبرير إلى جانب في الحاضر وجانب في المستقبل، ويدفع بالأبعاد الخلاصيَّة الشخصيَّة المتعلِّقة بالتبرير إلى المستقبل الأخروي، في الدينونة العامة. في صفحة ١٢٩ يقول: "يُعلَن التبرير في الحاضر، على أساس الإيمان، ما سيُؤكِّده علنًا التبرير في المستقبل... على أساس الحياة بكاملها".

هذا أمر مثير للقلق لسببين: أولاً، إنه يجعل أمانة الإنسان في العهد — أي الطاعة — الأساس النهائي للتبرير، وبالتالي يُؤصِّل الإعلان النهائي للتبرير في أعمال المؤمنِ نفسه، بدلاً من تأصيل التبرير بالكامل في عمل المسيح التام والنهائي بالنيابة عنّا.

ثانيًا، من خلال تقسيم التبرير إلى جانبين في الحاضر والمستقبل، قد حوّل رايت دون قصد التبرير إلى عمليَّة.

سيكون من التبسيط وعدم الانصاف وصف وجهة نظر رايت عن التبرير بأنها معادلة تمامًا لكاثوليكيَّة ما بعد الإصلاح. لكن مع ذلك، أعتقد أنه من الانصاف الاشارة إلى أن هناك نزعة كاثوليكيّة واضحة في وجهة النظر هذه. فهي لها قواسم مشتركة مع ترينت أكثر من جنيف.

وعلى الرغم من أن المدافعين عن رايت قد حاولوا بشدة تبرئته من هذه التهمة، يبدو لي واضحًا أنه طوال كتابه يرفض عن وعي وعن قصد التمييز الرئيسي — المبدأ الجوهري — للإصلاح البروتستانتي. على حد تعبير لوثر، إنه البند الذي تقف عليه الكنيسة أو تسقط. وعلى حد تعبير كالفن، إنه المبدأ المفصلي للدين بأكمله.

لكن رايت لا يُفوّت أي فرصة للتقليل من شأن أو تشويه لوثر والمصلحين. فيتم رفض وجهات نظرهم بشكل منتظم باعتبارها "غربية". يقول رايت في صفحة ١١٣ إن المفهوم الكلاسيكي المُصلح للتبرير "لا ينصف ثراء ودقة تعاليم بولس، ويُشَوِّهها بالفعل في نقاط مختلفة". وفي حين أنه يتجنب بحرص قول ذلك صراحة، فإن الفكرة الرئيسية لرايت — الاتجاه الذي يدفع كتابه القرّاء باستمرار نحوه — هي التخلي التام عن مفهوم التبرير الذي أشعل الإصلاح البروتستانتي.

من الواضح أن مفهوم رايت عن التبرير يتعارض مع عقيدة التبرير حسب فهم لوثر وكالفن وكل كاتب مهم يتبع نهج الإصلاح.

ونرى هذا بشكل واضح في النقطة الخامسة المميزة لموقف رايت والتي أريد ان أسلّط الضوء عليها. وفقًا لرايت، إن كل المفسرين البروتستانت والمُصلحين بحسب اللاهوت الإنجيلي قد أساؤوا قراءة ما يعنيه بولس عندما تحدَّث عن "برِّ الله". فحسب رايت، إنَّ البِرَّ الإلهي ليس فضيلة يُمكن أن تُحتسبْ من الله للمُؤمن. فبِرُّ الله لا علاقة له بالفضيلة أو التمَيُّز أو الاستقامة الأخلاقيَّة التي يمكن أن تُحتسب. عِوضًا عن ذلك، فإن بِرَّ الله هو ببساطة أمانتُه للعهد. وعندما يتحدث بولس عن بِرِّ المؤمن كبِرٍّ يأتي من الله، فهو يتحدَّث عن العضويَّة في العهد، ووضعنا في العهد، الذي يجب الحفاظ عليه في النهاية بواسطة أمانتنا.

إن كان ذلك يبدو لك وكأنه إنكار ضمني لعقيدة الحسبان الكلاسيكيَّة، فأنا أعتقد أن هذا هو بالضبط ما يقولهُ رايت. فهو يقلل أو ينكر أو يُعيد تعريف مبدأ الحسبان في كل منعطف. يقول رايت في صفحة ٩٨: "إذا استخدمنا لغة المحكمة القانونية، فليس من المعقول القول بأن القاضي يَحسب، أو ينسب، أو يمنح، أو يُسلِّم، أو ينقل بِرّهُ إلى المُدّعي (مُقِيم الدعوى) أو المُدّعى عَليهِ (المُتهم). فالبِرُّ ليس كائنًا أو مادةً أو غازًا يُمكن تمريرهُ عبر قاعة المحكمة".

وبحسب رايت (صفحة ١٢٣)، إنَّ ١ كورنثوس ١: ٣٠ هو "النص الوحيد الذي أعرفه عن موضع فيه تجد عبارة 'حسبان بِرِّ المسيح' أي أساس نصِّي، وهي عبارة توجد عادةً في لاهوت ومُعتقد ما بعد الإصلاح أكثر مما نجده في العهد الجديد". ويمضي رايت بعد ذلك إلى القول بأنه إن زعمنا أن ١ كورنثوس ١: ٣٠ هو نص يثبت حسبان بِرِّ المسيح، فعندها "يجب علينا أيضًا أن نكون مستعدين للحديث عن حسبان حكمة المسيح؛ وحسبان قداسة المسيح … وهكذا".

قل ما تريده عن رايت؛ فهو نفسه يوضح تمامًا أنه لا يحب فكرة الحسبان، لأنه لا يعتقد أن البِرَّ الإلهي هو شيء يمكن حسابُه، أو وضعهُ في حساب المؤمن. وهو صامت بنفس القدر وبشكل مخيف عن التعاليم الكتابيَّة بأنَّ ذنب المؤمن احتُسب إلى المسيح ودُفعَ ثمنهُ على الصليب.

هذا تلخيصٌ أطول مما أردت تقديمه، لكنني أعتقد أنهُ من المهم تغطية جميع الأمور. للمراجعة، فهذه هي خمس خصائص رئيسية لمنظور توم رايت عن بولس: 1) يقول رايت إننا أسأنا فهم يهوديَّة القرن الأول. 2) يقول إننا أسأنا تفسير حجة بولس مع التهوديِّين. 3) يقول إننا أخطأنا في فهم ما قصده بولس بتعبير "أعمال الناموس". 4) يقول إننا أسأنا فهم تعاليم بولس عن التبرير بالإيمان. 5) يقول إننا أخطأنا في قراءة ما قصده بولس عندما تحدَّث عن "بِرِّ الله".

لذلك، يقول، لقد أخطأنا في فهم الإنجيل كليًّا. وهو يقول هذا مرارًا وتكرارًا. في صفحة ٦٠: "بالنسبة لبولس، 'الإنجيل' ليس رسالة حول 'كيف يخلص المرء' بالمعني الفردي وغير التاريخي". في صفحة ٤١؛ يصف رايت ما هو مقتنع بأنه سوء فهم للإنجيل، إذ يقول: "في بعض الدوائر داخل الكنيسة ... يُفترض أن يكون 'الإنجيل' بمثابة وصف لكيفيَّة حصول الناس على الخلاص؛ لآليَّة لاهوتيَّة بها يأخذ المسيح خطايانا وَنَحْنُ نأخذ بِرَّهُ، على حد تعبير بعض الناس".

"تعبير بعض الناس"؟ يستخف رايت نفسه باستخدام مثل هذا التعبير. فهو حريص على الإصرار على أنه ليس متعصبًا تجاه الناس الذين يستخدمون هذا التعبير. فيمضي قائلاً (صفحة ٤١): "أنا مرتاح تمامًا لما يقصده الناس عادةً عندما يقولون 'الإنجيل'. ولكني ببساطة لا أعتقد أن هذا ما يقصده بولس".

ولكن إن لم يكن هذا ما يقصده بولس، فهو ليس ما يقصده الكتاب المقدس. هل يشير رايت إلى أن البروتستانت قد أعلنوا عبر التاريخ "إنجيلاً مختلفًا"؟ من المؤكد أنه ليس من سمات شخصية رايت أن يلعن أي شخص، ولكنه يلمح بوضوح أنه يعتقد أن البروتستانت قد أخطأوا في فهم الإنجيل منذ القرن السادس عشر.

يقول إنه ليس لديه مشكلة فيما يقصده الناس عندما يقولون "الإنجيل"، ويبدو أيضًا أنه يحاول ألا ينكر صراحةً حسبان بِرِّ المسيح، وفكرة الكفارة، ومبدأ البدلية العقابية. ولكنه يقول إنه لا يستطيع العثور على تلك الحقائق في الكتاب المقدس. وإذا سمحتم لي بالتفكير في إطار يوناني للحظة، فيبدو لي أن هذا بمثابة اقتراح بأن هذه العقائد غير صحيحة.

ربما هذا الاستنتاج قاسٍ للغاية، ولكن بصراحة، لو لم يكن لدى رايت أجندة لإضعاف جوهر اللاهوت البروتستانتي الكلاسيكي، عندها أعتقد بأنه يجب عليهِ أن يفعل المزيد لتأكيد المبدأ المركزي للاهوت البروتستانتي — أي الحقيقة التي يذكرها بولس بإيجاز في ٢ كورنثوس ٥: ٢١ أن "[الله] جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ". يُعلّم الرسول بولس نفسه في كل مكان أنه لا يمكن للخاطئ أن يقف أمام الله على أي أساس سوى عمل المسيح الذي "جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ لِيُخَلِّصَ الْخُطَاةَ الَّذِينَ أَوَّلُهُمْ أَنَا". هذا هو مبدأ التبرير الفردي وغفران الخطايا الفردي الذي يقول رايت إنه لا يستطيع العثور عليه في تعاليم بولس.

لقد وعدت أن أقدم العديد من الإجابات الكتابيّة ردًّا على المنظور الجديد لتوم رايت، وهذا ما سأفعله. اسمحوا لي أن أحاول الإجابة على كل فكرة من الأفكار الخمسة التي أوجزتها وذلك بحجة أو حجتين من الكتاب المقدس:

أولاً، هناك فكرة أننا أسأنا فهم يهوديَّة القرن الأول. أجيب بأن رايت أخطأ بإضفاء المزيد من المصداقيَّة للدراسات العلمانيَّة أكثر مما فعل لشهادة الكتاب المقدس. يجب علينا أن نستخلص فهمنا للمناخ الديني في القرن الأول من العهد الجديد نفسه، وليس من الاستنتاجات المتنازع عليها لحفنة من علماء القرن العشرين المتشكِّكين الذين يرفضون الخضوع لسلطة الكتاب المقدس.

فماذا يقول الكتاب المقدس عن ديانة اليهود، والفريسيِّين على وجه الخصوص؟ يُعلّم الكتاب المقدس بوضوح أن خطأهم الرئيسي هو أنهم وثقوا بشكل كبير في بِرِّهم الذاتي بدلاً من وضع إيمانهم في الحق الذي يقدمه العهد القديم بأن الله سيكسوهم بثوب البِرِّ الخاص به. يقول بولس ذلك صراحة في رومية ١٠: ٣: "لأَنَّهُمْ إِذْ كَانُوا يَجْهَلُونَ بِرَّ اللهِ وَيَطْلُبُونَ أَنْ يُثْبِتُوا بِرَّ أَنْفُسِهِمْ لَمْ يُخْضَعُوا لِبِرِّ اللهِ". قال المسيح ذلك أيضًا مرارًا وتكرارًا. فهو انتقد الفريسيِّين باستمرار لمحاولتهم تبرير أنفسهم. أتذكرون مَثل الفريسي والعشار؟ يقول لوقا ١٨: ٩ إن يسوع قال هذا المثل "لِقَوْمٍ وَاثِقِينَ بِأَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ أَبْرَارٌ، وَيَحْتَقِرُونَ الآخَرِينَ". وكان الهدف الكامل من شهادة بولس في فيلبي ٣ هو إظهار أنه كان لديه "اتكال على الجسد" — تلك هي كلمات بولس الدقيقة في فيلبي ٣: ٤. ولكن تحوّل بولس عن ذلك، وتخلى عن بِرّهِ الذاتي، واعتبرهُ نفاية، وشهد أنَّ رجاءه الوحيد الآن، كمسيحي ومؤمن صار "أُوجَدَ فِيهِ [المسيح]، وَلَيْسَ لِي بِرِّي الَّذِي مِنَ النَّامُوسِ، بَلِ الَّذِي بِإِيمَانِ الْمَسِيحِ، الْبِرُّ الَّذِي مِنَ اللهِ بِالإِيمَانِ" (فيلبي 3: 9).

يحاول رايت التخلُّص من قوة هذا النص بإزالة كلمة البِر، واقتراح أنَّ بولس كان يتحدث عن "عضويّة العهد". لكن يثبت كل من السياق وكلمات النص أن ما قصدهُ بولس هو الفرق بين فكرتين متناقضتين عن البِرِّ — واحدة يُطلق عليها "برِّي"، والأخرى، بِرٌّ خارجيٌّ — بِرُّ الله في المسيح.

إنَّ رايت ببساطة على خطأ — وخطأ سافر — عندما اقترح أن البِرَّ الذاتي لم يكن مشكلة في يهوديَّة القرن الأول.

بالمناسبة، يسخر رايت من الموقف البروتستانتي الكلاسيكي عندما اقترح أن معظم المفسرين قد ربطوا بين يهوديَّة القرن الأول والبيلاجيَّة، أي فكرة أن الخطاة يمكنهم أن ينقذوا أنفسهم بواسطة أعمالهم.

بالطبع كان لليهوديَّة تركيزًا كبيرًا على نعمة ورحمة الله. عرف الفريسيُّون العهد القديم، وكان مفهوم النعمة بارزًا بوضوح في العهد القديم. ولكن ديانة الفريسيِّين والجزء الأكبر من يهوديَّة القرن الأول أفسدت مفهوم النعمة في العهد القديم. لم تكن ديانتهم مثل البيلاجيَّة، والتي تخلو تمامًا من النعمة. ولكنها كانت أشبه بنصف البيلاجيَّة، والتي قلَّلت من شأن مفهوم النعمة، وأكدت بشدة على الأعمال البشريّة. تشير نصف البيلاجيَّة إلى أن النعمة كافية لوضع أقدامك على أعتاب باب الخلاص، ولكن عليك أن تحافظ على خلاصك، أو عضويتك في العهد، بواسطة أمانتك وطاعتك للناموس.

حتى في الطريقة التي يصف بها توم رايت يهوديَّة القرن الأول، من الواضح أنه كان هناك ميلاً نحو نصف البيلاجيَّة في ذلك الدين. وبصراحة، إحدى مخاوفي الكبيرة من رايت والآخرين الذين اتَّبعوا مبادرته (وكذلك أشخاص مثل نورمان شيبرد [Norman Shepherd] وحركة شارع أوبورن [Auburn Avenue]) هي هذه: إن مفهومهم عن "أمانة العهد"، حيث يحتفظ الشخص بعضويته في العهد بالوسائل القانونية، أي من خلال الطاعة، ويتطلّع إلى التبرير النهائي، الذي يستند على الأقل جزئيًّا على أعمالهم — يقدّم بشكل كبير ناموسيّة جديدة لا أستسيغها. فهو يحوّل الإنجيل إلى "ناموس جديد" — أي نظام قانوني مخفف حيث تتضاءل المتطلبات وبالتالي تعتبر الطاعة غير الكاملة هي طاعة حقيقيّة. وهذا يجعل أعمال الخاطئ إما الأساس أو الأداة للتبرير النهائي. وبصراحة هذا النوع من التفكير يحمل في جميع طيَّاته رائحة نصف البيلاجيَّة الكريهة. فهو شكل خفي من أعمال البِرِّ.

ولكن نظرًا لأنَّ هذا هو لاهوت رايت نفسه، فإنه لا يبدو أنه يستطيع اكتشاف خطأه من خلال إدانات العهد الجديد لديانة الفريسيِّين.

ولكي لا نخرج عن صلب الموضوع: ماذا عن الخاصيَّة الثانية لرايت؟ ماذا عن اتهامه بأننا أسأنا تفسير حجة بولس ضد التهوديِّين؟

جوابي هو أنه إذا كان رايت على حق وكانت القضية الوحيدة التي اهتم بها بولس هي الانقسامات العرقيّة والثقافيّة في كنائس غلاطية وأماكن أخرى، فمن الصعب فهم قوة استجابة بولس. إن كانت مناشدة بولس هي مجرد صدى للاهوت رودني كينج (Rodney King) ("لماذا لا يمكننا جميعًا أن نكون على وفاق؟") فمن الصعب أن نفهم لماذا أعلن بولس نفسه هذه اللعنات القاسية ضد التهوديِّين في غلاطية ١. في الواقع، منعهم بولس من المائدة التي يُصرُّ رايت على أنها يجب أن تكون متاحة لكل من يعترف بالمسيح ربًّا.

ولماذا يشير بولس إلى تعاليم التهوديِّين بأنها "إنجيل آخر"، إن كان الإنجيل هو مجرد إعلان عن ربوبيّة المسيح؟ لا يوجد أي تلميح على الإطلاق في أي مكان في الكتاب المقدس بأن تعاليم التهوديِّين احتوت على أي إنكار مُتعمَّد لربوبيَّة المسيح. ولكن ما أفسدوه هو حقيقة أن التبرير هو بالإيمان وحده. لو أن رايت على حق، فمن الممكن أن يصحِّح بولس خطأهم، ولكن ليس لديه أي سبب ليعلن أنهم ملعونون. ففي نهاية المطاف، على حدِّ قول رايت (من صفحة ١٥٨):

تدفع عقيدة بولس عن التبرير بالإيمان الكنائس... إلى مهمة مسكونية... [إن عقيدة التبرير] في حد ذاتها عقيدة مسكونيّة عظيمة تُوبخ كل التجمعات الكنسيّة الصغيرة والتي غالبًا ما تكون مرتبطة بالثقافة، وتعلن أن جميع الذين يؤمنون بيسوع ينتمون معًا إلى أسرة واحدة.

في صفحة ١٥٩، يشجب رايت أولئك الذين يعتقدون أن التبرير له علاقة بطريق الخلاص. فيقول: "لقد حوَّلوا العقيدة إلى نقيضها. يعلن التبرير أن جميع الذين يؤمنون بيسوع ينتمون إلى نفس المائدة، بغض النظر عن الاختلافات الثقافيَّة أو العرقيَّة (ودعونا نواجه الأمر، [كما يقول] هناك العديد من الاختلافات الطائفيَّة الجيدة...  ترجع إلى الثقافة أكثر من العقيدة).

لكن هل بالتأكيد ترجع عقيدة التهوديِّين إلى الثقافة؟ إذا كان منظور رايت صحيحًا، فمن الصعب جدًا شرح كيف يمكن لبولس أن يلعن التهوديِّين. ومن الصعب أيضًا شرح لماذا سافر من أقصى الامبراطورية الرومانية إلى أقصاها معلنًا الحرب ضد خطأ كان، بكل صراحة، يتعلّق بالثقافة الدنيويّة والعلاقات الدنيويّة، فبالتالي لم يكن لها أهميَّة أبديَّة تُذكر.

ماذا عن الخاصيَّة الثالثة؟ يقول رايت إننا أخطأنا فهم ما قصده بولس بتعبير "أعمال الناموس".

إن رومية ٣: ٢٠ وحدها كافية أن تحطم هذه الحجة وتُحوِّلها إلى فُتات. يقول بولس: "لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ. لأَنَّ بِالنَّامُوسِ مَعْرِفَةَ الْخَطِيَّةِ".

إن الناموس الأخلاقي، وليس الناموس الطقسي، هو الذي يضع خطايانا تحت ضوء ساطع ويديننا. لا يتحدث بولس عن علامات عِرقية هنا، بل يتحدث عن المطالب الأخلاقيّة للناموس. وهو يقول بكل وضوح قدر الإمكان أن الناموس بكل معاييرهِ الأخلاقيّة العالية لا يمكن أن يبرِّرَنا، لأنه يديننا باعتبارنا خطاة.

لا يُقابل بولس الناموس مع خطايانا فحسب، موضحًا أنهُ على الأقل يشمل الناموس الأخلاقي عندما قال إن الناموس لا يمكن أن يبرِّرَنا، لكنه أيضًا يقابل ضمنيًّا بين التبرير والدينونة، موضحًا أنَّهُ عندما تحدَّث عن التبرير، فإنه يتحدَّث عن موقف الفرد أمام الله في ميزان العدالة.

وهذا مكان جيد للانتقال إلى الفكرة الرابعة للمنظور الجديد لرايت. يقول رايت بإننا أسأنا تفسير تعاليم بولس عن التبرير بالإيمان. وانا أجيب بأنه هو الذي قام بتحريف وتشويه المفهوم الكتابي عن التبرير، وقد شوّه الفكرة بشكل يكاد يكون من الصعب التعرف عليها.

تذكّر أن نقطة البداية في إنجيل بولس في رومية ١: ١٧ هي غضب الله على الخطية. هذه هي المعضلة التي يضعها بولس، وعندما بدأ بولس مناقشته للتبرير في رومية ٣، كان لا يزال يتحدث عنها.

إن تعريف رايت للتبرير (باعتباره "عضويَّة العهد") يقلِّل بشكل شبه تام من مفاهيم الخطية والغفران لعقيدة التبرير. ولكن الغفران والفداء من ذنب الخطية هي القضايا ذاتها التي يتناولها بولس في رومية ٣ و٤. وتوضح أمثلة بولس وبراهين العهد القديم أن ما كان يتحدّث عنه هو أولاً وقبل كل شيء التبرير الفردي، وليس المشترك الجماعي. فهو يتناول الذنب، وليس مجرد الوضع في العهد. رومية ٤: ٤-٥: "أَمَّا الَّذِي يَعْمَلُ فَلاَ تُحْسَبُ لَهُ الأُجْرَةُ عَلَى سَبِيلِ نِعْمَةٍ بَلْ عَلَى سَبِيلِ دَيْنٍ. وَأَمَّا الَّذِي لاَ يَعْمَلُ وَلَكِنْ يُؤْمِنُ بِالَّذِي يُبَرِّرُ الْفَاجِرَ فَإِيمَانُهُ يُحْسَبُ ["يُحتسب إليه"؛ "يُنسب"] لَهُ بِرًّا".

الآيات ٦-٧: ‎كَمَا يَقُولُ دَاوُدُ أَيْضًا فِي تَطْوِيبِ الإِنْسَانِ الَّذِي يَحْسِبُ لَهُ اللهُ بِرًّا بِدُونِ أَعْمَال: طُوبَى لِلَّذِينَ غُفِرَتْ آثَامُهُمْ وَسُتِرَتْ خَطَايَاهُمْ".

لا يمكن أن تكون مخلصًا لمعنى ذلك النص إذا حاولت إخلاء مفاهيم الذنب الفردي والغفران الفردي من فكرة التبرير.

اسمحوا لي أن أقدم لكم مثالاً واحدًا من تعاليم المسيح. إنَّ مَثل الفريسي والعشَّار في لوقا ١٨ يعلّم الشيء ذاته الذي يريد توم رايت أن ينكره عن عقيدة التبرير. فهذا هو المكان الوحيد الذي يشرح فيه يسوع بكل وضوح مبدأ التبرير. وهو يتفق تمامًا مع التفسير الكلاسيكي المُصلَح لبولس. ينهي هذا المثل بالقول في لوقا ١٨: ١٤: "أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هَذَا نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّرًا دُونَ ذَاكَ، لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَرْفَعُ نَفْسَهُ يَتَّضِعُ، وَمَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ يَرْتَفِعُ".

هنا لدينا مبدأ التبرير دون أي نوع من الأعمال. فهو يتعامل مع الذنب الفردي والغفران الفردي، وليس مجرد علاقات مشتركة جماعيّة. رجل واحد قد تبرَّر، والآخر أُدين.

يمنعني ضيق الوقت من تناول مبدأ الحسبان، ولكنها فكرة يشدد عليها بولس أكثر جدًا من أي مدافع عن المنظور الجديد.

وأخيرًا، ماذا عن فكرة أننا أخطأنا في فهم ما قصده بولس عن "بِرِّ الله"؟ أتحداكم أن تقوموا بدراسة دقيقة للكلمة في الكتاب المقدس في مختلف التعبيرات العبريّة واليونانيّة التي تتحدث عن البِرِّ. أنا لا أشك أن الكتاب المقدس عادةً ما يستخدم التعبير للحديث عن أمانة الله في العهد. فهناك بذرة من الحق فيما يقوله توم رايت عن البِرِّ الإلهي. كتابيًّا، البِرُّ هو مفهوم عامل، وليس مجرد فكرة ميتافيزيقيَّة. على حد تعبير رايت مرة أخرى (صفحة ٩٨)، "البر ليس كائنًا أو مادةً أو غازًا يُمكن تمريرهُ عبر قاعة المحكمة". العبارة نفسها صحيحة بالقدر الكافي.

لكن مع ذلك يتحدِّث الكتاب المقدس عن احتساب البِرِّ إلى المؤمن. يأمرنا المسيح في متى ٦: ٣٣ أن "نطلب" بِرَّ الله — وهذا مفهوم لا يتناسب مع تعريف المنظور الجديد. تربط أفسس ٤: ٢٤ مفهوم البِرِّ مع "قداسة الحق". وبعبارة أخرى، إن البِرَّ سمة أخلاقيَّة واسعة النطاق وليست مجرد "إخلاص للعهد". وأيُّ تعريف للبِرِّ لا يشمل تلك المفاهيم هو تعريف ناقص.

إن البِرِّ مفهوم أكبر بكثير مما يُقرُّ به توم رايت، وهنا تكمن شكواي الرئيسيّة مع نهجهِ للاهوت: فهو جعل مفهوم البِرِّ مفهومًا أصغر مما يسمح به الكتاب المقدس. كما يجعل الخطية قضية ثانوية. ويقلِّل من فكرة الكفارة. وبالكاد يلمس احتياج الخاطئ إلى الغفران. كذلك ينتقص من عقيدة التبرير بإعلانه أنها عقيدة من الدرجة الثانية. ما انتهى إليه هو لاهوت يخلو من جميع المفاهيم السامية التي استعادها الإصلاح البروتستانتي من عقم اللاهوت في العصور الوسطي.

اسمحوا لي أن أختم الموضوع بتوضيح لماذا أعتقد أن تأثير توم رايت يشكّل خطرًا كبيرًا على العقيدة السليمة. عندما كنت في إنجلترا الشهر الماضي، كان هناك قدر كبير من الجدل حول كتاب جديد بعنوان رسالة يسوع المفقودة (The Lost Message of Jesus)، للكاتب ستيف شالك (Steve Chalke). عقد التحالف الإنجيلي (Evangelical Alliance) مناظرة رسميّة لمناقشة مزايا وعيوب هذا الكتاب.

يتضمن الكتاب تنديدات صريحة ببعض العقائد الأساسيَّة للمسيحيَّة الإنجيليَّة، بما في ذلك مفاهيم البدليَّة العقابيَّة والخطيَّة الأصليَّة.

وفيما يتعلّق بعقيدة الكفارة البدليَّة العقابيَّة، كتب تشالك هذا: "يعلن إنجيل يوحنا على نحو معروف أنه '‎هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ' (يوحنا ٣: ١٦). كيف إذًا توصّلنا إلى الاعتقاد بأن إله الحب هذا يقرر فجأة التنفيس عن غضبه وسخطه على ابنه؟"

يقول تشالك: "الحقيقة هي أن الصليب ليس شكلاً من أشكال الاعتداء على الأبناء — أيُّ آب منتقم يعاقب ابنه على جريمة لم يرتكبها. من المفهوم أن أناسًا من داخل وخارج الكنيسة وجدوا هذه النسخة الملتوية من الأحداث مشكوكًا فيها أخلاقيًّا وتشكل عقبة كبيرة أمام الإيمان. لكن الأعمق من ذلك، هو أن هذا المفهوم يقف في تناقض تام مع عبارة 'الله محبة'. فإن كان الصليب عملاً شخصيًّا من أعمال العنف التي يرتكبها الله تجاه البشريَّة ولكن ابنهُ تحمّل ذلك، فهذا يسخر من تعاليم المسيح نفسه أن تُحب أعداءك".

يحتاج كل مسيحي حقيقي أن يفهم أن نوع الكفارة التي يستخف بها ستيف تشالك باعتبارها "اعتداء على الأبناء" هي تحديدًا ما يُعلّمهُ الكتاب المقدس. لقد حمل المسيح ذنبنا، والله عاقبه عليه. هذا — ولا شيء أقل من ذلك — هو ما تعنيه الكلمة الكتابيَّة كفارة. هكذا يستطيع أن يبرر الله الخطاة دون المساومة على عدله، بحسب رومية ٣: ٢٦. وهذا هو السبب أيضًا في أن الصليب كان أعظم استعلان يمكن تخيّلهُ لمحبة الله للخطاة غير المستحقين.

وفيما يتعلَّق بعقيدة الخطيَّة الأصليَّة، يقول ستيف تشالك: "إن رؤية البشر باعتبارهم أشرارًا بالطبيعة وغارقين في الخطيَّة الأصليَّة بدلاً من كونهم بالطبيعة مخلوقين على صورة الله وبالتالي مغمورين في الصلاح الأصلي، مهما أصبح مخفيًّا، هو خطأ فادح. وهذا الخطأ الفادح هو الذي عصف بالكنيسة في الغرب لعدة قرون".

ليس من المفاجئ أن يحتوي كتاب تشالك على تزكيات مكتوبة من براين ماكلارين (Brian McLaren) وتوني كامبولو (Tony Campolo) وهما المؤيدان الرئيسيان لكل فساد ما بعد الحداثة تم للعقيدة المسيحيَّة.

ولكن قد يفاجئك الأمر أن تعلم أن التأييد الرئيسي في الكتاب، وعلى رأس الغلاف الأمامي، هو تأييد مُطلق من أسقف دورام نفسُهُ، توم رايت. يقول رايت هذا عن كتاب تشالك: "إن الكتاب الجديد لستيف تشالك متجذر في دراسة جيدة، ولكن أسلوبه الواضح والقوي يجعله في متناول أي شخص وكل شخص. إن رسالته صارخة ومثيرة".

بالنسبة إلى الإنجيليِّين الحقيقيِّين، فإن رسالة كتاب ستيف تشالك ليست مثيرة. بل محبطة. لأنها تترك الخطاة دون أي رجاء في الفداء الحقيقي. وهي تُفسد تمامًا رسالة الكتاب المقدس.

ولكن بصراحة، إن قبلتَ كل شيء يقوله توم رايت، فهذا ما ستصل إليه في نهاية المطاف. لا يوجد مجال في المنظور الجديد — ولا احتياج حقيقي إلى — النظرة الكلاسيكيَّة عن الكفارة كتسديد نيابي لعقوبة الخطية. إن فكرة الكفارة تشدِّد كثيرًا على الغضب الإلهي؛ وتنطوي فكرة البدليَّة العقابيَّة على احتساب ذنبي إلى المسيح؛ وينطوي فهم حركة الإصلاح للتبرير على كل هذه الأشياء. أُرفض المبدأ الكلاسيكي "بالإيمان وحده" (sola fide)، وسيتبقى لك كل شر رفضهُ الإصلاح بحق.

انا لست نبيًّا ولا ابن نبي، ولكن يمكنني أن أرى الطريقة التي تهبُّ بها الرياح. وفي اعتقادي أن الخلاف الكبير القادم الذي سينشأ عن المنظور الجديد سينطوي على اعتداءٍ على عقيدة الكفارة. وضع ستيف شالك هذه المسألة على الطاولة بالفعل.

لهذا السبب أرفض المنظور الجديد عن بولس: لأنه ليس منظورًا جديدًا على الإطلاق، وإنما إعادة تدوير وإعادة تغليف للعديد من الأخطاء الخطيرة التي أثبتت بالفعل إفلاسها الروحي. فليُقِم الله رجالاً يتعاملون مع كلمة الله ومشكلة الخطية على محمل الجد، ويدحضون هذا الخطأ باعتباره هرطقة كما أنا مقتنع بأنه كذلك.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

فِيل جونسون
فِيل جونسون
القس فيل جونسون هو المدير التنفيذي لهيئة "نعمة لكم" (Grace to You)، وراعي كنيسة (GraceLife Fellowship)، وشيخ في كنيسة (Grace Community Church) في مدينة صن فالي، بولاية كاليفورنيا.