هل انتهى الإصلاح؟ | خدمات ليجونير
لاهوتيٌّ لكلِّ العصور: جون كالفن
۲۲ ديسمبر ۲۰۲۲
لماذا كان الإصلاح ضروريًّا؟
۳ يناير ۲۰۲۳

هل انتهى الإصلاح؟

أُبديت عدة ملاحظات حول هذا الموضوع من أناسٍ يمكن أن أسمِّيهم "إنجيليين سابقين". فقد كتب أحدهم يقول: "كان لوثر على حقٍّ في القرن السادس عشر، لكن قضية التبرير لم تَعُد اليوم قضية مهمة". وأدلى آخر، يقول عن نفسه إنه إنجيلي، بتعليقٍ في مؤتمر صحفي كنتُ حاضرًا فيه، قائلًا: "إن جدل الإصلاح في القرن السادس عشر حول التبرير بالإيمان وحده كان بمثابة زوبعةٍ في فنجان". كذلك، كتب علم لاهوت أوروبي شهير آخر أن عقيدة التبرير بالإيمان وحده لم تَعُد قضية جوهرية في الكنيسة. فإننا نواجه جموعًا من الناس يوصفون بأنهم بروتستانتيون (محتجُّون)، لكن من الواضح أنهم نسوا تمامًا على أيِّ شيء يحتجُّون.

على خلاف هذه التقييمات الحديثة لأهمية عقيدة التبرير بالإيمان وحده، سنستحضر إلى الأذهان فيما يلي منظورًا مختلفًا، قدَّمه المصلحون المبجَّلون في القرن السادس عشر. فقد أدلى لوثر بتعليقه الشهير القائل إن عقيدة التبرير بالإيمان وحده هي العمود الذي تقوم عليه الكنيسة أو تسقط. وأضاف جون كالفن تشبيهًا مختلفًا، يقول إن التبرير هو المفصلة التي يلف حولها كلُّ شيء آخر. وفي القرن العشرين، استخدم جي. آي. باكر تشبيهًا يبيِّن أن التبرير بالإيمان وحده هو "نظير الإله أطلس الذي يحمل على كتفيه كلَّ العقائد الأخرى". وفي وقت لاحق، تخلَّى باكر عن هذا التشبيه القوي، متبنيًا تشبيهًا أضعف كثيرًا، قائلًا إن التبرير بالإيمان وحده هو "فقرة الشروط والأحكام الموجودة في رسالة الإنجيل".

وإن السؤال الذي يجب أن نقف أمامه الآن في ضوء هذه المناقشات هو: ما الذي تغيَّر منذ القرن السادس عشر؟ حسنًا، لدينا في هذا الشأن خبر سار وخبر سيء. الخبر السار هو أن البشر أصبحوا أكثر تحضرًا وانفتاحًا بكثيرٍ في الجدالات اللاهوتية. فلسنا نرى اليوم أناسًا يُحرَقون على عمود، أو يعذَّبون، بسبب خلافات عقائدية. كذلك، رأينا في السنوات الأخيرة أن الطائفة الكاثوليكية الرومانية ظلَّت راسخة على بعض القضايا الجوهرية التي تنتمي إلى الإيمان المسيحي القويم، مثل ألوهية المسيح، وكفارته البدلية، ووحي الكتاب المقدس، في حين تخلَّى العديد من البروتستانتيين الليبراليين تمامًا عن تلك العقائد تحديدًا. نرى أيضًا أن روما ظلت ثابتة على موقفها بشأن بعض القضايا الأخلاقية الحيوية، مثل الإجهاض، والنسبيَّة الأخلاقية. ففي القرن التاسع عشر، في مجمع الفاتيكان الأول، وصفت روما البروتستانتيين بأنهم "هراطقة ومنشقُّون". أما في القرن العشرين، في مجمع الفاتيكان الثاني، فوُصِف البروتستانتيون بأنهم "الإخوة المنفصِلون". نجد هنا اختلافًا واضحًا بين نبرة المَجمَعين. أما الخبر السيء، فهو أن الكثير من العقائد، التي كانت منذ قرون مضت تفصل البروتستانتيين المحافظين ذوي الإيمان القويم عن الكاثوليك الرومانيين، حُكِم عليها منذ القرن السادس عشر بأنها عقائد مسلَّم بها. ففي حقيقة الأمر، كلُّ المراسيم المريميَّة المهمة أُصدِرت في المئة والخمسين عامًا الأخيرة. ومع أن عقيدة العصمة البابوية كان معمولًا بها واقعيًّا قبل النصِّ عليها رسميًّا بزمان طويل، لكنها صارت عقيدة رسمية، وأُعلِن أنها de fide، أي "من الإيمان" (لازمة للإيمان الذي للخلاص) في عام 1870 في مجمع الفاتيكان الأول. وفي السنوات الأخيرة أيضًا، قامت الطائفة الكاثوليكية الرومانية بإصدار دليل كاثوليكي جديد لتعليم الإيمان عن طريق السؤال والجواب، يعيد التأكيد، على نحو لا لبس فيه، على عقائد مجمع ترنت، بما في ذلك تعريف مجمع ترنت لعقيدة التبرير (مؤكدًا بذلك على الأناثيما التي أطلقها هذا المجمع على عقيدة التبرير بالإيمان وحده التي تنتمي إلى الإصلاح). وإلى جانب إعادة التأكيد على عقائد مجمع ترنت، ورد في هذا الدليل أيضًا إعادة تأكيد واضحة على عقيدة المطهر الكاثوليكية، وممارسة بيع صكوك الغفران، ومسألة خزينة الاستحقاقات.

وفي مناقشة بين بعض اللاهوتيين البارزين حول ما إذا كانت عقيدة التبرير بالإيمان وحده لا تزال عقيدة مهمة ووثيقة الصلة بنا اليوم أم لا، طرح مايكل هورتون (Michael Horton) السؤال التالي: "ماذا حدث في العقود الأخيرة حتى صار إنجيل القرن الأول عديم الأهمية؟" فلم يكن الجدل حول التبرير جدلًا حول فكرة لاهوتية معقَّدة تقع على هامش الحق الكتابي. كذلك، يجب ألا يُنظَر إلى هذا الجدل ببساطة على أنه زوبعة في فنجان، لأن هذه الزوبعة امتدت إلى أبعد كثيرًا من الحيِّز الضيق للفنجان. فالسؤال "ماذا ينبغي أن أفعل كي أخلص؟" لا يزال سؤالًا حيويًّا يراود أيَّ شخص مُعرَّض للوقوع تحت غضب الله.

وإجابة هذا السؤال أكثر حيوية من السؤال نفسه، لأنها تمسُّ لُبَّ حقِّ الإنجيل نفسه. ففي النهاية، أكَّدت الكنيسة الكاثوليكية الرومانية في مجمع ترنت، ولا تزال تؤكد إلى يومنا هذا، أن الأساس الذي بناء عليه يحكم الله على أحدهم بأنه بار أو شرير هو "البرِّ المتأصل" في الإنسان. وإذا لم يجد الله هذا البرُّ في صميم طبيعة الشخص، سيذهب إلى الجحيم في أسوأ الأحوال، وفي أفضل الأحوال (إذا تبقَّت أيُّ شوائب في حياته)، سيذهب إلى المطهر لفترة معينة، قد تمتد إلى ملايين السنوات. لكن في تعارض صارخ مع هذا، تقول وجهة النظر الكتابية والبروتستانتية عن التبرير إن الأساس الوحيد لتبريرنا هو برُّ المسيح، الذي يُحتسَب للمؤمن، بحيث في اللحظة التي يؤمن فيها أحدهم بالمسيح إيمانًا حقيقيًّا، يصير له كلُّ ما يلزمه للخلاص، وذلك بفضل احتساب بر المسيح له. فإن القضية الأساسية هي: هل أساس تبريري هو بري الشخصي؟ أم إن أساسه، كما قال لوثر، هو "برٌّ دخيل"، أي بر extra nos، من خارجنا، أو بر شخص آخر، هو المسيح؟ منذ القرن السادس عشر وحتى يومنا هذا، علَّمت روما طوال الوقت بأن التبرير مبنيٌّ على الإيمان بالمسيح وبالنعمة. لكن الاختلاف يكمن في إنكار روما لكون التبرير مبنيًّا على المسيح وحده، ولكوننا نناله بالإيمان وحده، وبالنعمة وحدها. وإن الفرق بين هذين الرأيين هو الفرق بين الخلاص وعكسه. وما من مشكلة تواجه أيَّ شخص مغترب عن الله البار أكبر من هذه.

ففي اللحظة التي أدانت فيها الكنيسة الكاثوليكية الرومانية العقيدة الكتابية للتبرير بالإيمان وحده، أنكرت بهذا الإنجيل أيضًا، ولم تَعُد كنيسة شرعية، بغض النظر عن كلِّ العقائد الأخرى للمسيحية القويمة التي تؤيِّدها. ووصفنا إياها بأنها كنيسة حقيقية، بينما هي لا تزال رافضةً لعقيدة الخلاص الكتابية، هو وصف مميت وفادح. فإننا نعيش في زمن فيه صار النزاع اللاهوتي يُعتَبَر خطأ سياسيًّا، لكنَّ إعلان السلام حيث لا سلام هو بمثابة خيانةٍ للُبِّ الإنجيل وجوهره.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

أر. سي. سبرول
أر. سي. سبرول
د. أر. سي. سبرول هو مؤسس خدمات ليجونير، وهو أول خادم وعظ وعلّم في كنيسة القديس أندرو في مدينة سانفورد بولاية فلوريدا. وأول رئيس لكلية الكتاب المقدس للإصلاح. وهو مؤلف لأكثر من مئة كتاب، من ضمنها كتاب قداسة الله.