ما معنى حقيقة كون يسوع الكرمةَ الحقيقيّة؟
٦ فبراير ۲۰۲٦
كيف نقرأُ الرَّسائلَ الرَّعويَّة؟
۲۰ فبراير ۲۰۲٦
ما معنى حقيقة كون يسوع الكرمةَ الحقيقيّة؟
٦ فبراير ۲۰۲٦
كيف نقرأُ الرَّسائلَ الرَّعويَّة؟
۲۰ فبراير ۲۰۲٦

ما معنى حقيقة كون يسوع نورَ العالم؟

قبلَ بضعةِ أسابيعٍ كنتُ أقطعُ الخشبَ في غابةٍ صغيرةٍ بجانبِ بيتِنا، ولاحظتُ كيف يمتدُّ الشجرُ نحوَ الشمسِ: فينمو جذعُ الشجرةِ إلى الأعلى، وعلى الجوانبِ تندفعُ الأغصانُ الطويلةُ باتّجاهِ مصدرِ الطّاقةِ المُعطيةِ الحياة. ثمّ تذكَّرتُ أنّ إشعياء قد أنبأ بتأثيراتِ كرازةِ يسوعَ المسيح.

رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ، 

لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي 

لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ، ... 

فَيُدْعَوْنَ أَشْجَارَ الْبِرِّ، 

غَرْسَ الرَّبِّ لِلتَّمْجِيدِ. (إشعياء 61: 1، 3)

 

بِكَلِمَةِ اللهِ وُجِدَ النُّورُ، إذ قال: "لِيَكُنْ نُورٌ"،  فكانَ نُورٌ، وهو أمرٌ شيءٌ ليس طاقةً خالصة ولا مادّة، وما يزال سرًّا بالنسبة إلينا (تكوين 1: 4). كما خلق الله الأجرام الحاملةَ والناقلةَ النور: "النُّورَ الأَكْبَرَ لِحُكْمِ النَّهَارِ، وَالنُّورَ الأَصْغَرَ لِحُكْمِ اللَّيْلِ، وَالنُّجُومَ" (تكوين 1: 16). النور الأكبر، الشمس، مُفَاعِلٌ نَوَوِيٌّ اِندِمَاجِيٌّ ذو أبعاد هائلة وطاقة مذهلة تغمر أرضنا بقوّةٍ مُدهِشة. نحنُ ننسى هذا الأمر بسهولة، بسبب انشغالنا وتشتُّتنا بأمور ذات مجدٍ أقلّ، أو لا مجد لها، إلى أن نجد أنفسنا نتلمَّس طريقنا ومكاننا في عتمة الليل، أو نتوق ثانيةً إلى ازدياد طول نهار أيّام الشتاء مع اقتراب حياة الربيع، وصولًا إلى مجد ضياء نهار الصيف الطويل. النور هو الحياة. 

 

ولكنّ النور صورة للخلاص أيضًا. فكان عامود النار خلاصًا لإسرائيل، بينما كانت مصر في ظلمة (خروج 14: 20). كانت المنارة تبثُّ نورها على أرغفة خبز الوجوه الاثني عشر، وهو مشهد تشرحه وتوضِّحه بركة الربّ لأسباط إسرائيل: "يُضِيءُ الرَّبُّ بِوَجْهِهِ عَلَيْكَ وَيَرْحَمُكَ" (سفر العدد 6: 24-27). وقد عبَّر كاتب المزمور عن دهشته وإعجابه قائلًا: "اَلرَّبُّ نُورِي وَخَلاَصِي" (مزمور 27: 1). وبالمقابل، فإنّ هذا العالم في ظلمة بسبب خطيّة الجنس البشريّ. يُرى معنى عصيان الإنسان في وصف تثنية 28: 29: "فَتَتَلَمَّسُ فِي الظُّهْرِ كَمَا يَتَلَمَّسُ الأَعْمَى فِي الظَّلاَمِ." ولكنّ طريق الخلاص مُنار بكلمة الله، التي هي سراج لأرجلنا ونور لسبيلنا (مزمور 119: 105). 

 

الانتقال من الظلمة إلى النور هو الخلاص، ولذا فإنّ يسوع بقوله "أنا نورُ العالم،" صرّح بادّعاءٍ عظيم وقويّ عن مجدٍ بهيٍّ وقوّةٍ مُخلِّصة (يوحنا 8: 12).

 

أكّد يسوع في هذا النصّ على ألوهيّته. فهو "أنا هو" الأزليّ ذاتيّ الوجود، خالق الشمس والقمر والنجوم (خروج 3: 14). وهو مُوجِد النور وصورة مجد النور. هو الربّ، الذي هو نور، كما قال يوحنّا: "إِنَّ اللهَ نُورٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمَةٌ الْبَتَّةَ" (١ يوحنا 1: 5). هو وسيط الحياة الإلهيّة التي تشرِق من لدن الآب، الذي يسكن في نورٍ ومجدٍ لا يمكن الاقتراب إليه. يقول إنجيل يوحنا 1: 4-5 عن يسوع: "فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ، وَالنُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ، وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ." ولا يمكن فهم هذه التصريحات إلا إذا تأمَّلنا أوّلًا في مجد النور الطبيعيّ (وخاصّة الشمس)، ومن ثمّ نرفع قلوبَنا إلى جلال الآب والابن والروح القدس. وأكثر النجوم إشراقًا ولمعانًا، بل كلّ النجوم، ليست سوى مؤشِّرات صغيرة إلى ثِقَلِ مجد إلهِنا وعظمته السرمديّين.

 

يسوع هو المصدر الوحيد للحياة الروحيّة في عالمٍ يمتلئ بظلمة الخطيّة.

 

ولكنّ يسوع هنا يتكلَّم أيضًا عن عمله الخلاصي. يسوع هو المصدر الوحيد للحياة الروحيّة في عالمٍ يمتلئ بظلمة الخطيّة. أنبأ ملاخي أنّ مجيء المسيّا سيكون مثل "شَمْسِ الْبِرِّ وَالشِّفَاءُ فِي أَجْنِحَتِهَا" (ملاخي 4: 2). وحين تجلّى وجه المسيح أضاء كالشمس (متّى 17: 2). وقد اعتبر بولس رؤيته المُخلِّصة لمجد يسوع المسيح أكثر لمعانًا من الشمس (أعمال 26: 13). ورأى يوحنا مجد المسيح "كَالشَّمْسِ وَهِيَ تُضِيءُ فِي قُوَّتِهَا" (رؤيا 1: 16-20). وحين نصير مسيحيّين حقيقيّين، فإنّ ذلك يحدث لأنّ "اللهَ الَّذِي قَالَ أَنْ يُشْرِقَ نُورٌ مِنْ ظُلْمَةٍ، هُوَ الَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا، لإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ اللهِ فِي وَجْهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (٢ كورنثوس 4: 6). النور الأعظم، الابن، يكشف خطايانا بقداسته المتوهِّجة، التي تُشرق بالقوّة المُطهِّرة المعطية حياة في أعماق قلوبنا. أشرق يسوع بلمعانٍ عظيم في الصليب، وبلمعانٍ أعظم عند القبر الفارغ، وبلمعانٍ أعظم أيضًا في مجده الجليل. وسيكون رجوعه شبيهًا بصاعقةِ برقٍ واحدة عظيمة تملأ العالم نورًا ولمعانًا. يُقدَّم كلّ هذا النور إلى العالم في بشارة الإنجيل، ويُقبَل بثقة بسيطة بيسوع المسيح. 

 

حين نثق بيسوع المسيح يحدث تغيير دائم: "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ، بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ" (يوحنا 8: 12). وكما يقول الرسول بولس: "لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ قَبْلاً ظُلْمَةً، وَأَمَّا الآنَ فَنُورٌ فِي الرَّبِّ،" ونعيش كأنوارٍ في عالمٍ مظلم (أفسس 5: 8). باتّحادنا بالمسيح نشرق بنوره حيثُما نذهب. ينبغي لهذا الأمر أن يعزّينا، خاصّة حين نجد أنفسنا نتعرَّض لمقاوَمة من العالم. وينبغي أيضاً أن يشجِّعنا هذا الأمر على أن نصلّي بأن يرى الناس أعمالنا الحسنة ويمجِّدوا أبانا الذي في السماء، ويأتوا إلى النور. 

 

ويزيد يوحنا على هذا فيقول: إنّ حياة يسوع هي نور الناس (يوحنّا 1: 4). فنحنُ لا نأتي ببساطة إلى النور ثمَّ نمضي في طريقنا، بل نسعى في مسيرنا نحو مجد السماء، إلى أنْ يشرِق علينا أكثر فأكثر. لقد رأينا مجدًا يفوق الشمس المُشرِقة المتوهّجة في وجه من يحفظ كلَّ شيء، ونجوع الآن إلى مجد الله البهيّ اللامتناهي. وحين تتحوَّل شمسُنا الصغيرة إلى ظلمة، وقمرُنا إلى دم، ستكون تلك علامة على أنّنا عند منعطف الحياة في المجد المُطلَق: مجد إلهنا الثالوثي الأقانيم. وستتوجَّه أوراقُ شجر بلّوطنا لتتلقّى نور الحياة، النور المنبثق بلا انقطاع من العرش في مدينة لا تحتاج إلى الشمس أو القمر، لأنّ مجد الله سينيرها (رؤيا 21: 23). سيكون الربُّ نورَنا، وسنملك معه إلى أبد الآباد. 

 

كلُّ هذا وأكثر هو ما قصده يسوع بقوله: "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ" (يوحنّا ٨: ١٢).

 

هذا المقال جزءٌ من مجموعة مقالات بعنوان: "قال يسوع: "أنا هو."


تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

پيتر ڤان دوديوارد
پيتر ڤان دوديوارد
القس پيتر ڤان دوديوارد (Peter Van Doodewaard) هو راعي "كنيسة جماعة العهد" (Covenant Community Church)، في مدينة تايلرز، بولاية ساوث كارولاينا.