قدوس الله
۱۳ مايو ۲۰۲۰
العلَّة الوسيليَّة للتبرير
۱۹ مايو ۲۰۲۰

4 دلالات من لاهوت مارتن لوثر

ما الذي تعنيه سيادة الله، والخلاص بالنعمة، والتبرير بالإيمان، والحياة الجديدة بالاتحاد بالمسيح لعيش الحياة المسيحيَّة؟ بالنسبة لمارتن لوثر، تحمل هذه الأمور 4 دلالات:

الدلالة الأولى هي معرفة أن المؤمن المسيحي تبرر لكنه مازال خاطئًا في الوقت ذاته (simul iustus et peccator). وكان قد حفَّز كتاب (Theologia Germanica) لجون تولر (John Tauler) لوثر بهذا المبدأ الذي ترسَّخ داخله والذي يقول: في قرارة نفسي لا أرى سوى إنسان خاطئ؛ لكن حين أرى نفسي في المسيح، أرى إنسانًا احتُسِبَ بار بالبر الكامل الذي للمسيح. لذلك، فإن مثل هذا الإنسان يستطيع الوقوف أمام الله بارًا كما يسوع المسيح — لأنه لا يُعد بارًا إلا بالبر الذي للمسيح. بهذا فحسب نقف آمنين.

الدلالة الثانية هي إدراك أن الله صار أبانا في المسيح، وأننا مقبولون. دَوَّن جون شلاجينهاوفن (John Schlaginhaufen) السوداوي إلى حد ما لكن تغمره المحبة، وربما لدلالة خاصة، أحد أروع القصص عن لوثر في حديث المائدة (Table Talk) قائلًا:

بكل تأكيد يعد الله صديقي الأقرب ويتحدَّث إليَّ بحميميَّة أعمق من حديث زوجتي كاتي إلى صغيرنا مارتن. فلا يمكنني أنا أو زوجتي أن نفقع عيني صغيرنا أو نهشم رأسه. وكذلك الله معنا. فقد تحلَّى الله، ولا يزال، بطول الأناة معنا. وقد برهن على ذلك بإرساله لابنه في هيئتنا لكي نرجو فيه الأفضل.

الدلالة الثالثة هي تشديد لوثر على أن الحياة في المسيح هي حتمًا حياة تحت الآلام. إن اتحدنا بالمسيح، ستشبه حياتنا حياته. فطريق كل من الكنيسة الحقيقيَّة والمسيحي الحقيقي ليس عبر لاهوت المجد (theologia gloriae)، بل عبر لاهوت الصليب (theologia crucis). ويؤثِّر هذا فينا داخليًّا بموتنا عن ذواتنا، وخارجيًّا بمشاركتنا في آلام الكنيسة. فمن المؤكد أن لاهوت الصليب هو من تغلَّب على لاهوت المجد للعصور الوسطى. على الرغم من جميع اختلافات لوثر وكالفن حول فهم طبيعة الأسرار المقدَّسة بالتحديد، لكن في هذا الأمر قد اتفقا. إن اتحدنا بالمسيح في موته وقيامته، وخُتمنا بالمعموديَّة (كما يُعلِّم بولس في رومية 6: 1-14)، ستصير حياة المسيحي برمتها حياة حاملة للصليب، فيقول:

لا يعني صليب المسيح قطعة الخشب التي حملها المسيح على كتفيه والتي سُمِّر عليها عقب ذلك، بل يعني أن جميع آلام المؤمن التي يعانيها عامة هي آلام المسيح. تقول 2 كورنثوس 1: 5: "كَمَا تَكْثُرُ آلَامُ الْمَسِيحِ فِينَا"؛ وأيضًا في كولوسي 1: 24: "الْآنَ أَفْرَحُ فِي آلَامِي لِأَجْلِكُمْ، وَأُكَمِّلُ نَقَائِصَ شَدَائِدِ الْمَسِيحِ فِي جِسْمِي لِأَجْلِ جَسَدِهِ، الَّذِي هُوَ الْكَنِيسَةُ". لذلك، يرمز صليب المسيح بشكل عام إلى جميع آلام الكنيسة التي تعانيها من أجل المسيح.

بالنسبة للوثر، صار اتحاد المؤمن بالمسيح في موته وقيامته وثماره في الاختبار اليومي العدسات التي من خلالها يتعلَّم المسيحي رؤية كل تجربة يمر بها في حياته. هذا، أي لاهوت الصليب (theologia crucis)، ما يشحذ التركيز على كل شيء ويُمَكِّننا من فهم النمو والسقطات في الحياة المسيحيَّة، فيقول:

من النافع لنا معرفة هذه الأمور خشية أن يغمرنا الحزن أو يغشينا اليأس حين نرى أعداءنا يضطهدوننا، ويحرموننا من الكنيسة، ويقتلوننا بلا رحمة. لكن دعونا نتأمَّل في قرارة أنفسنا فيما قاله بولس بأن ينبغي أن نفتخر بالصليب الذي نحمله، لا من أجل خطايانا بل من أجل المسيح. إن لم نحتسب سوى لأنفسنا الآلام التي نعانيها، سنراها ألامًا ظالمة ولا يمكن تحمُّلها؛ لكن حين نردِّد: "كَمَا تَكْثُرُ آلَامُ الْمَسِيحِ فِينَا" أو كما في مزمور 44: 22: "لِأَنَّنَا مِنْ أَجْلِكَ نُمَاتُ الْيَوْمَ كُلَّهُ"، لن تكون مجرد آلام هينة وحسب، بل خفيفة أيضًا، كما هو مكتوب: "لِأَنَّ نِيرِي هَيِّنٌ وَحِمْلِي خَفِيفٌ" (متى 11: 30).

الدلالة الرابعة هي أن الحياة المسيحيَّة مختومة باليقين والفرح. وقد كانت هذه الدلالة إحدى سمات الإصلاح على نحو جلي. فقد رافق إعادة اكتشاف الإصلاح للتبرير — الذي بدلًا من الجهاد على رجاء نواله، تبدأ به الحياة المسيحيَّة في الواقع — خلاص مذهل يغمر العقل والإرادة والمشاعر بالفرح. أي أن المرء في استطاعته أن يبدأ في العيش في نور مستقبل مُعد في المجد. وقطعًا قد انعكس هذا النور على الحياة الحاضرة حاملًا غنى الراحة والتحرير.

بالنسبة للوثر، الحياة المسيحيَّة هي حياة مرتكزة على الإنجيل ومبنية على الإنجيل وامتداد الإنجيل؛ حياة تُعلن وتُظهر نعمة الله السياديَّة المجانيَّة؛ حياة يغمرها الامتنان للمخلِّص الذي مات من أجلنا؛ حياة تشاركه في حمل الصليب حتى يُبتلع الموت إلى غلبة، ويغدو الإيمان عيانًا.

ربما، في عام 1522، والشعب جالس في كنيسة بورنا (Borna) يستمع إلى وعظ لوثر في أحد أيام الآحاد تساءل البعض من رعاياه عمَّا يكمن في قلب هذا الإنجيل الذي أثار حماس، ناهيك عن تغيير، الأخ مارتن. هل يمكن أن يحدث ذلك معهم أيضًا؟ عرف لوثر مُرادهم. وصعد على المنبر على استعداد جيد للإجابة على سؤالهم قائلًا:

لكن، ما هو الإنجيل؟ هو أن الله أرسل ابنه إلى العالم ليخلِّص الخطاة، يوحنا 3: 16، وليسحق الجحيم، ولينتصر على الموت، وليرفع الخطية، وليتمِّم الناموس. لكن ماذا ينبغي أن نفعل؟ لا شيء سوى قبول هذا والنظر إلى فاديك والإيمان بيقين أنه فعل كل هذا من أجل خيرك، ويمنحك كل شيء مجانًا حتى في أهوال الموت والخطية والجحيم، تقدر على القول بثقة، والاتكال على صنيعه بجرأة وشجاعة: مع كوني لم أكمل الناموس، وعلى الرغم من استمرار الخطية وخوفي من الموت والجحيم، لكن أعرف من الإنجيل أن المسيح قد احتسب لي أعماله. فأنا على يقين أنه لا يكذب وأنه سيحقِّق وعده حقًا. وكعلامة على ذلك، فقد نلت المعموديَّة.

على هذا أُلقي بمرساة يقيني. لأني أعلم أن ربي يسوع المسيح قد انتصر على الموت، والخطية، والجحيم، والشيطان من أجل خيري. فهو كان بريئًا كما قال بطرس: "الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلَا وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ" (1 بطرس 2: 22). لذلك لم تقدر الخطية والموت على قتله، ولم يستطع الجحيم على أسره؛ فقد صار سيدهم، ومنح هذا لكل من يقبل ويؤمن به. كل هذا لا ينتج بأعمالي أو باستحقاقاتي، بل بالنعمة وحدها، والإحسان، والرحمة.

ذات مرة قال لوثر: "إن كنت أؤمن أن الله ليس غاضبًا عليَّ، لكنت أقف على رأسي فرحًا". ربما في ذلك اليوم عينه استجاب بعض ممن سمعوا عظته واختبروا "اليقين" الذي تحدَّث عنه. مَن يدري، ربما قد كتب بعض المستمعين الصغار لاحقًا لأصدقائهم يخبرونهم أنهم عادوا إلى منازلهم ووقفوا على رؤوسهم فرحين؟

تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

سينكلير فيرجسون
سينكلير فيرجسون
الدكتور سينكلير فيرجسون هو عضو هيئة التدريس في خدمات ليجونير وأستاذ استشاري لعلم اللاهوت النظامي في كلية اللاهوت المُصلَحة. شغل سابقًا منصب الراعي الأساسي في الكنيسة المشيخيَّة الأولى في مدينة كولومبيا، بولاية ساوث كارولاينا، وقد كتب أكثر من عشرين كتابًا، بما في ذلك "المسيح كاملًا" (The Whole Christ).