المحاضرة 9: عبيد طوعيون

عندما نتطرق إلى الدور الذي لعبه جون كالفن تاريخيًا ولاهوتيًا في مسألة حرية الإنسان والخطية الأصلية، فإننا نتناول اسم اللاهوتي الأكثر ارتباطًا بحسب فكر الناس بإنكار عقيدة الإرادة الحرة، على ضوء نظرة كالفن للاختيار والتعيين المسبق. دعوني أتكلم قليلًا عن الأمر قبل أن نقوم بدارسة آراء كالفن. في المقام الأول، كان كالفين، على غرار لوثر، مكرَّسًا لدراسة تعليم القديس أوغسطينوس. وإن قرأتم كتب كالفن فإنكم ترون أن الشخص الذي يقتبس كالفن منه أكثر من أي لاهوتي آخر عبر التاريخ هو أوغسطينوس نفسه. وأظن أنه من لمن الدقة والجدير بالثقة أن نقول إن ما من أمر في نظرة كالفن لمسألة الاختيار أو في نظرته للإرادة الحرة والخطية الأصلية لم يكن موجودًا لدى أوغسطينوس أولًا، ولدى لوثر ثانيًا.

قد يكون الأمر مفاجئًا للناس، لأن الكنيسة اللوثرية مثلًا تختلف تمامًا عن الكالفينية في نظرتها لمسألة الاختيار، وهو أمر يعود بشكل أساسي إلى التغيير الذي حدث داخل اللوثرية بعد فترة قصيرة من وفاة لوثر حين قام النائب الرئيسي للوثر، فيليب ميلاكتون، بتغيير آراء لوثر المتعلقة بهذه المسائل. لكن قد تتفاجأون عندما تعلمون أن لوثر كتب عن الموضوع أكثر مما فعل كالفين. وإن اتفق لاهوتيان يومًا على الرأي نفسه حول مسألة معينة فإنهما هذان اللاهوتيان. إذًا، كالفين تحمل المسؤولية، لكن كالفين كان مجرد صدى للوثر في ما يتعلق بمسألتَي الإرادة الحرة والسيادة الإلهية. لكن على الرغم من ذلك، ما زال لدينا الانطباع بأن كالفين هو مبدع هذا الرأي.

وبعض أسباب ذلك يمكن اختصارها بكلمة واحدة تلخّص لنا نقاط الكالفينية الخمس، لن أتطرق إليها كلها، لكن النقطتين الأوليين هما الأكثر ارتباطًا بمناقشاتنا: النقطة الأولى هي "فساد تام". المقصود لدى كالفين والكالفينية بعقيدة الفساد التام ليس أن الإنسان بسقوطه صار شريرًا إلى أقصى حد، هذا لا يعني الفساد المطلق. إن استطعت أن تفكر مثلًا في أكثر الناس شرًا، لنقل إنه شخص مثل أدولف هتلر، على قدر ما كان هتلر شريرًا يمكنك أن تتخيل أنه كان أسوأ من ذلك. قد يكون من الصعب التخيل أنه كان أسوأ من ذلك لكن الأمر ممكن، كان بإمكانه قتل عدد أكبر من الأشخاص بكل وقاحة. وإنما ما يعنيه الفساد التام في النظرة الكالفينية للأمور هو أن الفساد الذي جاء نتيجة السقوط يُفسد الوجود البشري بكليته، وسقوطنا يؤثر في الإنسان كله، فهو يؤثر في أذهاننا، ويؤثر في قلوبنا، ويؤثر في أجسادنا، ويؤثر في إرادتنا، بحيث أننا في فسادنا استرسلنا كثيرًا في السقوط والميل إلى الخطية، بحيث أننا صرنا في حالة من العجز الأخلاقي؛ وهذا لا يعني أننا عاجزون عن أن نكون خليقة أخلاقية. نحن خليقة أخلاقية، لأن كالفين يصر على أننا لم نفقد إرادتنا بفعل السقوط، وهو حذا حذو أوغسطينوس حتى إن كالفين حاول أن يبرهن أن الإنسان الساقط يتمتع بحرية الإرادة بقدر ما أن الإنسان الساقط لا يزال يملك القدرة على اتخاذ القرارات، ولا يزال يملك القدرة على اختيار ما يريد.

وهو لم يكتفِ بهذا القدر، بل إن كالفين قام بخطوة إضافية قائلًا إننا في فسادنا وسقوطنا ما زلنا قادرين على بلوغ ما يسميه كالفين "الفضيلة المدنية"، أي أنه على أصعدة كثيرة، في المستوى الأفقي للتفاعل بين البشر، يقدر البشر الساقطون أن يحسنوا كثيرًا واحدهم إلى الآخر. فالإنسان الذي لم يتجدد، على سبيل المثال، قادر أن يتمتع بالاجتهاد بدلًا من الكسل، وقادر أن يتمتع بالشجاعة بدلًا من الجبن، وقادر أن يكون مستقيمًا بدلًا من أن يكون لصًا، وقادر أن يكون طاهرًا بدلًا من أن يكون فاسقًا – في هذا المستوى الأفقي للعيش. في الواقع، توصل كالفين إلى القول إن الأشخاص الذين لم يتجددوا يستطيعون نوعًا ما أن يكونوا محبّين في سلوكهم الأخلاقي على المستوى الأرضي. لكن عندما يتكلم كالفين عن فساد الإرادة وعن فساد النفس، فإنه يحصر هذا الفساد بالبعد العمودي بما إذا كان الإنسان الساقط يتمتع بأي رغبة أو ميل نحو فعل أمور الله – هذا هو البعد الروحي، حيث يجد الإنسان نفسه يفتقر أخلاقيًا إلى السلوك والدوافع اللائقة. هذا ما يشدد كالفين عليه عندما يتكلم عن العجز الأخلاقي وعجز النفس بحكم سقوطها عن التحول والميل والتوجه نحو أمور الله.

أما النقطة الثانية التي هي موضع جدل محتدم في النظام الكالفيني والمرتبطة بهذا الأمر فهي عقيدة الاختيار، والتي يمكن تلخيصها بعبارة "الاختيار غير المشروط". وبشكل سريع وبسيط، المقصود بذلك هو أنه حين يختار الله أناسًا معينين للخلاص فهو لا يفعل ذلك على أساس معرفته مسبقًا بأن هؤلاء الأفراد سيوفّون الشروط المطلوبة – مثلما يرى البعض مسألة الاختيار؛ فهم يقولون إن الله ينظر إلى الأرض عبر الزمن ويعرف مسبقًا من سيستجيب للمسيح ومن سيرفض المسيح، وعلى أساس هذه المعرفة المسبقة أو هذا العلم المسبق يتخذ الله قراره؛ أي أنه يختار الناس لكنه يختارهم من دون شروط، وهو لا يختار إلا الشخص الذي يعلم أنه سيتجاوب معه، أي الشخص الذي يوفي الشرط المطلوب ليتم قبوله. يحاول كالفين أن يبرهن أن الاختيار يتم من دون شروط، أي أن قرار الله ليس مبنيًا على أساس أنماط تصرف البشر وأفعالهم وخياراتهم المتوقعة. والسبب، وكما يقول كالفين، هو أنه إذا نظر الله عبر الزمن ليرى من سيستجيب لرسالة الإنجيل، فإن الله لن يرى إلا أشخاصًا لن يستجيبوا لرسالة الإنجيل، لأن كالفين كان مقتنعًا بأن ما من إنسان من تلقاء نفسه كان ليستجيب لرسالة الإنجيل، لأنه مقيد بالخطية.

يقول كالفين الآتي: التجديد مطلب ضروري ليتحرر الإنسان من عبوديته للخطية. وهو يقول إنه كما أن الذهن غير قادر على تمييز الأمور الروحية ما لم يستنر بالروح القدس، هكذا أيضًا الجسد أو طبيعة الإنسان الساقطة لن تميل نحو الله من دون أن تنال نعمة التجديد أولًا. وكالفين، وكما فعله لوثر قبله، أعار اهتمامًا كبيرًا لما تعلمناه في العهد الجديد، لا سيما في إنجيل يوحنا وفي رسالة بولس إلى أهل أفسس. نحن نذكر أن يسوع قال في سياق حديثه مع الفريسيين "اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ"، وأننا ولدنا بهذا الجسد الذي هو في حالة سقوط، وأضاف إلى ذلك الملاحظة الآتية: "والْجَسَدُ لاَ يُفِيدُ شَيْئًا". ليس ساكن في أجسادنا أي شيء صالح، ومن دون عمل الروح القدس، نحن لا نفيد بشيء في ما يتعلق بأمور الله.

وردّ لوثر على إراسموس قائلًا إنه عندما قال يسوع إن الجسد لا يفيد بشيء فهو لم يقصد بذلك أنه يستطيع أن يفعل القليل من الأشياء، بل قصد أن الجسد عاجز تمامًا عن الميول أو التوجه نحو الله. وأمضى كالفين وقتًا طويلًا في دراسة نصوص العهد الجديد التي تتطرق إلى هذا الموضوع، وقال إن الإنسان عاجز عن تحرير نفسه من عبوديته الروحية عبر ممارسة إرادة الجسد. إليكم ما قاله: "عندما تكون الإرادة مستعبدة للخطية، لا يمكنها أن تقوم بخطوة نحو الصلاح، وبالتالي هي لن تسعى وراءها بكل مثابرة، لأن هذا العمل هو الخطوة الأولى نحو الاهتداء إلى الله وهو أمر ينسبه الكتاب المقدس بكليته إلى النعمة الإلهية، ولكن تبقى لديه الإرادة التي تميل وتسرع بكل قوتها لارتكاب الخطية. والإنسان، عندما وقع في هذه العبودية لم يُجرَّد من الإرادة، بل من سلامة الإرادة".

لاحظوا الفرق؛ يقول كالفين إننا عند السقوط لم نفقد القدرة على الاختيار، كما أننا لم نفقد مقدرتنا العقلية فما زلنا نملك عقولًا وما زلنا نقدر أن نفكر، لكن تفكيرنا ليس سليمًا في ما يتعلق بأمور الله، لأن آذاننا الحمقاء أُظلمت بعد أن أُسلمت إلى الخطية، وأصبح لدينا فكر الجسد. لدينا ما يسميه الكتاب المقدس "أذهان مرفوضة"، وأذهاننا على عداوة مع الله. ونحن بطبيعتنا، لا نريد أن يكون لله مكان في أفكارنا. إذًا، تأثر الذهن كثيرًا بالسقوط، لكنه لم يُدمَّر، فنحن لا نزال نملك عقولًا، ولا نزال نملك القدرة على التفكير، ما زلنا نعلم أن اثنين زائد إثنين يساوي أربعة. وفي ما يتعلق بهذا الجانب من السقوط، وكما تكلم كالفين عن البر المدني أو الفضيلة المدنية التي لا نزال نقدر أن نسلك بها من دون أن نتجدد، إنه يتكلم أيضًا عن الإنجازات الفكرية التي نقدر أن نقوم بها من دون أن ينوّرنا الله من خلال الروح القدس. فهو يقول مثلًا إن بعض أعظم الحرفيين، وبعض أعظم عباقرة الأدب، وبعض الأشخاص الأكثر موهبة وتميزًا عبر التاريخ كانوا أشخاصًا غير مؤمنين وغير متجددين، وكانوا فائقي الذكاء وفائقي البراعة على المستوى الأرضي طبعًا. لكن في ما يتعلق بأمور الله، لقد أُظلم ذهن الإنسان الساقط، وهو لن يفهم جمال الله ما لم يهيئ الروح القدس ذهنه لذلك. وكما يقول لنا بولس في الرسالة إلى أهل كورنثوس إن أمور الله الروحية هذه يتم تمييزها روحيًا، ولا أحد يعرفها إلا روح الله الذي يعلنها لنا بعد ذلك بالطريقة نفسها.

لا يكتفِ كالفين بالتمييز بين التمتع بالعقل والتفكير بطريقة سليمة، بل قال: "بعد السقوط، نحن لم نجرَّد من الإرادة، بل من سلامة الإرادة"، ثم يتابع كالفين قائلًا: "عندما أقول إن الإرادة جُرِّدت من الحرية وهي متجهة أو مُقادة نحو الشر بحكم الطبيعة، فمن الغريب أن يعتبر أحد هذه العبارة قاسية باعتبار أنها ليست منافية للعقل وأنها ليست متعارضة مع الرأي الديني، لكنها تزعج من لا يجيد التمييز بين الضرورة والإكراه". هل يبدو ذلك مألوفًا؟ فهو يقول في المقام الأول إننا بفعل سقوطنا لم نُجرَّد من الإرادة، بل من الحرية. تذكّروا التمييز الذي قام به أوغسطينوس بين الإرادة الحرة والحرية، فالإرادة الحرة لم تتأثر لكن الحرية فُقِدت. ثم يميز بين الضرورة والإكراه، متى كانت المرة الأخيرة التي سمعتم فيها ذلك؟ هذا هو التمييز الذي قام به لوثر في سياق جدله مع إراسموس.

إذًا، مجددًا، في إطار دراسة الكتاب المقدس، إن كالفين، وأثناء تأمله في بعض نصوص الكتاب المقدس لا سيما الآية 44 من الفصل السادس من إنجيل يوحنا حيث أعلن يسوع أن لا أحد يقدر أن يأتي إليه ما لم يجتذبه الآب، كتب كالفين هذه الكلمات: "الإتيان إلى المسيح، وهذا تعبير مجازي للإشارة إلى الإيمان بالمسيح، ولكي يضع المبشر التعبير المجازي في الجملة المناسبة، يقول إن الأشخاص المجتذَبين هم الأشخاص الذين ينير الله أذهانهم ويوجّه قلوبهم نحو طاعة المسيح. لا يجب أن نتعجب إن رفض كثيرون القبول بالإنجيل، لأن ما من إنسان يقدر أن يأتي إلى المسيح من تلقاء نفسه". هذه هي النقطة الأساسية: لا أحد يستطيع بقدرته أن يأتي إلى المسيح.

تذكرون أنه في الفصل السادس من إنجيل يوحنا، عندما علّم يسوع ذلك، ما أثار ردّ فعل سلبي لدى المستمعين لدرجة أن البعض فارقوه ولم يسيروا معه بعد ذلك، قام يسوع بالتعليق الآتي: "لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ" – وسبق لنا أن رأينا ذلك – "أن يأتي إِلَيَّ إِنْ لَمْ..." يقول هذا الأمر مرتين، فهو يقول مرة: "إِنْ لَمْ يُعْطَ مِنْ أَبِي"، ويقول مرة أخرى: "إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ". أذكّركم مجددًا بأن عبارة "لا أحد" هي إعلان سلبي شامل، وهو يتضمن كل من يندرج تحت فئة البشرية، أو ربما العكس، إنه يستثني الجميع من أمر ما – ثمة أمر لا أحد يقوم به. ثم يتكلم عن قول يسوع: "لا أحد يقدر". نحن نعرف الفرق بين الكلمتين "يقدر" و"يُسمح له". لقد علّمنا الأستاذ نفسه في الصف الثالث، "هل أقدر أن أذهب إلى الحمّام؟" "بالطبع، تقدر"، لكن السؤال هو: "هل يُسمح لك بذلك؟" كلمة "يُسمح" تتعلق بالحصول على إذن، وكلمة "يقدر" تتعلق بالقوة أو المقدرة. ويسوع يقول: "لا أحد يقدر"، ما يعني أن لا أحد يملك القدرة، لا أحد يملك القوة لفعل أمر ما. وما هي هذه القوة التي نفتقر إليها جميعًا؟ وما هي هذه القدرة التي لا يملكها أحد؟ قال يسوع إن لا أحد يملك القوة أو القدرة على المجيء إليه. وهو بالطبع لا يتكلم عن افتقار أحدهم إلى القدرة على النزول إلى الشارع والمجيء إلى يسوع وهو يعظ ويعلّم ويشفي المرضى، فالكل قادر أن يسير في الشارع ليذهب لرؤية يسوع. وهو عندما يقول "يأتي إلي"، فمن الواضح أنه كما يقول كالفين وجميع المعلّقين، أنه يقصد المجيء إليه لينال الخلاص. لا أحد يقدر أن يقبل به كابن لله بقدرته الطبيعية، "إن لم..." وعبارة "إن لم" تشير إلى وجود شرط ضروري، "سين كوا نون"، لا بد من حدوث أمر ما قبل الحصول على النتيجة المطلوبة. ويسوع قال: "لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ" ماذا؟ "إِنْ لَمْ يُعْطَ له"، أو، كما جاء في مقطع آخر، "إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ".

إليكم كيفية تفسير كالفين لهذا النص: "الإتيان إلى المسيح" – وكما ذكرت – "لا يجدر بنا أن نتعجب أبدًا إن رفض كثيرون قبول الإنجيل، لأن ما من إنسان يقدر أن يأتي إلى المسيح من تلقاء نفسه، بل يجب أن يلمسه الله أولًا بروحه. لكن لا يُجتذَب الجميع، وإنما الله يمنح نعمته لجميع الذين اختارهم. لكن هذا النوع من الجذب لا يتم عنوةً عبر إكراه الناس من خلال قوة خارجية، وإنما الروح القدس هو الذي يحث الناس بقوة على القبول بالأمر بعد أن رفضوه وقاوموه. لذا فإنه لمن التجديف والتضليل أن نقول إن لا أحد يُجذَب إلا من كان مستعدًا لأن يُجذَب، وكأن الإنسان جعل نفسه مطيعًا لله بجهوده الخاصة، لأن هذه الرغبة لدى الناس في اتباع الله قد حصلوا عليها من الله نفسه الذي حثّ قلوبهم على إطاعته".

إذًا يقول كالفين هنا إن الذين تم اجتذابهم لم يتم اجتذابهم لأنهم أرادوا ذلك، لكن لا أحد يأتي ما لم يتم اجتذابه أولًا. ومعنى كلمة "جذب" في العهد الجديد أصبح لاحقًا موضع جدل محتدم في كتب أرمينيوس، لأنه في تعليمه وفي الأجيال الأرمينية اللاحقة كانت النصوص التي تتكلم عن جذب تتعلق بدعوة الله للإنسان ولفت انتباهه، والعرض عليه وإقناعه وإغرائه. إذًا المقصود بذلك هو أن لا أحد يقدر أن يأتي إلى يسوع ما لم يعمل الله أولًا على لفت انتباهه أو جذبه بطريقة ما، أو مساعدته بطريقة ما. في حين أن كالفين يعتبر أن المقصود بالفعل "يجذب" في إنجيل يوحنا هو أكثر من أن يقوم الله بدعوة الإنسان وتشجيعه وحثه بكل خارجي، بل أن يعمل الله داخل قلب الإنسان ونفسه ليجعله راغبًا في المجيء إليه، علمًا بأنه لو كان الأمر يعود إليه ما كان ليرغب في ذلك. ويقول كلفين إنه عندما يقوم الله بهذا العمل، عندئذٍ يصبح الإنسان راغبًا في الأمر، في حين أنه كان يقاومه سابقًا، وبسبب افتقاره إلى الرغبة في المجيء إلى المسيح لم يكن أبدًا ليُقبل إلى المسيح أو ليأتي إليه، لكن الله غيّر قلبه وغيّر ميوله، فأصبح مستعدًا للمجيء إلى المسيح. لكننا سنرى أن أرمينيوس يقول "نعم، على الله أن يجذب الإنسان، على الله أن يكون رؤوفًا، على الله أن يفعل أمرًا ما، والبعض سيأتي إليه طوعيًا لكن البعض الآخر لن يأتي إليه طوعيًا". ثم يمكن اختصار الجدل برمته بالسؤال الآتي، وكما سنرى: "هل يمكن مقاومة نعمة الله؟" – نعمة التجديد. يتفق الجميع على أن النعمة ضرورية، ويختلفون حول ما إذا كنا نملك القوة في داخلنا على مقاومتها أو الميول نحوها. سنقوم بدراسة الأمر في المحاضرات المقبلة.