المحاضرة 9: عَبِيدٌ بِإِرَادَتِنا | خدمات ليجونير
 

المحاضرة 9: عَبِيدٌ بِإِرَادَتِنا

عِنْدَمَا نَأْتِي إِلَى الدَوْرِ الَذِي لَعِبَهُ جُونْ كَالْفِنْ، تَارِيخِيًّا وَلَاهُوتِيًّا، فِي مَسْأَلَةِ الْحُرِّيَّةِ الْبَشَرِيَّةِ وَالْخَطِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ بِرُمَّتِهَا، نَصِلُ إِلَى اسْمِ اللَاهُوتِيِّ الْأَكْثَرِ ارْتِبَاطًا فِي فِكْرِ النَاسِ بِإِنْكَارِ حُرِّيَّةِ الْإِرَادَةِ، وَذَلِكَ فِي ضَوْءِ رَأْيِ كَالْفِنْ عَنِ الِاخْتِيَارِ وَالتَعْيِينِ الْمُسْبَقِ. دَعُونِي أَذْكُرُ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ أَنْ نَتَنَاوَلَ آرَاءَ كَالْفِنْ.

أَوَّلًا، كَانَ كَالْفِنْ، نَظِيرَ لُوثَرْ، مُكَرَّسًا لِدِرَاسَةِ تَعْلِيمِ أُوغُسْطِينُوسْ. وَإِذَا قَرَأْتُمْ مُؤَلَّفَاتِ كَالْفِنْ، سَتَرَوْنَ أَنَّ الشَخْصَ الَذِي اقْتَبَسَ مِنْهُ كَالْفِنْ أَوِ اسْتَشْهَدَ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ لَاهُوتِيٍّ آخَرَ فِي التَارِيخِ هُوَ أُوغُسْطِينُوسْ. وَأَظُنُّ أَنَّهُ مِنَ الدِقَّةِ وَالصَوَابِ أَنْ نَقُولَ إِنَّ لَا شَيْءَ فِي رَأْيِ كَالْفِنْ عَنِ الِاخْتِيَارِ، أَوْ عَنْ حُرِّيَّةِ الْإِرَادَةِ وَالْخَطِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ، لَمْ يَكُنْ أَوَّلًا لَدَى أُوغُسْطِينُوسْ، ثُمَّ لَدَى لُوثَرْ.

قَدْ يُفَاجِئُ ذَلِكَ الْبَعْضَ، لِأَنَّ الْكَنِيسَةَ اللُوثَرِيَّةَ، مَثَلًا، تَخْتَلِفُ بِشِدَّةٍ عَنِ الْكَالْفِينِيِّينَ فِي نَظْرَتِهَا لِلِاخْتِيَارِ، وَهَذَا يَعُودُ فِي الْأَسَاسِ إِلَى التَغْيِيرِ الَذِي وَقَعَ دَاخِلَ اللُوثَرِيَّةِ بَعْدَ مَوْتِ لُوثَرْ بِفَتْرَةٍ وَجِيزَةٍ، حِينَ قَامَ النَائِبُ الرَئِيسِيُّ لِلُوثَرْ، فِيلِيبْ مِيلَانْكْثُونْ (Philip Melancthon)، بِتَغْيِيرِ آرَاءِ لُوثَرْ عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ. لَكِنْ رُبَّمَا يُفَاجِئُكُمْ أَنَّ لُوثَرْ كَتَبَ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ أَكْثَرَ مِنْ كَالْفِنْ. وَقَدْ كَانَ هَذَانِ مِنْ أَكْثَرِ اللَاهُوتِيِّينَ الَذِينَ اتَّفَقُوا مَعًا فِي رَأْيِهِمَا بِشَأْنِ مَوْضُوعٍ مُعَيَّنٍ. إِذَنْ، كَالْفِنْ تَلَقَّى كُلَّ اللَوْمِ، لَكِنَّهُ كَانَ مُجَرَّدَ صَدًى لِلُوثَرْ، فِي مَسْأَلَتَيْ حُرِّيَّةِ الْإِرَادَةِ وَالسِيَادَةِ الْإِلَهِيَّةِ.

وَمَعَ ذَلِكَ، لَا يَزَالُ لَدَيْنَا الِانْطِبَاعُ بِأَنَّ كَالْفِنْ هُوَ مُبْتَكِرُ هَذَا الرَأْيِ. وَجُزْءٌ مِنْ سَبَبِ ذَلِكَ هُوَ تِلْكَ الْكَلِمَةُ الشَهِيرَةُ، أَوْ الِاخْتِصَارُ "تَوْلِيبُ" (TULIP)، الَذِي مِنَ الْمُفْتَرَضِ أَنَّهُ يُلَخِّصُ الْمَبَادِئَ الْخَمْسَةَ لِلْكَالْفِينِيَّةِ. لَنْ أَتَنَاوَلَهَا كُلَّهَا هُنَا، لَكِنَّ الْمَبْدَأَيْنِ الْأَوَّلَ وَالثَانِي هُمَا الْأَوْثَقُ صِلَةً بِمَوْضُوعِنَا.

الْحَرْفُ الْأَوَّلُ "T" يُشِيرُ إِلَى "الْفَسَادِ الْكُلِّيِّ". وَمَا يَقْصِدُهُ كَالْفِنْ وَالْكَالْفِينِيَّةُ بِعَقِيدَةِ الْفَسَادِ الْكُلِّيِّ، لَيْسَ أَنَّ الْإِنْسَانَ السَاقِطَ شِرِّيرٌّ إِلَى أَقْصَى حَدٍّ. فَهُوَ لَا يُشِيرُ إِلَى الْفَسَادِ الْمُطْلَقِ. فَإِنْ فَكَّرْتُمْ مَثَلًا فِي أَشَرِّ شَخْصٍ عَرَفْتُمُوهُ، مِثْلَ أَدُولْفْ هِتْلَرْ. فَبِقَدْرِ شَرِّ هِتْلَرْ، يُمْكِنُ أَنْ نَتَصَوَّرَ أَنْ يَكُونَ أَشَرَّ أَيْضًا مِمَّا كَانَ. يَصْعُبُ تَصَوُّرُ أَنْ يَكُونَ أَشَرَّ مِمَّا كَانَ، لَكِنْ هَذَا مُمْكِنٌ. فَقَدْ كَانَ بِإِمْكَانِهِ قَتْلُ عَدَدٍ أَكْبَرَ مِنَ الْأَشْخَاصِ دُونَ خَجَلٍ.

لَكِنْ مَا يَعْنِيهِ الْفَسَادُ الْكُلِّيُّ، بِحَسْبِ النَظْرَةِ الْكَالْفِينِيَّةِ، هُوَ أَنَّ الْفَسَادَ الَذِي حَدَثَ نَتِيجَةً لِلسُقُوطِ، يُصِيبُ الْوُجُودَ الْبَشَرِيَّ بِأَكْمَلِهِ. فَالسُقُوطُ يَخْتَرِقُ الْإِنْسَانَ كَكُلٍّ. وَيُؤَثِّرُ فِي أَذْهَانِنَا، وَقُلُوبِنَا، وَأَجْسَادِنَا، وَإِرَادَتِنَا، بِحَيْثُ نَكُونُ فِي فَسَادِنَا سَاقِطِينَ وَعُرْضَةً لِلْخَطِيَّةِ، لِدَرَجَةِ أَنَّنَا نُصْبِحُ فِي حَالَةٍ مِنَ الْعَجْزِ الْأَخْلَاقِيِّ. هَذَا لَا يَعْنِي الْعَجْزَ عَنْ أَنْ نَكُونَ مَخْلُوقَاتٍ أَخْلَاقِيَّةً، بَلْ إِنَّنَا مَخْلُوقَاتٌ أَخْلَاقِيَّةٌ، لِأَنَّ كَالْفِنْ أَصَرَّ عَلَى أَنَّنَا لَمْ نَفْقِدْ إِرَادَتَنَا بِالسُقُوطِ. وَتَمَثُّلًا بِأُوغُسْطِينُوسْ، قَالَ كَالْفِنْ إِنَّ الْإِنْسَانَ السَاقِطَ لَدَيْهِ حُرِّيَّةُ إِرَادَةٍ، لِأَنَّهُ لَا يَزَالُ بِإِمْكَانِهِ اتِّخَاذُ الْقَرَارَاتِ، وَلَا يَزَالُ بِإِمْكَانِهِ اخْتِيَارُ مَا يَشَاءُ.

لَيْسَ هَذَا فَحَسْبُ، بَلْ قَالَ كَالْفِنْ أَيْضًا إِنَّنَا فِي فَسَادِنَا وَسُقُوطِنَا نَظَلُّ قَادِرِينَ عَلَى بُلُوغِ مَا دَعَاهُ كَالْفِنْ "الْفَضِيلَةَ الْمَدَنِيَّةَ"، وَتَعْنِي أَنَّ هُنَاكَ الْكَثِيرَ جِدًّا مِنَ الْأُمُورِ الصَالِحَةِ، عَلَى الصَعِيدِ الْأُفُقِيِّ لِلتَعَامُلَاتِ بَيْنَ الْبَشَرِ، الَتِي يَسْتَطِيعُ الْبَشَرُ السَاقِطُونَ أَنْ يَفْعَلُوهَا بَعْضُهُمْ تُجَاهَ بَعْضٍ. فَغَيْرُ الْمُؤْمِنِ يُمْكِنُهُ، مَثَلًا، أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا لا كَسُولًا، وَشُجَاعًا لا جَبَانًا، وَمُسْتَقِيمًا لا لِصًّا، وَمُحْتَشِمًا لا خَلِيعًا، عَلَى الصَعِيدِ الأُفُقِيِّ مِنَ الْحَيَاةِ.

فِي الْوَاقِعِ، تَمَادَى كَالْفِنْ كَثِيرًا إِلَى حَدِّ الْقَوْلِ إِنَّ غَيْرَ الْمُؤْمِنِينَ يُمْكِنُهُمْ، مِنْ بَعْضِ النَوَاحِي، أَنْ يَنْبُذُوا الأَنَانِيَّةَ فِي سُلُوكِهِمْ الْأَخْلَاقِيِّ، عَلَى الصَعِيدِ الْأَرْضِيِّ. لَكِنْ، حِينَ تَحَدَّثَ كَالْفِنْ عَنْ فَسَادِ الْإِرَادَةِ، وَفَسَادِ النَفْسِ، حَصَرَ ذَلِكَ الْفَسَادَ فِي الْبُعْدِ الرَأْسِيِّ، أَيْ فِي رَغْبَةِ وَمَيْلِ الْإِنْسَانِ السَاقِطِ نَحْوَ فِعْلِ أُمُورِ اللَّهِ. هَذَا الْبُعْدُ الرُوحِيُّ هُوَ الَذِي يَجِدُ فِيهِ الْإِنْسَانُ نَفْسَهُ عَاجِزًا أَخْلَاقِيًّا عَنْ تَقْدِيمِ الدَافِعِ وَالسُلُوكِ اللَائِقَيْنِ. هَذَا مَا شَدَّدَ عَلَيْهِ كَالْفِنْ، حِينَ تَحَدَّثَ عَنِ الْعَجْزِ الْأَخْلَاقِيِّ، أَيْ عَجْزِ النَفْسِ فِي حَالَتِهَا السَاقِطَةِ عَنْ تَغْيِيرِ مَسَارِهَا، وَعَنِ التَغَيُّرِ، وَعَنِ اسْتِمَالَةِ أَوْ تَوْجِيهِ نَفْسِهَا نَحْوَ أُمُورِ اللَّهِ.

أَمَّا الْمَبْدَأُ الثَانِي الَذِي يُعَدُّ مَثَارَ نِزَاعٍ كَبِيرٍ فِي الْفِكْرِ الْكَالْفِينِيِّ، وَالْمُتَّصِلُ بِمَا سَبَقَ، فَهُوَ عَقِيدَةُ الِاخْتِيَارِ، الَتِي عُرِفَتْ فِي هَذَا الِاخْتِصَارِ بِمُصْطَلَحِ "الِاخْتِيَارِ غَيْرِ الْمَشْرُوطِ". وَفِي سُرْعَةٍ وَبَسَاطَةٍ، الْمَقْصُودُ بِذَلِكَ هُوَ أَنَّهُ حِينَ يَخْتَارُ اللَّهُ أُنَاسًا مُعَيَّنِينَ لِلْخَلَاصِ، لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ عَلَى أَسَاسِ سَابِقِ عِلْمِهِ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَشْخَاصَ سَيَسْتَوْفُونَ الشُرُوطَ – مِثْلَمَا يَنْظُرُ الْبَعْضُ إِلَى الِاخْتِيَارِ، قَائِلِينَ إِنَّ اللَّهَ يَنْظُرُ عَبْرَ أَرْوِقَةِ الزَمَنِ، وَيَعْلَمُ مُسْبَقًا مَنْ سَيَتَجَاوَبُ إِيجَابِيًّا مَعَ الْمَسِيحِ وَمَنْ سَيَرْفُضُهُ، وَبِنَاءً عَلَى تِلْكَ الْمَعْرِفَةِ الْمُسْبَقَةِ أَوْ سَابِقِ الْعِلْمِ، يَتَّخِذُ اللَّهُ قَرَارَهُ. فَهُوَ يَخْتَارُ أُنَاسًا، لَكِنَّهُ يَخْتَارُهُمْ بِشُرُوطٍ. وَهُوَ لَنْ يَخْتَارَ إِلَّا الشَخْصَ الَذِي يَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَتَجَاوَبُ مَعَهُ، أَيِ الشَخْصَ الَذِي يَسْتَوْفِي الشَرْطَ اللَازِمَ لِقَبُولِهِ.

أَيَّدَ كَالْفِنْ الِاخْتِيَارَ غَيْرَ الْمَشْرُوطِ، الَذِي مَعْنَاهُ أَنَّ قَرَارَ اللَّهِ لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلَى أَنْمَاطِ الْبَشَرِ السُلُوكِيَّةِ، أَوْ أَفْعَالِهِمْ، أَوْ اخْتِيَارَاتِهِمْ الْمُتَوَقَّعَةِ. وَالسَبَبُ، حَسَبَ قَوْلِ كَالْفِنْ، هُوَ أَنَّهُ إِذَا نَظَرَ اللَّهُ عَبْرَ أَرْوِقَةِ الزَمَنِ، لِيَرَى مَنْ سَيَتَجَاوَبُ إِيجَابِيًّا مَعَ الْإِنْجِيلِ، فَلَنْ يَرَى سِوَى أُنَاسٍ رَافِضِينَ لِلْإِنْجِيلِ، لِأَنَّ كَالْفِنْ كَانَ مُقْتَنِعًا بِأَنْ لَا أَحَدَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ يُمْكِنُ أَنْ يَتَجَاوَبَ إِيجَابِيًّا مَعَ الْإِنْجِيلِ، لِأَنَّهُ مُسْتَعْبَدٌ لِلْخَطِيَّةِ.

يَقْصِدُ كَالْفِنْ أَنَّ التَّجْدِيدَ شَرْطٌ أَسَاسِيٌّ لِيَتَحَرَّرَ الْإِنْسَانُ مِنْ عُبُودِيَّتِهِ لِلْخَطِيَّةِ. وَافْتَرَضَ أَنَّ الذِهْنَ لَا يَسْتَطِيعُ تَمْيِيزَ الْأُمُورِ الرُوحِيَّةِ دُونَ اسْتِنَارَةِ الرُوحِ الْقُدُسِ. وَلِذَلِكَ، فَإِنَّ الْجَسَدَ -أَوْ طَبِيعَةَ الْإِنْسَانِ السَاقِطَةَ- لَنْ يَسْتَمِيلَ نَفْسَهُ نَحْوَ اللهِ دُونَ أَنْ يَنَالَ أَوَّلًا نِعْمَةَ التَجْدِيدِ. وَكَالْفِنْ، نَظِيرُ لُوثَرَ مِنْ قَبْلِهِ، أَوْلَى اهْتِمَامًا كَبِيرًا لِمَا يُعَلِّمُهُ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ، وَلا سِيَّمَا إِنْجِيلُ يُوحَنَّا وَرِسَالَةُ بُولُسَ إِلَى أَفَسُسَ.

نَتَذَكَّرُ أَنَّ يَسُوعَ قَالَ، فِي سِيَاقِ حَدِيثِهِ مَعَ الْفَرِّيسِيِّينَ: "اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ". فَإِنَّنَا نُولَدُ فِي هَذَا "الْجَسَدِ"، أَيْ فِي حَالَةِ سُقُوطٍ. وَأَضَافَ الْمُلاحَظَةَ التَالِيَةَ: "وَالْجَسَدُ لاَ يُفِيدُ شَيْئًا". فَلَيْسَ سَاكِنٌ فِي الْجَسَدِ شَيْءٌ صَالِحٌ. وَدُونَ عَمَلِ الرُوحِ الْقُدُسِ، لا نَفْعَ لَنَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ اللهِ.

قَالَ لُوثَرْ، رَدًّا عَلَى إِيرَازْمُوسْ، إِنَّهُ حِينَ قَالَ يَسُوعُ إِنَّ "الْجَسَدَ لاَ يُفِيدُ شَيْئًا"، لَمْ يَقْصِدْ بِكَلِمَةِ "شَيْئًا" أشياءَ قَلِيلَةً. بَلْ قَصَدَ أَنَّ الْجَسَدَ عَاجِزٌ تَمَامًا وَبِالْكَامِلِ عَنْ دَفْعِ أَوْ تَوْجِيهِ نَفْسِهِ نَحْوَ اللَّهِ. وَلِهَذَا، صَرَفَ كَالْفِنْ أَيْضًا الْكَثِيرَ مِنَ الْوَقْتِ فِي دِرَاسَةِ نُصُوصِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ الْمُتَّصِلَةِ بِهَذَا الْمَوْضُوعِ. وَقَالَ إِنَّ الْإِنْسَانَ عَاجِزٌ عَنْ تَحْرِيرِ نَفْسِهِ مِنْ عُبُودِيَّتِهِ الرُوحِيَّةِ عَنْ طَرِيقِ مُمَارَسَةِ إِرَادَةِ جَسَدِهِ.

إِلَيْكُمْ مَا قَالَهُ: "حِينَ تَكُونُ الْإِرَادَةُ مُقَيَّدَةً بِعُبُودِيَّتِهَا لِلْخَطِيَّةِ، لَا يُمْكِنُهَا التَحَرُّكُ صَوْبَ الصَلَاحِ، نَاهِيكَ إِذَنْ عَنِ السَعْيِ الثَابِتِ وَرَاءَهُ، لِأَنَّ هَذَا التَحَرُّكَ هُوَ الْخُطْوَةُ الْأُولَى فِي الرُجُوعِ إِلَى اللَّهِ، الَذِي يَنْسُبُهُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ بِكَامِلِهِ إِلَى النِعْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ. لَكِنْ، تَظَلُّ لَدَيْهِ إِرَادَةٌ تَمِيلُ وَتَرْكُضُ بِكُلِّ مَا فِيهَا نَحْوَ الْخَطِيَّةِ. وَالْإِنْسَانُ، الْوَاقِعُ فِي هَذِهِ الْعُبُودِيَّةِ، لَمْ يُجَرَّدْ مِنَ الْإِرَادَةِ، بَلْ مِنَ الْإِرَادَةِ السَلِيمَةِ".

لَاحِظُوا هَذَا التَمْيِيزَ. يَقُولُ كَالْفِنْ إِنَّنَا فِي السُقُوطِ لَمْ نَفْقِدِ الْقُدْرَةَ عَلَى الِاخْتِيَارِ، تَمَامًا كَمَا لَمْ نَفْقِدْ عُقُولَنَا. فَلَا تَزَالُ لَدَيْنَا عُقُولٌ، وَلَا زِلْنَا قَادِرِينَ عَلَى التَفْكِيرِ. لَكِنَّ تَفْكِيرَنَا لَيْسَ سَلِيمًا مِنْ جِهَةِ أُمُورِ اللَّهِ، لِأَنَّ قَلْبَنَا الْغَبِيَّ أَظْلَمَ، وَأُسْلِمَ لِلْخَطِيَّةِ. وَأَصْبَحَ لَدَيْنَا اهْتِمَامُ الْجَسَدِ. وَلَدَيْنَا مَا يُسَمِّيهِ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ "ذِهْنًا مَرْفُوضًا". وَأَذْهَانُنَا فِي عَدَاوَةٍ مَعَ اللَّهِ. وَنَحْنُ، بِالطَبِيعَةِ، لَا نُرِيدُ لِلَّهِ مَكَانًا فِي فِكْرِنَا. إِذَنْ، تَأَثَّرَ الذِهْنُ كَثِيرًا بِالسُقُوطِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَخْرُبْ تَمَامًا. فَلَا يَزَالُ لَدَيْنَا عَقْلٌ، وَلَا زَالَتْ لَدَيْنَا قُدْرَةٌ عَلَى التَفْكِيرِ. فَلَا زِلْنَا نَعْلَمُ أَنَّ اثْنَيْنِ زَائِدُ اثْنَيْنِ يُسَاوِي أَرْبَعَةً. وَبِالنِسْبَةِ إِلَى هَذَا الْجَانِبِ مِنَ السُقُوطِ، فَكَمَا تَحَدَّثَ كَالْفِنْ عَنِ الْبِرِّ الْمَدَنِيِّ أَوِ الْفَضِيلَةِ الْمَدَنِيَّةِ، الَتِي لَا يَزَالُ بِإِمْكَانِنَا أَنْ نُحَقِّقَهَا دُونَ التَجْدِيدِ، تَحَدَّثَ أَيْضًا عَنِ الْإِنْجَازَاتِ الْفِكْرِيَّةِ الَتِي يُمْكِنُنَا تَحْقِيقُهَا دُونَ الِاسْتِنَارَةِ الْإِلَهِيَّةِ مِنَ الرُوحِ الْقُدُسِ. فَقَالَ، مَثَلًا، إِنَّ بَعْضًا مِنْ أَعْظَمِ الْحِرَفِيِّينَ، وَبَعْضًا مِنْ أَعْظَمِ عَبَاقِرَةِ الْأَدَبِ، وَبَعْضًا مِنْ أَكْثَرِ الْأَشْخَاصِ مَوْهِبَةً وَتَمَيُّزًا فِي التَارِيخِ، كَانُوا غَيْرَ مَسِيحِيِّينَ وَغَيْرَ مُؤْمِنِينَ، وَكَانُوا فَائِقِي الذَكَاءِ وَالْبَرَاعَةِ، مُجَدَّدًا عَلَى الصَعِيدِ الْأَرْضِيِّ. لَكِنْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ اللَّهِ، أَظْلَمَ ذِهْنُ الْإِنْسَانِ السَاقِطِ، بِحَيْثُ لَمْ يَعُدْ يُدْرِكُ جَمَالَ اللَّهِ، مَا لَمْ يَفْتَحِ الرُوحُ الْقُدُسُ ذِهْنَهُ. وَيُخْبِرُنَا بُولُسُ فِي الرِسَالَةِ إِلَى كُورْنِثُوسَ بِأَنَّ أُمُورَ اللَّهِ الرُوحِيَّةَ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهَا رُوحِيًّا، وَلَا أَحَدَ يَعْرِفُهَا إِلَّا رُوحُ اللَّهِ، الَذِي يُعْلِنُهَا بَعْدَ ذَلِكَ لَنَا.

وَبِالْمِثْلِ، مَيَّزَ كَالْفِنْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لَدَيْنَا عَقْلٌ وَأَنْ نُفَكِّرَ بِطَرِيقَةٍ سَلِيمَةٍ. فَقَالَ: "بَعْدَ السُقُوطِ، لَمْ نُجَرَّدْ مِنَ الْإِرَادَةِ، بَلْ مِنَ الْإِرَادَةِ السَلِيمَةِ"، ثُمَّ تَابَعَ قَائِلًا: "عِنْدَمَا أَقُولُ إِنَّ الْإِرَادَةَ جُرِّدَتْ مِنَ الْحُرِّيَّةِ، وَصَارَتْ مُنْقَادَةً أَوْ مَدْفُوعَةً بِحُكْمِ الضَرُورَةِ إِلَى الشَرِّ، فَمِنَ الْعَجِيبِ أَنْ يَحْسَبَ أَحَدٌ هَذَا التَعْبِيرَ قَاسِيًا، نَظَرًا لِعَدَمِ كَوْنِهِ مُنَافِيًا لِلْعَقْلِ، أَوْ مُتَعَارِضًا مَعَ الِاسْتِخْدَامِ السَلِيمِ. لَكِنَّهُ يُزْعِجُ الَذِينَ لَا يُجِيدُونَ التَمْيِيزَ بَيْنَ الضَرُورَةِ وَالْإِكْرَاهِ".

هَلْ يَبْدُو هَذَا مَأْلُوفًا؟ فَقَدْ قَالَ، أَوَّلًا، إِنَّنَا فِي السُقُوطِ لَمْ نُجَرَّدْ مِنَ الْإِرَادَةِ، بَلْ مِنَ الْحُرِّيَّةِ. تَذَكَّرُوا تَمْيِيزَ أُوغُسْطِينُوسْ بَيْنَ حُرِّيَّةِ الْإِرَادَةِ وَالْحُرِّيَّةِ. فَحُرِّيَّةُ الْإِرَادَةِ تَظَلُّ كَمَا هِيَ، لَكِنَّ الْحُرِّيَّةَ فُقِدَتْ. ثُمَّ يُمَيِّزُ كَالْفِنْ هُنَا بَيْنَ الضَرُورَةِ وَالْإِكْرَاهِ. أَيْنَ سَمِعْتُمْ ذَلِكَ؟ هَذَا هُوَ التَمْيِيزُ نَفْسُهُ الَذِي عَقَدَهُ لُوثَرْ فِي سِيَاقِ جِدَالِهِ مَعَ إِيرَازْمُوسْ.

إِذَنْ، مَرَّةً أُخْرَى، بِفَحْصِ كَالْفِنْ وَدِرَاسَتِهِ لِنُصُوصِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، وَلَا سِيَّمَا يُوحَنَّا الأَصْحَاحِ 6 وَالْآيَةِ 44، حَيْثُ قَالَ يَسُوعُ إِنَّ لَا أَحَدَ يَقْدِرُ أَنْ يَأْتِيَ إِلَيْهِ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الْآبُ، كَتَبَ كَالْفِنْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ: "يَأْتِي إِلَى الْمَسِيحِ -هَذَا تَعْبِيرٌ مَجَازِيٌّ يُشِيرُ إِلَى الإِيمَانِ. وَكَيْ يُكْمِلَ كَاتِبُ الإِنْجِيلِ الصُورَةَ الْمَجَازِيَّةَ، قَالَ إِنَّ هَؤُلاءِ "يُجْتَذَبُونَ، إِذْ يُنِيرُ اللهُ عُقُولَهُمْ، وَيُمِيلُ قُلُوبَهُمْ، وَيُوَجِّهُهَا إِلَى طَاعَةِ الْمَسِيحِ". يَجِبُ أَلَّا نَتَعَجَّبَ مِنْ رَفْضِ الْكَثِيرِينَ لِلإِنْجِيلِ، لأَنَّ لا أَحَدَ الْبَتَّةَ يَقْدِرُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى الْمَسِيحِ". هَذِهِ هِيَ الْفِكْرَةُ الأَسَاسِيَّةُ: فَلا أَحَدَ يَقْدِرُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى الْمَسِيحِ.

تَذْكُرُونَ أَنَّهُ فِي يُوحَنَّا الأَصْحَاحِ 6، حِينَ عَلَّمَ يَسُوعُ بِهَذَا الْكَلامِ، الَذِي أَثَارَ رَدَّ فِعْلٍ سَلْبِيٍّ لَدَى مُسْتَمِعِيهِ، لِدَرَجَةِ أَنَّ الْبَعْضَ فَارَقُوهُ، وَلَمْ يَعُودُوا يَمْشُونَ مَعَهُ، قَالَ يَسُوعُ: "لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ" –وَسَبَقَ أَنْ تَنَاوَلْنَا ذَلِكَ – "أَنْ يَأْتِيَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ...". وَقَالَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ. قَالَ أَوَّلًا: "إِنْ لَمْ يُعْطَ مِنْ أَبِي"، ثُمَّ قَالَ: "إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ".

أُذَكِّرُكُمْ مَرَّةً أُخْرَى بِأَنَّ عِبَارَةَ "لا أَحَدَ" هِيَ مَا نُسَمِّيهِ بِالنَفْيِ الشَامِلِ. وَهُوَ يَشْمَلُ كُلَّ مَنْ يَنْدَرِجُ ضِمْنَ فِئَةِ الْبَشَرِ، أَوْ بِصِيغَةٍ سَلْبِيَّةٍ، هُوَ يَسْتَبْعِدُ جَمِيعَ الْبَشَرِ مِنْ أَمْرٍ مَا. فَهُنَاكَ أَمْرٌ لا أَحَدَ يَفْعَلُهُ. قَالَ يَسُوعُ: "لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ".

نَعْرِفُ الْفَرْقَ بَيْنَ "يَقْدِرُ" وَ"يُسْمَحُ لَهُ". فَعِنْدَمَا قُلْتُ لِمُعَلِّمَتِي فِي الصَفِّ الثَالِثِ: "هَلْ أَقْدِرُ أَنْ أَذْهَبَ إِلَى الْحَمَّامِ؟" أَجَابَتْنِي: "مِنَ الْمُؤَكَّدِ أَنَّكَ تَقْدِرُ"، لَكِنَّ السُؤَالَ هُوَ: "هَلْ مَسْمُوحٌ لَكَ بِذَلِكَ؟" "يُسْمَحُ" تَتَعَلَّقُ بِأَخْذِ الْإِذْنِ، أَمَّا "يَقْدِرُ" فَتَتَعَلَّقُ بِالْقُدْرَةِ أَوْ الْإِمْكَانِيَّةِ. قَالَ يَسُوعُ: "لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ"، وَمَعْنَاهُ أَنْ لَا أَحَدَ لَدَيْهِ الْإِمْكَانِيَّةُ، أَوْ لَا أَحَدَ لَدَيْهِ الْقُوَّةُ لِفِعْلِ شَيْءٍ مَا.

مَا الْقُوَّةُ الَتِي نَفْتَقِرُ إِلَيْهَا جَمِيعًا؟ وَمَا الْإِمْكَانِيَّةُ الَتِي لَا يَتَمَتَّعُ بِهَا أَحَدٌ؟ قَالَ يَسُوعُ إِنَّ لَا أَحَدَ لَدَيْهِ الْقُوَّةُ أَوِ الْإِمْكَانِيَّةُ أَنْ يَأْتِيَ إِلَيْهِ. لَمْ يَكُنْ يَقْصِدُ بِذَلِكَ قَطْعًا افْتِقَارَ أَحَدِهِمْ إِلَى الْقُدْرَةِ عَلَى السَيْرِ فِي الشَارِعِ وَالْمَجِيءِ إِلَى يَسُوعَ بَيْنَمَا كَانَ يَعِظُ وَيَعْلِّمُ وَيَشْفِي الْمَرْضَى. فَأَيُّ شَخْصٍ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسِيرَ فِي الشَارِعِ، وَأَنْ يَذْهَبَ لِيَرَى يَسُوعَ. فَعِنْدَمَا قَالَ "يَأْتِي إِلَيَّ"، مِنَ الْوَاضِحِ أَنَّهُ، مِثْلَمَا أَشَارَ كَالْفِنْ وَجَمِيعُ الْمُفَسِّرِينَ، كَانَ يَقْصِدُ بِهَذَا الْمَجِيءَ الْخَلَاصِيَّ إِلَيْهِ. فَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ، بِإِمْكَانِيَّاتِهِ الطَّبِيعِيَّةِ، أَنْ يَقْبَلَهُ بِصِفَتِهِ ابْنًا لِلَّهِ.

"إِنْ لَمْ...". عِبَارَةُ "إِنْ لَمْ" تَدُلَّ عَلَى وُجُودِ شَرْطٍ ضَرُورِيٍّ، أَيْ "شَرْطٍ لَا غِنًى عَنْهُ". فَلَا بُدَّ مِنْ حُدُوثِ شَيْءٍ مَا لِلْحُصُولِ عَلَى النَتِيجَةِ الْمَنْشُودَةِ. قَالَ يَسُوعُ: "لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ"، مَاذَا؟ "إِنْ لَمْ يُعْطَ لَهُ"، أَوْ، كَمَا جَاءَ فِي الْمَقْطَعِ الآخَرِ، "إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الآبُ".

إِلَيْكُمْ كَيْفِيَّةَ تَفْسِيرِ كَالْفِنْ لِهَذَا النَصِّ: "الْإِتْيَانُ إِلَى الْمَسِيحِ" –كَمَا ذَكَرْتُ– "يَجِبُ أَلَّا نَتَعَجَّبَ مِنْ رَفْضِ الْكَثِيرِينَ قُبُولَ الْإِنْجِيلِ، لِأَنَّ لَا أَحَدَ يَقْدِرُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى الْمَسِيحِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُبَادِرَ اللَّهُ نَحْوَهُ أَوَّلًا بِرُوحِهِ. يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ إِذَنْ أَنَّهُ لَيْسَ الْجَمِيعُ يُجْتَذَبُونَ، وَإِنَّمَا يَمْنَحُ اللَّهُ هَذِهِ النِعْمَةَ لِلَّذِينَ اخْتَارَهُمْ. أَجَلَ، هَذَا النَوْعُ مِنَ الِاجْتِذَابِ لَا يَحْدُثُ عَنْوَةً، بِحَيْثُ يُرْغَمُ النَاسُ مِنْ قُوَّةٍ خَارِجِيَّةٍ، لَكِنَّهُ يَحْدُثُ بِتَأْثِيرٍ قَوِيٍّ مِنَ الرُوحِ الْقُدُسِ، الَذِي يَجْعَلُ الْبَشَرَ رَاغِبِينَ، بَيْنَمَا كَانُوا قَبْلًا رَافِضِينَ وَنَافِرِينَ. إِذَنْ، مِنَ الْخَطَأِ وَالتَجْدِيفِ أَنْ نَقُولَ إِنَّ لَا أَحَدَ يُجْتَذَبُ سِوَى الرَاغِبِينَ فِي أَنْ يُجْتَذَبُوا، كَمَا لَوْ أَنَّ الْإِنْسَانَ هُوَ الَذِي يَجْعَلُ نَفْسَهُ طَائِعًا لِلَّهِ بِجُهْدِهِ. لِأَنَّ الرَغْبَةَ الَتِي بِهَا يَتْبَعُ الْبَشَرُ اللَّهَ هِيَ الَتِي يَحْصُلُونَ عَلَيْهَا مِنَ اللَّهِ نَفْسِهِ، الَذِي يَدْفَعُ قُلُوبَهُمْ إِلَى إِطَاعَتِهِ".

إِذَنْ، يَقُولُ كَالْفِنْ إِنَّ الَذِينَ يُجْتَذَبُونَ لَيْسُوا هُمْ مَنْ أَرَادُوا أَنْ يُجْتَذَبُوا، لِأَنَّ لَا أَحَدَ يَأْتِي إِنْ لَمْ يُجْتَذَبْ أَوَّلًا. وَلَاحِقًا، صَارَ مَعْنَى كَلِمَةِ "يَجْتَذِبُ" فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ مَثَارَ جَدَلٍ كَبِيرٍ، فِي كِتَابَاتِ أَرْمِينْيُوسْ، لِأَنَّهُ فِي تَعْلِيمِهِ، وَفِي الْأَجْيَالِ الْأَرْمِينِيَّةِ اللَاحِقَةِ، تَعَلَّقَ "الِاجْتِذَابُ" بِدَعْوَةِ اللَّهِ لِلْإِنْسَانِ، وَلَفْتِ انْتِبَاِهِهِ، وَتَقْدِيمِ عَرْضٍ لَهُ، وَإِقْنَاعِهِ، وَإِغْرَائِهِ، إِلَى آخِرِهِ. إِذَنْ، صَارَ الْمَقْصُودُ هُوَ أَنْ لَا أَحَدَ يَقْدِرُ أَنْ يَأْتِيَ إِلَى يَسُوعَ إِنْ لَمْ يُغْرِهِ أَوْ يَجْذِبْهُ اللَّهُ أَوَّلًا، بِطَرِيقَةٍ مَا، أَوْ يُسَاعِدْهُ. فِي الْمُقَابِلِ، فَهِمَ كَالْفِنْ الْفِعْلَ "يَجْتَذِبُ" فِي إِنْجِيلِ يُوحَنَّا بِمَعْنَى أَنْ يَقُومَ اللَّهُ بِأَكْثَرِ مِنْ مُجَرَّدِ تَحْفِيزٍ أَوْ تَشْجِيعٍ أَوْ حَثٍّ خَارِجِيٍّ، بَلْ أَنْ يَعْمَلَ دَاخِلَ قَلْبِ الْإِنْسَانِ وَنَفْسِهِ، لِيَجْعَلَهُ رَاغِبًا فِي الْمَجِيءِ، بَيْنَمَا فِيمَا سَبَقَ، وَإِنْ تُرِكَ الْأَمْرُ لَهُ، مَا كَانَ لِيَرْغَبَ فِي الْمَجِيءِ. وَعِنْدَمَا يُجْرِي اللَّهُ هَذَا الْعَمَلَ، بِرَأْيِ كَالْفِنْ، يُصْبِحُ الشَخْصُ رَاغِبًا، بَيْنَمَا كَانَ قَبْلًا نَافِرًا. وَبِسَبَبِ افْتِقَارِهِ إِلَى الرَغْبَةِ فِي الْمَسِيحِ، لَمْ يَكُنْ لِيَأْتِيَ أَوْ لِيَلْتَفِتَ الْبَتَّةَ إِلَيْهِ. لَكِنَّ اللَّهَ غَيَّرَ قَلْبَهُ وَغَيَّرَ مُيُولَهُ، فَأَتَى بِإِرَادَتِهِ.

أَمَّا أَرْمِينْيُوسْ، وَكَمَا سَنَرَى، فَقَالَ: "أَجَلْ، عَلَى اللَّهِ أَنْ يَجْتَذِبَ، وَأَنْ يُعْطِيَ نِعْمَةً. فَعَلَى اللَّهِ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا. وَالْبَعْضُ سَيَأْتُونَ إِلَيْهِ بِإِرَادَتِهِمْ، لَكِنَّ آخَرِينَ لَنْ يَأْتُوا إِلَيْهِ بِإِرَادَتِهِمْ". إِذَنْ، يَتَلَخَّصُ الْجَدَلُ بِرُمَّتِهِ، كَمَا سَنَرَى، فِي السُؤَالِ الْمُتَعَلِّقِ بِمَا إِذَا كَانَ مِنَ الْمُمْكِنِ مُقَاوَمَةُ نِعْمَةِ اللَّهِ – أَيْ نِعْمَةِ التَجْدِيدِ.

يَتَّفِقُ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ النِعْمَةَ ضَرُورِيَّةٌ، لَكِنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ حَوْلَ مَا إِنْ كَانَتْ لَدَيْنَا الْقُدْرَةُ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِنَا عَلَى مُقَاوَمَتِهَا، أَوْ عَلَى اسْتِمَالَةِ أَنْفُسِنَا نَحْوَهَا. وَسَنَدْرُسُ ذَلِكَ فِي الْمُحَاضَرَاتِ الْمُقْبِلَةِ.