المحاضرة 5: النعمة السائدة

بينما نتابع الآن شرحنا لأفكار القديس أوغسطينوس المتعلقة بمسألة الإرادة الحرة والخطية والأصلية، علينا أن نرى اليوم أنه يوجد عنصر سخرية أو تناقض ظاهري في الطريقة التي يتكلم بها أوغسطينوس عن حالتنا الروحية؛ فهو يتكلم مثلًا عن هذا التمييز الذي رأيناه بين الإرادة الحرة والحرية. فنحن نملك إرادة حرة، لكننا نفتقر إلى الحرية – هذا يبدو متناقضًا للوهلة الأولى. ثم يتابع ويفسر حالتنا الساقطة بهذه الطريقة: بحسب الكتاب المقدس، نحن مقيّدون بالخطية. وعندما نفكر في القيود أو الأسر فنحن لا نفكر بلغة الحرية، بل نفكر بلغة العبودية. ومع ذلك، يصف أوغسطينوس حالتنا، ويقول إننا أشخاص مقيدون بحرية. هنا يظهر التناقض الظاهري والسخرية المخيبة للأمل لما يريد الإشارة إليه.

لكي نرى هذه الفكرة بمزيد من الوضوح، يمكننا تطبيقها على الطريقة التي يشرح بها العهد الجديد بكل وضوح حالتنا كمؤمنين. فبولس مثلًا، عندما كان يعرّف عن نفسه في رسائله، فماذا كان يسمي نفسه في معظم الأحيان؟ "دولوس" الرب يسوع المسيح. وكلمة "دولوس" في بعض الترجمات القديمة تمت ترجمتها بكلمة "عبد"، بمعنى أجير؛ أما الترجمات الجديدة فتستخدم كلمة "عبد" لا يتقاضى أجرًا. لأن الـ"دولوس" لم يكن خادمًا أجيرًا في الحضارة القديمة، لكنه كان عبدًا، عبدًا يتم شراؤه مثلما كان يتم الاتجار بالرقيق في أميركا في بداية تاريخنا، حيث كان الناس يُعرَضون للبيع في منصة الاتجار بالرقيق عند مرافئ بالتيمور وفي أماكن أخرى، ثم يصبحون ملك صاحب العبيد، فيُحرمون من الحقوق والامتيازات التي يتمتع بها الإنسان الحر. يسمي بولس نفسه عبدًا للمسيح، لكنه في الوقت نفسه يفرح بالحرية التي له بالمسيح يسوع – ويسميها يعقوب الحرية الملوكية. والمسيح نفسه قال: "إِنْ ثَبَتُّمْ فِي كَلَامِي فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ تَلَامِيذِي، وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ، وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ "؛ "حَيْثُ رُوحُ الرَّبِّ هُنَاكَ حُرِّيَّةٌ". لكن في الوقت نفسه، ما يدعو إلى السخرية هو الآتي: يجب أن أصبح عبدًا لله قبل أن أختبر ذروة الحرية البشرية. وما دمت أقاوم خدمتي لله معتبرًا أني حر، فأنا أكون عبدًا لأهوائي الشريرة.

ثمة طريقة أخرى لقول ذلك وفقًا لرأي أوغسطينوس الذي قال إن الإنسان خاضع لسيطرة أهوائه الشريرة، وبالتالي هو عبد لأهوائه لكنه يخدم سيده طوعًا. لكي نوسّع الأمر، دعوني ألفت انتباهكم إلى بعض النصوص الكتابية التي كانت مألوفة بالنسبة إلى أوغسطينوس. والنص الأهم ورد في رسالة بولس إلى أهل أفسس، حيث وصف حالة الإنسان في الفصل الثاني. استهل بولس الفصل الثاني من رسالته إلى أهل أفسس بما يلي: "لقد أحياكم" – وهو يشير بذلك إلى الله. "لقد أحياكم أَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، الَّتِي سَلَكْتُمْ فِيهَا قَبْلًا حَسَبَ دَهْرِ هَذَا الْعَالَمِ، حَسَبَ رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ، الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الْآنَ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ، الَّذِينَ نَحْنُ أَيْضًا جَمِيعًا تَصَرَّفْنَا قَبْلًا بَيْنَهُمْ فِي شَهَوَاتِ جَسَدِنَا، عَامِلِينَ مَشِيئَاتِ الْجَسَدِ وَالْأَفْكَارِ، وَكُنَّا بِالطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ الْغَضَبِ كَالْبَاقِينَ أَيْضًا".

هنا، عمد بولس إلى وصف حالة الإحياء أو الإقامة من الموت من خلال قوة الروح القدس للذين كانوا أمواتًا سابقًا. وعندما يتكلم بولس عن هذه الحالة السابقة – عن الحالة الطبيعية للإنسان بعد السقوط – فهو يقول إنها حالة موت روحي. وأوغسطينوس نفسه قام بالتمييز مستندًا إلى هذا النص، قائلًا إن الإنسان الساقط حي بيولوجيًا، لكنه ميت روحيًا. يمكنه اتخاذ قرارات، ويمكنه اختيار ما يريد، لكن بما أنه لا يريد أبدًا أمور الله، فهو ميت عن أمور الله، وهو يعيش حياته بحسب شهوات جسده. اسمعوا ما يقوله بولس هنا حين تكلم عن حالتنا السابقة: "الَّتِي سَلَكْتُمْ فِيهَا قَبْلًا حَسَبَ دَهْرِ هَذَا الْعَالَمِ". تذكروا أن بولس قال في رسالة رومية: "أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلَا وَاحِدٌ... لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلَاحًا لَيْسَ وَلَا وَاحِدٌ... الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا"، أي أننا حدنا عن الطريق التي أعدّها الله لنا لكي نسلك فيها، ونحن نسلك الآن في طريق مختلفة، وهذه هي الطريق التي يسميها بولس هنا "دهر العالم"، أي الطريق التابعة لرئيس سلطان الهواء، إنها الطريق التي تتبع شهوات أجسادنا وأذهاننا. وهو لا يقول إن الناس لا يفعلون أو يختارون، وإنما يقول إننا سلكنا جميعًا بحسب شهوات أجسادنا عاملين مشيئات الجسد والأفكار.

لا أتخيل أنه يوجد إنسان راشد في أميركا لم يعش صراعًا داخليًا متعلقًا بأخلاقياته. أعني أن ما من أحد بيننا كان ضميره موسومًا جدًا لدرجة أن ضميره باد تمامًا. نحن جميعًا نرتكب الأخطاء ونحن نعلم ذلك. ما زلت أذكر أني حين كنت تلميذًا في الثانوية العامة، كنت أطلق العنان للساني بينما ألعب البايسبول، وكنت أقول كلامًا عنيفًا نوعًا ما. وكان الأمر يجعلني أشعر بالسوء، لأن الأساتذة كانوا يزعجونني. وذات مرة طردني الحكم من المباراة لأني قلت كلامًا غير لائق، وأنا لم أكن مؤمنًا في تلك الفترة. لكن رغم ذلك، كنت أشعر بالسوء نوعًا ما حيال هذا الضعف في شخصيتي. ولا أعلم كم من المرات وضعت رأسي على الوسادة ليلًا وقطعت على نفسي عهدي مقدسًا قائلًا: "غدًا، سأفتح صفحة جديدة، ولن أقول كلامًا بذيئًا بعد الآن". وفي اليوم التالي، إن حدث خطأ ما كنت أسارع إلى قول كلام سيء. وظل الأمر يزعجني إلى أن تعاملت مع المسألة بجدية كبيرة، وقلت: "لن أستخدم هذا الأسلوب الكلامي بعد اليوم". ومر سبعة عشر يومًا على التوالي من دون أن أتلفظ بأي كلام بذيء، فازددت افتخارًا بنفسي وكنت أقول: "هائنذا، أصحح حياتي"، وما إلى ذلك. وذات مرة كنت ألعب في مباراة بايسبول، رمى أحدهم الكرة إليَّ بشكل روتيني، وهي كانت تثب وترتفع على أرض الملعب – هذا ما نسميه "تشاريتي هوب"، وهي تسديدة سهلة جدًا وروتينية. فقفزت لأوقف الكرة وأردها، وحوّلت نظري عن الكرة ونظرت إلى حارس المرمى ورفست الكرة، وكانت هذه نهاية فترة انضباطي. لكن كان الأمر بسيطًا جدًا، لكن كل واحد منا دخل في صراع مع نفسه، وقال: "لماذا أفعل الأمور التي أفعلها؟ أنا لا أريد فعل هذه الأمور، لكني أفعلها رغم ذلك". السبب الذي يدفعني إلى فعلها هو أن رغبتي في فعلها تفوق عدم رغبتي في فعلها. هذه هي معضلة هذا الاختبار الذي نسميه "الإرادة الحرة"، وهو أني أختار بحسب شهواتي.

والآن، دعوني أحيد قليلًا عن أوغسطينوس، مع أن ما سأقوله يتناغم مع فكره لكل نفكر في ما يقوله هنا. كل من يستمع إلى هذه المحاضرة أو يشاهدها الآن، وكل من هو حاضر في الصف اليوم، إنه موجود هنا اليوم لأنه اختار أن يكون هنا. فإن سبب مجيئك إلى هنا هو أن رغبتك في التواجد هنا أعظم من رغبتك في عدم التواجد هنا. ربما ترغب في الوقوف والاحتجاج قائلًا: "مهلًا، لم أكن أنوي المجيء إلى هنا اليوم". قد تنظر ستايسي إلي قائلة: "لقد جرني زوجي وأنا أصرخ وأقاوم رغمًا عن إرادتي، وأرغمني على المجيء إلى هنا. كنت أفضّل القيام بأمور أخرى، لكني جئت بأي حال، جئت رغمًا عني". لكني أقول: "مهلًا ستايسي، ما لم يحدث أمر غير متوقع، ربما لم تكن لديك رغبة في المجيء إلى هنا اليوم، لكن كانت لديك رغبة في إرضاء زوجك أو في عدم التشاجر مع زوجك، وحدث الأمر غير المتوقع. وفي أسوأ الأحوال فكرت قائلة "من الأفضل أن أذهب إلى هناك وأجلس في تلك المحاضرة المضجرة بدلًا من أن أضطر لمعالجة المشاكل التي قد تنشأ في المنزل"". أنا أعلم أن هذا مجرد موقف افتراضي. أنا أزعج ستايسي التي كانت تنتظر بفارغ الصبر للوصول إلى هنا هذا الصباح، وهي التي كان عليها أن ترغم زوجها على المجيء، أليس كذلك؟ لكني أريد القول إن ثمة أمورًا كثيرة نظن أننا نفعلها ونحن لا نريد أن نفعلها، لكن إن حللنا الأمور بدقة فسنرى أننا نفعل دائمًا الأمور التي نريد أن نفعلها. هذه هي طبيعة الإرادة الحرة – نحن نختار دائمًا بحسب رغباتنا الأقوى في تلك اللحظة. وفي وقت لاحق في محاضرتنا، سنرى كيف أن جوناثان إدواردز يوسّع هذه الفرضية تفصيلًا.

لكن الآن، دعوني أقول الآتي، وهو أنه لا يمكننا فحسب أن نختار بحسب رغبتنا الأقوى، وإنما علينا أن نختار بحسب رغبتنا الأقوى، نحن نختار دائمًا بحسب رغبتنا الأقوى أو ميولنا في تلك اللحظة. تقول: "إن كانت هذه الحال، إن كنت تقول إنه يتوجب علي أن أختار الأشياء التي أختارها، أفلا يدمر ذلك فكرة الحرية؟" فلنتأمل في الأمر مجددًا. إن قلت إنه يتوجب عليك اختيار أكثر ما تريده في تلك اللحظة، أفلا يقضي هذا الواجب على الإرادة الحرة؟ لا، بل إنه يعزز الإرادة الحرة، لأن جوهر الإرادة الحرة هو التمتع بالقدرة على فعل ما تريد. وعندما أقول إنه لا يمكنك فحسب أن تختار ما تريد بل إنه يتوجب عليك أن تختار ما تريد، فأنا أقول إنك أنت الذي تتمتع بالإرادة الحرة. لا يمكنك ألا تكون حرًا – هذا هو عكس الحتمية، لأن الحتمية تصور وضعًا أُمليت فيه قراراتنا علينا وفُرضت علينا، أو أُرغمنا على اتخاذها من خلال قوة خارجة أو إنسان خارجي، هذه هي ماهية الحتمية. وتعريف "الحرية"، بحسب المصطلحات العصرية، هو "حرية الإرادة". أليس هذا ما نريده لكي نكون أحرارًا؟ أن نتمكن من أن نقرر بأنفسنا ما نختاره وما نفعله؟ بدلًا من أن يقرر آخر عنا، نحن نريد الحق أو القدرة على أن نتخذ قراراتنا بأنفسنا.

يوافق أوغسطينوس وجميع المفكرين العظماء على مر تاريخ الكنيسة على أن الإنسان يتمتع بقوة التصميم، أي أنه يملك حرية الإرادة. لكن هذا لا يعني أن القرارات التي نتخذها هي تلقائية تمامًا وغير ناتجة عن قرار منا، وأنها نتائج من دون أسباب. في الواقع، نحن نقول إن كل خيار أقوم به ناتج عن قرار. وإن أُرغمت على القيام به، فهذا يعني أن شيئًا خارجًا عني حدد هذا الخيار، وأني لست حرًا. وإن كان هذا الخيار ناتجًا عني وعن رغباتي وعن ميولي، فبالتالي أنا حر – هذه هي حرية الإرادة. والأمر الذي أراد أوغسطينوس قوله هنا هو إن الإنسان، حتى في السقوط، يملك القدرة على فعل ما يشاء؛ لكنه ميت روحيًا، إنه عبد، لا للشيطان وإنما هو عبد لنفسه ولأهوائه الشريرة ولشهوات أفكاره ولشهوات الجسد. وهو يتبع ميول قلبه وأهواءه – هنا تكمن حريته، وهنا تكمن قيوده.

ونقطة الخلاف بين أوغسطينوس وخصومه في ذلك اليوم تكمن في كيفية تمكّن الإنسان من اكتساب لا لحرية الإرادة فحسب، بل للحرية، باعتبار أن الحرية هي القوة المعنوية أو القدرة المعنوية على اختيار ما هو صالح، واختيار ما هو صائب، واختيار أمور الله. لأن أوغسطينوس يقول إن الإنسان من تلقاء نفسه بما أن قلبه شرير باستمرار، وإنه لا يملك رغبة بشكل أساسي، بل إنه ابن الغضب بحكم الطبيعة، فإن ذلك الإنسان من تلقاء نفسه لن يختار أمور الله أبدًا. لا يمكنه اختيار أمور الله، لا لأنه لا يملك إرادة، بل لأنه لا يرغب في اختيار أمور الله. هو لا يقدر لأنه لا يريد ذلك. ولا يمكننا أن نفعل ما لا نريد فعله – هذا هو العجز المعنوي الذي يتكلم أوغسطينوس عنه.

إذًا، بالنسبة إلى أوغسطينوس، إن تحرر الإنسان من القيود المعنوية، هذه يتطلب حتمًا تدخّل نعمة الله في حياته. وتلك النعمة ليست أمرًا يسهّل الحرية فحسب، بل إنها شرط ضروري للحرية. نعود مجددًا إلى كلام يسوع حين كان يناقش هذه المسألة مع الفريسيين. قال: "لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يُعْطَ مِنْ أَبِي". "لا أحد"، هذه سلبية شاملة؛ "يقدر"، هذا يدل على القوة أو القدرة. لا يقدر أحد أن يفعل ماذا؟ أن يأتي إلى المسيح، إن لم... "إن لم" تشير إلى شرط ضروري – "سين كوا نون" – إلى أمر لا بد له من أن يحدث قبل أن نحصل على النتيجة المطلوبة. قال يسوع: "لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يُعْطَ مِنْ أَبِي". يتطلب الأمر عملًا من الله وعطية يمنحها الله للناس مجانًا ليمكّنهم من التخلص من حالة العبودية. إذًا، بالنسبة إلى أوغسطينوس، المقوم الضروري والأساسي للحرية هو نعمة الله المحرِّرة.

نعود إلى أفسس 2 حيث كان بولس يتكلم عن هذا الوضع. تذكروا أنه استهل الفصل الثاني بالقول "وأنتم الذين أحياكم بعد أن كنتم أمواتًا"، ثم يقول بعد ذلك: "اللهُ الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا، وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ"، متى؟ بعد أن أحيانا؟ لا، عندما كنا في حالة من الموت الروحي. "وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ – بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ – وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، لِيُظْهِرَ فِي الدُّهُورِ الْآتِيَةِ غِنَى نِعْمَتِهِ الْفَائِقَ، بِاللُّطْفِ عَلَيْنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. لِأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالْإِيمَانِ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَالٍ كَيْلَا يَفْتَخِرَ أَحَدٌ".

نحن نسأل هنا: "ما الذي سبق الضمير "هو"؟ "هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ". ما هي عطية الله؟ الإيمان. يقول أوغسطينوس إنه بالإيمان وحده يقدر الإنسان أن يخرج من حالة الموت الروحي والفساد الأخلاقي. عندئذٍ يتوقف الناس ويقولون "إذًا، كل ما عليَّ فعله للحصول على الحرية هو الإيمان". يجيب أوغسطينوس: "نعم ولا". فهذا صحيح من ناحية، فالشرط الضروري الذي يجب أن يتوفر لديك لكي تتوقف عن السلوك حسب دهر هذا العالم هو الإيمان، لكنك لا تملك القوة لتخلق هذه القدرة من تلقاء نفسك. لذا يقول إننا نخلص بالنعمة بالإيمان. والإيمان بحد ذاته هو عطية من الله، والله يمنح الإيمان الذي هو الشرط الضروري الذي يجب أن يتوافر لدينا لكي نتحرر.

لذا، بالنسبة إلى أوغسطينوس، عمل التحرير برمته هو عمل الله، وعمل الله وحده، وهو ليس عملًا مشتركًا بيننا وبين الله، لأن الأمر الذي يجب أن يتم هو قيامتنا من الأموات. وإن استطعت تشبيه الأمر بإقامة يسوع للعازر الذي كان قد وُضع في القبر قبل أربعة أيام وكان قد أنتن، عندما أقامه المسيح من الموت، إلى أي مدى قام لعازر بالمساعدة؟ لم يكن بإمكان لعازر فعل أي شيء، فلعازر كان ميتًا، لقد كان سلبيًا تمامًا. والقوة الفعالة التي عملت على نقله من حالة الموت البيولوجي إلى حالة الحياة البيولوجية هي قوة المسيح. فالله وحده قادر أن يقيم الناس من الموت البيولوجي إلى الحياة البيولوجية. ومن خلال هذه الصورة التوضيحية، هذه هي الفكرة التي يوضحها بولس هنا. الأمر نفسه ينطبق على الموت الروحي، فنحن نصل إلى هذا العالم أمواتًا روحيًا، والأمر الوحيد القادر أن يحررنا من هذه العبودية هو قوة الله الفعالة والمباشرة، عندما يغير القلب ويغير ميول النفس. وعمل النعمة الفائق للطبيعة هو وحده قادر أن يحررنا من هذه الحالة – ما يثير فورًا مسألة الاختيار والتعيين المسبق. من الواضح أن هذه النقطة لم تفت أوغسطينوس، ولم تفت خصومه. فأوغسطينوس يعتبر أن الله لا يمنح هذه العطية للجميع، لكن الله في سر مخططه ومقاصده يمنح هذه العطية للبعض، أما الباقون فيتركهم لأنفسهم. فالبعض ينال العدالة، والبعض الآخر ينال نعمة. لكن أوغسطينوس أراد القول إنه بالنعمة، وبالنعمة وحدها، يقوم الإنسان من الموت الروحي ليخرج إلى الحرية.