المحاضرة 5: إيجاد السلام

حين نجتمع سويًا هنا في هيئة ليجونير لتصوير محاضراتنا أو لإعداد محاضرات للإذاعة، لدينا جهاز هنا يمكن للكل أن يراه، يوجد على هذا الجهاز تصوير ربما لأشهر منحوتة نعرفها لرودان. وما هي؟ المفكر. والسؤال المطروح اليوم هو: "ما الذي يفكر فيه؟" وسألت الحضور "ما الذي يفكر فيه المفكر؟" واقترح البعض أنه يفكر في معنى الحياة، لكن وفق رودان، ما كان يحاول تصويره هنا في هذه المنحوتة لشخص مأخوذ بالتأمل، هو أن المفكر كان يفكر في الجحيم، وهو أمر نشمئز من التفكير فيه في يومنا هذا. لكن في الجزء الأخير فكّرنا في حقيقة غضب الله، علمًا بأن الإظهار النهائي لهذا الغضب هو عقيدة الجحيم. وقد تم محو ذلك من إدراكنا اليوم، لأن عقيدة الخلاص الرئيسية في أميركا اليوم، أو العقيدة الأكثر رواجًا لما نسمّيه التبرير، ليست التبرير بالإيمان، ولا التبرير بالأعمال، بل التبرير بالموت؛ أي أن كل ما على المرء فعله لينتقل إلى السماء هو الموت، لأننا محونا من وعينا أي فكرة عن إمكانية وجود وجهة أكثر قتومًا للنفس البشرية من الحياة الأبدية في السماء.

في الأصحاح 13 من إنجيل لوقا، نرى حالة أخرى يسأل فيها التلاميذ يسوع عن الألم والمأساة. سبق أن درسنا المناسبة التي سأل فيها التلاميذ يسوع – كما ورد في الأصحاح 9 من إنجيل يوحنا – عن الاختبار المأساوي للرجل الذي ولد أعمى. تذكرون قولهم ليسوع: "مَنْ أَخْطَأَ: هَذَا أَمْ أَبَوَاهُ حَتَّى وُلِدَ أَعْمَى؟" وأجاب يسوع بالقول: " لَا هَذَا أَخْطَأَ وَلَا أَبَوَاهُ". ثم اكتشفنا مدى أهمية الانتباه ألا نفترض أنه حين يعاني الناس أو يجتازون في اختبارات مأساوية، أنه يوجد توافق بين درجة معاناتهم وفداحة ذنبهم.

لكن ثمة مأساة أخرى استرعت اهتمام بني جيل يسوع، وفي الآية 1 من الأصحاح 13 سأل هؤلاء القوم يسوع عن الأمر. في الآية 1 من الأصحاح 13 من إنجيل لوقا نقرأ ما يلي: "وَكَانَ حَاضِرًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ قَوْمٌ يُخْبِرُونَهُ عَنِ الْجَلِيلِيِّينَ الَّذِينَ خَلَطَ بِيلَاطُسُ دَمَهُمْ بِذَبَائِحِهِمْ. فَأجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَتَظُنُّونَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْجَلِيلِيِّينَ كَانُوا خُطَاةً أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ الْجَلِيلِيِّينَ لِأَنَّهُمْ كَابَدُوا مِثْلَ هَذَا؟ كَلَّا! أَقُولُ لَكُمْ...»"

والآن، دعوني أتوقف عند هذه النقطة ولنضع إطارًا للصورة. أصابت مأساة أناسًا أبرياء، قومًا في خضم العبادة يقدّمون ذبائحهم في الكنيسة يومذاك. حين جاء بيلاطس البنطي وجماعته وذبحوا هؤلاء القوم بينما كانوا في خضم العبادة، ومزجوا دماءهم بدماء الجليليين، فحزن الناس كثيرًا بسبب هذا الأمر. والسؤال الضمني الذي طرحوه على يسوع هنا هو: "كيف سمح الله بحدوث ذلك؟" فقال يسوع: "أتظنون أو تفترضون أن هؤلاء الجليليين كانوا خطاة أكثر من سائر الناس؟" وقال: "إني أقول لكم لا، لا يمكنكم الاستنتاج أن هؤلاء القوم الذين كابدوا تلك البلية والذين هلكوا في تلك الكارثة هلكوا لأنهم كانوا مذنبين فيما كان آخرون أبرياء، أو لأنهم كانوا مذنبين أكثر من هؤلاء الذين نجوا من تلك البلية بالذات".

أذكر حادثة القطار الكبير الذي كنت أستقله في ألاباما في العام 1993، حين شرد القطار ووقع في المياه، وقتل عدد من الأشخاص في حادثة القطار تلك، يفوق عدد الذين قتلوا في حوادث "أمتراك" مجتمعة. فنجوت وزوجتي من حادثة القطار تلك. وحين رجعنا إلى أورلاندو، أحاط بنا مراسلون ومذيعون تلفزيونيون، وظلوا يطرحون عليَّ السؤال نفسه: "برأيك لماذا نجاكما الله؟" فقلت "لا فكرة لدي"، لكني لا أريد الافتراض أني كنت المحظوظ، لأنه إن هلك مؤمنون في حادثة القطار تلك، فلا بد أنهم أمضوا اليوم التالي في ظروف أفضل بكثير من ظروفي وذهبوا مباشرة إلى السماء. لكن مجددًا، هذا يعكس نظرتنا السلبية للموت، كما لو أن الموت هو أسوأ بلية قد تصيب أحدهم، فيما أنه أعظم أمر قد يحدث للإنسان المفديّ.

لكن بأي حال، هذا هو السؤال الذي طرحه هؤلاء القوم على يسوع: "كيف يعقل أن يموت هؤلاء؟" قال يسوع "ليس أنهم كانوا خطاة أكثر من غيرهم". لكن توقفتُ في منتصف جواب يسوع، فلنرَ الجزء المتبقي منه: "كَلاَّ أَقُولُ لَكُمْ" – فاصلة – "بَلْ إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذَلِكَ تَهْلِكُونَ". أتتخيلون أن ينجو يسوع بعظة مماثلة في القرن العشرين في أميركا؟ في وسط المأساة، وبدلًا من إعطاء رسالة تعزية ورجاء ومواساة، يقول يسوع: "لا تعتبروا هؤلاء القوم أسوأ منكم، لأنكم ما دمتم غير تائبين أمام الله فستهلكون أنتم أيضًا". ثم يتابع ويجيب على السؤال التالي: "أَوْ أُولَئِكَ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ الَّذِينَ سَقَطَ عَلَيْهِمُ الْبُرْجُ فِي سِلْوَامَ وَقَتَلَهُمْ، أَتَظُنُّونَ أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا مُذْنِبِينَ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ السَّاكِنِينَ فِي أُورُشَلِيمَ؟"

وإليكم حادثة انهيار برج أخرى، وفي هذه الحالة لم يُقتل 6000 شخص، بل قتل 18 شخصًا فقط، لكن الأمر كان مأساويًا كفاية حتى جاء الناس إلى يسوع، قائلين: "كيف سمح الله بحدوث ذلك؟" ولأمكنكم أن تتوقعوا أن يجيب يسوع "أنا آسف جدًا على ذلك. أنا أعلم أن الكتاب المقدس يقول إن حافظ إسرائيل لا ينعس ولا ينام، لكن هذا غلو، هذا شعر، وتعلمون أن عمل الله على ضبط ومراقبة كل ذرة تتحرك في هذا الكون الشاسع هو مهمة شاقة حتى بالنسبة إلى الله، وحتى الله يحتاج إلى الراحة بين الحين والآخر. وبعد ظهر ذلك اليوم، وبينما كان يأخذ قيلولة خارج نطاق سلطته، وقع ذلك البرج على 18 شخصًا. أنا متأسف على ذلك. سأطلب منه الانتباه أكثر في المستقبل؛ أو أخبرتكم بأنه ما من طير يحط على الأرض من دون أن يلاحظه، وفي الواقع، شعر رأسك معدود لديه، لكن بعد ظهر ذلك اليوم بالذات كان مشغولًا جدًا بتعداد شعر رأس رجل كثيف الشعر، فتحوّل انتباهه عن ذلك البرج الذي سقط".

تعلمون أنه ليس هذا ما قاله يسوع. ويسوع لا يقوم بأي محاولة ثيوديسيا هنا، ولا يحاول أن يبرر الله على وقوع تلك المأساة في العالم. ترون أنه كانت لدى يسوع رؤية كونية مختلفة تمامًا عن رؤيتنا؛ كانت لدى يسوع رؤية لله مفادها أن الله الآب كامل تمامًا في بره وعدله، وكانت لديه أيضًا رؤية للإنسان مختلفة تمامًا عن رؤيتنا، لأن يسوع كان يرى أن كل إنسان مذنب أمام الله، وكل إنسان مدين لله، ولا يمكن لهذا المرء أن يسدد ذلك الدين. سأتكلم أكثر عن الأمر بعد قليل. لكن مجددًا، إنه يعطي الردّ نفسه الذي أعطاه بشأن الحادثة التي خلط فيها بيلاطس دم الشعب بالذبائح لتفسير انهيار ذلك البرج في سلوام، حين قال: "إِنْ لَمْ تَتُوبُوا فَجَمِيعُكُمْ كَذَلِكَ تَهْلِكُونَ".

دعوني أقول أمرين عن الجحيم، وهما غير رائجين إطلاقًا. لا أحد يعلّمنا عن الجحيم في الكتاب المقدس أكثر من يسوع؛ وثانيًا، يسوع علّم عن الجحيم أكثر مما علّم عن السماء. لكن إن كان يوجد أي تعليم ليسوع لا تصدّقه الكنيسة، فهو تعليمه عن هذه البلية الرهيبة التي تنتظر العالم غير التائب. إن كاتب رسالة العبرانيين، ولدى معاينته الفداء الكبير الذي تممه لنا المسيح، يشبّهنا بالشعب في العهد القديم الذي أنكر رحمة الله جيلًا بعد جيل بعد جيل بعد جيل، وأنكر مراحم الله، وأنكر نعمة الله أمام الخطر الدائم المحدق به. ويجري كاتب رسالة العبرانيين مقارنة بين إله الرحمة في العهد القديم، ورحمته في العهد الجديد؛ ويشير إلى وفرة النعمة التي يفيض الله بها على العالم في موهبة المسيح في العهد الجديد؛ ويتكلم عن عظمة الخلاص الذي حققه يسوع؛ ثم يطرح هذا السؤال البلاغي: "فَكَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ إِنْ أَهْمَلْنَا خَلَاصًا هَذَا مِقْدَارُهُ؟" ما الذي يجعل هذا السؤال بلاغيًا؟ السؤال البلاغي هو سؤال معلَن أو ملفوظ، ولا شك في الجواب عليه. وهذا السؤال الذي يطرحه الكاتب – "فَكَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ إِنْ أَهْمَلْنَا خَلَاصًا هَذَا مِقْدَارُهُ؟" – الجواب عليه واضح. ماذا؟ لا يمكننا أن ننجو، ولن ننجو. يوجد شرط وضعه المسيح والعهد الجديد وكلمة الله للنجاة، وهذا الشرط هو التوبة – التوبة والإيمان. "ما لم تفعل الأمر الأول"، يقول يسوع، "فالأمر الثاني سيتبعه لا محالة". والأمر الثاني هو الآتي: "الهلاك"، ما لم تستوفِ هذا الشرط. لذا أنا أميل إلى التشديد على مدى خطورة وقوف الخدام والوعاظ وإخبارهم الحضور عمومًا بأن الله يحبّ الجميع بلا شروط، لأنك حين تسمع هذه العبارة – "المحبة غير المشروطة" – تعني هذه العبارة للأشخاص الذين يسمعونها: يمكنني أن أفعل ما أشاء ومتى أشاء، وليس علي أن أقلق أبدًا بشأن الله، ليس علي أن أقلق أبدًا بشأن النجاة منه، لأن محبته غير مشروطة. من ناحية، محبته غير مشروطة، لكن خلاصه مشروط؛ هو يطلب من جميع الناس في كل مكان أن يتوبوا، وأن يعترفوا بخطاياهم، وأن يتخلّوا عن أي رجاء في أن يفدوا أنفسهم. ليس ما يمكنك فعله لتنجّي نفسه.

مجددًا، يصفنا يسوع بأشخاص مدينين. والمدينون هم أشخاص تترتب عليهم ديون غير مسددة. إن راجعنا المبادئ الأولية لفهمنا لله، تذكروا أن رؤيتنا الكونية تبدأ بكيفية فهمنا لطبيعة الله، وفي قلب فهمنا لله يكمن إدراكنا أن الله بصفته صانعنا وحاكمنا، وهو سيد على الجنس البشري كله، هذا الإله يتمتع أبديًا وطبيعيًا وجوهريًا بالحق المطلق بفرض التزامات عليك. تعرفون كيف تسير الأمور، وكم أننا نشعر بالحزن غالبًا حين يقول أحدهم "عليك أن تفعل هذا الأمر، أو أن تفعل ذلك الأمر أو غيره". ونحن نتعب من الأشخاص الذين يشيرون إلينا بالإصبع قائلين إن علينا فعل أمر ما – "عليك أن تفعل هذا الأمر" – ويفرضون علينا عبئًا من الذنب أو التزامًا لم نطلبه. يقول لي أناس كثر إن عليَّ فعل أمر ما ولا سلطان لديهم لقول ذلك لي، لكن إن نظر إلي الله القدير قائلًا "يا أر سي، عليك أن تفعل كذا وكذا"، فلا يمكنني أن أجادل القدير، لأن الله يتمتع بالحق الضمني بفرض التزامات علي. والالتزام الذي فرضه عليك، والالتزام الذي فرضه علي، هو الالتزام بطاعة ناموسه. وهذا الناموس هو ما يقيس درجة مديونيتي لله.

في صف التعليم الديني نسأل الأولاد "ما هي الخطية؟" والجواب هو "الخطية هي أي رغبة في المطابقة مع أو التعدي على ناموس الله". وعدم الطاعة لله هو عمل تمرد. وكلما امتنعنا عن طاعة الله، كلما ارتكبنا خطية ما، فإننا نجلب دينًا على أنفسنا. في صف مدرسة الأحد في كنيستي الأسبوع الماضي، كنا نتكلم عن مقطع من الكتاب المقدس – سأتطرق إليه بعد قليل – لكننا تكلمنا عن هذه الصورة التي أعطاها بولس عن تخزين الغضب وحفظه ليوم الغضب. وسبب استعمال هذا النوع من التشبيه هو وجود مديونية بارزة. كلما خرقتُ ناموس الله فإني أجلب على نفسي دينًا معنويًا، وفي المرة التالية التي أخطئ فيها يتعاظم الدين، وفي المرة الثالثة التي أخطئ فيها يزداد الدين، فتتكدس تلك الديون حتى يوم الدِّين. إذًا، يقول يسوع "نحن مدينون ولا يمكننا تسديد ديننا".

يحدث لي أن أكلم أناسًا يفكرون قائلين: "نعم لا يوجد إنسان كامل. بالطبع، اقترفت الأخطاء في حياتي، بالطبع ارتكبت الخطايا، لكني أعيش حياة صالحة ومتوازنة وأعوّض عن أخطائي باستحقاقي". ألا تدرك أن الله يطلب الكمال؟ إن ارتكبت خطية واحدة، من المستحيل أن تفعل أمرًا كافيًا بالمقابل للتعويض عن ذلك التعدي الواحد. ونحن نقول من غير تكلف "يحق للكل بارتكاب خطأ واحد". لا أعلم من أجاز لك ذلك. بالطبع، لم يُجِز لك الله أن ترتكب خطية واحدة، لكن حتى إن أجاز لك ارتكاب خطية واحدة، فمنذ متى استنفدت ما يحق لك به؟ سبعون في المئة من الشعب في الولايات المتحدة تترتب عليهم ديون في بطاقة الائتمان، والبعض غارق في الديون. لدي صديقة تترتب عليها ديون في بطاقة الائتمان تفوق راتبها على مدى سنة، لا أمل لديها في التمكّن من تسديد الدين. والخاطئ الذي أخطأ إلى الله لا رجاء لديه إطلاقًا في تسديد

الدين. هذا هو جوهر الإنجيل برمته: إنه يتكلم عن رحمة الله. هذا الإله الذي هو إله العدل هو أيضًا إله النعمة. هذا الإله الذي هو إله الغضب هو أيضًا إله الرحمة.

والآن نقرأ في العهد الجديد أن الله أظهر لنا نعمته بالإنجيل من خلال عقيدة التبرير بالإيمان وحده، حيث أرسل الله إلى العالم، فيما كنا لا نزال خطاة، ذاك الذي لا تترتب عليه ديون، والذي يعيش حياته كلها في طاعة كاملة. لذا من المهم لنا أن نفهم أن المسيح بلا خطية، لأنه وصل إلى نهاية حياته من دون ديون، وجاء إلى شعبه الغارق بالديون، والعاجز تمامًا عن تسديد دينه، وقال "أعطوني ديونكم". فأخذ ذلك الدين وحمله على عاتقه. يصف بولس الأمر بهذه الطريقة في رسالته إلى أهل كولوسي – كولوسي الأصحاح 2 والآية 13: "وَإِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا فِي الْخَطَايَا وَغَلَفِ جَسَدِكُمْ، أَحْيَاكُمْ مَعَهُ، مُسَامِحًا لَكُمْ بِجَمِيعِ الْخَطَايَا، إِذْ مَحَا الصَّكَّ الَّذِي عَلَيْنَا فِي الْفَرَائِضِ، الَّذِي كَانَ ضِدًّا لَنَا، وَقَدْ رَفَعَهُ مِنَ الْوَسَطِ مُسَمِّرًا إِيَّاهُ بِالصَّلِيبِ". يا لها من استعارة رائعة لوصف الكفارة! يتكلم بولس عن صكوك دين، وعن سندات ديون، بحيث أنه حتى في ناموس العهد القديم حين كان أحدهم يخترق الناموس كان يتم تدوين الأمر، وكان هذا وعدًا بدفع الدين معنويًا. مدينون لا يقدرون أن يسددوا الدين – قال يسوع: "هذا ما أنتم عليه بطبيعتكم". وقال بولس إن أول أمر فعله المسيح على الصليب بالنيابة عنا هو محو ديننا. لقد محاه.

أتذكرون داود؟ بعد أن ارتكب الإثم مع بثشبع وواجهه النبي ناثان، وصل إلى مرحلة اعتراف حقيقي، حيث صرخ إلى الله: "يا رب امحُ مآثمي. ليتك تمحوها من سجلّي وتلغيها من تاريخي". وهذا تحديدًا ما يفعله المسيح للأشخاص الذين يثقون به: إنه يمحو دينهم. ثم يقول بولس إنه سمّر ذلك الصك على الصليب. في العالم القديم، حين كان يتم إبطال دين اقتصادي، بدلًا من الكتابة "مدفوع بالكامل" على الوثيقة، كان يتم وضع هذه العلامة – أي التصوير اليوناني للصليب – كان يتم وضعها على الوثيقة. الله يضع حرفيًا صليبًا على دينك حين تتوب وتقبل المسيح. مَن في العالم يقدر أن يقيس فضل تلك النعمة؟ ورحمة تلك الرحمة؟ هذا هو الخلاص بالمعنى المطلق: أن تتخيل أن المسيح أبطل ديننا إلى الأبد، وضمن لنا غفران كل خطية ارتكبناها؛ ليس هذا فحسب، بل نقل إلى حسابنا كمال بره، لجميع الذين يؤمنون.

حين يفعل الله ذلك، فهذا لا يعني أنه لم يعد قدوسًا، ولا يعني أنه لم يعد بارًا. حين يصف بولس عملية التبادل هذه في رسالة رومية، ويطلعنا على رسالة الإنجيل، فهو يقول إن ما يبينه لنا الإنجيل هو أن الله هو البار والمبرِّر في الوقت نفسه، وهو لا يفاوض أبدًا على بره، بل يحرص على معاقبة الذنب ودفع ثمن الخطية. هو لا يعفي من الدَّين فحسب، بل يدوّن أنه مدفوع. إذًا، هو لا يزال عادلًا. لكن أن يسمح بأن يسدده شخص آخر غيرنا، فهذا يبين مجد عدله وكنز نعمته الذي لا يوصف. في نهاية المطاف أيها الأحباء، ما يحدّد الحياة والرؤية الكونية المسيحية هو مجد الصليب.