المحاضرة 2: ترانيم الطفولة

نُتابِعُ الآنَ دِرَاسَتَنَا لِخِدْمَةِ الْمَسِيحِ. فِي مُحَاضَرَتِنَا الأُولَى تَأَمَّلْنَا فِي بِدَايَةِ تِلْكَ الْخِدْمَةِ، وَتَعُودُ جُذُورُها إِلَى الأَزَلِ، إِلَى عَهْدِ الْفِداءِ. وَرَأَيْنَا أَنَّهُ فِي التَّجَسُّدِ أَخْضَعَ يَسُوعُ نَفْسَهُ طَوْعًا لِلإِذْلالِ وَأَخْلَى نَفْسَهُ. مَا أُرِيدُ التَّكَلُّمُ عَنْهُ الْيَوْمَ هُوَ جُزْءٌ مِنْ سَرْدِ الْكِتابِ الْمُقَدَّسِ لِوِلادَةِ يَسُوعَ وَالْجَوَانِبِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَا.

نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ فِي إِنْجِيلِ مَتَّى وَفِي إِنْجِيلِ لُوقَا نَجِدُ سَرْدًا لِوِلادَةِ يَسُوعَ. لَكِنْ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ، فِي الْبِدَايَةِ، نَجِدُ سَرْدًا لِمَا نُسَمِّيهِ الْبِشارَةَ، أَيِ الإِعْلانَ الَّذِي يُقَدِّمُهُ الْمَلاكُ جِبْرائِيلُ لِمَرْيَمَ عَنِ الطِّفْلِ الَّذِي سَتَحْمِلُهُ حِينَ تُظَلِّلُهَا قُوَّةُ الرُّوحِ الْقُدُسِ. فِي إِنْجِيلِ لُوقَا، نَجِدُ ضِمْنَ السَّرْدِ تَدْوِينًا لِثلاثَةِ أَناشِيدَ مُوحًى بِهَا مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. وَأَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا جَانِبٌ هَامٌّ جِدًّا غَالِبًا مَا يَتِمُّ التَّغاضِي عَنْهُ فِي مَا يَتَعَلَّقُ بِخِدْمَةِ الْمَسِيحِ.

طَوالَ قُرُونٍ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، مَتَى أَرادَ اللهُ الْقِيامَ بِعَمَلِ تَحْرِيرٍ هَامٍّ أَوْ بِعَمَلِ فِداءٍ، فَإِنَّ عَمَلَ الله ِهَذَا لأَجْلِ شَعْبِهِ كَانَ يَتِمُّ الاحْتِفالُ بِهِ بِأَنَاشِيدَ. نَشِيدِ مُوسَى، نَشِيدِ مَرْيَمَ، نَشِيدِ دَبُّورَةَ، وُصُولًا إِلَى نِهَايَةِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، حَيْثُ إِنَّهُ فِي سِفْرِ الرُّؤْيا قِيلَ لَنَا إِنَّهُ فِي مَرْحَلَةٍ مُعَيَّنَةٍ سَيُعْطِي الرَّبُّ شَعْبَهُ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً لَدَى تَتْمِيمِ فِدائِنا. لَكِنَّ لُوقَا يُدَوِّنُ لَنَا ثَلاثَةَ أَنَاشِيدَ تَمَّ نَظْمُهَا لِلاحْتِفالِ بِالتَّجَسُّدِ، وَمِنْهَا نَشِيدُ مَرْيَمَ، وَالآخَرُ نَشِيدُ زَكَرِيَّا الَّذِي ظَهَرَ لَهُ الْمَلاكُ وَأَعْلَنَ وِلادَةَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ، وَالنَّشِيدُ الثَّالِثُ هُوَ نَشِيدُ سِمْعَانَ الَّذِي أَنْشَدَهُ حِينَ تَمَّ إِحْضَارُ الطِّفْلِ يَسُوعَ لِتَكْرِيسِهِ فِي الْهَيْكَلِ. وَأَنَا أُرِيدُ إِلْقَاءَ نَظْرَةٍ وَجِيزَةٍ عَلَى تِلْكَ الأَنَاشِيدِ، لأَنَّ مَضْمُونَها يُعْلِنُ لَنَا أَبْعادًا مُهِمَّةً عَنْ خِدْمَةِ يَسُوعَ.

وَالآنَ، فَلْنَبْدَأْ بِنَشِيدِ مَرْيَمَ. رُبَّمَا هُوَ الأَبْرَزُ بَيْنَ الثَّلاثَةِ. وَبِالْمُنَاسَبَةِ، تِلْكَ الأَنَاشِيدُ فِي أَيَّامِنَا مَعْرُوفَةٌ بِأَوَّلِ كَلِمَةٍ مِنَ النَّشِيدِ فِي اللَّاتِينِيَّةِ. وَالْكَلِمَةُ الأُولَى مِنْ نَشِيدِ مَرْيَمَ بِاللُّغَةِ اللَّاتِينِيَّةِ هِيَ كَلِمَةُ "مَاغْنِيفِيكَات"، حَيْثُ تَقُولُ "تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللَّهِ مُخَلِّصِي". أَنْشَدَتْ ذَلِكَ النَّشِيدَ بَعْدَ أَنْ تَأَمَّلَتْ بِأَهَمِّيَّةِ زِيارَةِ جِبْرَائِيلَ لَهَا، وَأَيْضًا بَعْدَ أَنِ الْتَقَتْ نَسِيبَتَها أَلِيصَاباتَ. لِمَاذا عَظَّمَتِ اللهَ؟ أَوَّلُ أَمْرٍ ذَكَرَتْهُ هُوَ الآتِي: "لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ".

يُمْكِنُكَ أَنْ تَشْعُرَ كَيْفَ أَنَّ مَرْيَمَ فَرِحَتْ كَثِيرًا، لأَنَّهُ مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ النِّساءِ فِي تَارِيخِ الْعَالَمِ اخْتَارَ اللهُ تِلْكَ الْفَتاةَ الرِّيفِيَّةَ لِتَكُونَ أُمًّا لِلْمَسِيحِ، كَمَا لَوْ أَنَّهَا تَقُولُ: "لا يُمْكِنُنِي اسْتِيعابُ ذَلِكَ! لَقَدْ لاحَظَنِي وَمَيَّزَنِي فِي اتِّضاعِي". هَذِهِ هِيَ قِصَّةُ سِنْدِرِيلَّا الأَصْلِيَّةُ، حَيْثُ تَمَّ الاكْتِشافُ أَخِيرًا أَنَّ سِينْدِرِيلَّا هِيَ مَنْ فَازَتْ بِقَلْبِ الأَمِيرِ. فَأَنْشَدَتْ مَرْيَمُ ذَلِكَ النَّشِيدَ بِقِيادَةٍ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَقالَتْ: "فَهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي، لأَنَّ الْقَدِيرَ صَنَعَ بِي عَظَائِمَ، وَاسْمُهُ قُدُّوسٌ". الْقُدُّوسُ هُوَ مَنْ مَيَّزَنِي، الْقُدُّوسُ هُوَ مَنْ مَنَحَنِي هَذَا الامْتِيازَ الَّذِي لا يُوصَفُ، إِنَّهُ الْقُدُّوسُ بِكُلِّ قُوَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ.

هَلْ تَذْكُرُونَ حِينَ قَالَ لَهَا الْمَلاكُ إِنَّهَا سَتَحْمِلُ هَذَا الطِّفْلَ، وَقَالَتْ: "كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ وَأَنا لا أَعْرِفُ رَجُلًا؟" فَأجابَ الْمَلاكُ: "يَا مَرْيَمُ، لَيْسَ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَى اللهِ". مَنْ أَوْجَدَ الْحَياةَ وَالأَكْوانَ مِنَ الْعَدَمِ، وَالْحَيَاةَ مِنَ الْمَوْتِ، قَادِرٌ أَنْ يَجْعَلَ حَيَاةً فِي بَطْنِكِ. وَمِثْلَما كانَ رُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِياهِ فِي فَجْرِ الْخَلِيقَةِ، هَكَذَا الرُّوحُ نَفْسُهُ سَيَرِفُّ عَلَيْكِ، بِحَيْثُ إِنَّ الطِّفْلَ الَّذِي تَحْمِلِينَهُ فِي بَطْنِكِ سَيَكُونُ قُدُّوسًا. وَهَا هِيَ تَتَغَنَّى بِقُوَّةِ اللهِ الْمُذْهِلَةِ: "رَحْمَتُهُ إِلَى جِيلِ الأَجْيَالِ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَهُ. صَنَعَ قُوَّةً بِذِرَاعِهِ. شَتَّتَ الْمُسْتَكْبِرِينَ بِفِكْرِ قُلُوبِهِمْ. أَنْزَلَ الأَعِزَّاءَ عَنِ الْكَرَاسِي وَرَفَعَ الْمُتَّضِعِينَ".

أُفَكِّرُ فِي طَاوِلَةٍ وُضِعَتْ عَلَيْهَا أَسْلِحَةُ الْعَالَمِ كُلُّها لِمُقاوَمَةِ اللهِ، وَاللهُ بِقُوَّةِ ذِراعِهِ يَسْحَقُهَا بِحَرَكَةٍ وَاحِدَةٍ. هَكَذَا تَرَى مَرْيَمُ الأَمْرَ. لَقَدْ شَتَّتَ الْمُسْتَكْبِرِينَ، وَأَنْزَلَ الأَقْوِيَاءَ وَالأَعِزَّاءَ عَنْ كَرَاسِي الْقُوَّةِ، جَرَّدَهُمْ مِنْ قُوَّتِهِمْ، وَرَفَعَ الْمُتَواضِعِينَ. "أَشْبَعَ الْجِيَاعَ خَيْرَاتٍ وَصَرَفَ الأَغْنِيَاءَ فَارِغِينَ. عَضَدَ إِسْرَائِيلَ فَتَاهُ". لاحِظُوا أَنَّهَا فِي نِهايَةِ هَذَا النَّشِيدِ رَبَطَتْ مَا سَمِعَتْهُ مِنَ الْمَلاكِ وَأَلِيصَابَاتِ بِأُمَّةِ إِسْرَائيلَ. لَقَدْ أَدْرَكَتْ أَنَّ هَذَا الطِّفْلَ الَّذِي تَكَوَّنَ فِي بَطْنِها لَيْسَ مَوْجُودًا لِسَبَبٍ مُنْفَصِلٍ فِي التَّارِيخِ، لَكِنَّهُ مُرْتَبِطٌ بِالْعَهْدِ الْقَدِيمِ كُلِّهِ وَبِتَوَقُّعاتِ أُمَّةِ إِسْرائِيلَ كُلِّها.

وَتَقُولُ فِي النِّهايَةِ: "كَمَا كَلَّمَ آبَاءَنَا لِإِبْراهِيمَ وَنَسْلِهِ إِلَى الأَبَدِ". حِينَ يُخْبِرُ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ عَنْ وِلادَةِ يَسُوعَ فَهْوَ يَذْكُرُ أَنَّهُ وُلِدَ فِي "بْلَيْرُوما"، وَهْيَ كَلِمَةٌ يُونَانِيَّةٌ مَلِيئَةٌ بِالْمَعَانِي. تَتِمُّ تَرْجَمَةُ كَلِمَةِ "بْلَيْرُوما" بِعِبارَةِ "مِلْءِ الزَّمانِ". تَجَسُّدُ الْمَسِيحِ فِي هَذَا الْعَالَمِ لَمْ يَكُنْ أَمْرًا مُسْتَدْرَكًا أَوْ حافِزًا كَانَ لَدَى اللهِ جَعَلَهُ يُولَدُ "دَيْ نُوفُو"، مِثْلَ أَثِينَا مِنْ رَأْسِ زِيُوس، لا. لَقَدْ كَانَ هَذَا مُخَطَّطَ اللهِ، وَهْوَ كَانَ قَدْ وَعَدَ شَعْبَهُ بِفِداءٍ، مُرْتَبِطٍ بِالْعَهْدِ الَّذِي أَبْرَمَهُ مَعَ أَبِ الإِيمانِ إِبْراهِيمَ. وَالـ"بْلَيْرُوما" تُفِيدُ بِأَنَّ يَسُوعَ وُلِدَ فِي مِلْءِ الزَّمانِ.

حِينَ نَرَى أُناسًا فِي حَيَاتِنَا يَحْمِلُونَ بِطِفْلٍ، نِساءً يُصْبِحْنَ حَوَامِلَ وَهُنَّ يَعْدُدْنَ الأَشْهُرَ وَالأَسَابِيعَ وَالأَيَّامَ إِلَى أَنْ يَحِينَ وَقْتُ وِلادَةِ الطِّفْلِ. أَذْكُرُ أَنَّ طِفْلَنَا الْبِكْرَ وُلِدَ بَعْدَ عَشْرَةِ أَيَّامٍ مِنْ تَارِيخِ الْوِلادَةِ الَّذِي حَدَّدَتْهُ لَنَا طَبِيبَتُها. وأَنا كِدْتُ أَفْقِدُ صَوابِي لأَنِّي كُنْتُ مُسْتَعِدًّا لأَنْ يَحِينَ ذَلِكَ الْوَقْتُ وَلِرُؤْيَةِ طِفْلِنا. لَكِنَّ التَّارِيخَ كُلَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ وَيَئِنُّ بِانْتِظارِ وِلادَةِ هَذَا الطِّفْلِ، بِحَيْثُ إِنَّهُ حِينَ يَأْتِي هَذَا الطِّفْلُ، يَأْتِي الطِّفْلُ لَمَّا يَكُونُ قَدْ حَانَ مِلْءُ الزَّمانِ.

فِكْرَةُ الـْ"بْلَيْرُوما" تُذَكِّرُنِي بِالْكُوبِ. أَنْتَ تُحاوِلُ أَنْ تَمْلَأَ كُوبًا بِالْمَاءِ لَكِنَّكَ لا تَمْلَأُهُ حَتَّى الحافَّة، لأَنَّكَ عِنْدَئِذٍ لَنْ تَقْدِرَ أَنْ تَرْفَعَهُ أَوْ تَحْمِلَهُ، لأَنَّكَ سوف تَدْلُقُهُ. لذا نَحْنُ نَتْرُكُ دَائِمًا فَراغًا صَغِيرًا عِنْدَ رَأْسِ الْكُوبِ. لَكِنْ لَيْسَ هَذَا الْـ"بْلَيْرُوما". الـ"بْلَيْرُوما" لا تَعْنِي حَتَّى إِنَّ الْكُوبَ مُمْتَلِئٌ تَمَامًا. أُحِبُّ التَّفْكِيرَ فِي وَضْعِ الْكُوبِ تَحْتَ الْحَنَفِيَّةِ، وَفَتْحِ الْحَنَفِيَّةِ لتَمْلأَ الْكُوبَ. وَحِينَ يَصِلُ الْمَاءُ إِلَى حافَّتهِ يَبْدَأُ يَفِيضُ، لأَنَّ الْكُوبَ لا يَقْدِرُ أَنْ يَحْوِيَ نُقْطَةً وَاحِدَةً إِضَافِيَّةً. هَذِهِ هِيَ الْفِكْرَةُ هُنَا، وَهْيَ أَنَّ اللهَ قَدْ وَضَعَ التَّارِيخَ بِحَيْثُ إِنَّهُ فِي الْوَقْتِ الْمُحَدَّدِ الَّذِي عَيَّنَهُ، فِي الْوَقْتِ الْمِثالِيِّ، الْـ"بْلَيْرُومَا"، مِلْءِ الزَّمانِ، وُلِدَ يَسُوعُ مِنَ الْعَذْرَاءِ مَرْيَمَ.

تُوجَدُ أَفْكارٌ مُمَاثِلَةٌ فِي نُبُوَّةِ زَكَرِيَّا، الَّذِي كانَ أَبَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدانِ. حِينَ امْتَلَأَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَرَنَّمَ الْـ"بِنِدِيكْتُوس". اسْمَعُوا كَلِماتِ الْـ"بِنِدِيكْتُوس": "مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ لأَنَّهُ افْتَقَدَ وَصَنَعَ فِدَاءً لِشَعْبِهِ، وَأَقَامَ لَنَا قَرْنَ خَلاَصٍ فِي بَيْتِ دَاوُدَ فَتَاهُ، كَمَا تَكَلَّمَ بِفَمِ أَنْبِيَائِهِ الْقِدِّيسِينَ الَّذِينَ هُمْ مُنْذُ الدَّهْرِ". دَعُونِي أَتَوَقَّفُ عِنْدَ هِذِهِ الْفِكْرَةِ. هُنَا، النُّقْطَةُ الرَّئِيسِيَّةُ فِي هَذَا الاحْتِفالِ بِالتَّرْنِيمِ عَلَى لِسانِ زَكَرِيَّا فِي الْـ"بِنِدِيكْتُوس"، تُرَكِّزُ عَلَى الافْتِقادِ – افْتِقادِ اللهِ. وَإِنْ تَأَمَّلْتُمْ فِي اللُّغَةِ الَّتِي تَمَّ اسْتِعْمَالُها، فَهْيَ تَسْتَنِدُ إِلَى فِعْلٍ يُشْتَقُّ مِنْهُ الاسْمُ، وَهْوَ الْمُرَادِفُ الْيُونَانِيُّ لِكَلِمَةِ أُسْقُفٍ، وَهْوَ "إِبِيسْكُوبُوس".

نَحْنُ نَسْمَعُ بِالْكَنِيسَةِ الأُسْقُفِيَّةِ، وَهْيَ تُدْعَى كَذَلِكَ لأَنَّ أَسَاقِفَةً يَتَوَلَّوْنَ السُّلْطَةَ فِيهَا. لَكِنْ فِي الْعَالَمِ الْقَدِيمِ مَا كانَ عَلَيْهِ الأُسْقُفُ هُوَ الـ"إِبِيسْكُوبُوس". الْجَذْرُ "سْكُوبُوس" تَشْتَقُّ مِنْهُ الْكَلِمَةُ الإِنْجْلِيزِيَّةُ "سْكُوب"؛ تِلِسْكُوب، وَمِيكْرُوسْكُوب، وَسِيسْتُوسْكُوب، وَشَتَّى أَنْواعِ الـ"سْكُوب" الْمَوْجُودَةِ لَدَيْنَا. وَالـ"سْكُوب" هُوَ شَيْءٌ تَنْظُرُ عَبْرَهُ لِتَرَى شَيْئًا لا تَتَمَكَّنُ عَادَةً مِنْ رُؤْيَتِهِ بِالْعَيْنِ الْمُجَرَّدَةِ. الْمِيكْرُوسْكُوب يَنْظُرُ إِلَى أَشْيَاءَ مُتَنَاهِيَةِ الصِّغَرِ لا يُمْكِنُكَ رُؤْيَتُها بِالْعَيْنِ الْمُجَرَّدَةِ. التِّلِسْكُوب يَنْظُرُ عَلَى بُعْدِ مَسافاتٍ كَبِيرَةٍ لِرُؤْيَةِ النُّجُومِ فِي السَّماءِ وَغَيْرِها. إِذًا الـ"سْكُوب" هُوَ شَيْءٌ تَنْظُرُ عَبْرَهُ. حِينَ تُضِيفُ إِلَيْهِ الْبادِئَةَ "إِبِي"، فَمَا تَفْعَلُهُ هَذِهِ هُوَ التّشْدِيدُ عَلَى مَعْنَى الْجَذْرِ.

إِذًا، الأُسْقُفُ هُوَ مَنْ يَنْظُرُ بِاهْتِمامٍ وَبِنَشاطٍ وَبِإِمْعانٍ إِلَى مَا تَتِمُّ دِرَاسَتُهُ فِي الْعَالَمِ الْيُونَانِيِّ الْقَدِيمِ. كانَ الْـ"إِبِيسْكُوبُوسُ" لِواءَ الْجُيُوشِ الَّذِي يَزُورُ الْقَوَاعِدَ الْعَسْكَرِيَّةَ وَيَسْتَعْرِضُ الْجُنُودَ، كَانَ يَمْتَحِنُهُمْ لِيَرَى إِنْ كَانُوا جَاهِزِينَ لِلْمَعْرَكَةِ، وَإِنْ كَانُوا مُسْتَعِدِّينَ بِشَكْلٍ كَافٍ لِمُوَاصَلَةِ الْحَرْبِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْجُنُودُ مُسْتَعِدِّينَ، كَانَ يَتِمُّ فَرْضُ عُقوباتٍ عَلَيْهِمْ. وَإِنْ كَانُوا مُسْتَعِدِّينَ أَثْناءَ الاسْتِعْراضِ، كانَ الْجُنُودُ يَلْقَوْنَ ثَناءً وَمَنافِعَ مِنَ الـ"إِبِيسْكُوبُوس". لاحِقًا، يُشِيرُ الَعَهْدُ الْجَدِيدُ إِلَى يَسُوعَ عَلَى أَنَّهُ أُسْقُفُ نُفُوسِنَا وَأَنَّهُ الْمُشْرِفُ عَلَيْنَا. إِنَّهُ يُعَايِنُ أَوْ يَتَصَوَّرُ بِطَرِيقَةٍ خَارِقَةٍ كُلَّ مَا يَجْرِي وَسَطَ شَعْبِهِ.

إِذًا، كانَ الْيَهُودُ يَتُوقُونَ إِلَى يَوْمِ الرَّبِّ حِينَ سَيَفْتَقِدُ الرَّبُّ نَفْسُهُ هَذِهِ الأَرْضَ، وَكَانُوا يَخْشَوْنَ أَنْ يَكُونَ يَوْمُ الافْتِقادِ يَوْمَ ظَلامٍ، إِنْ جاءَ وَلَمْ يَكُنْ شَعْبُهُ مُسْتَعِدًّا، وَوَقْتَ أَزْمَةٍ وَدَيْنُونَةٍ. لَكِنَّهُمْ كَانُوا يَرْجُونَ أَيْضًا أَنْ يَفْتَقِدَ اللهُ شَعْبَهُ لِيَفْتَدِيَهُمْ. وَهُنَا يَقُولُ زَكَرِيَّا فِي نَشِيدِهِ "لأَنَّهُ افْتَقَدَ وَصَنَعَ فِدَاءً لِشَعْبِهِ وَأَقَامَ لَنَا قَرْنَ خَلاَصٍ فِي بَيْتِ دَاوُدَ فَتَاهُ". إذًا هَا هُوَ يَحْتَفِلُ الآنَ، لا بِالأَخْبَارِ السَّيِّئَةِ، أَخْبَارِ الدَّيْنُونَةِ الْوَشِيكَةِ، بَلْ بِالأَخْبارِ السَّارَّةِ، أَخْبارِ افْتِقادِ اللهِ شَعْبَهُ وَفِدائِهِمْ. تَذَكَّرُوا أَنَّهُ أُطْلِقَ عَلَى يَسُوعَ اسْمُ عَمانُوئِيلَ، أَيْ اللهُ مَعَنا. إِذًا، هَذَا النَّشِيدُ يَتَغَنَّى بِافْتِقادِ اللهِ فِي التَّجَسُّدِ.

ثُمَّ يُتابِعُ قَائِلًا إِنَّهُ يَجْدُرُ بِنَا أَنْ نَخْلُصَ مِنْ أَعْدائِنا وَمِنْ أَيْدِي جَمِيعِ مُبْغِضِينَا. "لِيَصْنَعَ رَحْمَةً مَعَ آبَائِنَا وَيَذْكُرَ عَهْدَهُ الْمُقَدَّسَ، الْقَسَمَ الَّذِي حَلَفَ لإِبْرَاهِيمَ أَبِينَا: أَنْ يُعْطِيَنَا إِنَّنَا بِلاَ خَوْفٍ، مُنْقَذِينَ مِنْ أَيْدِي أَعْدَائِنَا، نَعْبُدُهُ بِقَدَاسَةٍ وَبِرٍّ قُدَّامَهُ جَمِيعَ أَيَّامِ حَيَاتِنَا". هَلْ تَرَوْنَ مُجَدَّدًا كَيْفَ أَنَّهُ كَما فِي نَشِيدِ التَّعْظِيمِ "مَاغْنِيفِيكَات"، الـ"بِنِدِيكْتُوس" يُرْبَطُ مَجِيءُ الْمَسِيحِ بِالْعَهْدِ الَّذِي أَبْرَمَهُ اللهُ مَعَ إِبْراهِيمَ. انْتَظَرَ الشَّعْبُ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ بَعْدَ قَرْنٍ. وَمَرْيَمُ أَدْرَكَتْ ذَلِكَ، وَقَالَتْ إِنَّ زَمَنَ الانْتِظارِ انْتَهَى، فَاللهُ تَذَكَّرَ وَهْوَ لَمْ يَنْسَ الأَمْرَ، هُوَ لا يَنْسَى وُعُودَهُ أَبَدًا، وَلا يَنْسَى عُهُودَهُ أَبَدًا. هَذَا هُوَ الأَسَاسُ الَّذِي نَعِيشُ عَلَيْهِ. إِنَّهُ أَسَاسُ قَطْعِ اللهِ وُعُودًا لَنَا هُوَ لا يَنْسَاهَا أَبَدًا. نَحْنُ نَنْسَاهَا لَكِنَّهُ لا يَنْسَى. إِذًا، يَتَغَنَّى هَذَانِ النَّشِيدَانِ بِتَتْمِيمِ ذَلِكَ الْعَهْدِ الَّذِي أَبْرَمَهُ اللهُ مَعَ إِبْراهِيمَ.

ثُمَّ يَتَكَلَّمُ عَنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ: "وَأَنْتَ أَيُّهَا الصَّبِيُّ نَبِيَّ الْعَلِيِّ تُدْعَى، لأَنَّكَ تَتَقَدَّمُ أَمَامَ وَجْهِ الرَّبِّ لِتُعِدَّ طُرُقَهُ. لِتُعْطِيَ شَعْبَهُ مَعْرِفَةَ الْخَلاَصِ بِمَغْفِرَةِ خَطَايَاهُمْ". الآنَ كَوَّنَّا فِكْرَةً حَوْلَ كَيْفِيَّةِ تَتْمِيمِ عَمَلِ الْخَلاصِ. أَيًّا تَكُنِ الأُمُورُ الَّتِي يَنْطَوِي عَلَيْهَا سَيَتَضَمَّنُ غُفْرانًا لِلْخَطايَا، وَإِبْعادَ خَطايَانَا عَنَّا، وَإِبْعادَ مَعَاصِينَا عَنَّا كَبُعْدِ الْمَشْرِقِ عَنِ الْمَغْرِبِ. وَيَتِمُّ ذَلِكَ "بِأَحْشَاءِ رَحْمَةِ إِلَهِنَا الَّتِي بِهَا افْتَقَدَنَا الْمُشْرَقُ مِنَ الْعَلاَءِ". هَذَا لَقَبٌ آخَرُ مِنْ أَلْقَابِ يَسُوعَ: الْمُشْرَقُ مِنَ الْعَلاءِ، النَّجْمُ الَّذِي يُضِيءُ الْفَجْرَ، افْتُقِدْنَا بِالْمَسِيحِ "لِيُضِيءَ عَلَى الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ وَظِلاَلِ الْمَوْتِ، لِكَيْ يَهْدِيَ أَقْدَامَنَا فِي طَرِيقِ السَّلاَم".

أُرِيدُ أَنْ نَتَأَمَّلَ أَيْضًا فِي نَشِيدٍ وَاحِدٍ بَعْدُ قَبْلَ أَنْ نَخْتِمَ الْيَوْمَ، وَهْوَ النَّشِيدُ الْوَجِيزُ الَّذِي أَنْشَدَهُ سِمْعانُ، حِينَ رَأَى سِمْعَانُ يُوسُفَ وَمَرْيَمَ وَقَدْ أَحْضَرَا الطِّفْلَ يَسُوعَ إِلَى الْهَيْكَلِ لِتَكْرِيسِهِ. وَفْقًا لِمَا جَاءَ فِي النَّصِّ، هَذَ الرَّجُلُ الْمَهِيبُ سِمْعَانُ كَانَ الرُّوحُ الْقُدُسُ قَدْ وَعَدَهُ بِأَلَّا يَرَى الْمَوْتَ حَتَّى يَرَى مَسِيحَ الرَّبِّ، وَبِأَلَّا يَرَى الْمَوْتَ حَتَّى يَرَى شَخْصِيًّا الْمَسِيحَ الآتِي. وَنَحْنُ لا نَعْلَمُ كَيْفَ عَاشَ أَيَّامَهُ فِي الْهَيْكَلِ، لَكِنِّي أَظُنُّ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي كُلَّ يَوْمٍ بَحْثًا عَنِ الْمَسِيحِ، لَكِنَّ الْوَعْدَ لَمْ يَتَحَقَّقْ.

مَعَ مُرُورِ الأَيَّامِ وَالأَسَابِيعِ وَالأَشْهُرِ وَالسِّنِينِ، كانَ سِمْعَانُ يَذْهَبُ إِلَى هُنَاكَ كُلَّ يَوْمٍ وَلا يَرَى الْمَسِيحَ. لَكِنَّ اللهَ كَانَ قَدْ وَعَدَهُ بِأَلَّا يَرَى الْمَوْتَ قَبْلَ أَنْ يَرَى مَسِيحَ الرَّبِّ. وَهْوَ كَانَ يْكْبُرُ فِي السِّنِّ وَيَضْعُفُ شَيْئًا فَشَيْئًا. وَفِي النِّهايَةِ، اقْتَادَهُ الرُّوحُ إِلَى الْهَيْكَلِ. وَحِينَ أَحْضَرَ الْوَالِدَانِ الطِّفْلَ يَسُوعَ لِيَصْنَعَا لَهُ حَسَبَ عَادَةِ النَّامُوسِ، أَخَذَهُ عَلَى ذِرَاعَيْهِ، وَرَفَعَ سِمْعَانُ الطِّفْلَ. وَيُمْكِنُكُمْ أَنْ تَتَخَيَّلُوا يُوسُفَ وَمَرْيَمَ يَدْخُلانِ إِلَى الْهَيْكَلِ وَيَرَيانِ سِمْعَانَ، ذَلِكَ الرَّجُلَ الْعَجُوزَ، فَيَأْتِي هَذَا الأَخِيرُ وَيَأْخُذُ طِفْلَهُما مِنْ أَيْدِيهِمَا وَيَبْدَأُ بِالتَّرْنِيمِ بِوَحْيٍ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ الـ"نُونِك دِيمِيتِيس". "الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ. لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ الَّذِي أَعْدَدْتَهُ قُدَّامَ وَجْهِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ، نُورَ إِعْلاَنٍ لِلأُمَمِ وَمَجْدًا لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ". لَقَدْ رَأَى بِأُمِّ عَيْنَيْهِ –كَمَا قِيلَ لَنَا فِي الآيَةِ 25 – مَنْ تَمَّ وَصْفُهُ عَلَى أَنَّهُ تَعْزِيَةُ إِسْرائِيلَ.

كانَ بَنُو إِسْرائِيلَ يَئِنُّونَ بِسَبَبِ الأَلَمِ وَالْحَرْبِ وَالصِّراعِ وَالْعُبُودِيَّةِ، وَلَجَأُوا إِلَى اللهِ طَلَبًا لِلتَّعْزِيَةِ. وَالتَّعْزِيَةُ الَّتِي كَانَ اللهُ قَدْ أَعَدَّهَا لِشَعْبِهِ تَمَثَّلَتْ بِالْمَسِيحِ. وَهَذَا لَقَبٌ آخَرُ مِنْ أَلْقَابِ يَسُوعَ، أَلَا وَهْوَ تَعْزِيَةُ إِسْرائِيلَ. ذَاكَ الَّذِي يَحْمِلُ سَلامًا، ذَاكَ الَّذِي يُعْلِنُ مِنْ خِلالِ خِدْمَتِهِ أَحْشاءَ رَحْمَةِ اللهِ، بِحَيْثُ إنَّ كافَّةَ الآمالِ وَالأَحْلامِ وَالْوُعُودِ الْمُعْطَاةِ لِلأَنْبِياءِ وَمِنْ خِلالِهِمْ تَلْتَقِي فِيهِ، وَهْوَ احْتِفالٌ عَظِيمٌ.

لَكِنْ ثَمَّةَ نَذِيرُ شَرٍّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، لأَنَّهُ أَيْضًا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ كَانَتِ النَّبِيَّةُ حَنَّةُ مَوْجُودَةً. وَبَيْنَمَا كانَ سِمْعَانُ يُبَارِكُ الطِّفْلَ وَيُوسُفَ قِيلَ لِمَرْيَمَ: "هَا إِنَّ هَذَا قَدْ وُضِعَ لِسُقُوطِ وَقِيَامِ كَثِيرِينَ فِي إِسْرَائِيلَ وَلِعَلاَمَةٍ تُقَاوَمُ، وَأَنْتِ أَيْضًا يَجُوزُ فِي نَفْسِكِ سَيْفٌ لِتُعْلَنَ أَفْكَارٌ مِنْ قُلُوبٍ كَثِيرَةٍ". إذًا، مَعَ حَنَّةَ وَسِمْعَانَ مَعًا أُعْطِيَتْ هَذِهِ الرِّسالَةُ الْمُزْدَوِجَةُ، الَّتِي تُفِيدُ بِأَنَّ هَذَا الطِّفْلَ قَدْ وُضِعَ لِسُقُوطِ وَقِيامِ كَثِيرِينَ فِي إِسْرائِيلَ. لَكِنْ قِيلَ لِمَرْيَمَ "يَجُوزُ فِي نَفْسِكِ سَيْفٌ". وَمَكْتُوبٌ أَنَّ مَرْيَمَ رَاحَتْ تَتَأَمَّلُ فِي ذَلِكَ الْكَلامِ. أَنَا وَاثِقٌ مِنْ أَنَّها فِي أَحْيانٍ كَثِيرَةٍ فِي حَيَاتِهَا كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَى ابْنِهَا مُتَسَائِلَةً "مَا الَّذِي قَصَدُوهُ؟ كَيْفَ يُعْقَلُ أَنَّهُ سَيَكُونُ الْفَادِي وَالْمَسِيحَ لَكِنَّ سَيْفًا سَيَجُوزُ فِي نَفْسِي؟"