المحاضرة 6: مَصْدَرُ الْيَقِينِ الْكَامِلِ - خدمات ليجونير
 

المحاضرة 6: مَصْدَرُ الْيَقِينِ الْكَامِلِ

نَصِلُ الْآنَ إِلَى مُحَاضَرَتِنَا الْأَخِيرَةِ مِنْ هَذِهِ السِلْسِلَةِ حَوْلَ التَيَقُّنِ مِنَ الْخَلَاصِ. فِي الْمُحَاضَرَةِ السَابِقَةِ، رَأَيْنَا مَدَى أَهَمِّيَّةِ أَنْ يَكُونَ لَدَيْنَا لَاهُوتٌ سَلِيمٌ بِشَأْنِ الْخَلَاصِ، وَلَاهُوتٌ سَلِيمٌ بِشَأْنِ الِاخْتِيَارِ، لِكَيْ نَبْنِيَ يَقِينَنَا عَلَى أَسَاسِهِ. وَفِي نِهَايَةِ تِلْكَ الْمُحَاضَرَةِ، ذَكَرْتُ أَنَّ أَهَمَّ مَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِرُمَّتِهَا هُوَ فَهْمُ عَمَلِ الرُوحِ فِي دَاخِلِنَا، وَهُوَ مَا نُسَمِّيهِ التَجْدِيدَ أَوِ الْوِلَادَةَ الْجَدِيدَةَ.

فِي اسْتِطْلَاعَاتِ الرَأْيِ الَتِي يُجْرِيهَا دَائِمًا جَالُوبْ (Gallup) وَجُورْجْ بَارْنَا (George Barna) وَغَيْرُهُمَا، يَبْدُو أَنَّ أَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ مِلْيُونَ أَمْرِيكِيٍّ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ مَوْلُودُونَ مِنْ جَدِيدٍ. إِنْ كُنْتَ وَاحِدًا مِنْ هَؤُلَاءِ السِّتِّينَ مِلْيُونَ دَعْنِي أَطْرَحُ عَلَيْكَ سُؤَالًا: "بِرَأْيِكَ، مَا مَعْنَى أَنْ تَكُونَ مَوْلُودًا مِنْ جَدِيدٍ؟" نَحْنُ نَطْرَحُ هَذَا السُؤَالَ عَلَى الْمَسِيحِيِّينَ الْمُعْلِنِينَ لِإِيمَانِهِمْ، فَيُجِيبُ كَثِيرُونَ بَيْنَهُمْ قَائِلِينَ: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ الْمَوْلُودَ مِنْ جَدِيدٍ هُوَ إِنْسَانٌ اتَّخَذَ قَرَارًا عَلَى الطَرِيقَةِ الْإِنْجِيلِيَّةِ"، أَوْ "الْإِنْسَانُ الْمَوْلُودُ مِنْ جَدِيدٍ هُوَ مَنْ رَدَّدَ الصَلَاةَ الْخَلَاصِيَّةَ". لَا، فَمِنَ الْمُمْكِنِ الْقِيَامُ بِإِعْلَانِ الْإِيمَانِ مِنْ دُونِ أَنْ نُولَدَ مِنْ جَدِيدٍ – هَذَا مَا رَأَيْنَاهُ سَابِقًا فِي هَذِهِ الدِرَاسَةِ. قَالَ يَسُوعُ إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَدَّعُونَ أَنَّهُمْ خَاصَّتُهُ، وَسَيَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَهُ، وَسَيُكْرِمُونَهُ بِشِفَاهِهِمْ لَكِنَّ قُلُوبَهُمْ بَعِيدَةٌ عَنْهُ. الْوِلَادَةُ الْجَدِيدَةُ تَعْنِي أَنْ تَكُونَ قَدْ تَغَيَّرْتَ مِنْ خِلَالِ عَمَلِ اللَّهِ الرُوحِ الْقُدُسِ الْفَائِقِ لِلطَبِيعَةِ.

رَأَيْنَا فِي الْأَصْحَاحِ ٢ مِنْ رِسَالَةِ أَفَسُسَ التَنَاقُضَ الْكَبِيرَ بَيْنَ الْحَيَاةِ قَبْلَ أَنْ يُحْيِيَكَ الرُوحُ الْقُدُسُ وَالْحَيَاةِ بَعْدَ أَنْ يُحْيِيَكَ الرُوحُ الْقُدُسُ. فَقَبْلَ التَجْدِيدِ، نَحْنُ نَسْلُكُ بِحَسْبِ دَهْرِ هَذَا الْعَالَمِ، وَبِحَسْبِ رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ، مُتَمِّمِينَ شَهَوَاتِ الْجَسَدِ بِحُكْمِ طَبِيعَتِنَا –هَذِهِ هِيَ حَيَاةُ الْإِنْسَانِ السَاقِطِ الَذِي لَمْ يُولَدْ مِنْ جَدِيدٍ.

إِذًا الْآنَ، عَلَيْنَا أَنْ نَطْرَحَ هَذَا السُؤَالَ: مَا الَذِي يَحْدُثُ؟ مَا هُوَ التَغْيِيرُ الَذِي يَحْدُثُ بِفِعْلِ عَمَلِ الرُوحِ فِي نُفُوسِنَا أَوْ فِي قُلُوبِنَا؟ أَيْضًا، إِنَّ جُزْءًا مِنَ الْجَدَلِ حَوْلَ التَجْدِيدِ يَتَمَحْوَرُ حَوْلَ أَوْجُهِ الِاخْتِلَافِ فِي فَهْمِنَا لِلْخَطِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ. يُؤْمِنُ جَمِيعُ الْمَسِيحِيِّينَ الْمُعْلِنِينَ لِإِيمَانِهِمْ بِأَنَّ السُقُوطَ تَمَّ، وَأَنَّ هُنَاكَ شَيْئًا خَاطِئًا فِي تَكْوِينِ طَبِيعَتِنَا، وَبِأَنَّنَا فِعْلًا خَلِيقَةٌ سَاقِطَةٌ وَفَاسِدَةٌ، لَكِنْ تُوجَدُ اخْتِلَافَاتٌ شَاسِعَةٌ فِي الرَأْيِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِدَرَجَةِ السُقُوطِ وَبِدَرَجَةِ الْفَسَادِ الْأَخْلَاقِيِّ النَاتِجِ مِنَ السُقُوطِ. يُؤْمِنُ بَعْضُ الْمَسِيحِيِّينَ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ سَقَطَ فِعْلًا، لَكِنْ لَا يَزَالُ يُوجَدُ فِي النَفْسِ، عَلَى الرَغْمِ مِنْ فَسَادِهَا مَا أُسَمِّيَهِ ذَرَّةَ بِرٍّ لَمْ تَتَأَثَّرْ بِالسُقُوطِ. وَمِنْ خِلَالِ ذَرَّةِ الْبِرِّ هَذِهِ لَا يَزَالُ الْإِنْسَانُ يَمْلِكُ الْقُوَّةَ عَلَى التَعَاوُنِ مَعَ عَرْضِ اللَّهِ لِلنِعْمَةِ أَوْ الِامْتِنَاعِ عَنْ ذَلِكَ. وَحَتَّى قَبْلَ أَنْ يَتَجَدَّدَ، حَتَّى قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ هَذَا الْإِحْيَاءُ، لَا تَزَالُ تُوجَدُ ذَرَّةُ قُوَّةٍ فِي دَاخِلِهِمْ.

لَكِنِّي لَا أَجِدُ ذَلِكَ فِي أَيِّ مَكَانٍ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ. فَعِنْدَمَا أَقْرَأُ مَا يَقُولُهُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ عَنْ حَالَةِ طَبِيعَتِنَا، فَإِنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ يَسْتَعْمِلُ عِبَارَاتٍ مِثْلَ "نَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطِيَّةِ"، "نَحْنُ مُسْتَعْبَدُونَ لِلْخَطِيَّةِ"، "نَحْنُ أَبْنَاءُ الْغَضَبِ بِحُكْمِ الطَبِيعَةِ"، "نَحْنُ لَا نُرِيدُ اللَّهَ فِي فِكْرِنَا". وَقَدْ فَهِمْنَا ذَلِكَ عَبْرَ التَارِيخِ كَمَا يَلِي: الْإِنْسَانُ غَيْرُ الْمُتَجَدِّدِ مُنْحَرِفٌ أَخْلَاقِيًّا عَنِ اللَّهِ. بِحُكْمِ الطَبِيعَةِ، يَقُولُ لَنَا الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ إِنَّنَا فِي عَدَاوَةٍ. وَالْعَدَاوَةُ وَصْفٌ لِمَوْقِفٍ ِعِدَائِيٍّ فِي الْجَسَدِ الَذِي لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْتِجَ شَيْئًا سِوَى الْخَطِيَّةِ –نَحْنُ فِي عَدَاوَةٍ مَعَ اللَّهِ. هَذَا لَا يَصِفُ أَفْعَالَنَا فَحَسْبُ، بَلْ يَصِفُ أَعْمَقَ تَوَجُّهَاتِ قُلُوبِنَا. وَهَذَا مَا نُسَمِّيهِ فِي اللَاهُوتِ "مُيُولَ النَفْسِ" أَوْ "نَزْعَةَ النَفْسِ". فَقَبْلَ أَنْ نَتَجَدَّدَ، وَقَبْلَ أَنْ نُولَدَ مِنْ جَدِيدٍ، كُنَّا نَنْفِرُ مِنْ أُمُورِ اللَّهِ، وَكُنَّا نَكْرَهُ أُمُورَ اللَّهِ، لَيْسَتْ لَدَيْنَا أَيَّةُ مَحَبَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ لِلْمَسِيحِ، وَلَا نَكُنُّ أَيَّةَ مَحَبَّةٍ لِلَّهِ فِي قُلُوبِنَا.

عَلَى الصَعِيدِ الْعَمَلِيِّ، يَأْتِي النَاسُ إِلَيَّ دَائِمًا وَهُمْ يُصَارِعُونَ بِشَأْنِ مَسْأَلَةِ يَقِينِ الْخَلَاصِ. وَقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ فِي بَرَامِجَ أُخْرَى وَفِي سَلَاسِلَ أُخْرَى لَكِنِّي سَأَذْكُرُهُ مُجَدَّدًا. يَسْأَلُنِي أَحَدُهُمْ: "كَيْفَ أَعْلَمُ أَنِّي مُخَلَّصٌ؟" فَأُجِيبُ عَبْرَ طَرْحِ ثَلَاثَةِ أَسْئِلَةٍ. أَسْأَلُهُ: "أَوَّلًا، هَلْ تُحِبُّ يَسُوعَ مَحَبَّةً كَامِلَةً؟" وَكُلُّ إِنْسَانٍ طَرَحْتُ عَلَيْهِ هَذَا السُؤَالَ يُجِيبُ بِصَرَاحَةٍ: "لَا، لَا أَفْعَلُ". لِذَا، هُوَ لَيْسَ مُتَأَكِّدًا مِنْ حَالَةِ نَفْسِهِ. هُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُوجَدُ قُصُورٌ فِي مَحَبَّتِهِ لِلْمَسِيحِ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَسِيحَ مَحَبَّةً كَامِلَةً فَإِنَّهُ كَانَ لِيُطِيعَهُ طَاعَةً كَامِلَةً. يَقُولُ يَسُوعُ: "مَنْ يُحِبُّنِي، يَحْفَظُ وَصَايَايَ". إِذًا، مَا إِنْ أَكْسِرَ وَاحِدَةً مِنْ وَصَايَاهُ فَهَذِهِ عَلَامَةٌ لِي عَلَى أَنِّي لَا أُحِبُّهُ مَحَبَّةً كَامِلَةً. لِذَا، لَا أَتَفَاجَأُ عِنْدَمَا يَقُولُ لِي مُؤْمِنٌ حَقِيقِيٌّ "لَا، أَنَا لَا أُحِبُّهُ مَحَبَّةً كَامِلَةً"، فَأَقُولُ لَهُ: "هَلْ تُحِبُّهُ بِقَدْرِ مَا يَجِبُ أَنْ تُحِبَّهُ؟" فَيَنْظُرُ إِلَيَّ بِاسْتِغْرَابٍ وَيُجِيبُ "لَا، بِالطَبْعِ لَا". فَإِنْ كَانَ الْجَوَابُ عَنِ السُؤَالِ الْأَوَّلِ سَلْبِيًّا فَلَا بُدَّ لِلْجَوَابِ عَنْ السُؤَالِ الثَانِي مِنْ أَنْ يَكُونَ سَلْبِيًّا، لِأَنَّهُ يُفْتَرَضُ بِنَا أَنْ نُحِبَّهُ مَحَبَّةً كَامِلَةً لَكِنَّنَا لَا نَفْعَلُ. هُنَا يَظْهَرُ الصِرَاعُ الَذِي نَخْتَبِرُهُ بِشَأْنِ خَلَاصِنَا.

وَالْآنَ، دَعُونِي أَتَطَرَّقُ إِلَى السُؤَالِ الثَالِثِ. أَقُولُ لَهُ: "اسْمَعْنِي، هَلْ تَكُنُّ أَيَّةَ مَحَبَّةٍ لِلْمَسِيحِ؟ هَلْ تَكُنُّ لَهُ أَيَّةَ مَحَبَّةٍ؟" قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ عَنْ هَذَا السُؤَالِ، أَنَا أَسْأَلُكَ: "هَلْ تُحِبُّ مَسِيحَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ؟ الْمَسِيحَ الَذِي تَتَقَابَلُ مَعَهُ فِي صَفَحَاتِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ؟" أَنَا أَقُولُ هَذَا لِلسَبَبِ الْآتِي: مُنْذُ سَنَوَاتٍ عِدَّةٍ، عَلَّمْتُ فِي مَعْهَدِ يَانْجْ لَايِفْ (Young Life Institute) فِي مَدِينَةِ كُولُورَادُو سْبْرِينْجْزْ، بِوِلَايَةِ كُولُورَادُو. وَفِي تِلْكَ الْأَيَّامِ، خَدَمْتُ كَثِيرًا مَعَ خِدْمَةِ يَانْجْ لَايِفْ وَلِصَالِحِهَا، وَكُنْتُ أَكُنُّ احْتِرَامًا كَبِيرًا لِلْخِدْمَةِ الْكِرَازِيَّةِ الَتِي تَقُومُ بِهَا هَذِهِ الْهَيْئَةُ. عِنْدَمَا كُنْتُ أُدَرِّبُ خُدَّامًا فِي كُولُورَادُو، قُلْتُ: "دَعُونِي أُحَذِّرُكُمْ مِنْ خَطَرٍ كَبِيرٍ يُحْدِقُ بِهَذِهِ الْخِدْمَةِ. دَعُونِي أَقُولُ أَوَّلًا إِنِّي لَا أَعْرِفُ شَخْصِيًّا أَيَّةَ خِدْمَةٍ لِلْأَوْلَادِ الصِغَارِ فِي الْعَالَمِ أَكْثَرَ فَاعِلِيَّةً فِي التَعَامُلِ مَعَ الْأَوْلَادِ وَالْمُشَارَكَةِ فِي مَشَاكِلِهِمْ، وَالْمُشَارَكَةِ فِي هُمُومِهِمْ، وَفِي خِدْمَةِ الْأَوْلَادِ أَيًّا تَكُنْ حَالُهُمْ، وَمَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ حَمْلِهِمْ عَلَى التَجَاوُبِ". قُلْتُ: "هَذَا أَعْظَمُ مَوْطِنِ قُوَّةٍ فِي هَذِهِ الْمُنَظَّمَةِ، لَكِنَّهُ أَيْضًا أَقْوَى نُقْطَةِ ضَعْفٍ لَدَيْكُمْ". قُلْتُ: "لِأَنَّ خِدْمَةَ يَانْجْ لَايِفْ تَجْعَلُ الْمَسِيحِيَّةَ جَذَّابَةً جِدًّا لِلْأَوْلَادِ، بِحَيْثُ إِنَّهُ يَسْهُلُ عَلَى الْأَوْلَادِ الِاهْتِدَاءُ إِلَى خِدْمَةِ يَانْجْ لَايِفْ مِنْ دُونِ أَنْ يَهْتَدُوا إِلَى الْمَسِيحِ".

لِهَذَا السَبَبِ، حِينَ سَأَلْتُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَكِنُّونَ أَيَّةَ مَحَبَّةٍ لِلْمَسِيحِ أَنَا لَمْ أَسْأَلْكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الْمَسِيحَ بَطَلَ الصِغَارِ، أَوْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الْمَسِيحَ الَذِي هُوَ رَمْزٌ لِلَاهُوتِ التَحْرِيرِ أَوْ الْمُعَلِّمَ الْأَخْلَاقِيَّ لِلِّيبْرَالِيِّينَ. أَنَا أَسْأَلُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الْمَسِيحَ الَذِي يَظْهَرُ فِي صَفَحَاتِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ. وَإِنْ سَأَلْتُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ أَوْلَادَكُمْ فَسَتَعْلَمُونَ إِنْ كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ أَوْ لَا تَفْعَلُونَ، فَأَنَا أَسْأَلُكُمْ عَنْ أَمْرٍ مُتَعَلِّقٍ بِمَشَاعِرِكُمْ، أَنَا أَسْأَلُكُمْ عَنْ مُيُولِكُمْ، أَنَا أَسْأَلُكُمْ عَنْ نَزْعَتِكُمْ، أَنَا أَسْأَلُكُمْ عَنْ مُيُولِ قُلُوبِكُمْ. وَالْأَمْرُ سِيَّانِ إِنْ سَأَلْتُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَكُنُّونَ أَيَّةَ مَحَبَّةٍ لِلْمَسِيحِ؟

إِنْ أَجَبْتُمْ "نَعَمْ" عَنْ هَذَا السُؤَالِ، فَهُنَا يَأْتِي دَوْرُ اللَاهُوتِ. أَنَا أَقُولُ: "هَلْ يُمْكِنُ لِإِنْسَانٍ غَيْرِ مُتَجَدِّدٍ أَنْ يَكُنَّ أَيَّةَ مَحَبَّةٍ صَادِقَةٍ لِلْمَسِيحِ؟" جَوَابِي هُوَ "لَا". فَهَذِهِ الْمَحَبَّةُ لِلْمَسِيحِ نَاتِجَةٌ عَنْ عَمَلِ الرُوحِ، لِأَنَّ هَذَا مَا يَفْعَلُهُ الرُوحُ عِنْدَمَا يُحْيِينَا، هَذَا هُوَ جَوْهَرُ التَجْدِيدِ، اللَّهُ الرُوحُ الْقُدُسُ يُغَيِّرُ مُيُولَ نَفْسِكَ، وَيُغَيِّرُ اتِّجَاهَ قَلْبِكَ وَنَزَعْتَهُ بِحَيْثُ إِنَّكَ بَعْدَ أَنْ كُنْتَ سَابِقًا بَارِدًا تُجَاهَ أُمُورِ اللَّهِ وَعِدَائِيًّا لَهَا وَغَيْرَ مُبَالٍ –وَهَذَا أَسْوَأُ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِدَائِيَّةِ– وَلَمْ تَكُنْ لَدَيْكَ أَيَّةُ مَحَبَّةٍ صَادِقَةٍ لِأُمُورِ اللَّهِ لِأَنَّكَ كُنْتَ فِي الْجَسَدِ، وَالْجَسَدُ لَا يُحِبُّ أُمُورَ اللَّهِ. فَمَحَبَّةُ اللَّهِ تَتَّقِدُ مِنْ خِلَالِ قُوَّةِ الرُوحِ الْقُدُسِ الْمُجَدِّدَةِ الَتِي تَسْكُبُ مَحَبَّةَ اللَّهِ فِي قَلْبِكَ بِفَيْضٍ. إِذًا، إِنِ اسْتَطَعْتُ أَنْ أَقُولَ إِنِّي أَكُنُّ مَحَبَّةً لِلْمَسِيحِ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنِّي أُدْرِكُ أَنِّي لَا أُحِبُّهُ كَمَا يَنْبَغِي وَأَنِّي لَا أُحِبُّهُ مَحَبَّةً كَامِلَةً، إِنْ كُنْتُ أَكُنُّ لَهُ أَيَّةَ مَحَبَّةٍ كَانَتْ فَهَذَا يُؤَكِّدُ لِي أَنَّ الرُوحَ قَامَ بِهَذَا الْعَمَلِ الْمُغَيِّرِ فِي نَفْسِي، لِأَنِّي لَا أَمْلِكُ فِي جَسَدِي أَيَّةَ قُوَّةٍ لِأَكُنَّ أَيَّةَ مَحَبَّةٍ صَادِقَةٍ لِيَسَوعَ الْمَسِيحِ.

ثَمَّةَ نَظَرِيَّاتٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالتَجْدِيدِ لَا تُعْطِيكَ هَذَا النَوْعَ مِنَ الْيَقِينِ. إِحْدَى نَظَرَاتِ التَجْدِيدِ الْأَكْثَرِ شَعْبِيَّةً فِي الْعَالَمِ الْإِنْجِيلِيِّ كُلِّهِ الْيَوْمَ هِيَ تِلْكَ النَظْرَةُ الَتِي تَقُولُ إِنَّ مَا يَحْدُثُ أَثْنَاءَ التَجْدِيدِ هُوَ بِبَسَاطَةٍ أَنَّ الرُوحَ الْقُدُسَ يَأْتِي إِلَى حَيَاتِكَ وَيَسْكُنُ فِيكَ. لَكِنْ حَتَّى بَعْدَ ذَلِكَ، بَعْدَ التَجْدِيدِ، عَلَيْكَ أَنْ تَتَجَاوَبَ مَعَ الرُوحِ الْقُدُسِ، عَلَيْكَ أَنْ تَتَعَاوَنَ مَعَ الرُوحِ الْقُدُسِ، عَلَيْكَ أَنْ تَسْأَلَهُ أَنْ يَمْلَأَكَ وَأَنْ تُسَلِّمَهُ حَيَاتَكَ، لِأَنَّهُ مِنَ الْمُمْكِنِ لَكَ أَنْ تَكُونَ مُتَجَدِّدًا، وَأَنْ يَسْكُنَ الرُوحُ الْقُدُسُ فِيكَ، وَأَنْ تَكُونَ مُؤْمِنًا، لَكِنْ قَدْ تَكُونُ مُؤْمِنًا جَسَدِيًّا لَا يَأْتِي أَبَدًا بِأَيِّ ثَمَرِ طَاعَةٍ. وَمِنْ مِنْظَارِي اللَاهُوتِيِّ، نَحْنُ نَقُولُ إِنَّهُ إِنْ كَانَ هَذَا وَصْفٌ لِلْمُؤْمِنِ الْجَسَدِيِّ، عِنْدَمَا يَتَكَلَّمُ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ عَنْ كَوْنِ الْإِنْسَانِ جَسَدِيًّا فَهَذَا يَعْنِي أَنَّنَا نَبْدَأُ جَسَدَيِّينِ تَمَامًا، وَنَكُونُ فِي الْجَسَدِ. وَحِينَ يُغَيِّرُ اللَّهُ الرُوحُ الْقُدُسُ مُيُولَ قُلُوبِنَا فَهُوَ لَا يُبْطِلُ الْجَسَدَ، فَالْبُعْدُ الْجَسَدِيُّ يَظَلُّ يُحَارِبُنَا. الْجَسَدُ يُصَارِعُ ضِدَّ الرُوحِ طِيلَةَ حَيَاتِنَا. وَفِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، نَكُونُ جَسَدِيِّينَ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا –لَا جَدَلَ فِي هَذَا الشَأْنِ. لَكِنْ إِنْ كُنْتَ تَقْصِدُ بِالْمُؤْمِنِ الْجَسَدِيِّ الشَخْصَ الَذِي لَا يَتَغَيَّرُ فِي مَحْضَرِ الرُوحِ الْقُدُسِ فَأَنْتَ لَا تَتَكَلَّمُ عَنْ مُؤْمِنٍ، أَنْتَ تَتَكَلَّمُ عَنْ إِنْسَانٍ غَيْرِ مُتَجَدِّدٍ. أَنَا أَرْفُضُ نَظَرِيَّةَ التَجْدِيدِ هَذِهِ فِي الْحَالِ، لِأَنَّهَا لَا تَتَضَمَّنُ تَجْدِيدًا. لِأَنَّهُ عَلَى الرَغْمِ مِنْ دُخُولِ الرُوحِ الْقُدُسِ إِلَى حَيَاةِ الْمَرْءِ، إِنَّهُ لَا يَقُومُ بِعَمَلِ النِعْمَةِ الْفَائِقِ لِلطَبِيعَةِ الَذِي يُغَيِّرُ مُيُولَ النَفْسِ، أَيْ أَنَّ نَفْسَ الْإِنْسَانِ تَبْقَى بِالْحَالَةِ الَتِي كَانَتْ عَلَيْهَا قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ هَذَا الْأَمْرُ. لِذَا مِنَ الْمُهِمِّ أَنْ نُدْرِكَ أَنَّ التَجْدِيدَ أَمْرٌ يَقُومُ بِهِ الرُوحُ الْقُدُسُ، وَهُوَ يُجَدِّدُكَ حَقًّا وَفِعْلِيًّا، إِنَّهُ يُغَيِّرُ مُيُولَ قَلْبِكَ، وَيُغَيِّرُ مُيُولَ نَفْسِكَ. وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ مُتَجَدِّدًا فِعْلًا وَكَانَ يُظْهِرُ إِيمَانَهُ، فَمِنَ الْمُسْتَحِيلِ لِهَذَا الْإِنْسَانِ أَلَّا يَأْتِيَ بِثَمَرٍ وَأَلَّا يَسْلُكَ بِنَوْعٍ مِنَ الطَاعَةِ.

رَأَيْنَا أَنَّ التَجْدِيدَ عَمَلُ الرُوحِ الْقُدُسِ، تَتَغَيَّرُ مُيُولُ النَفْسِ مِنْ خِلَالِهِ. لَكِنَّ الرُوحَ الْقُدُسَ لَا يُغَيِّرُنَا فَحَسْبُ فِي إِطَارِ عَمَلِ التَجْدِيدِ هَذَا، بَلْ إِنَّهُ يَفْعَلُ أَيْضًا أُمُورًا أُخْرَى مُهِمَّةً لِيَقِينِنَا، دَعُونِي أَنْظُرُ إِلَى الْبَعْضِ مِنْهَا. فَلْنَأْخُذْ رِسَالَةَ كُورْنِثُوسَ الثَانِيَةَ، الْأَصْحَاحَ ٥ وَالْآيَةَ ٥، دَعُونِي أَرْجِعُ قَلِيلًا إِلَى الْوَرَاءِ، إِلَى بِدَايَةِ هَذَا الْأَصْحَاحِ:

لأَنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ نُقِضَ بَيْتُ خَيْمَتِنَا الْأَرْضِيُّ، فَلَنَا فِي السَّمَاوَاتِ بِنَاءٌ مِنَ اللهِ، بَيْتٌ غَيْرُ مَصْنُوعٍ بِيَدٍ، أَبَدِيٌّ. فَإِنَّنَا فِي هَذِهِ أَيْضًا نَئِنُّ مُشْتَاقِينَ إِلَى أَنْ نَلْبَسَ فَوْقَهَا مَسْكَنَنَا الَّذِي مِنَ السَّمَاءِ. وَإِنْ كُنَّا لَابِسِينَ لَا نُوجَدُ عُرَاةً. فَإِنَّنَا نَحْنُ الَّذِينَ فِي الْخَيْمَةِ نَئِنُّ مُثْقَلِينَ، إِذْ لَسْنَا نُرِيدُ أَنْ نَخْلَعَهَا بَلْ أَنْ نَلْبَسَ فَوْقَهَا، لِكَيْ يُبْتَلَعَ الْمَائِتُ مِنَ الْحَيَاةِ.

وَالآنَ اسْمَعُوا هَذَا جَيِّدًا: "وَلَكِنَّ الَّذِي صَنَعَنَا لِهَذَا عَيْنِهِ هُوَ اللهُ، الَّذِي أَعْطَانَا أَيْضًا عَرْبُونَ الرُّوحِ".

فِي تَرْجَمَاتٍ أُخْرَى لِلْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ لَا يَتَكَلَّمُ الْكِتَابُ عَنْ عَرْبُونِ الرُوحِ فَحَسْبُ، بَلْ عَمَّا يُعْرَفُ بِضَمَانَةِ الرُوحِ. تَأْتِي هَذِهِ الْكَلِمَةُ مِنَ الْعَالَمِ التِّجَارِيِّ لَدَى الْيُونَانِيِّينَ الْقُدَامَى. وَالْيَوْمَ لَا تُسْمَعُ هَذِهِ الْكَلِمَةُ إِلَّا فِي إِطَارِ الْعَمَلِ الْعَقَارِيِّ. إِنْ كُنْتَ مُهْتَمًّا بِشِرَاءِ مَنْزِلٍ وَأَرَدْتَ التَوْقِيعَ عَلَى الْعَقْدِ الْأَوَّلِيِّ، لِكَيْ يَتَرَاجَعَ الْمَالِكُ عَنْ عَرْضِ الْمَنْزِلِ لِلْبَيْعِ فَهُوَ يَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ تُعْطِيَهُ مَا يُسَمِّيهِ الْبَعْضُ مُقَدَّمَ ثَمَنِ الْمَنْزِلِ، أَوْ مَا يُسَمِّيهِ آخَرُونَ عَرْبُونَ. لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ التَعَامُلَ مَعَ أَشْخَاصٍ يَتَلَاعَبُونَ بِشَأْنِ شِرَاءِ الْمَنْزِلِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ أَشْخَاصًا جَادِّينَ فِي الْأَمْرِ، إِنَّهُ يُرِيدُ أَشْخَاصًا جَادِّينَ. وَالْفِكْرَةُ الَتِي يَتَضَمَّنُهَا الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ هِيَ أَنَّهُ حِينَ يُجَدِّدُنَا الرُوحُ فَهُوَ لَا يُغَيِّرُ مُيُولَ قُلُوبِنَا وَنُفُوسِنَا فَحَسْبُ، وَإِنَّمَا هُوَ يُعْطِينَا الْعَرْبُونَ أَوْ الضَمَانَةَ لِلدُفْعَةِ الْأَخِيرَةِ وَالْكَامِلَةِ.

عِنْدَمَا أَشْتَرِي شَيْئًا مَا، يَجِبُ أَنْ أُعْطِيَ دَفْعَةً أُولَى. نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ ثَمَّةَ أَشْخَاصًا يُوَقِّعُونَ عُقُودًا كُلَّ يَوْمٍ وَيُعْطُونَ دُفْعَةً أُولَى، وَبَعْدَ أَنْ يُسَدِّدُوا بِضْعَ دُفُعَاتٍ يَتَقَاعَصُونَ عَنْ دَفْعِ الْأَقْسَاطِ. وَقَدْ يَتِمُّ الْحَجْزُ عَلَى مَنْزِلِهِمْ، أَوْ سَحْبُ سَيَّارَتِهِمْ مِنْهُمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْفَظُوا شُرُوطَ الْعَقْدِ. مِنْ خِلَالِ الدُفْعَةِ الْأُولَى، يَعِدُ الْمَرْءُ بِتَسْدِيدِ الْمَبْلَغِ كَامِلًا، لَكِنَّنَا لَا نَفْعَلُ ذَلِكَ دَائِمًا. لَكِنْ عِنْدَمَا يُعْطِي اللَّهُ دُفْعَةً أَوْلَى لِشِرَاءِ شَيْءٍ مَا، فَإِنَّ هَذِهِ الدُفْعَةَ الْأُولَى هِيَ كَلِمَتُهُ. إِنَّهَا وَعْدُهُ بِأَنْ يُسَدِّدَ الْمَبْلَغَ كَامِلًا. وَهَذِهِ هِيَ اللُغَةُ الَتِي يَسْتَعْمِلُهَا بُولُسُ فِي الْعَهْدِ الْجَدِيدِ حِينَ يَقُولُ: "عِنْدَمَا نُولَدُ مِنَ الرُوحِ، فَإِنَّ الرُوحَ لَا يُغَيِّرُ قُلُوبَنَا وَنُفُوسَنَا وَإِرَادَتَنَا وَكُلَّ شَيْءٍ فَحَسْبُ، بَلْ إِنَّهُ يُعْطِي أَيْضًا عَهْدًا وَعَرَبُونًا بِتَتْمِيمِ مِلْءِ خَلَاصِنَا". هَذَا مَا يَفْعَلُهُ الْأَشْخَاصُ الَذِينَ يَقُولُونَ: "يُمْكِنُنِي أَنْ أَخْلُصَ الْيَوْمَ، وَأَنْ أَخْسَرَ خَلَاصِي غَدًا"، إِنَّهُمْ يَتَجَاهَلُونَ وَعْدَ اللَّهِ بِأَنْ يُتَمِّمَ مَا قَدْ بَدَأَهُ. إِنَّهُ يَدْفَعُ دُفْعَةً أُولَى، عِنْدَئِذٍ يُمْكِنُكَ أَنْ تَطْمَئِنَّ لِأَنَّكَ تَضْمَنُ أَنَّهُ سَيُسَدِّدُ الدُفُعَاتِ الْمُتَبَقِّيَةَ –هَذَا هُوَ أَسَاسُ يَقِينِنَا. أَيْضًا هَذَا هُوَ عَمَلُ اللَّهِ الرُوحِ الْقُدُسِ.

فَلْنَأْخُذْ مَثَلًا آخَرَ عَنِ الْأَمْرِ. فِي رِسَالَةِ كُورْنِثُوسَ الثَانِيَةِ وَالْأَصْحَاحِ ١، ابْتِدَاءً مِنَ الْآيَةِ ١٥:

وَبِهذِهِ الثِّقَةِ كُنْتُ أَشَاءُ أَنْ آتِيَ إِلَيْكُمْ أَوَّلًا، لِتَكُونَ لَكُمْ نِعْمَةٌ ثَانِيَةٌ. وَأَنْ أَمُرَّ بِكُمْ إِلَى مَكِدُونِيَّةَ، وَآتِيَ أَيْضًا مِنْ مَكِدُونِيَّةَ إِلَيْكُمْ، وَأُشَيَّعَ مِنْكُمْ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ. فَإِذْ أَنَا عَازِمٌ عَلَى هَذَا، أَلَعَلِّي اسْتَعْمَلْتُ الْخِفَّةَ؟ أَمْ أَعْزِمُ عَلَى مَا أَعْزِمُ بِحَسَبِ الْجَسَدِ، كَيْ يَكُونَ عِنْدِي نَعَمْ نَعَمْ وَلاَ لاَ؟ لَكِنْ أَمِينٌ هُوَ اللهُ إِنَّ كَلاَمَنَا لَكُمْ لَمْ يَكُنْ نَعَمْ وَلاَ. لأَنَّ ابْنَ اللهِ يَسُوعَ الْمَسِيحَ، الَّذِي كُرِزَ بِهِ بَيْنَكُمْ بِوَاسِطَتِنَا، أَنَا وَسِلْوَانُسَ وَتِيمُوثَاوُسَ، لَمْ يَكُنْ نَعَمْ وَلاَ [وَلَمْ يَكُنْ رُبَّمَا نَعَمْ وَرُبَّمَا لا] بَلْ قَدْ كَانَ فِيهِ نَعَمْ. لِأَنْ مَهْمَا كَانَتْ مَوَاعِيدُ اللهِ فَهُوَ فِيهِ "النَّعَمْ" وَفِيهِ "الْآمِينُ"، لِمَجْدِ اللهِ، بِوَاسِطَتِنَا.

كُلُّ وُعُودِ اللَّهِ لَنَا فِيهَا النَعَمْ وَالْآمِينُ. اللَّهُ لَا يَتَرَدَّدُ فِي وُعُودِهِ، اللَّهُ لَا يَقُولُ "نَعَمْ وَلَا" أَوْ "رُبَّمَا". فَالرَسُولُ بُولُسُ يَقُولُ هُنَا إِنَّ كُلَّ وُعُودِ اللَّهِ ثَابِتَةٌ بِفِعْلِ التَأْكِيدِ الْإِلَهِيِّ مِنْ خِلَالِ الْوَعْدِ الْإِلَهِيِّ: "نَعَمْ يُمْكِنُكَ أَخْذُ ذَلِكَ إِلَى الْبَنْكِ". ثُمَّ يُتَابِعُ قَائِلًا: "وَلَكِنَّ الَّذِي يُثَبِّتُنَا مَعَكُمْ فِي الْمَسِيحِ، وَقَدْ مَسَحَنَا، هُوَ اللَّهُ" –اسْمَعُوا الْآنَ– "الَّذِي خَتَمَنَا أَيْضًا، وَأَعْطَى عَرْبُونَ الرُّوحِ فِي قُلُوبِنَا". هَا هِيَ مُجَدَّدًا. لَيْسَ لَدَيْنَا عَرْبُونُ الرُوحِ فَحَسْبُ، وَإِنَّمَا يَقُولُ لَنَا بُولُسُ أَيْضًا، وَيُكَرِّرُ هَذِهِ الْفِكْرَةَ لَاحِقًا فِي رِسَالَةِ أَفَسُسَ، إِنَّنَا خُتِمْنَا بِالرُوحِ الْقُدُسِ (الْكَلِمَةُ الْيُونَانِيَّةُ هِيَ "فْرَاجِيسْ" phragis)، الَتِي تَعْنِي خَتْمَ الرُوحِ الْقُدُسِ.

شَاهَدْتُمُ الْأَفْلَامَ فِي الْعُصُورِ الْوُسْطَى وَأَفْلَامَ الْحُكُومَاتِ الْمَلَكِيَّةِ عِنْدَمَا يَصْدُرُ مَرْسُومٌ عَنِ الْمَلِكِ، فَهُوَ يَخْرُجُ وَيَتِمُّ نَشْرُهُ فِي الْقَرْيَةِ، وَفِي أَسْفَلِ الْإِعْلَانِ يُوجَدُ خَتْمٌ مُشَمَّعٌ مُضَافٌ إِلَى الْإِعْلَانِ، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ تَوْقِيعَ الْمَلِكِ، وَقَدْ وَقَّعَ الْمَلِكُ بِخَاتَمِهِ الْمَنْقُوشِ. لَدَى الْمَلِكِ خَاتَمٌ حُفِرَ فِي دَاخِلِهِ شَكْلٌ مُعَيَّنٌ، هُوَ عَلَامَةُ تَوْقِيعِهِ. إِذًا، إِنْ كَانَتْ وَثِيقَةٌ مَا أَوْ إِعْلَانٌ مَا أَوْ مَرْسُومٌ مَا يَحْمِلُ خَتْمًا مُشَمَّعًا مِنْ خَاتَمِ الْمَلِكِ الْمَنْقُوشِ، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ هَذَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى صِحَّةِ الْمَرْسُومِ. وَمَلِكُ الْكَوْنِ قَدْ وَضَعَ عَلَامَتَهُ الَتِي لَا تُمْحَى عَلَى نَفْسِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَبْنَاءِ شَعْبِهِ، وَهُوَ لَا يُعْطِينَا الْعَرْبُونَ فَحَسْبُ، وَلَا التَغْيِيرَ فِي مُيُولِ قُلُوبِنَا فَحَسْبُ، وَإِنَّمَا هُوَ يَخْتِمُنَا لِيَوْمِ الْفِدَاءِ.

أَخِيرًا، فِي الْأَصْحَاحِ ٨ مِنْ رِسَالَةِ رُومِيَةَ نَقْرَأُ الْكَلِمَاتِ الْمُشَجِّعَةَ، فِي الْآيَةِ ٩ حَيْثُ كَتَبَ بُولُسُ:

وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَسْتُمْ فِي الْجَسَدِ بَلْ فِي الرُّوحِ، إِنْ كَانَ رُوحُ اللهِ سَاكِنًا فِيكُمْ. وَلكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ الْمَسِيحِ، فَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ. وَإِنْ كَانَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ، فَالْجَسَدُ مَيِّتٌ بِسَبَبِ الْخَطِيَّةِ، وَأَمَّا الرُّوحُ فَحَيَاةٌ بِسَبَبِ الْبِرِّ. وَإِنْ كَانَ رُوحُ الَّذِي أَقَامَ يَسُوعَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَاكِنًا فِيكُمْ، فَالَّذِي أَقَامَ الْمَسِيحَ مِنَ الأَمْوَاتِ سَيُحْيِي أَجْسَادَكُمُ الْمَائِتَةَ أَيْضًا بِرُوحِهِ السَّاكِنِ فِيكُمْ. فَإِذًا أَيُّهَا الْإِخْوَةُ نَحْنُ مَدْيُونُونَ لَيْسَ لِلْجَسَدِ لِنَعِيشَ حَسَبَ الْجَسَدِ. لِأَنَّهُ إِنْ عِشْتُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَسَتَمُوتُونَ، وَلَكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِالرُّوحِ تُمِيتُونَ أَعْمَالَ الْجَسَدِ فَسَتَحْيَوْنَ.

اسْمَعُوا مَا يَقُولُهُ هُنَا:

لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولَئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ. إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: "يَا أَبَا الآبُ". الرُّوحُ نَفْسُهُ أَيْضًا يَشْهَدُ لِأَرْوَاحِنَا أَنَّنَا أَوْلَادُ اللهِ. فَإِنْ كُنَّا أَوْلَادًا فَإِنَّنَا وَرَثَةٌ أَيْضًا، وَرَثَةُ اللهِ وَوَارِثُونَ مَعَ الْمَسِيحِ. إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ.

مَا نَسْعَى إِلَى مَعْرِفَتِهِ مِنْ خِلَالِ دِرَاسَةِ حَيَاتِنَا وَقُلُوبِنَا وَثَمَرِ الرُوحِ، وَمُرَاقَبَةِ التَغْيِيرِ فِي حَيَاتِنَا، تِلْكَ الْأُمُورِ الَتِي نُحَاوِلُ أَنْ نَكُونَ مِنْ خِلَالِهَا صَادِقِينَ فِي تَقْيِيمِنَا لِمَا يَجْرِي فِي دَاخِلِنَا وَمِنْ خِلَالِنَا، فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ، أَسَاسُ يَقِينِنَا يَأْتِي مِنْ شَهَادَةِ اللَّهِ الرُوحِ الْقُدُسِ فِي دَاخِلِنَا، حَيْثُ إِنَّ عَطِيَّةَ النِعْمَةِ الَتِي مِنَ الرُوحِ هِيَ أَنَّ الرُوحَ الْقُدُسَ يَشْهَدُ لِأَرْوَاحِنَا فِي دَاخِلِنَا بِأَنَّنَا أَوْلَادُ اللَّهِ.

أَخِيرًا، كَيْفَ نَعْلَمُ أَنَّ شَهَادَةَ الرُوحِ لِأَرْوَاحِنَا هِيَ مِنَ الرُوحِ الْقُدُسِ وَلَيْسَتْ مِنْ رُوحٍ شِرِّيرٍ؟ كَيْفَ يُؤَكِّدُ الرُوحُ الْقُدُسُ لِقُلُوبِنَا أَنَّنَا أَوْلَادُ اللَّهِ؟ الرُوحُ الْقُدُسُ يَشْهَدُ لِأَرْوَاحِنَا مِنْ خِلَالِ الْكَلِمَةِ. وَكُلَّمَا ابْتَعَدْتُمْ عَنِ الْكَلِمَةِ ضَعُفَ الْيَقِينُ فِي حَيَاتِكُمْ، وَكُلَّمَا ثَبَتُّمْ فِي الْكَلِمَةِ، وَقَرَأْتُمْ كَلِمَةَ اللَّهِ، فَإِنَّ الرُوحَ الَذِي أَوْحَى بِالْكَلِمَةِ، الرُوحَ الَذِي يُضِيءُ لَكُمُ الْكَلِمَةَ يَسْتَخْدِمُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ لِيُؤَكِّدَ لَكُمْ فِي نُفُوسِكُمْ أَنَّكُمْ لَهُ وَأَنَّكُمْ حَقًّا أَوْلَادُ اللَّهِ.