المحاضرة 6: يسوع وكلمة الله

 في المحاضرة السابقة المخصصة لدراسة سلطان الكتاب المقدس أشرت إلى المؤتمر التاريخي الذي عُقد في العام 1978، حيث التقت مجموعة من العلماء الدوليين في اجتماع قمة لتعريف العبارة الكلاسيكية "خلو الكتاب المقدس من الخطأ". قبل سنوات من ذلك الحدث، قامت خدمة "ليجونير" برعاية مؤتمر أصغر حول الموضوع نفسه في بنسلفانيا الغربية، حيث اجتمع ستة أو سبعة علماء من جميع أنحاء العالم لمعالجة المسألة نفسها المتعلّقة بسلطان الكتاب المقدس، وخلوّه من الخطأ. وأؤكد لكم عدم وجود تواطؤ بين العلماء المشاركين والوثائق التي تمّت قراءتها في ذلك الحدث، أصبحت نواة كتاب نشرته لاحقًا خدمة Bethany Fellowship، وعنوانه "كلمة الله الخالية من الخطأ". وقام بتنقيحه العالم اللوثري "جون وارويك مونتغومري". لكن ما فتنني في ذلك الحدث هو قدوم هؤلاء العلماء من شتى أنحاء الأمة، ومن أوروبا إلى ذلك الحدث لمناقشة مسألة خلوّ الكتاب المقدس من الخطأ، من دون أن يدور بينهم أي حديث مسبق جاء كل واحد منهم إلى ذلك المنتدى للتشديد على أنه في نهاية المطاف مسألة سلطان الكتاب المقدس هي مسألة كريستولوجيا. ربما تتساءلون كيف يمكن أن يكون ذلك؟ لكن المسألة لا تتعلق في نهاية المطاف بأن نضع ثقتنا في الكتاب المقدس، بل بنوع الثقة التي لدينا في مصداقية المسيح وسلطانه.

ثمة قصة أحب إخبارها، وربما سمعها البعض منكم في محاضرات أخرى، وهو اختبار مؤثر مررت به منذ بضع سنوات في فيلادلفيا، كنت أتكلّم عن موضوع سلطان الكتاب المقدس في كنيسة كبيرة في وسط مدينة فيلادلفيا، وفي نهاية ذلك الحدث سُرِرت وصُدمت برؤية زميل دراسة مقرب جدًا يتقدم مسرعًا في الممر ليسلّم عليّ بعد الاجتماع، ولم أكن قد رأيت ذلك الشاب منذ أكثر من عشرين سنة. في الواقع، حين كنّا في الكلية، كنا نسكن في بيت واحد، وكل مساء، كنا نلتقي لمدة ساعة نخصّص نصفها لدراسة الكتاب المقدس، والنصف الآخر للصلاة. إذًا، كنا مقرّبين جدًا، وكان متقدمًا عليّ بسنة في الدراسة، وتخرّج قبلي. وبعد الجامعة ذهبتُ إلى كلية اللاهوت، وهو اتجه بعد الكلية إلى حقل الخدمة كمرسل على مدى ثلاث سنوات.

وبعد أن أكمل هذه السنوات الثلاث ذهب إلى كلية لاهوت أخرى، وأنا اتجهت إلى أوروبا ولم أعد أعرف عنه شيئًا، ولم أرَه طوال تلك السنوات. سررت جدًا برؤية صديقي فتركت كل شيء وقلت له "فلنخرج لتناول العشاء ولنمض وقتًا ممتعًا سويًا. هل تزوجت؟ ألديك أولاد؟" إلى آخره. فخرجنا إلى المطعم وعندما جلسنا كان متوتّرًا بعض الشيء، وقال لي: "آر سي، قبل أن نتكلم عن أي أمر، ثمة أمر أود إطلاعك عليه"، فقلت: "وما هو؟"، فقال "سمعت عظتك اليوم التي أكّدت فيها مجددًا على ثقتك بعصمة الكتاب المقدس من الخطأ. لكني أريد إخبارك بأني لم أعد أؤمن بذلك". وأضاف "بعد التعرف على ديانات أخرى وثقافات أجنبيّة، ومن ثم العودة، والانضمام إلى الاتحاد اللاهوتي في نيويورك والغوص في دراسات انتقادية تشكيكية للكتاب المقدس، لم أعد متمسّكًا بالعقيدة القديمة، عقيدة خلوّ الكتاب المقدس من الخطأ". فقلت له "وهل من أمر لا تزال تؤمن به؟" فابتسم قائلًا "نعم، ما زلت أؤمن بأن يسوع هو مخلّصي وربي". فسررت طبعًا بسماع ذلك، لكني قلت له "تقول إنه ربّك، لكن كيف يمارس ربوبيته على حياتك؟" فقال: "ما الذي تقصده؟"، فقلت: "الرب هو من يصدر الأوامر، كيف يقود المسيح حياتك ويوجهها؟ إن لم يكن من خلال الكتاب المقدس، فكيف تسمع أوامر ربّك؟". ففكّر لبعض الوقت وقال "أنا أسمع كلمة الله، وأسمع ما تقوله"، فقال: "أسمع ذلك في تعليم الكنيسة" فقلت: "الكنيسة؟ وأي كنيسة؟ أهي الكنيسة الميتثودية أم المشيخية أم الأسقفية؟"، فقال: "لا، إنها الكنيسة المشيخية"، فقلت "وأي كنيسة مشيخية؟ أتلك التي في سانت لويس أم في بوستون أم في بتسبرغ؟"، فأجاب "لا، إنها الجمعية العمومية للكنيسة المشيخية"، فقلت "وأي جمعية عمومية للكنيسة المشيخية؟ أتلك التي صوّتت على مسألة معينة العام الماضي، وغيّرت رأيها تمامًا هذا العام أيّ منها كان بحسب فكر الله؟"، فقال "أظن أن لديّ مشكلة" فقلت "أجل، لديك رب يفتقر إلى وسيلة للتعبير عن ربوبيته". وقلت: "والمسألة التالية هي: ما هو فكر الله من الكتاب المقدس؟ إن جاء يسوع إلى هذا المكان الليلة، وقلنا له: "يا يسوع، تعرّضنا لشتى أنواع النظريات الانتقادية بشأن أصل الكتاب المقدس وتطوره ومصداقيته، ودخلنا في نزاعات لا تنتهي حول العصمة والخلو من الخطأ والوحي وغيرها من الأمور، هلّا تخبرنا من فضلك إن كان الكتاب المقدس هو كلمة الله؟ هل هو خالٍ من الخطأ أم لا؟"

إن دخل يسوع إلى هذا المكان الليلة، أيها الأحباء، وقال لكم "أيها الأصدقاء، الكتاب المقدس كتاب تاريخيّ مفيد، لكنه حتمًا ليس خاليًا من الخطأ، هذه مجرد نظرة مبالغ بها يعتمدها الأشخاص التقليديون". كنت لأتخلّى عن عقيدة الخلو من الخطأ على الفور إن جاء يسوع إلى هذا المكان وقال لي إن الأمر ليس كذلك. لكن لنفرض أنك لم تكن متأكدًا، أو لنفرض أنك اعتبرت أنه لم يكن وثيقة خالية من الخطأ بمخطوطاتها الأصلية – وبالطبع، لا أحد يدافع عن خلو الترجمات من الخطأ، وأرجو أن نفهم ذلك، وإنما نحن نقصد النسخ الأصلية – ولم تكن متأكدًا أو راودك الشك وجاء يسوع إلى هذا المكان وقال لك "اسمع هذا الكتاب موحى به من الله الروح القدس، إنه كلمة أبي، وأبي لا يخطئ أبدًا. إنه معصوم من الخطأ وخالٍ من الخطأ بكل ما في الكلمة من معنى". هل تقتنع؟ هل تُحسَم المسألة بالنسبة إليك؟ إن لم يكن عليك الإصغاء إلى "سبرول" أو إلى لاهوتيّ آخر أو إلى بيان مجمعي صادر عن مؤسسة ما، لكن إن جاء المسيح نفسه إلى هذا المكان وقال "هذا الكتاب، الكتاب المقدس، خالٍ من الخطأ. هل يسوّي ذلك النزاع بالنسبة إليك؟

إنه يسوّيه بالنسبة إلي، لا يمكنني أن أتخيل أن يقف أحدهم قائلًا "طبعًا يا يسوع، على الرغم من أني قبلتك ربًا لحياتي وربًا للكنيسة، يجب أن أعترض على هذا الأمر، ويجب أن أعدّل رأيك. لقد آمنت بنظرة قديمة وبسيطة للكتاب المقدس". أيمكنك أن تتخيل شخصًا يملك الجرأة ليحاول توبيخ المسيح بشأن مسألة مماثلة؟

أيها الأحباء، على قدر ما قد يبدو الأمر غريبًا، هذا تحديدًا ما حدث ولا يزال يحدث في كنيسة القرن العشرين. وأريد استغراق بعض الوقت لتفسير ذلك. وقد أصبح الأمر معقدًا بعض الشيء، لكن نريد أن نرى في المقام الأول "أيمكننا تمييز فكر يسوع من الكتاب المقدس لو أمكن؟". لكي تكتشف فكر يسوع من الكتاب المقدس، أين يجدر بنا الذهاب لاكتشاف ذلك؟ يجب أن نلجأ إلى الكتاب المقدس طبعًا. جاء في الكتاب المقدس أن يسوع

 قال إن الكتاب المقدس هو كلمة الله، ما المشكلة في الأمر؟ يبدو أننا نواجه هنا المعضلة الأكثر تعقيدًا، معضلة الحلقة المفرغة. مشكلة طرح الأسئلة والسؤال بالطريقة الأكثر صخبًا، إن كان السبيل الوحيد لمعرفة يسوع هو الكتاب المقدس. والسبيل الوحيد لمعرفة ما قاله يسوع عن الكتاب المقدس هو قراءة الكتاب المقدس، كيف يمكن أن نصدق ما قاله يسوع في الكتاب المقدس عن الكتاب المقدس؟ هل تشعرون بثقل هذه المشكلة؟ ويقول الناس إن المجادلة بهذه الطريقة تعني المجادلة في حلقة مفرغة، لا تخرج أبدًا من الحلقة، ولا تخرج أبدًا من نقطة الانطلاق. والآن، أقترح أن نفكّر بدقة شديدة هنا، الطريقة التي نتّبعها هنا ليست دائرية بل خطيّة وتدريجيّة. الأمر الأول الذي سنبدأ به هو الآتي: هل يقدم لنا الكتاب المقدس أي سبب لنستنتج أنه يملك أي قيمة تاريخية؟ لا أظن أننا نحصل على برهان من أي عالم جدّي حول هذا الأمر. قد يجادلون بشأن درجة الصحة التاريخية للكتاب المقدس، لكني لا أعرف أي عالم نقد يقول إنه عديم القيمة من حيث مضمونه التاريخي.

 الانتقال إلى المرحلة التالية مرهق بعض الشيء، أنا أقول "هل لدينا أي دليل على كون الكتاب المقدس موثوقًا أساسًا في ما يعلّمه؟ ليس معصومًا من الخطأ ولا خاليًا من الخطأ ولا موحى به، لكن تمامًا مثل سائر الوثائق البشرية الماضية تساءل "كيف تم جمع الكتاب المقدس؟" والآن، دعوني أستبق الأمور قليلًا هنا وأقول لكم، إنه لا يوجد كتاب في العالم القديم، ولا مصدر أدبيّ في العالم القديم، تعرض للتحليل العلميّ الأكثر دقة كما تعرّض العهدان القديم والجديد. في الواقع، ما من عمل من العالم القديم لقي بحثًا دقيقًا بنسبة 1/10000 من نسبة البحث التي لقيها العهد الجديد. لدينا كتابات عديدة من العالم القديم باقية حتى اليوم، سبق أن ذكرت بعض المؤرخين القدامى، ثوكيديدس، تاكيتوس، كسينوفون، هيرودوت، وسويتونيوس وغيرهم، والجهود المبذولة للإثبات علميًا صحة التقارير التاريخية للكتّاب القدامى، ليست بالمهمة السهلة. فمثلًا، إن قال لنا لوقا إن ملاكًا ظهر لزكريّا في الهيكل في أورشليم، فكيف سيثبت علم الآثار صحة هذا الإعلان أو زيفه؟ ما لم تحفر لك أجنحة ملائكة متحجرة من الصعب إثبات أي من الأمرين، ليست هذه الطريقة التي يعمل بها التحقق التاريخي في مجال العلم. وإنما من خلال علم الآثار مثلًا ونحن نعيد تشكيل جغرافيا الشعوب والمدن القديمة والتقاليد، ونحن نمتحن هذه المعرفة مقارنة بما أعلنه سائر المؤرخين من خلال ما تم التحقّق منه بلا شك بواسطة المجرفة أو الرفش في علم الآثار، فمثلًا، وبكل بساطة، إن قال لوقا إن فلانًا كان قائدًا إثنيًا لهذا المكان أو ذاك، في حقبة تاريخ معينة، وفي الأسبوع التالي، عثرنا على وثائق من تلك المنطقة تفيد بأن الشخص الذي ذكره لوقا كان فعلًا القائد الإثني في تلك الحقبة التاريخية، نكون على الأقل قد تحققنا بشكل قاطع من أن لوقا كان على حق في تلك التفاصيل التاريخية البسيطة، أترون ما أقول؟ ولكن إن استعلمنا عن الأمر بدقة، وتبين لنا أنه لم يكن قائدًا إثنيًا، وأنه كان يشغل منصبًا آخر، وكان يحمل إسمًا آخر، عندئذٍ يقع لوقا في مأزق كمؤرخ، أترون ذلك؟ ما من مؤرخ من العالم القديم برهن عن مصداقية علمية في الدقة التاريخية تقارب مصداقية كاتب إنجيل لوقا مثلًا.

أيها الأحباء، استنتج الأشخاص العلمانيون وغير المتدينين أن لوقا هو أروع مؤرخ في العالم القديم، أنا أعالج هذه النقطة لسبب، أظن أني أكون عديم المسؤولية إن قلت على ضوء الأدلّة التاريخية والعلمية إنه من الناحية التاريخية العهد الجديد غير جدير بالثقة أساسًا. أثرت هذه المسألة في مؤتمر بيتسبرغ حين قدّمت محاضرة لهيئة التدريس والهيئة الطلابية هناك منذ سنوات عدة، وقلت إن أول أمر أريد إثباته هو الموثوقية الأساسية لوثائق العهد الجديد، إن كنت أكلّم جمهورًا وثنيًا لاضطررت إلى توسيع هذه النقطة، لكني كنت أكلم حضورًا في الكنيسة، ومعهد اللاهوت، وقلت "إن لم تقبلوا هذا الافتراض بأن الكتاب المقدس موثوق أساسًا وعمومًا، فليس لديكم تبرير منطقي لوجود معهد لاهوت" فأنت تقول بذلك كمسيحي مجاهر بإيمانك. إن المصدر التاريخي الرئيسي الذي تأسست عليه المسيحية غير موثوق أساسًا فلنقفل الأبواب ونمضِ إلى بيوتنا. لم تكن المسألة تتعلق بالموثوقية الأساسية، كانت المسألة تتعلق بالخلو من الخطأ والعصمة من الخطأ. وقلت "لنفرض على أساس هذه الوثيقة التاريخية الموثوقة عمومًا أننا قرأناها واقتنعنا شرعيًا بأنه كان يوجد رجل يدعى يسوع قام بأمور فائقة للطبيعة، وكان يتحلّى بحكمة مذهلة، وتم الاعتراف به على الأقل بأنه نبي، لا يستلزم الأمر عصمة الكتاب المقدس أو خلوه من الخطأ للتوصل إلى الاستنتاج أن يسوع كان نبيًا، أترون؟ نحن نتقدم تدريجيًا هنا عندئذٍ نقتنع، لا وقت لدي لإعطائكم دليلًا على ذلك، لكن إن اقتنعنا بأن يسوع كان نبيًا على الأقل، عندئذٍ، سنهتم لمعرفة ما علّمه ذلك النبيّ عن الكتاب المقدس. فلكي يكون أحدهم نبيًا عليه أن يكون أكثر بقليل من موثوق عمومًا. في العهد القديم، إن كان أحد الأنبياء موثوقًا عمومًا في نبواته، لكن غير موثوق أحيانًا، كان يتم رجمه حتى الموت، باعتبار أنه نبيّ كذاب إن أعلن نبوة كاذبة، أيمكننا معرفة فكر يسوع النبي من الكتاب المقدس؟

 لكي نوفّر الوقت راجع نقّاد العهد الجديد أجزاء مختلفة من الكتاب المقدس وشرّحوه تشريحًا دقيقًا وقالوا "نظن أن هذا كُتب في أواخر القرن الثاني وتم إدخاله في النص" وسيشكون في الأصالة التاريخية لبعض أجزاء الكتاب المقدس. من الأمورالغريبة، أيها الأحباء، هو أنه حتى في عالم الشك والانتقاد، أحد أجزاء العهد الجديد الذي يتمتع بأعلى مستوى من الصحة التاريخية هو ذلك الجزء الذي يتضمن تعليم يسوع عن الكتاب المقدس. إذًا، لا يوجد جدال جدّي إطلاقًا بين علماء الكتاب المقدس حول ما علّمه يسوع الناصري وآمن به بشأن الكتاب المقدس. من الواضح جدًا أن يسوع الناصري قبل واعتنق وعلّم النظرة السائدة للكتاب المقدس المنتشرة بين اليهود، أي، أنه كلمة الله وأنه موحى به من الله وأنه معصوم من الخطأ.

وحلّ يسوع نزاعاته اللاهوتيّة مع بني جيله عبر الاحتكام إلى كلمة واحدة في الكتاب المقدس. قال إنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله. قام بهذا التعليق في ما يتعلّق بالكتاب المقدس، وقال "ربي وإلهي كلاَمُكَ هُوَ حَقٌّ". البعض لا يحب عبارة الوحي اللفظي، ويعتبرون أنها تطال جميع النقاط الصغيرة، ويقولون "ربما توجد هذه الجملة بشكل عام، لكن ليس جميع الكلمات تحديدًا"، قال يسوع " لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ، أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ" نظرة يسوع إلى الوحي تدعى "الوحي بالحرف والنقطة وكل فاصلة وعارضة ونقطة". ومجددًا، جميع الذين شكّوا في عقيدة الخلو من الخطأ لم يشكّوا في ما علّمه يسوع، فثمة أشخاص مثل "بارت" و"برونر" و"يهوياكيم يرامياس" و"سي أيتش دود". على سبيل المثال، كتبوا جميعًا في القرن العشرين ليقولوا إنهم مقتنعون بأن يسوع كان يعتبر الكتاب المقدس معصومًا من الخطأ، لكن في الوقت نفسه قال هؤلاء "لكنه كان مخطئًا"!

قبل أن يصيبكم ذلك بالذعر، اعلموا أن لديهم تبريرًا لاهوتيًا مهمًا لتصحيح يسوع في هذا الإطار، فهم يقولون "تذكروا أن يسوع كان يملك طبيعة إلهية، وأن يسوع كان يملك طبيعة بشرية. وبما أن يسوع بشري، فمعرفته بطبيعته البشرية كانت محدودة". كتبت مقالة منذ سنة أو أكثر لصحيفة "تايبلتوك" حيث طرحت سؤالًا: "حين كان يسوع في المذود، هل كان يعلم أن الأرض كروية؟" هل كان الطفل يسوع يعلم أن الأرض كروية؟ لا أظن ذلك، كان يعرف ذلك بطبيعته الإلهية، لأنه هو صنعها، وكان يعرف شكلها. لكن بطبيعته البشرية، لم يكن يعرف ذلك. ففي العهد الجديد، جاء التلاميذ إلى يسوع وسألوه عن نهاية الأزمنة، فأجابهم قائلًا "وَأَمَّا ذَلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ ولاَ الاِبْنُ". في هذه العبارة، إن كنتم تتحملون ذلك أيها الأحباء، أخبر يسوع تلاميذه بأن ثمة أمرًا لا يعرفه، أنا أعلم أن بعض اللاهوتيين قاموا بشتى أنواع الالتواءات لمحاولة تفسير ذلك، قائلين إن يسوع كان يعرف فعلًا الجواب، لكن الجواب كان عميقًا ومقدسًا جدًا ليتمكن من مشاركته مع الآخرين. لكن الحقيقة هي أنه قال "لا أعلم"! أقرّ هؤلاء اللاهوتيون بأن على كل لاهوتي بروتستانتي الاعتراف بأن يسوع بطبيعته البشرية لم يكن كلي العلم، ولم يكن يعرف كل شيء، فالمعرفة الكلية، أي معرفة كل شيء، هي من صفات الله، إنها من صفات الطبيعة الإلهية. كما أن الله روح لا يملك جسدًا، طبيعة يسوع البشرية تملك جسدًا، أما الطبيعة الإلهية فلا تملك جسدًا، الطبيعة البشرية تسكن في الجسد لبشري وما إلى ذلك. لكنكم تعلمون أنه حين جاع يسوع، لم يكن ذلك إظهارًا لطبيعته الإلهية، لأن الله لا يجوع، كان هذا إظهارًا لطبيعته البشرية. إذًا، حين قال يسوع "لا أعلم"، حتمًا لم يكن ذلك إظهارًا لمعرفة طبيعته الإلهية، فالطبيعة الإلهية تعرف كل شيء خلافًا للطبيعة البشرية. إذًا، يقول هؤلاء اللاهوتيون "بما أنه لم يكن يعرف كل شيء، كان يمكن ليسوع حتمًا أن يكون على خطأ. كيف أمكنه أن يعرف أن النظرة اليهودية السائدة للكتاب المقدس كانت مغلوطة؟ كيف أمكن انتقاد يسوع حين قال "موسى كتب عني". فيما أن "فلهاوزن" لم يكن قد ولد بعد، ولم يكن يسوع يعي أن موسى لم يكتب الأسفار الخمسة الأولى من الكتاب المقدس، وأنها كُتبت بقلم المصادر J وE وD وP؟ كيف أمكن انتقاده لأنه قال "إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي" كيف استطاع يسوع أن يعرف ما إذا كان ابراهيم أسطورة ولم يوجد؟ لا يمكن انتقاد يسوع على ذلك، بلى يمكننا.

النقطة المهمة أيها الأحباء هي أنه لم يكن على يسوع أن يكون كليّ العلم بطبيعته البشريّة ليخلّصنا من خطايانا، لكن كان عليه حتمًا أن يكون بلا خطيّة ليصبح أهلًا ليكون مخلّصنا، وأن يقوم أحدهم بالادّعاء أو الإعلان أو التصريح بأنه يعرف أكثر مما يعرف فعلًا هو خطية. ومعايير الكتاب المقدس لمسؤولية المعلّم قاسية أليس كذلك؟  لا يكن بينكم معلّمون كثيرون فمع التعليم تأتي دينونة أعظم. يُعتبر تضليل أحدهم أسوأ من أي خطأ آخر. خير لهذا الشخص لو أنه لم يولد، وأن يُعَلَّق حجر الرحى في عنقه، على أن يضل أحد هؤلاء الصغار.

 لنفرض أني جئت إليكم قائلًا: "اليوم، أريد أن تصغوا إلى محاضرتي، فعندما يتكلم آر سي سبرول، فهو يعلن الحق"، ثم رأيتموني ارتكب الأخطاء، إلى أي مدى سيكون لدي مصداقية أمامكم؟ أتدركون أن يسوع قال "أنا لا أعلّم شيئًا من نفسي، بل فقط ما أعطاني الله الإذن لأقوله"، ثم تابع قائلًا "أنا هو الحق"، إن أعلن معلّم أنه لا يعلّم شيئًا إلا ما أُعطي له من الآب، وأعلن أنه هو الحق المتجسد، ثم علّم معلومات خاطئة، عندئذٍ، تكون ادّعاءاته كاذبة، وتكون هذه خطية، ولا يكون يسوع أهلًا ليخلّص نفسه، فكيف سيخلّصنا نحن؟

 في مسألة سلطان المسيح هذا لأننا مقتنعون بأن المسيح هو رب الكنيسة، المعلّم بامتياز، السلطان المطلق، ورأس الكنيسة، بحيث أننا ندافع بشدة عن إعلان الكتاب المقدس أنه كلمة الله، لأن ما وُضع على المحك هنا ليس سمعة إشعياء أو إرميا، بل لا شيء أقل من سلطان المسيح وربوبيّته وخلاصه.