المحاضرة 2: الإِيمَانُ وَالْمَنْطِقُ | خدمات ليجونير
 

المحاضرة 2: الإِيمَانُ وَالْمَنْطِقُ

قَرَأْتُ مُؤَخَّرًا رِوَايَةً احْتَوَتْ عَلَى نِقَاشٍ دَارَ بَيْنَ كَاهِنٍ وَعَالِمٍ. وَأَثْنَاءَ الْحَدِيثِ، قَالَ الْعَالِمُ لِلْكَاهِنِ: "حَدِّثْنِي عَنْ إِيمَانِكَ وَسَأُحَدِّثُكَ عَنْ مَنْطِقِي"، وَاصِفًا هَذَا الْجَدَلَ الدَائِرَ بَيْنَهُمَا عَلَى أَنَّهُ صِرَاعٌ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْمَنْطِقِ. لَا يَخْتَلِفُ هَذَا كَثِيرًا عَنْ بَعْضِ الِاخْتِلَافَاتِ فِي الرَأْيِ بَيْنِي وَبَيْنَ زَوْجَتِي، حَيْثُ تَتَذَمَّرُ أَحْيَانًا قَائِلَةً: "لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُجَادِلَكَ. فَأَنْتَ تَبْغِي دَائِمًا اللُجُوءَ إِلَى الْمَنْطِقِ، فِي حِينِ أَنَّنِي فَقَطْ أَعْلَمُ بِحَدْسِي أَنَّ هَذَا الرَأْيَ خَاطِئٌ". فَأُجِيبُهَا: "الرَجُلُ الْمُتَسَلِّحُ بِالْمَنْطِقِ لَنْ يَقَعَ الْبَتَّةَ تَحْتَ رَحْمَةِ حَدْسِ امْرَأَةٍ". لَدَيْنَا إِذَنْ خِلَافَاتُنَا الْبَسِيطَةُ حَوْلَ هَذَا الْفَصْلِ نَفْسِهِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ. لَكِنْ يَبْدُو أَنَّ هَذَا هُوَ تَصَوُّرُنَا الْيَوْمَ، أَنَّ اللَاهُوتَ يَنْطَوِي عَلَى قَفْزَةِ إِيمَانٍ، فِي حِينِ يَنْطَوِي الْعِلْمُ عَلَى سَعْيٍ قَوِيٍّ وَحَثِيثٍ وَرَاءَ الْعَقْلَانِيَّةِ، وَكَأَنَّ الْإِيمَانَ وَالْمَنْطِقَ مُنْفَصِلَانِ تَمَامًا. يُثِيرُ ذَلِكَ أَيْضًا مَسْأَلَةَ الْمَنْهَجِيَّةِ. نَقُولُ: "هَذَا الرَجُلُ يَتَّبَعُ مَنْهَجِيَّةً حَتَّى فِي تَصَرُّفَاتِهِ الْغَرِيبَةِ". حَسَنًا، أَيُّ بَحَثٍ عَنِ الْحَقِيقَةِ، سَوَاءٌ فِي مَجَالِ اللَاهُوتِ أَوِ الْفَلْسَفَةِ أَوْ الْعِلْمِ، يَنْطَوِي عَلَى تَطْبِيقِ مَنْهَجِيَّةٍ مَا، وَتِلْكَ الْمَنْهَجِيَّةُ قَدْ تَشْمَلُ أَوْ لَا تَشْمَلُ اعْتِمَادًا عَلَى الْمَنْطِقِ.

فِي الْمُحَاضَرَةِ الْأُولَى، تَحَدَّثْنَا عَنْ كَوْنِ الْعِلْمِ وَاللَاهُوتِ كِلَاهُمَا مَعْنِيَّيْنِ بِالْخَلَاصِ. وَالْخَلَاصُ الْأَسَاسِيُّ بِالنِسْبَةِ إلى الْعَالِمِ هُوَ إِنْقَاذُ الظَوَاهِرِ، مِثْلَمَا اقْتَرَحَ أَفْلَاطُونُ. وَتَحَدَّثْتُ عَنْ ثَوْرَةٍ انْدَلَعَتْ فِي الْقَرْنِ السَادِسَ عَشَرَ بِسَبَبِ نَظَرِيَّاتِ كُوبِرْنِيكُوسَ، عُرِفَتْ بِالثَوْرَةِ الْكُوبِرْنِيكِيَّةِ. وَكَمَا ذَكَرْتُ، قُوبِلَ هَذَا بِرَدِّ فِعْلٍ عَنِيفٍ مِنَ الْكَنِيسَةِ. وَوُضِعَ جَالِيلْيُو تَحْتَ الْحَظْرِ الْبَابَوِيِّ. لَكِنْ لَمْ تَكُنِ الْكَنِيسَةُ الْكَاثُولِيكِيَّةُ وَحْدَهَا مُعَارِضَةً لِكُوبِرْنِيكُوسَ وَنَظَرِيَّاتِهِ، بَلْ إِنَّ حَرَكَةَ الْإِصْلَاحِ الْوَلِيدَةَ أَيْضًا، الَتِي ظَهَرَتْ فِي الْقَرْنِ السَادِسَ عَشَرَ، كَانَ مَوْقِفُهَا مُعَارِضًا تَمَامًا لِكُوبِرْنِيكُوسَ. وَمَثَلًا، الْمُصْلِحَانِ الْبَارِزَانِ لِلْقَرْنِ السَادِسَ عَشَرَ، جُونْ كَالْفَنْ وَمَارْتِنْ لُوثَرْ، اعْتَبَرَا نَظَرِيَّاتِ كُوبِرْنِيكُوسَ سَخِيفَةً. السُؤَالُ الْآنَ هُوَ: "لِمَ كُلُّ هَذِهِ الضَجَّةِ؟" اعْتَقَدَ هَؤُلَاءِ أَنَّ مِصْدَاقِيَّةَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ عَلَى الْمِحَكِّ، وَأَنَّ آرَاءَ الْبَشَرِ سَتَحُلُّ مَحَلَّ الْإِعْلَانِ الْإِلَهِيِّ.

وَالسُؤَالُ الْآنَ هُوَ: "لِمَ اعْتَقَدَ لَاهُوتِيُّو ذَلِكَ الْعَصْرِ أَنَّ مِصْدَاقِيَّةَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ عَلَى الْمِحَكِّ؟" حَسَنًا، إِنْ نَظَرْتُمْ إِلَى تَعَالِيمِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ وَمَا يَقُولُهُ عَنِ الطَبِيعَةِ وَالظَوَاهِرِ الطَبِيعِيَّةِ، نَقْرَأُ مَثَلًا فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ وَصْفًا لِلشَمْسِ بِأَنَّهَا تَتَحَرَّكُ عَبْرَ السَمَاوَاتِ. وَيَبْدُو وَاضِحًا مِنَ النُصُوصِ الْكِتَابِيَّةِ أَنَّ الْكِتَابَ الْمُقَدَّسَ يَتَبَنَّى مَنْظُورًا عَنْ عِلْمِ الْكَوْنِيَّاتِ، وَعَنْ عِلْمِ الْفَلَكِ وَالْفِيزْيَاءِ، يَفْتَرِضُ أَنَّ الْأَرْضَ ثَابِتَةٌ وَأَنَّ الشَّمْسَ تَدُورُ فِي مَدَارٍ حَوْلَ الْأَرْضِ. إِذَنْ، إِنْ قَبِلْنَا بِالنَظَرِيَّةِ الْكُوبِرْنِيكِيَّةِ بِأَنَّ الشَمْسَ هِيَ مَرْكَزُ الْمَجْمُوعَةِ الشَمْسِيَّةِ، وَلَيْسَتِ الْأَرْضَ، تَرَوْنَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَحُلَّ بِمِصْدَاقِيَّةِ الْوَثَائِقِ الْكِتَابِيَّةِ. لِهَذَا احْتَدَمَ الْجَدَلُ، إِلَى أَنْ هَدَأَ النَاسُ قَلِيلًا وَقَالُوا: "مَهْلًا". حِينَ يَصِفُ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ الْعَالَمَ الْخَارِجِيَّ، وَحِينَ يَتَحَدَّثُ عَنِ الظَوَاهِرِ الَتِي نُلَاحِظُهَا، يَسْتَعْمِلُ لُغَةً نُسَمِّيهَا بِبَسَاطَةٍ "لُغَةً ظَوَاهِرِيَّةً"، أَوْ "لُغَةَ الظَوَاهِرِ". أَيْ إِنَّنَا نَصِفُ الْأَشْيَاءَ كَمَا تَبْدُو لِلْعَيْنِ الْمُجَرَّدَةِ. وَبِالطَبْعِ، عِنْدَمَا وَصَفَ كُتَّابُ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ الْيَوْمَ كَمَا يَبْدُو لَهُمْ، قَالُوا إِنَّ الشَمْسَ تَتَحَرَّكُ فِي السَمَاءِ، لِأَنَّنَا حِينَ نَقِفُ عَلَى الْأَرْضِ وَنَنْظُرُ إِلَى السَمَاءِ، مَاذَا نَرَى؟ وَمَاذَا تَكُونُ خِبْرَتُنَا الظَوَاهِرِيَّةُ؟ يَبْدُو وَاضِحًا تَمَامًا لِلْحَوَاسِّ أَنَّ الشَمْسَ تَتَحَرَّكُ وَأَنَّنَا ثَابِتُونَ. لَكِنِ الْآنَ بَيْنَمَا أَتَحَدَّثُ، وَوَفْقَ النَظَرِيَّةِ الْحَدِيثَةِ، أَنَا أَدُورُ بِسُرْعَةٍ هَائِلَةٍ، فِي مَدَارٍ، وَلَا أَعْلَمُ إِذَا كُنْتُ فِي هَذِهِ اللَحْظَةِ فِي وَضْعٍ مُسْتَقِيمٍ أَمْ مَقْلُوبًا، وَفِي أَيِّ طَرَفٍ مِنَ الْأَرْضِ أَقِفُ الْآنَ. الْفِطْرَةُ الطَبِيعِيَّةُ تَقُولُ إِنَّهُ إِذَا كَانَتِ الْأَرْضُ كُرَوِيَّةً، فَلَا يُمْكِنُنِي الْعَيْشُ إِلَّا فِي الْجُزْءِ الْعُلْوِيِّ مِنْهَا، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ يُقَدَّرُ لَهُ الْعَيْشُ فِي الْجُزْءِ السُفْلِيِّ مِنْ الْكَوْكَبِ سَيَسْقُطُ. أَوْ إِنْ كَانَتِ الْأَرْضُ تَدُورُ حَقًّا حَوْلَ مِحْوَرِهَا، فَسَنَشْعُرُ جَمِيعًا بِدُوَارٍ طَوَالَ الْوَقْتِ. هَذَا مَا نُسَمِّيهِ "الْفِطْرَةَ الطَبِيعِيَّةَ". وَكَيْفَ نَسْتَخْدِمُ كَلِمَةَ "فِطْرَةٍ" هُنَا؟ هِيَ الشُعُورُ الْمُشْتَرَكُ، وَالْعَامُّ، وَالظَوَاهِرِيُّ الَذِي نَشْعُرُ بِهِ جَمِيعًا. هَلْ تَتَوَقَّعُ حَقًّا مِنْ كُتَّابِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ مُنْذُ قُرُونٍ أَنْ يُقَدِّمُوا نَظَرِيَّاتٍ عِلْمِيَّةً مُجَرَّدَةً وَمُتَخَصِّصَةً؟ لَكِنَّهُمْ كَانُوا مَعْنِيِّينَ فِي الْأَسَاسِ بِعَمَلِ اللَّهِ فِي التَارِيخِ، وَفِدَاءِ اللَّهِ، وَتَحَقُّقِ وُعُودِهِ فِي هَذَا الْجَانِبِ مِنْ الْعَالَمِ الطَبِيعِيِّ. أَمَّا آلِيَّاتُ عَمَلِ الْعَالَمِ الطَبِيعِيِّ، فَوُصِفَتْ بِلُغَةٍ ظَوَاهِرِيَّةٍ.

قَدْ يَنْظُرُ إِلَيَّ أَحَدُهُمْ وَيَقُولُ: "هَذَا الْتِمَاسٌ لِلْأَعْذَارِ. فَإِنَّكَ بَذَلْتَ كُلَّ هَذَا الْجُهْدِ كَيْ تُنْقِذَ مِصْدَاقِيَّةَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ". بَلْ أَنَا أُحَاوِلُ إِنْقَاذَ مِصْدَاقِيَّةِ اللُغَةِ، كَمَا نَسْتَخْدِمُهَا فِي حَدِيثِنَا الْعَادِيِّ. أَسْتَعْمِلُ كَثِيرًا مِثَالَ مُشَاهَدَةِ النَشْرَةِ الْجَوِّيَّةِ الْيَوْمِيَّةِ عَلَى التِلْفَازِ. وَهِيَ حَتَّى لَمْ تَعُدْ تُسَمَّى "النَشْرَةَ الْجَوِّيَّةَ"، بَلْ "نَشْرَةَ الْأَرْصَادِ الْجَوِّيَّةِ". وَعَلَى مُذِيعِ النَشْرَةِ أَنْ يَكُونَ حَاصِلًا عَلَى شَهَادَةٍ فِي عِلْمِ الْأَرْصَادِ. وَكَلِمَةُ "مِيتِيُورُولُوجِي" (meteorology) لَافِتَةٌ لِأَنَّهَا تَعُودُ إِلَى الْعَالَمِ الْقَدِيمِ وَمَفْهُومِهِ عَنْ تَأْثِيرِ النَيَازِكِ "مِيتِيُورْزْ" (meteors) فِي الطَقْسِ. لَكِنَّنَا مَا زِلْنَا نَسْتَخْدِمُ تَعْبِيرَ "الْأَرْصَادِ الْجَوِّيَّةِ". وَيَظْهَرُ مُذِيعُ النَشْرَةِ عَلَى شَاشَةِ التِلْفَازِ، وَيَعْرِضُ الرُسُومَ، مُبَيِّنًا أَنْظِمَةَ الضَغْطِ الْمُرْتَفِعِ، وَأَنْظِمَةَ الضَغْطِ الْمُنْخَفِضِ، وَالضَغْطَ الْجَوِّيَّ، وَاحْتِمَالَاتِ سُقُوطِ الْأَمْطَارِ. وَتُسْتَخْدَمُ كُلُّ تِلْكَ الْمُصْطَلَحَاتِ الصَعْبَةِ، فِي حِينِ كُلُّ مَا أُرِيدُ مَعْرِفَتَهُ هُوَ "هَلْ يَجِبُ أَنْ آخُذَ مِظَلَّتِي مَعِي إِلَى الْعَمَلِ أَمْ لَا؟" وَبَعْدَ كُلِّ هَذَا الْكَلَامِ التِقْنِيِّ، وَفِي خِتَامِ النَشْرَةِ الْجَوِّيَّةِ، يُقَدَّمُ مُلَخَّصٌ بَسِيطٌ، تُعْرَضُ فِيهِ حَالَةُ الطَقْسِ لِهَذَا الْيَوْمِ، ثُمَّ يُضِيفُونَ: "تُشْرِقُ الشَمْسُ عِنْدَ 6:45 صَبَاحًا، وَتَغِيبُ عِنْدَ 6:23 مَسَاءً". مَاذَا نَفْعَلُ عِنْدَئِذٍ؟ هَلْ نَهْرَعُ إِلَى هَوَاتِفِنَا وَنَتَّصِلُ بِمَحَطَّةِ الْبَثِّ وَنَقُولُ: "أَلَمْ تَسْمَعُوا عَنْ كُوبِرْنِيكُوسْ؟ أَمَا زِلْتُمْ تُحَاوِلُونَ إِقْنَاعَنَا بِأَنَّ الشَمْسَ تُشْرِقُ وَتَغِيبُ؟ يَا لَحَمَاقَتِنَا الَتِي أَعْمَتْنَا طَوَالَ تِلْكَ الْقُرُونِ عَنِ الِاسْتِنْتَاجَاتِ الْوَاضِحَةِ وَالْمُؤَكَّدَةِ لِجَالِيلْيُو وَكُوبِرْنِيكُوسَ وَالْآخَرِينَ!" لَا أَحَدَ يَتَذَمَّرُ لِأَنَّنَا نُدْرِكُ أَنَّنَا نَسْتَعْمِلُ لُغَةَ الظَوَاهِرِ.

حِينَ نَأْتِي إِلَى الْعِلْمِ، أَحَدُ أَهَمِّ التَطَوُّرَاتِ الَتِي نَتَجَتْ عَنِ الثَوْرَةِ الْكُوبِرْنِيكِيَّةِ هُوَ بَعْضُ التَعْدِيلِ فِي مَنْهَجِيَّةِ التَعَامُلِ مَعَ بَيَانَاتِ الْبَحْثِ الْعِلْمِيِّ. تَعَلَّمْنَا جَمِيعًا فِي طُفُولَتِنَا بِالْمَدْرَسَةِ مُلَخَّصًا بَسِيطًا لِمَا يُسَمَّى "الْمَنْهَجَ الْعِلْمِيَّ"، الْمَنْهَجَ الْعِلْمِيَّ. وَحِينَ نَنْظُرُ إِلَى الْمَنْهَجِ الْعِلْمِيِّ، نُلَاحِظُ وُجُودَ عُنْصُرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مُهِمَّيْنِ لِلْغَايَةِ، يَقْتَرِنَانِ مَعًا فِي سَبِيلِ الْوُصُولِ إِلَى الْحَقِيقَةِ. وَالْعُنْصُرَانِ الْمُهِمَّانِ اللَذَانِ يُشَكِّلَانِ مَعًا الْمَنْهَجَ الْعِلْمِيَّ نُسَمِّيهِمَا الِاسْتِقْرَاءَ وَالِاسْتِنْبَاطَ. يُسَمَّى هَذَا الْمَنْهَجُ أَحْيَانًا بِاسْمٍ آخَرَ، وَهُوَ "الْمَنْهَجُ التَحْلِيلِيُّ". نَصِفُ أَحْيَانًا مُجْتَمَعَنَا الْيَوْمَ بِأَنَّهُ مُجْتَمَعُ "مَا بَعْدَ الْحَدَاثَةِ" أَوْ "مَا بَعْدَ التَنْوِيرِ"، لِيَكُونَ لَدَيْنَا مُؤَشِّرٌ عَنْ مَوْقِعِنَا فِي مَسَارِ التَارِيخِ. نَعُودُ بِالذَاكِرَةِ إِلَى تَنْوِيرِ الْقَرْنِ الثَامِنَ عَشَرَ، الَذِي عُرِفَ فِي اللُغَةِ الْأَلْمَانِيَّةِ بِاسْمِ "أَوْفْكْلُورُونْجْ" (Aufklurung). كَانَ أَحَدُ عَنَاصِرِ التَنْوِيرِ هُوَ وَضْعُ مَنْهَجٍ لِلتَعَامُلِ مَعَ الْحَقَائِقِ، يُسَمَّى بِالْمَنْهَجِ التَحْلِيلِيِّ، وَالَذِي كَانَ مُجَرَّدَ صَقْلٍ لِلْمَنْهَجِ الْعِلْمِيِّ الْكِلَاسِيكِيِّ. وَعَرَّفَ الْمَنْهَجُ التَحْلِيلِيُّ نَفْسَهُ فِي كَلِمَاتٍ بَسِيطَةٍ، بِأَنَّهُ مُهِمَّةُ الْعَالِمِ الَتِي تَقْتَضِي اكْتِشَافَ مَنْطِقِيَّةِ الْحَقَائِقِ. دَعُونِي أُكَرِّرُ هَذَا: اكْتِشَافَ مَنْطِقِيَّةِ الْحَقَائِقِ.

ذَاتَ مَرَّةٍ نَصَحَنِي مُسْتَشَارٌ مَالِيٌّ قَائِلًا: "إِذَا أَرَدْتَ اتِّخَاذَ قَرَارَاتٍ بِشَأْنِ كَيْفِيَّةِ تَقْسِيمِ مَوَارِدِكَ، تَلْزَمُكَ مَعْلُومَاتٌ حَتَّى تَتَّخِذَ قَرَارَاتٍ ذَكِيَّةً وَمُسْتَنِيرَةً. تَلْزَمُكَ الْمَعْلُومَاتُ الصَحِيحَةُ، وَيَلْزَمُكَ قَدْرٌ كَافٍ مِنْ الْمَعْلُومَاتِ الصَحِيحَةِ". ثُمَّ قَالَ - وَكَانَ مُحِقًّا تَمَامًا: "إِذَا حَصَلَتَ عَلَى مُعْطَيَاتٍ كَافِيَةٍ، عَلَى افْتِرَاضِ أَنَّ الْمُعْطَيَاتِ دَقِيقَةٌ وَصَحِيحَةٌ"، قَالَ: "سَتَأْتِيكَ الْقَرَارَاتُ تِلْقَائِيًّا". مَاذَا كَانَ يَقْصِدُ؟ فَقَطْ كَانَ يُطَبِّقُ الْمَنْهَجَ التَحْلِيلِيَّ، وَيَقُولُ: "اجْمَعْ أَكْبَرَ قَدْرٍ مُمْكِنٍ مِنْ الْمُعْطَيَاتِ، وَأَكْبَرَ قَدْرٍ مُمْكِنٍ مِنَ الْحَقَائِقِ، وَلَاحِظْ إِنْ كَانَتْ هُنَاكَ أَنْمَاطٌ تَظْهَرُ، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مَنْطِقٌ يَتَبَلْوَرُ". هَذَا مَا نَفْعَلُهُ فِي الْبَحْثِ الْعِلْمِيِّ، أَيْ نَسْتَخْدِمُ كُلًّا مِنْ الِاسْتِقْرَاءِ وَالِاسْتِنْبَاطِ.

نَتَذَكَّرُ جَمِيعًا أَنَّنَا فِي طُفُولَتِنَا تَعَلَّمْنَا الْفَرْقَ بَيْنَ الِاسْتِقْرَاءِ وَالِاسْتِنْبَاطِ. رُبَّمَا نَتَذَكَّرُ أَنَّنَا تَعَلَّمْنَا هَذَا الْفَرْقَ، لَكِنَّ هَذَا لَا يَعْنِي أَنَّنَا نَتَذَكَّرُ الْفَرْقَ نَفْسَهُ. فَرُبَّمَا يَتَعَثَّرُ الْبَعْضُ مِنَّا فِي مُحَاوَلَةِ شَرْحِ الْفَرْقِ بَيْنَ الِاسْتِقْرَاءِ وَالِاسْتِنْبَاطِ. الْفَرْقُ بِبَسَاطَةٍ هُوَ: فِي عَمَلِيَّةِ الِاسْتِقْرَاءِ، مَا نَفْعَلُهُ هُوَ أَنَّنَا نَنْتَقِلُ مِنْ الْخَاصِّ إِلَى الْعَامِّ. فَالِاسْتِقْرَاءُ يَنْطَوِي عَلَى التَجْرِيبِ، وَالْمُلَاحَظَةِ، وَجَمْعِ الْمَعْلُومَاتِ، إِلَى آخِرِهِ. فَإِنَّنَا نَرَى سِنْجَابًا، وَنُلَاحِظُ أَنَّ لَهُ ذَيْلًا كَثِيفًا. ثُمَّ نَرَى سِنْجَابًا آخَرَ، وَإِذَا ذَيْلُهُ كَثِيفٌ. ثُمَّ نَرَى سِنْجَابًا ثَالِثًا وَإِذَا ذَيْلُهُ كَثِيفٌ. وَنُعَاوِدُ الْكَرَّةَ إِلَى أَنْ يُصْبِحَ لَدَيْنَا آلَافُ وَآلَافُ الْأَمْثِلَةِ مِنَ السَنَاجِبِ. ثُمَّ نَنْظُرُ إِلَى كُلِّ تِلْكَ التَفَاصِيلِ الْخَاصَّةِ، وَإِذْ نَعْلَمُ أَنَّهُ يُعْوِزُنَا الْوَقْتُ وَالْقُدْرَةُ لِدِرَاسَةِ كُلِّ سِنْجَابٍ يَعِيشُ فِي الْكَوْنِ، نَمِيلُ إِلَى التَعْمِيمِ، مُسْتَخْلِصِينَ اسْتِنْتَاجًا عَامًّا مِنَ الْبَيَانَاتِ الْخَاصَّةِ الَتِي دَرَسْنَاهَا، فَنَتَوَصَّلُ إِلَى قَاعِدَةٍ، وَهِيَ مَاذَا؟ أَنَّ كُلَّ السَنَاجِبِ لَهَا أَذْيَالٌ كَثِيفَةٌ، مَا لَمْ تَقْطَعْ جَزَّازَةُ الْعُشْبِ أَحَدَهَا. فَإِنَّنَا نَنْتَقِلُ اسْتِقْرَائِيًّا مِنْ مُعْطَيَاتِنَا، الَتِي نَقِيسُهَا، وَنُلَاحِظُهَا، وَنَجْمَعُهَا، وَنُحَلِّلُهَا، ثُمَّ نَتَوَصَّلُ إِلَى اسْتِنْتَاجَاتِنَا الْمُسْتَوْحَاةِ مِمَّا نُسَمِّيهِ بِالْحَقَائِقِ.

هَذَا قُطْبٌ مِنْ أَقْطَابِ الْمَنْهَجِ الْعِلْمِيِّ. الْجُزْءُ الْآخَرُ مِنْ الْمَنْهَجِ الْعِلْمِيِّ يَتَعَلَّقُ بِالِاسْتِنْبَاطِ، الَذِي يَنْطَوِي عَلَى الِانْتِقَالِ مِنْ الْعَامِّ إِلَى الْخَاصِّ. أَشْهَرُ مِثَالٍ عَلَى ذَلِكَ هُوَ الْقِيَاسُ الِاقْتِرَانِيُّ، وَأَشْهَرُ مِثَالٍ لِلْقِيَاسِ الِاقْتِرَانِيِّ تَعَلَّمْتُمُوهُ أَيْضًا فِي الْمَرْحَلَةِ الِابْتِدَائِيَّةِ. "جَمِيعُ الْبَشَرِ فَانُونَ". أَيُّ نَوْعٍ مِنْ التَصْرِيحَاتِ هَذَا؟ "جَمِيعُ الْبَشَرِ فَانُونَ" هَذَا حُكْمٌ عَامٌّ. نُدْلِي هُنَا بِتَصْرِيحٍ عَنْ جَمِيعِ مَنْ يَنْتَمُونَ إِلَى فِئَةٍ مُعَيَّنَةٍ. جَمِيعُ الْبَشَرِ فَانُونَ. وَبِمَا أَنَّ سُقْرَاطَ إِنْسَانٌ. إِذَنْ مَاذَا؟ سُقْرَاطُ فَانٍ. هَلْ هَذِهِ حُجَّةٌ صَحِيحَةٌ؟ أَرَاكُمْ مُتَحَيِّرِينَ. يَجِبُ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْجَوَابُ الْآنَ تِلْقَائِيًّا. هَلْ هَذِهِ حُجَّةٌ صَحِيحَةٌ؟ جَمِيعُ الْبَشَرِ فَانُونَ. وَسُقْرَاطُ إِنْسَانٌ. إِذَنْ، سُقْرَاطُ فَانٍ. هَلْ هَذَا صَحِيحٌ؟ لَا، هُزَّ رَأْسَكَ هَكَذَا. هَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ. فَالْحُجَجُ لَا تَكُونُ صَحِيحَةً أَوْ خَاطِئَةً، بَلْ تَكُونُ إِمَّا مَشْرُوعَةً أَوْ غَيْرَ مَشْرُوعَةٍ. التَصْرِيحَاتُ تَكُونُ إِمَّا صَحِيحَةً أَوْ خَاطِئَةً. خَدَعْتُكُمْ أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ هَلْ هَذِهِ حُجَّةٌ مَشْرُوعَةٌ؟ نَعَمْ، هِيَ مَشْرُوعَةٌ. قَدْ يَكُونُ الِاسْتِنْتَاجُ خَاطِئًا، مَعَ أَنَّ الْحُجَّةَ مَشْرُوعَةٌ، لِأَنَّ الِاسْتِنْتَاجَ يَتَوَقَّفُ عَلَى صِحَّةِ الْفَرْضِيَّاتِ أَوْ التَصْرِيحَاتِ. هَلْ نَحْنُ عَلَى يَقِينٍ بِأَنَّ جَمِيعَ الْبَشَرِ فَانُونَ؟ بَعْضُكُمْ يَهُزُّ رَأْسَهُ. لَا، لَسْنَا عَلَى يَقِينٍ. فَلَسْنَا نَعْرِفُ ذَلِكَ اسْتِقْرَائِيًّا. هَلْ فَحَصْنَا كُلَّ إِنْسَانٍ عَاشَ يَوْمًا لِنَتَأَكَّدَ أَنَّهُ مَاتَ؟ وَكَمْ عَدَدُ الَذِينَ لَمْ يَمُوتُوا بَعْدُ؟ جَمِيعُ الَذِينَ لَا يَزَالُونَ أَحْيَاءَ. يُمْكِنُ التَأَكُّدُ مِنْ أَنَّ جَمِيعَ الْبَشَرِ فَانُونَ فَقَطْ بَعْدَ مَوْتِ الْجَمِيعِ، لِأَنَّهُ حَتَّى وَإِنْ كُنْتَ آخِرَ إِنْسَانٍ حَيٍّ عَلَى هَذَا الْكَوْكَبِ، رُبَّمَا تَكُونُ الِاسْتِثْنَاءَ الْوَحِيدَ. لَكِنْ لَدَيْنَا عَيِّنَةٌ مَعْقُولَةٌ، أَوْ مَجْمُوعَةٌ مَعْقُولَةٌ مِنْ الْحَالَاتِ الْخَاصَّةِ يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَخْلِصَ مِنْهَا الِاسْتِنْتَاجَ بِأَنَّ جَمِيعَ الْبَشَرِ فَانُونَ. إِذَا كَانَ هَذَا التَصْرِيحُ صَحِيحًا، وَإِذَا كَانَ جَمِيعُ الْبَشَرِ فَانِينَ، وَإِذَا كَانَ سُقْرَاطُ إِنْسَانًا، فَمَاذَا عَنِ الِاسْتِنْتَاجِ؟ هَلْ هُوَ أَكِيدٌ أَمْ غَيْرُ أَكِيدٍ؟ أَكِيدٌ تَمَامًا. فَإِذَا كَانَ جَمِيعُ الْبَشَرِ فَانِينَ، وَإِذَا كَانَ سُقْرَاطُ إِنْسَانًا، يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ بِالضَرُورَةِ أَنَّ سُقْرَاطَ أَيْضًا فَانٍ. هَذَا هُوَ الْجَانِبُ الِاسْتِنْبَاطِيُّ، الَذِي يَسْتَعْمِلُ الْمَنْطِقَ. الِاسْتِقْرَاءُ هُوَ الْجَانِبُ الشَكْلِيُّ. عُذْرًا، هُوَ الْجَانِبُ الْمَادِّيُّ. يَنْطَوِي الِاسْتِقْرَاءُ عَلَى اسْتِخْدَامِ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ، وَأَدَوَاتٍ مُتَطَوِّرَةٍ كَالْمِجْهَرِ وَالتِلِسْكُوبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لِمُلَاحَظَةِ التَفَاصِيلِ. وَلَنْ نُمَارِسَ عِلْمًا سَلِيمًا إِنْ تَجَاهَلْنَا الْمُعْطَيَاتِ.

سَمِعْتُمُ التَعْبِيرَ الْقَائِلَ: "هَذَا الرَجُلُ لَنْ يَسْمَحَ لِلْحَقَائِقِ بِالْوُقُوفِ فِي طَرِيقِ حُجَّتِهِ". أَوْ قَدْ نَقُولُ: "لَا تُشَوِّشْ عَلَيَّ بِالْحَقَائِقِ". وَيَقُولُ الْبَعْضُ: "لَا تُعْطِنِي حَقَائِقَ قَدْ تَتَحَدَّى مَنْظُومَتِي". لَكِنَّ الْعِلْمَ الصَحِيحَ يُحَاوِلُ إِنْقَاذَ الظَوَاهِرِ. وَنَحْنُ نُصَادِفُ هَذِهِ الظَوَاهِرَ بِالْحَوَاسِّ. فَلَنْ أَعْرِفَ بِوُجُودِ طَبْشُورَةٍ هُنَا بِنَاءً عَلَى مَنْطِقٍ اسْتِدْلَالِيٍّ مَحْضٍ. فَلَا يَسَعُنِي التَسَلُّلُ إِلَى عَقْلِ دِيكَارْتْ وَاسْتِنْتَاجُ وُجُودِ هَذِهِ الطَبْشُورَةِ. لَكِنَّنِي مَدْفُوعٌ إِلَى تَصْدِيقِ وُجُودِ طَبْشُورَةٍ هُنَا لِأَنِّي أَرَاهَا، وَأَشْعُرُ بِهَا، وَأَتَوَاصَلُ مَعَهَا بِحَوَاسِّي. فَهِيَ جُزْءٌ مِنْ الْعَالَمِ الْمَادِّيِّ، الَذِي يُمْكِنُ إِدْرَاكُهُ، أَيْ عَالَمِ الظَوَاهِرِ. وَبَعْدَ ذَلِكَ، أَفْحَصُ هَذِهِ الطَبْشُورَةَ وَمَجْمُوعَةً مِنْ الطَبَاشِيرِ الْأُخْرَى، وَأُحَاوِلُ أَنْ أَرَى بِالْمَنْطِقِ مَا تَشْتَرِكُ فِيهِ مَعًا مِنْ خَصَائِصَ طَبْشُورِيَّةٍ.

سَنَتَبَحَّرُ أَكْثَرَ فِي دَوْرِ الْمَنْطِقِ فِي الْعِلْمِ، لَكِنَّ الْأَزْمَةَ الْيَوْمَ، بِرَأْيِي، بَيْنَ اللَاهُوتِ وَالْعِلْمِ، الَتِي أَرْجُو أَنْ أُبَيِّنَهَا، لَيْسَتْ أَزْمَةً بَيْنَ الْإِيمَانِ وَاللَاهُوتِ، وَالْمَنْطِقِ وَالْعِلْمِ. لَكِنِّي عَلَى قَنَاعَةٍ بِأَنَّ الْأَزْمَةَ أَعْمَقُ مِنْ ذَلِكَ. فَأَنَا مُقْتَنِعٌ بِأَنَّ الْأَزْمَةَ تَتَعَلَّقُ بِالْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْمَنْطِقِ دَاخِلَ اللَاهُوتِ، فَهُنَاكَ الْكَثِيرُ مِنَ اللَاهُوتِ غَيْرِ الْمَنْطِقِيِّ مِنْ حَوْلِنَا.

قَدَّمْتُ مُؤَخَّرًا مُقَرَّرًا دِرَاسِيًّا فِي الْفَلْسَفَةِ، وَتَحَدَّثْتُ عَنْ "عِلْمِ" اللَاهُوتِ. أَحَدُ الْحَاضِرِينَ فِي الصَفِّ كَانَ حَاصِلًا عَلَى دُكْتُورَاهَ فِي أَحَدِ الْعُلُومِ الطَبِيعِيَّةِ. فَاعْتَرَضَ عَلَى تَسْمِيَتِي لِلَاهُوتِ بِالْعِلْمِ. وَقَالَ "لَيْسَ اللَاهُوتُ عِلْمًا". أَجَبْتُهُ: "وَهَلْ هُوَ جَهْلٌ؟" قَالَ: "لَا". فَقُلْتُ: "حَسَنًا، وَمَا مَعْنَى ‘عِلْمٍ’؟ مَعْنَاهُ ‘مَعْرِفَةٌ’، فَهُوَ مَجَالٌ مَعْرِفِيٌّ، إِذْ يَنْطَوِي عَلَى سَعْيٍ وَرَاءَ الْمَعْرِفَةِ، وَوَرَاءَ الْحَقِيقَةِ. وَبِقَدْرِ اهْتِمَامِهِ بِالْحَقِيقَةِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْوَاقِعِ، يَكُونُ مُهْتَمًّا بِالْعِلْمِ. لَكِنْ لَا يُمْكِنُنَا كَأُنَاسٍ عِلْمِيِّينَ أَنْ نَفْصِلَ عُقُولَنَا عَنْ بَاقِي جِسْمِنَا، قَائِلِينَ: "حَسَنًا، عِنْدَ مُمَارَسَةِ اللَاهُوتِ، يُمْكِنُنَا تَنْحِيَةُ عُقُولِنَا جَانِبًا"، أَوْ "يُمْكِنُنَا التَخَلِّي عَنِ الْمَنْطِقِ وَفَقَطِ الْقِيَامُ بِقَفَزَاتِ إِيمَانٍ".

ثَمَّةَ أَزْمَةٌ فِعْلِيَّةٌ الْيَوْمَ فِي اللَاهُوتِ، إِذْ يُرِيدُ النَاسُ دِيَانَةً غَيْرَ عَقْلَانِيَّةٍ. لَكِنْ أُرِيدُ أَنْ نُلَاحِظَ أَيْضًا أَنَّ تِلْكَ الْأَزْمَةَ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْمَنْطِقِ أَصَابَتِ الْمُجْتَمَعَ الْعِلْمِيَّ أَيْضًا، حَيْثُ تَمَّ التَخَلِّي عَنْ نِصْفِ الْمَنْهَجِ الْعِلْمِيِّ، وَحَيْثُ خَلَقْنَا جِيلًا مِنْ الْعُلَمَاءِ مُتَمَرِّسِينَ فِي الِاسْتِقْرَاءِ، لَكِنْ ضُعَفَاءَ بِالْقَدْرِ نَفْسِهِ فِي الِاسْتِنْبَاطِ. وَلِهَذَا نُصَادِفُ كَثِيرًا اسْتِنْتَاجَاتٍ غَيْرَ مَنْطِقِيَّةٍ مُسْتَمَدَّةٍ مِنْ الْمُعْطَيَاتِ. وَسَنَتَطَرَّقُ إِلَى أَوْجُهِ النِزَاعِ هَذِهِ فِي مُحَاضَرَتِنَا الْمُقْبِلَةِ.