المحاضرة 3: ما هي حرية الإرادة؟ | خدمات ليجونير
 

المحاضرة 3: ما هي حرية الإرادة؟

أرِيدُ تَوْجِيهَ انْتِباهِنَا إِلَى ما نَقْصِدُهُ بِتَعْبِيرِ "حُرِّيَّةِ الإِرادَةِ". ما مَعْنَى امْتِلاكُ إرَادَةٍ حُرَّةٍ؟ ما مَعْنَى أنْ أكُونَ كائِنًا حُرًّا أَخْلاقِيًّا، أَوْ مَخْلوقًا مُخَيَّرًا تَحْتَ سِيادَةِ اللهِ؟ أَوَّلًا، هناكَ آراءُ مُختَلِفَةٌ عَنْ مَعْنَى حُرِّيَّةِ الإِرادَةِ، مُنْتَشِرَةٌ فِي مُجْتَمَعِنا، وأَعْتَقِدُ أنَّهُ مِنَ الْمُهِمِّ أَنْ نَتَعَرَّفَ عَلَى هَذِهِ الآراءِ الْمُخْتَلِفَةِ.

اختيارٌ تِلْقائِيٌّ:

الرَّأْيُ الأَوَّلُ سَأُسَمِّيهِ رَأْيَ "الْمَذْهَبِ الإِنْسانِيِّ" عَنْ حُرِّيَّةِ الإِرادَةِ، الَّذي أَعْتَبِرُهُ الأَكْثَرَ انْتِشارًا فِي ثَقافَتِنا. وَيُؤْسِفُنِي أَنْ أَقُولَ إِنَّهُ، فِي رَأْيِي، الأَكْثَرُ انْتِشارًا داخِلَ الْكَنِيسَةِ، كَمَا خَارِجَها أَيْضًا.

فِي هَذَا الرَّأْيِ، تُعرَّفُ حُرِّيَّةُ الإِرادَةِ بِأَنَّها الْمَقْدِرَةُ عَلَى الاخْتِيارِ تِلْقائِيًّا، أيْ أنَّ اخْتِياراتِنا غَيْرُ مَشْرُوطَةٍ أَوْ مُعْتَمِدَةٍ عَلَى أَيِّ حُكْمٍ مُسْبَقٍ، أَوْ مَيْلٍ، أَوْ رَغْبَةٍ. سَأَقولُ هذا مَرَّةً أُخْرَى: إِنَّنا نَخْتارُ تِلْقَائِيًا، وَلا شَيْءَ سَابِقٌ–أَيْ سَابِقٌ لِلاخْتِيارِ–يُحدِّدُ الاخْتِيارَ، لا حُكْمَ مُسْبَقٌ، أَوْ رَغْبَةً مُسْبَقَةٌ، أَوْ مَيْلًا مُسْبَقٌ، لَكِنْ يَحْدُثُ الاخْتِيارُ بِالْفِعْلِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، كَفِعلٍ تِلقائِيٍّ مِنَ الشَّخْصِ.

هنا وَبِصِفَتِنا مَسِيحِيِّينَ، نُواجِهُ مُشْكِلَتَيْنِ خَطِيرَتَيْنِ مَعَ هَذَا التَّعْرِيفِ لِحُرِّيَّةِ الإِرَادَةِ. الأُولَى مُشْكِلَةٌ لاهُوتِيَّةٌ، أَوْ أَخْلاقِيَّةٌ، وَالثَّانِيَةُ مُشْكِلَةٌ مَنْطِقِيَّةٌ. لا بُدَّ أنْ أَقولَ إِنَّنا نُواجِهُ ثَلاثَ مُشْكِلاتٍ، لأَنَّ الْمُحاضَرَةَ كلَّها سَتُرَكِّزُ عَلَى الْمُشْكِلَةِ الثَّالِثَةِ. لَكِنْ في الْبِدايَةِ، نَرَى في الْحالِ مُشْكِلَتَيْنِ.

بدونِ دلالَةٍ أَخْلاقِيَّةٍ:

الْمُشْكِلَةُ الأُولَى، كما قلتُ، لاهُوتِيَّةٌ أَوْ أَخْلاقِيَّةٌ. فَإِنْ كُنَّا نَخْتارُ تِلْقائِيًا، دونَ أيِّ مَيْلٍ مُسْبَقٍ، أَو رغبةٍ مُسْبقةٍ–فإِنَّنا نقولُ إِذَنْ إنَّه لا يوجَدُ سَبَبٌ لهذا الاخْتِيارِ. لا يُوجَدُ دافِعٌ لِلاخْتِيارِ. بَلْ هُوَ يَحْدُثُ تِلْقائِيًّا.

وإنْ كانَتِ الاخْتياراتُ تَحْدُثُ هكَذا، فإنَّنا نُواجِهُ على الفَوْرِ مُشْكِلَةَ كيْفَ تكونُ لهذا الْفِعْلِ أَيُّ دلالَةٍ أخْلاقِيَّةٍ؟  مَثَلًا، يَهْتَمُّ الْكتابُ الْمُقَدَّسُ فِي اخْتِياراتِنا لَيْسَ فَقَطْ بِما نَخْتَارُهُ، بَلْ بِقَصْدِنا عِنْدَ اتِّخاذِ الْقرارِ.

مَثلًا، تَذَكَّرُوا قِصَّةَ بَيْعِ إِخْوَةِ يُوسُفَ لَهُ عَبْدًا. فحِينَ اجْتَمَعَ يوسُفُ مَعَ إِخْوَتِهِ ثانِيَةً بعْدَ عِدَّةِ سَنَواتٍ، وتَابُوا عَنْ خَطِيَّتِهِمْ، ماذا قالَ يوسُفُ لإِخْوَتِهِ؟ بَعْدَ أنْ قَبِلَهُمْ وَسامَحَهُمْ، قالَ: "أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرًّا، أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْرًا" (تكوين 50: 20). إذَنْ، اختارَ اللهُ شَيْئًا. اختارَ اللهُ، على الأقلِّ، أنْ يسمَحَ بهذا الْمُصابِ لِيُوسُفَ. واخْتارَ إِخْوَتُهُ أنْ يَفْعَلُوا هذا بِيُوسُفَ. كانَ مَيْلُهُمْ في هذا الاختيارِ شِرِّيرًا. اتَّخذَ اللهُ أيضًا قرارًا بسَماحِهِ بهَذا، لكنَّ دافِعَ اللهِ، أوْ قَصْدَهُ مِنْ هذا، كانَ بارًّا وَمُقَدًّسًا تَمَامًا.

وهكَذا، عِنْدَ فَحْصِ اللهِ لأيِّ عَمَلٍ صالِحٍ، مَثَلًا، هُوَ لا يَفْحَصُ فَقَطْ الْعَمَلَ الْخارِجِيَّ (الْفِعْلَ)، لَكِنْ يَفْحَصُ أَيْضًا ماذا؟ الدَّافِعَ الدَّاخِلِيَّ، الْقَصْدَ وَراءَ الْعَمَلِ. لَكِنْ، لَوْ لَمْ تَكُنْ هناكَ دَوافِعُ داخِلِيَّةٌ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ هُناكَ مَقاصِدُ، لَوْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ قَصْدٌ واقِعِيٌّ، بِحَسَبِ الْمُصْطَلَحِ الْفَلْسَفِيِّ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ تَكونَ لِلْفِعْلِ دَلالَةٌ أَخْلاقِيَّةٌ؟ فَهْوَ يَحْدُثُ هَكَذَا.

مُستَحِيلٌ مَنْطِقِيًّا:

لكِنْ تَتَمَثَّلُ الْمُشكلَةُ الأَعْمَقُ فِي إِجابَتِنا عَنْ تَساؤُلِ حقيقَةٍ مِثْلِ هذا النَّوْعِ مِنَ الاخْتِيارِ، لَيْسَ الأَمْرُ فَقَطْ هُوَ هَلْ سيكونُ الاخْتِيارُ أَخْلاقِيًّا أمْ لا، بَلْ هَلْ يُمْكِنُ لأيِّ مَخْلُوقٍ، دُونَ مَيْلٍ، أَوْ رَغْبَةٍ سَابِقَةٍ، أَوْ سَبَبٍ أَنْ يَخْتارَ شَيْئًا؟

سَنَفْهَمُ هذا مِنْ خِلالِ بَعْضِ الأَمْثِلَةِ. لَوْ لَمْ يَكُنْ لَدَيَّ أَيُّ مَيْلٍ سابِقٍ أَوْ رَغْبَةٍ–فَالشَّيْءُ الْجَذَّابُ هُنا هُوَ أنَّ ذَلِكَ يَعْنِي أنَّ إرادَتِي مُحايِدَةٌ. فَهْيَ لا تَمِيلُ إلى الْيسارِ أَوْ إِلَى الْيَمِينِ. وَلا تَمِيلُ إِلَى الْخَيْرِ أَوْ إِلَى الشَّرِّ. بَلْ مُحَايِدَةٌ. لا يوجَدُ مَيْلٌ سابِقٌ.

أَتَذَكَّرُ قِصَّةَ "أَلِسْ فِي بِلادِ الْعَجائِبِ"، حِينَ وَصَلَتْ إِلَى مُفْتَرَقِ طُرُقٍ أثْناءَ رِحْلَتِها، وَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تَخْتارَ هَلْ تَسْلُكُ اتِّجاهَ الْيَسارِ أَمِ الْيَمِين. وَحِينَ نَظَرَتْ إِلَى فَوْقُ، رَأَتْ قِطَّةً فِي الشَّجَرَةِ، تَبْتَسِمُ لَها، فَسَأَلَتِ الْقِطَّةَ: "أيَّ طَرِيقٍ أَخْتَارُ؟" أجابَتْها الْقِطَّةُ: "هذا يعتمِدُ على وُجْهَتِكِ؟" أَجابَتْها: "لا أعْرِفُ" فماذا قالَتْ لها؟ "إذَنْ لا يَهُمّ".

لَوْ لَمْ يَكُنْ لَدَيْكَ قَصْدٌ، أَوْ خِطَّةٌ، أوْ رَغْبَةٌ فِي الذَّهابِ إِلَى مَكانٍ ما، فَما الْفَرْقُ إِنْ سَلَكْتَ اتِّجاهَ الْيَسارِ أَوِ الْيَمِينِ؟ حينَ نَرَى هذا، نُفَكِّرُ: "لَدَى ألِس الآنَ خِيارَانِ. يُمْكِنُ أَنْ تَسْلُكَ اتِّجاهَ الْيَسارِ، أَوِ الْيَمِينِ". لَكِنْ، فِي الْحَقِيقَةِ لَدَيْها أَرْبَعَةُ خَيارَاتٍ. يُمْكِنُ أَنْ تَسْلُكَ اتِّجاهَ الْيَسارِ، أَوِ اتِّجاهَ الْيَمِينِ، أَوْ تَلْتَفَّ وَتَعُودَ مِنْ حَيْثُ أتَتْ، أَوْ تَقِفَ هُناكَ ولا تَفْعَلُ شَيْئًا، وَهَذَا أيْضًا خِيَارٌ. تَقِفُ هُناكَ حَتَّى تَموتَ فِي سُكُونِها.

إِذَنْ، لَدَيْها أَرْبَعَةُ خَيارَاتٍ. فَالسُّؤالُ هُوَ: "لِماذا قَدْ تَخْتارُ أيًّا مِنَ الْخَياراتِ الأَرْبَعَةِ؟" لَوْ لَمْ يَكُنْ لَدَيْها سَبَبٌ أَوْ مَيْلٌ وراءَ الاخْتِيارِ، وَلْو كانَتْ إِرادَتُهَا مُحايِدَةً تمامًا، فماذا سَيَحْدُثُ؟ لَوْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ ما يَدْعُوها أَنْ تُفَضِّلَ الْيَسارَ عَلَى الْيَمِينِ، أَوِ الْوُقُوفَ عَلَى الْعَوْدَةِ، فَماذَا سَتَخْتارُ؟ لَنْ تَخْتَارَ شَيْئًا، سَتَقِفُ سَاكِنَةً.

إِذَنْ، مُشْكِلَتُنا مَعَ رَأْيِ الْمَذْهَبِ الإِنْسانِيِّ عَنِ الْحُرِّيَّةِ هِيَ الْمُشْكِلَةُ ذَاتُها الْقَدِيمَةُ عَنْ ظُهورِ أَرْنَبٍ دُونَ قُبَّعَةٍ وَدُونَ ساحِرٍ. أيْ شيءٌ مِنَ الْعَدَمِ، وَنَتِيجَةٌ دُونَ سَبَبٍ. بِمَعْنَى آخَرَ، الاخْتِيارُ التِّلْقائِيُّ مُسْتَحِيلٌ مَنْطِقِيًّا. سَيَكُونُ نَتِيجَةً دُونَ سَبَبٍ.

بِإيجازٍ أُضِيفُ، إِنَّهُ مِنَ الْمَنْظُورِ الْكِتابِيِّ، أَيْ بِحَسَبِ الرَّأْيِ الْمَسِيحِيِّ، لا يُعتبَرُ الإِنْسانُ السَّاقِطُ فِي حِيادٍ مِنْ جِهَةِ أمُورِ اللهِ. بَلْ لَدَيْهِ حُكْمٌ مُسْبَقٌ، وَلَدَيْهِ تَحَيُّزٌ، وَمَيْلٌ، وَهَذا الْمَيْلُ هُوَ نَحْوَ الشَّرِّ، بَعِيدًا عَنْ أُمُورِ اللهِ. سَأَتَحَدَّثُ بِإِيجازٍ، وَنَحْنُ نَسْتَعْرِضُ الآراءَ الْمُخْتَلِفَةَ الْمَسِيحِيَّةَ عَنْ حُرِّيَّةِ الإِرادَةِ.

اختيارُ الْعَقْلِ:

أَعْتَقِدُ شَخْصِيًّا أنَّ أَفْضَلَ كِتابٍ عَنْ هذا الْموضوعِ هُوَ "حُرِّيَّةُ الإِرادَةِ" لأَعْظَمِ لاهُوتِيٍّ أَمْرِيكيٍّ، جُوناثان إِدْوارْدْز.

(بِالْمُناسَبَةِ، هَذَا اللَّقَبُ "أَعْظَمُ لاهُوتِيٍّ أَمْرِيكِيٍّ" لَيْسَ مِنِ اخْتِراعِي، لَكِنَّهُ مِنَ الْمَوْسُوعَةِ الْبَرِيطَانِيَّةِ، الَّتِي صَوَّتَتْ لِصالِحِ جُوناثانْ إِدْوارْدْز بِصِفَتِهِ أَعْظَمَ عَقْلٍ أَكادِيمِيٍّ أَنْتَجَتْهُ الْوِلاياتُ الْمُتَّحِدَةُ، وَأَعْتَقِدُ أَنَّ كتابَهُ "حُرِّيَّةَ الإِرَادَةِ" هُوَ أَفْضَلُ دِراسَةٍ وَتَحْلِيلٍ قَرَأْتُهُ عَنْ هَذَا الْمَوْضُوعِ الشَّائِكِ). بِالتَّأكيدِ، أيْضًا الْكِتابُ الشَّهِيرُ لِمارْتِن لُوثَر عَنْ "عُبُودِيَّةِ الإِرادَةِ" مُهِمٌّ جِدًّا، وَعَلَى الْمَسِيحِيِّينَ قِراءَتُهُ.

لَكِنْ لِنَنْظُرِ الآنَ إِلَى تَعْرِيفِ إِدْوارْدْز لِحُرِّيَّةِ الإِرادَةِ: "تَكْمُنُ الْحُرِّيَّةُ أَوْ حِرِّيَّةُ الإِرادَةِ فِي اخْتِيارِ الْعَقْلِ". فَهْوَ يَقُولُ إِنَّنا بِالْفِعْلِ نُفَرِّقُ بَيْن الْعَقْلِ وَالإِرادَةِ، لَكِنْ لا يُمْكِنُ فَصْلُهُما. لَسْنَا نَتَّخِذُ قَراراتٍ أَخْلاقِيَّةً دُونَ مُوافَقَةِ الْعَقْلِ عَلَى الاخْتِيارِ.

هَذَا مِنَ الْجَوانِبِ وَثِيقَةِ الصِّلَةِ بِالْمَفْهُومِ الْكِتابِيِّ عَنِ الضَّمِيرِ: إِنَّ الاخْتِياراتِ الأَخْلاقِيَّةَ تَتَطَلَّبُ تَدَخُّلًا مِنَ الْعَقْلِ لاتِّخاذِها. أيْ أَنَّنِي أُدْرِكُ بَعْضَ الْخَياراتِ، وَإِنْ فَضَّلتُ وَاحِدًا عَلَى الآخَرِ، أَيْ كانَتْ لَدَيَّ أَفْضَلِيَّةٌ، قَبْلَ اتِّخاذِ الْقَرارِ، فَلا بُدَّ أنَّنِي أَعِي بَعْضَ الْخَياراتَ، حَتَّى يَكونَ هَذَا الْقرارُ أَخْلاقِيًّا.

إذَنْ، فَالإِرَادَةُ لَيْسَتْ مُسْتَقِلَّةً عَنِ الْعَقْلِ، بَلْ تَعْمَلُ مُقْتَرِنَةً بِهِ. فَما يَحْكُمُ الْعَقْلُ بِأَنَّهُ مَقْبُولٌ، تَمِيلُ الإِرادَةُ إِلَى اخْتيارِهِ.

أقْوى رَغْبَةٍ:

بِالإِضافَةِ إِلَى التَّعْرِيفَاتِ، قَدَّمَ لَنا إِدْوَارْدْز قَاعِدَةً مُتَأَصِّلَةً، أُسَمِّيها "قَانُونُ إِدْوارْدْز عَنْ حُرِّيَّةِ الإِرَادَة"، وَأَعْتَقِدُ أَنَّ هذا رُبَّما يكونُ أَهَمَّ إِسْهامٍ لَهُ فِي مَوْضُوعِ حُرِّيَّةِ الإِرادَةِ.

قالَ إدْوارْدْز إِنَّ "الْكائِناتِ الأَخْلاقِيَّةَ الْحُرَّةَ تَتَصَرَّفُ دَائِمًا بِحَسَبِ أَقْوَى مَيْلٍ لَدَيْها فِي لَحْظَةِ الاخْتِيارِ". بِمَعْنَى آخَرَ، نَحْنُ نَخْتارُ دَائِمًا بِحَسَبِ مُيُولِنا، وَنَخْتارُ دائِمًا بِحَسَبِ أَقْوَى مَيْلٍ لَدَيْنا فِي لَحْظَةٍ ما.

سَأُبَسِّطُها لَكُمْ. حِينَ تُخْطِئُ، يَعْنِي هَذَا أَنَّكَ فِي لَحْظَةِ ارْتِكابِ الْخَطِيَّةِ، كَانَتْ رَغْبَتُكَ فِي ارْتِكابِ الْخَطِيَّةِ أَكْبَرَ مِنْ رَغْبَتِكَ فِي طَاعَةِ الْمَسِيحِ. فَلَوْ كَانَتْ رَغْبَتُكَ فِي طَاعَةِ الْمَسِيحِ أَكْبَرَ مِنْ رَغْبَتِكَ فِي ارْتِكابِ الْخَطِيَّةِ، فَماذَا كُنْتَ سَتَفْعَلُ؟ لَنْ تُخْطِئَ. لَكِنْ فِي لَحْظَةِ الاخْتِيارِ، نَتْبَعُ دَائِمًا أَقْوَى مَيْلٍ، أَوْ أَقْوَى رَغْبَةٍ.

لَكِنْ، يَبْدُو لَنا فِي مَوْضُوعِ الاخْتِيارِ أَنَّنا كَثِيرًا مَا نَخْتارُ أَشْيَاءَ دُونَ أَسْبابٍ وَاضِحَةٍ. مَثَلًا، إِنْ سأَلْتُكَ: "لِماذَا تَجْلِسُ عَلَى هَذَا الْكُرْسِيِّ الآنَ؟" هَلْ يُمْكِنُكَ تَحْلِيلُ أَفْكارِكَ وَرُدَودِ فِعْلِكَ الدَّاخِلِيَّةِ تُجاهَ الْخَياراتِ الَّتِي كانَتْ أَمامَكَ حِينَ دَخَلْتَ هَذِهِ الْغُرْفَةَ، والْقَوْلُ بِوُضُوحٍ: "أنا جالِسٌ في آخِرِ الْغُرْفَةِ لأنَّنِي أُحِبُّ دائِمًا الْجُلُوسَ فِي الْكُرْسِيِّ الأَخِيرِ"، أو "لأَنَّنِي أَرَدْتُ الْجُلُوسَ بِجِوارِ جِيْن"، أَوْ "أَرَدْتُ الْجُلُوسَ فِي الْمُقَدِّمَةِ حَتَّى أَظْهَرَ فِي الْكامِيراتِ"، أَوْ "كانَ هَذَا هُوَ الْكُرْسِيَّ الْوَحِيدَ الْخالِي، وَلَمْ أَكُنْ أُرِيدُ الْوُقوفَ، فَفَضَّلْتُ الْجُلوسَ عَنِ الْوُقوفِ، وَلِهَذا، كانَتْ رَغْبَتِي في الْجُلوسِ أَقْوَى من رَغْبَتِي فِي الْوُقوفِ، فَجَلَسْتُ".

أَقُولُ إِذَنْ إِنَّ هُنَاكَ سَبَبًا وَراءَ جُلُوسِكَ فِي هَذَا الْمَكانِ. رُبَّمَا كانَ قَرارُكَ سَرِيعًا جِدًّا. رُبَّما فقَطْ أنْتَ كَسُولٌ، ولا تُحِبُّ الْحَرَكَةَ، فَكانَ الْكُرْسِيُّ الَّذِي رَأَيْتَهُ فَارِغًا هُوَ الأَقْرَبُ إِلَيْكَ. وَالْفُرَصُ، أَوِ الأَسْبابُ، يُمْكِنُ أَنْ تَكونَ أَعْمَقَ مِنْ هَذَا.

الْبَعْضُ، إِنْ أَخَذْتَهُمْ إِلَى الْحَدِيقَةِ، حَيْثُ يُوجَدُ مَقْعَدٌ خَالٍ، يَسَعُ ثَلاثَةَ أَشْخاصٍ، فَهَؤلاءِ، إِنْ أَخَذْتَهُمْ إِلَى الْمَقْعَدِ، أَوْ أَخَذْتَهُمْ إِلَى الْحَدِيقَةِ، وَهُنَاكَ مَقْعَدٌ فارِغٌ، سَيَجْلِسُونَ دَائِمًا عِنْدَ طَرَفِ الْمَقْعَدِ، وَلَيْسَ فِي الْوَسَطِ. سَيَجْلِسُونَ عادَةً عَلَى الطَّرَفِ الْيَمِينِ أوِ الْيَسارِ، بَيْنَما آخَرونَ سَيَخْتارُونَ الْوَسَطَ. لِماذا؟ يُحِبُّ الْبَعْضُ الزِّحامَ. ويُحِبُّونَ أنْ يَكُونُوا فِي وَسَطِ الصَّخَبِ. أيْ شَخْصِيَّتُهُمْ اجْتِماعِيَّةٌ. آخَرُونَ يُحِبُّونَ الْجُلُوسَ حَيْثُ يُمْكِنُهُمْ الانْسِحابُ بِسُهولَةٍ، وَلِهَذا يَجْلِسُونَ عَلَى طَرَفِ الْمَقْعَدِ.

لَسْنَا دَائِمًا نُحلِّلُ بِدِقَّةٍ سَبَبَ اتِّخاذِنا لِلْقراراتِ، لَكِنْ يُوجَدُ سَبَبٌ وراءَ كُلِّ قَرارٍ نَتَّخِذُهُ، وَنَحْنُ نَتَصَرّفُ دائِمًا بِحَسَبِ أَقْوَى مَيْلِ لَدَيْنَا فِي لَحْظَةٍ مَا.

اخْتَرْ مَالَكَ أَوْ حَيَاتَكَ:

يَظْهَرُ فِي الْحالِ اعْتراضانِ على قَانُونِ إِدْوَارْدْز لِلاخْتِيارِ. الأَوَّلُ هُوَ: "حَسَنًا، يُمْكِنُنِي أَنْ أُخْبِرَكَ عَنِ الْكَثِيرِ مِنَ الْمَواقِفِ حَيْثُ فَعَلْتُ أَشْيَاءَ لَمْ أَكُنْ أُرِيدُها، لَكِنَّنِي أُجْبِرْتُ".

حَسَنًا الإِجْبارُ هُوَ تدخُّلٌ مِنْ قُوًى خَارِجِيَّةٍ فِي حَيَاتِنَا، تُحاوِلُ إِجْبارَنَا عَلَى فِعْلِ أَشْياءَ، لَوِ اخْتَلَفَتِ الظُّرُوفُ، لَما اخْتَرْنَا أَنْ نَفْعَلَها. لَكِنْ فِي مُعْظَمِ الأَحْيانِ، هَذِهِ الْقُوَّةُ الْجَبْرِيَّةُ تَستِطيعُ فقطْ أنْ تُنقِصَ خَياراتِنا إلى اثْنَيْنِ – تستطيعُ أنْ تُنقِصَ عددَ خَياراتِنا.

حِينَ يُهاجِمُنِي مُسلَّحٌ في الشَّارعِ، ويُصَوِّبُ سِلاحًا إلى رَأْسي، ويقولُ: "اخْتَرْ مالَكَ أَوْ حَياتَكَ". فَهْوَ أَنْقَصَ خَياراتِي إِلَى اثْنَيْنِ. مَفْهُوم؟ عَنْ طَرِيقِ قُوَّةٍ خَارِجِيَّةٍ أَوْ جَبْرِيَّةٍ. فِي الظُّروفِ الطَّبِيعِيَّةِ، لَمْ أَكُنْ أَبْحَثُ عَنْ شَخْصٍ أُعْطِيهِ نُقُودِي فِي ذلَكَ الْيَوْمِ، وَلَمْ تَكُنْ لَدَيَّ الرَّغْبَةُ أنْ أُعْطِيَ هذا الرَّجُلَ نُقُودِي. لَكِنْ حِينَ صارَ السِّلاحُ مُصَوَّبًا لِرَأْسِي، وصارَ أمامِي إمَّا أنْ أَمُوتَ، أو تَصِيرَ نقودِي فِي جَيْبِهِ، صارَتْ فَجْأَةً رَغْبَتِي فِي أَنْ أَعِيشَ وَأَفْقِدَ مَالِي، أَقْوَى مِنْ رَغْبَتِي فِي أَنْ أَمُوتَ وَأَيْضًا أفْقِدَ مَالِي. ولهذا، في تلك اللَّحْظَةِ قَدْ تَفُوقُ رَغْبَتِي فِي الْحَياةِ رَغْبَتِي فِي مُقاوَمَةِ الرَّجُلِ، وَلِهَذا أُعْطِيهِ نُقُودِي.

قد يَقُولُ آخَرُونَ فِي هَذَا الْمَوْقِفِ: "أُفَضِّلُ الْمَوْتَ عَلَى الاسْتِسْلامِ، حَتَّى إِنْ عَلِمْتُ أَنَّنِي إِنْ رَفَضْتُ مَنْحَهُ الْمَالَ، سَيَقْتُلُنِي وَيَأْخُذُ نُقُودِي، ولَكِنْ، لَنْ أُساعِدَهُ". فَيَقُولُونَ: "اقْتُلْنِي". لَكِنْ هُنَا أَيْضًا، فَاقَتْ رَغْبَتُهُمْ فِي الْمُقاومَةِ رَغْبَتَهُمْ فِي عَدَمِ الْمُقاومَةِ، ولِهَذا قاوَمُوا.

واضِح؟ إذَنْ، حَتَّى حِينَ تَتَناقَصُ خَياراتُنا بِالْقُوَّةِ، وَتُغَيِّرُ قُوًى خَارِجِيَّةٌ مِنْ مُسْتَوَياتِ رَغَباتِنا – هُناكَ فِكْرَةٌ أُخْرَى يَنْبَغِي أَنْ نَعْرِفَها، وَهْيَ أَنَّ الرَّغَباتِ الْبَشَرِيَّةَ تَتَغَيَّرُ، وَهْيَ كَثِيرَةٌ. وَفِي اتِّخاذِنا لِلْقراراتِ، مِنَ النَّادِرِ أَنْ نَخْتارَ بَيْنَ خِيارَيْنِ، أَوْ حَتَّى بَيْنَ خِيارٍ جَيِّدٍ وَخِيارٍ سَيِّئٍ. مِنْ أَصْعَبِ الْقراراتِ عَلَى الْمُؤْمِنِ هُوَ الاخْتِيارُ بَيْنَ أَشياءَ جَيِّدَةٍ مُخْتَلِفَةٍ. "أمامَنا فُرْصَتانِ، لكِنْ لا أَعْرِفُ أَيُّهُما سَيَخْدِمُ الْمَسِيحَ بِأَفْضَلِ صُورَةٍ". وهذا صَعْبٌ جِدًّا. نَعْرِفُ أَنَّ مُسْتوياتِ رَغَباتِنا تَتَغَيَّرُ وَتَتَبَدَّلُ.

لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ:

لَكِنَّ الاعْتِراضَ الثَّانِي الَّذي أَتَوَقَّعُهُ هُوَ تَصْرِيحُ بُولُسَ الرَّسُولِ: "لِأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ، بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ" (رومية 7: 15-19). يَبْدُو أَنَّ هذا يُوحِي بِأَنَّ بُولُسَ الرَّسُولِ يُخْبِرُنا، بِسُلْطَةٍ رسُولِيَّةٍ، أنَّهُ يُمْكِنُ لأحَدٍ أنْ يختارَ عَكْسَ ما يريدُهُ، أيْ عَكْسَ رَغَباتِهِ.

رَدًّا على ذَلِكَ، لَنْ أقُولَ سِوى أَنَّنِي أَعْتَقِدُ أنَّ غَرَضَ الرَّسولِ هُنا لَمْ يَكُنِ التَّحَدُّثَ عَنْ تَعْقِيداتِ إِمْكانِيَّةِ الاخْتِيارِ، لَكِنَّهُ كانَ يُعَبِّرُ عَنْ شَيْءٍ نَخْتَبِرُهُ كُلُّنا – أنَّ لَدَيَّ بِداخِلِي رَغْبَةً أنْ أُرْضِيَ الْمَسِيحَ، لَكِنَّ تِلْكَ الرَّغْبَةَ لا تَفُوزُ دائِمًا حِينَ تَأْتِي اللّحْظَةُ الْحَاسِمَةُ.

كَوْنِي مَسِيحِيًّا، فِي ظُروفٍ طَبِيعِيَّةٍ، لَوْ سَأَلْتَنِي: "هلْ تُحِبُّ أنْ تكونَ بِلا خَطِيَّةٍ؟" سَأُجِيبُكَ: "طَبْعًا أُحِبُّ أنْ أكونَ بِلا خَطِيَّةٍ". لَكِنَّنِي أقُولُ هذا قَبْلَ أَنْ تَضْغَطَ عليَّ التَّجْرِبَةُ، وَتَشْتَدَّ رَغْبَتِي فِي الْخَطِيَّةِ، فَأَسْتَسْلِمَ لَهَا، بِإِرادَتِي. فَحِينَ أَتَصَرَّفُ بِحَسَبِ رَغَباتِي، أَتَصَرَّفُ بِإِرادَتِي.

حَسَنًا، لِنُكْمِلْ. قالَ كَالْفِن، فِي دِراسَتِهِ لِمَوْضُوعِ حُرِّيَّةِ الإِرادَةِ: "إِنْ كُنَّا نَقْصِدُ بِحُرِّيَّةِ الإِرادَةِ أَنَّ الإِنسانَ السَّاقِطَ قادِرٌ أنْ يَخْتارَ ما يُرِيدُ، فَقَطْعًا الإِنسانُ السَّاقِطُ حرٌّ. وَإِنْ كُنَّا نَقْصِدُ بِهَذا أنَّ الإِنْسانَ، فِي حالَتِهِ السَّاقِطَةِ، لَدَيْهِ الْقُدْرَةُ وَالإِمْكَانِيَّةُ الأَخلاقِيَّةُ أَنْ يَخْتارَ الْبِرَّ، إذَنْ، سيَكُونُ إسْقاطُ صِفَةِ حُرِّيَّةِ الإِرادَةِ عَلَيْهِ فِيهِ مبالَغَةٌ شَدِيدَةٌ". وأَتَّفِقُ مَعَ هَذَا الرَّأْي.

حُرٌّ وَمُعَيَّن:

رأَيْنا رَأْيَ إِدْوارْدْز، وَرَأَيْنا رَأْيَ كالْفِن، لِنَرَ الآنَ رأْيِي الشَّخْصِيِّ عَنْ حُرِّيَّةِ الإِرادَةِ، وَسَنَلْجَأُ إِلَى نَوْعٍ مِنَ الْمُفارَقَةِ.

فِي رَأْيِي، كُلُّ قَرارٍ نَتَّخِذُهُ هُوَ اخْتِيارٌ حُرٌّ، وَكُلُّ قَرارٍ نَتَّخِذُهُ هُوَ مُعَيَّنٌ مِنْ قَبْلُ. كُلُّ قَرارٍ نَتَّخِذُهُ هُوَ اخْتِيارٌ حُرٌّ، وَكُلُّ قَرارٍ نَتَّخِذُهُ هُوَ مُعَيَّنٌ.

يَبْدُو هَذَا تَناقُضًا صَرِيحًا، لأَنَّنا نَرَى عادَةً أنَّ "التَّعْيِينَ" وَ"الْحُرِّيَّةَ" نَقِيضَانِ، قائِلِينَ إنَّهُ إِذَا كانَ شَيْءٌ مُعيَّنًا بِشَيْءٍ آخَرَ، أيْ تَسَبَّبَ فِيهِ شَيْءٌ آخَرُ، فَهَذا يَعْنِي أنَّهُ لَيْسَ حُرًّا تمامًا.

لكِنَّني لا أتَحَدَّثُ هُنَا عنِ الْقَدَرِيَّةِ الَّتِي تَعْنِي أنَّ الأَشياءَ تَحْدُثُ لِي فَقَطْ بِفِعْلِ قُوًى خَارِجِيَّةٍ. لَكِنْ بِالإِضافَةِ إِلَى الْقُوَى الْخَارِجِيَّةِ كَعَوامِلَ تُحَدِّدُ ما يَحْدُثُ لَنا، هُناكَ أيضًا قُوًى دَاخِلِيَّةٌ هِيَ عَوامِلُ مُحَدِّدَةٌ.

ما نَقولُهُ، مَعَ إدواردز وكالفن، هُوَ أنَّهُ إِنْ كانَتِ اخْتِياراتِي نَابِعَةً مِنْ مُيولِي، أَوْ رَغَباتِي، وَإِنْ كَانَتْ أَفْعالِي نَتِيجَةً لَها أَسْبابٌ، فَإِنَّ رَغْبَتِي الشَّخْصِيَّةَ هِيَ الَّتي تُحَدِّدُ اخْتِيارِي الشَّخْصِي!

وَإِنْ كانَتْ رَغَباتِي تُحدِّدُ اخْتِيارَاتِي، فَكَيْفَ أَكُونُ حُرًّا؟ أَتَتَذَكَّرونَ مَا قُلْتُهُ إِنَّهُ فِي كُلِّ قَرَارٍ، اخْتِيارُنَا حُرٌّ وَمُعَيَّنٌ؟ لَكِنَّنِي مَنْ يُعَيِّنُهُ–وهَذَا نُسَمِّيهِ–امْلأِ الْفراغَ-تَعْيِينَ. نَعَمْ، تَعْيِينٌ ذاتِيٌّ، وَهْوَ لَيْسَ إنْكارًا للْحُرِّيَّةِ، لكِنَّهُ جَوْهَرُ الْحُرِّيَّةِ. فَإِنَّ قُدْرَةَ الذَّاتِ على تَحْدِيدِ اخْتِياراتِها هُوَ مَا تَعْنِيهِ حُرِّيَّةُ الإِرَادَةِ.

الْفِكْرَةُ الْبَسِيطَةُ الَّتِي أُحَاوِلُ تَوْصِيلَها هُوَ أنَّ اخْتيارَنا بِحسبِ رَغَباتِنا لَيْسَ مُمكِنًا فَقَطْ، لَكِنَّنا حَقًا نَختارُ دائِمًا بحسبِ رَغَباتِنا؛ ويُمْكِنُ أنْ أقولَ إِنَّنا لا بُدَّ أنْ نَخْتارَ دائِمًا بِحَسَبِ أَقْوَى مَيْلٍ لَدَيْنا فِي لَحْظَةٍ ما. هَذَا هُوَ جَوْهَرُ حُرِّيَّةِ الاخْتِيارِ – الْقُدْرَةُ عَلَى اخْتِيارِ ما تُريدُهُ.

الْخُطاةُ يُرِيدُونَ أَنْ يُخْطِئُوا:

مِنَ الْواضِحِ أنَّ مُشكلَةَ الْخاطِئِ لَيْسَتْ أنَّ الْخاطِئَ بِسُقوطِهِ قَدْ فَقَدَ إِمْكانِيَّةَ الاخْتِيارِ. لا يَزالُ لِلْخُطاةِ عُقُولٌ، ولا يَزالُ بِإِمْكانِهِمْ التَّفْكِيرُ، ولا تَزالُ لَدَيْهِمْ رَغَباتٌ، وَإِرَادَةٌ. ولا تزالُ الإِرادَةُ حُرَّةً، أَيْ قَادِرَةً على فِعْلِ مَا يُرِيدُهُ الْخَاطِئُ. أَيْنَ الْمُشْكِلَةُ؟ تَكْمُنُ الْمُشْكِلَةُ فِي جُذُورِ أَهْوَاءِ قَلْبِ الإِنْسانِ الْخاطِئِ. فَلأَنَّ لَدَيْهِ مَيْلًا شِرِّيرًا، ورَغْبَةً فِي الْخَطِيَّةِ، يُخْطِئُ.

يُخْطِئُ الْخُطاةُ لأنَّهُمْ يُريدُونَ أَنْ يُخْطِئُوا. إِذَنْ، هُمْ يُخْطِئُونَ بِإِرادَتِهِمْ. يَرْفُضُ الْخُطاةُ الْمَسِيحَ لأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ رَفْضَ الْمَسِيحِ. إِذَنْ، هُمْ يَرْفُضُونَهُ بإِرَادَتِهِمْ. وَقَبْلَ أَنْ يَتَجاوَبَ أَحَدٌ إِيجابِيًّا مَعَ أُمورِ اللهِ، وَيَخْتَارَ الْمَسِيحَ، ويَخْتارَ الْحَياةَ، لا بُدَّ أنْ يُرِيدَ هذَا. السُّؤالُ هُوَ: هَلْ يَحْفَظُ الإِنْسانُ السَّاقِطُ فِي قَلْبِهِ أيَّةَ رَغْبَةٍ فِي اللهِ وَفِي أُمُورِ الله؟

عَبِيدٌ لِلْخَطِيَّةِ:

سَأُعْطِي مُقَدِّمَةً سَرِيعَةً لِمَوْضُوعِنَا التَّالِي، وَهْوَ الرَّأْيُ الْكِتابِيُّ عنِ الطَّبِيعَةِ الْمُتَأَصِّلَةِ لِفَسادِ الإِنْسانِ، مِنْ جِهَةِ رَغْبَتِهِ فِي ما لله. لَكِنْ قَبْلَ أَنْ نَتَنَاوَلَ هَذَا الْجُزْءَ مُباشَرَةً، دَعُونَا نُرْبِطُهُ بِتَبايُنٍ آخرَ شَهِيرٍ أَعْلَنَهُ جُوناثان إِدْوارْدْز. فَقَدْ فرَّقَ بَيْنَ الْمَقْدِرَةِ الأَخْلاقِيَّةِ وَالْمَقْدِرَةِ الطَّبِيعِيَّةِ.

تَتَعَلَّقُ الْمَقْدِرَةُ الطَّبِيعِيَّةُ بِالإِمْكانِيَّاتِ الَّتِي لَدَيْنَا بِالطَّبِيعَةِ. فَأنا لَدَيَّ الْمَقْدِرَةُ الطَّبِيعِيَّةُ عَلَى التَّفْكِيرِ، وَعَلَى التَّحَدُّثِ، وَأَسْتَطِيعُ أَنْ أَسِيرَ مُسْتَقِيمًا. لَكِنْ لَيْسَتْ لَدَيَّ الْمَقْدِرَةُ الطَّبِيعِيَّةُ عَلَى الطَّيَرانِ دُونَ مُساعَدَةِ أَدَواتٍ. لَدَى الأَسْماكِ الْمَقْدِرَةُ عَلَى الْحياةِ تَحْتَ الْماءِ لِفَتَراتٍ طَوِيلَةٍ دُونَ أُسْطُواناتِ أُكْسِجِينَ، وَأَدَوَاتِ غَوْصٍ، لأَنَّ اللهَ أعْطاها زَعانِفَ وخَياشِيم. فَقَدْ أَعْطاهَا الْجِهازَ الطَّبِيعِيَّ اللَّازِمَ لِتَحْيَا فِي هَذِهِ البيئة. إِذَنْ، لَدَيْهَا مَقْدِرَةٌ طَبِيعِيَّةٌ لَيْسَتْ عِنْدِي. أَعْطَى اللهُ الطُّيُورَ قُدُراتٍ طَبِيعِيَّةً لَيْسَتْ عِنْدِي. مَفْهُوم؟

لكِنْ حِينَ نَتَحَدَّثُ عَنِ الْمَقْدِرَةِ الأَخْلاقِيَّةِ، نَقْصِدُ بِها الْمَقْدِرَةَ على أنْ نَكُونَ أَبْرارًا، أَوْ خُطاةً. خُلِقَ الإِنْسانُ بِإِمْكانِيَّةِ أنْ يَكونَ بَارًّا أوْ خاطِئًا، لَكِنَّهُ سَقَطَ. وَيَقولُ إِدْواردْز إنَّهُ في حالَتِهِ السَّاقِطَةِ، لَمْ تَعُدْ لدَيْهِ الْقُدْرَةُ الأَدَبِيَّةُ مِنْ ذاتِهِ أنْ يَكونَ كامِلًا، لأَنَّهُ يُولَدُ فِي الْخَطِيَّةِ، الْخَطِيَّةِ الأَصْلِيَّةِ. لَدَيْهِ طَبِيعَةٌ ساقِطَةٌ، طَبِيعَةٌ خاطِئَةٌ، تَجْعَلُ وُصُولَهُ لِلْكَمالِ مُسْتَحِيلًا تَمامًا فِي هَذَا الْعالَمِ. تظَلُّ لديهِ الْمَقْدِرَةُ على التَّفكيرِ، وتَظَلُّ لديهِ الْمَقْدِرَةُ على الاخْتِيارِ. لكنَّهُ يفْتَقِرُ إِلَى الْمَيْلِ أَوِ الرَّغْبَةِ فِي التَّقْوَى.

سنَرَى إِنْ كانَ هذا متَّفِقًا مع ما يعلِّمُهُ الْكتابُ الْمُقَدَّسُ عَنْ حالَةِ الإِنسانِ السَّاقِطَةِ أوْ لا، لكِنَّنِي أتَحَدَّثُ الآنَ بإِيجازٍ.

لا يُردِّدُ إدواردز هنا سِوى ما علَّمَهُ أُوغُسْطِينُوسُ قَبْلَهُ بِقُرونٍ فِي تَبايُنٍ مُشابِهٍ. قالَ أُوغُسْطِينُوسُ إِنَّ الإِنْسانَ لدَيْهِ "حُرِّيَّةُ إِرادَةٍ" (liberum arbitrium)، لَكِنَّهُ فَقَدَ فِي السُّقوطِ الْحُرِّيَّةَ "libertas"–الَّتي يُسَمِّيهَا الْكتابُ الْمُقَدَّسُ الْحُرِّيَّةُ الأَخْلاقِيَّةُ.

يَصِفُ الْكِتابُ الْمُقَدَّسُ الْبَشَرَ السَّاقِطِينَ بأنَّهُمْ عَبِيدٌ لِلْخَطِيَّةِ. فَكُلُّ مَنْ فِي هَذِهِ الْعُبُودِيَّةِ فَقَدَ جَانِبَ الْحُرِّيَّةِ الأَخْلاقِيَّةِ. بِإِمْكانِهِمْ الاخْتِيارُ، وَتَظَلُّ لَدَيْهِمْ حُرِّيَّةُ إرادَةٍ، لَكِنْ صارَتْ تِلْكَ الإِرادَةُ تَمِيلُ إِلَى الشَّرِّ، وَتَبْتَعِدُ عَنِ الْبِرِّ. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلَاحًا. لَيْسَ بَارٌّ. لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ اللهَ، لَيْسَ وَلَا وَاحِدٌ (رومية 3: 10-12). يَدُلُّ هذا على أنَّ شيئًا داخليًّا قَدْ حَدَثَ.

قالَ يسوعُ إِنَّ ثمارَ الشَّجَرَةِ تَأْتِي مِنْ طَبِيعَةِ الشَّجَرَةِ (متى 7: 17-20). لا تُثمِرُ شَجَرَةُ التِّينِ بُرْتُقالًا. لا تَخرُجُ ثِمارٌ رَدِيَّةٌ مِنْ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ. تُوجَدُ مُشْكِلَةٌ بِداخِلِنا، حَيْثُ تُوجَدُ رَغباتُنا وَمُيُولُنَا. هذا هو الْجَانبُ الْمُسْتَعْبَدُ. لَكِنْ حتَّى هذا السُّقوطُ لا يُلْغِي إِمْكانِيَّةَ الاخْتِيارِ.

إذَنْ، لا فَرْقَ بَيْنَ ما قالَهُ أُوغُسْطِينُوسُ: "تَظَلُّ لَدَيْنَا حُرِّيَّةُ إِرَادَةٍ، دُونَ حُرِّيَّة"، وَالتَّبايُنُ الَّذِي أَوْضَحَهُ إِدْوَارْدْز بَيْنَ الْمَقْدِرَةِ الأَخْلاقِيَّةِ وَالْمَقْدِرَةِ الطَّبِيعِيَّةِ.

حَسَنًا، سَأَتَوَقَّفُ هُنَا لأَنَّ الْوَقْتَ نَفَدَ. وَفِي الْمُحاضَرَةِ التَّالِيَةِ، سَنَدْرُسُ هَذَا مِنْ مَنْظُورٍ كِتابِيٍّ، لِنَرَى ما يقولُهُ الكتابُ المقدَّسُ عَنْ مَقْدِرَةِ الإِنْسانِ الأخْلاقِيَّةِ، أَوْ غِيابِهَا، مِنْ جِهَةِ أُمُورِ اللهِ.

تم نشر هذه المحاضرة في الأصل في موقع ليجونير.