المحاضرة 2: الله الآب | خدمات ليجونير
 

المحاضرة 2: الله الآب

في هذه المحاضرة من دراستنا لأسس العقيدة المسيحية، بينما ندرس قانون الإيمان، أريد التأمل في أول إعلان في قانون الإيمان. في محاضرتنا السابقة، تكلمنا عن معنى الإيمان والقيام باعتراف إيمان. في قانون الإيمان، جاء أولًا "أؤمن"، بماذا؟ ماذا يأتي بعد ذلك؟ "بالله الآب القدير خالق السماء والأرض". إذًا، أول تأكيد في قانون الإيمان متعلق بأهمية الله الآب الرئيسية. نتساءل عن سبب التشديد على الله الآب؟ ما سبب ذلك؟ "أؤمن بالله الآب". لماذا وردت هذه الكلمة في العقائد الأولى؟ هل لديكم أي فكرة؟

منذ البدء، وحتى قبل مجمع نيقية الذي عُقد في القرن الرابع، كان المجتمع المسيحي يؤمن بالثالوث بكل وعي ذاتي. لاحظوا ما جاء بعد ذلك في قانون الإيمان: "أؤمن بالله الآب، وبيسوع المسيح ابنه الوحيد وربنا". ثم يتم الإعلان بشكل منفصل، "أؤمن بالروح القدس". إذًا، تم الاعتراف بالأقانيم الثلاثة للثالوث في قانون الإيمان الأول هذا. إذًا، التلميح إلى الآب، من ناحية يحمل دلالة ثالوثية. سأرجع إلى ذلك بعد قليل. لكن يوجد سبب آخر لذكر كلمة "أب" بشكل بارز في أسس الإيمان المسيحي. هل يملك أي أحد فكرة عن الأمر؟

أكرر، في القرن التاسع عشر، حين شهدنا حلول ليبرالية القرن التاسع عشر، برزت محاولة مستمرة مع بروز علم مقارنة الأديان مثلًا، للبحث عن جوهر الديانة. وهؤلاء الذين تحرروا من وهم الصفات الفائق للطبيعة لمسيحية الكتاب المقدس، أرادوا الدخول إلى قلب الإيمان المسيحي، أو ما أسماه المفكّرون "جوهر المسيحية". تم نشر طنّ من الكتب في القرن التاسع عشر، وخصوصًا في ألمانيا، التي تتحدث عن جوهر الديانة، مثل لودويك فرويرباك، أو جوهر المسيحية. الكلمة الألمانية هي "فايزن" – "فايزن"، أو "الكيان"، أو فحوى المسيحية، وهي محاولة انتقدها العلماء بعد ذلك معتبرين أنها اختزالية. قالوا "فلنجد إلى أدنى قاسم مشترك نجده في الديانة. ما هي الديانة؟" وهارنوك مثلًا، في القرن التاسع عشر، أصدر كتابًا ما زال قيد الطباعة، وهو كتاب صغير بسيط مؤثر جدًا، عنوانه "ما هي المسيحية؟" وهو يختصر المسيحية بهذا القاسم المشترك الأساسي الذي يتضمن تأكيدين أساسيين: أبوة الله الشاملة، وأخوة الإنسان الشاملة – أبوة الله، وأخوة الإنسان. قال إن هذه هي رسالة العهد الجديد الأساسية.

فجاء رد فعل الكنيسة الأثوذكسية سلبيًا إزاء هذا النوع من الاختزال، وذلك لأسباب عدة: أولًا، لأنه يميل إلى التعتيم على بعض العناصر الحيوية الأخرى للمسيحية. لكن ليس هذا فحسب، نحن نتساءل ما إذا كان صحيحًا أن الكتاب المقدس يعلّم عن أبوة الله الشاملة وأخوة الإنسان الشاملة. علّم ويليام إيليري تشانينغ ذلك – إنها عقيدة لمذهب التوحيدية. فأصبح جزءًا من أسلوب الحياة في أميركا اعتبار أبوة الله الشاملة وأخوة الإنسان الشاملة. قد يبدو فظيعًا بالنسبة إليكم إن قلت إنه ربما لا يعلّم الكتاب المقدس فكرة مماثلة – أبوة الله الشاملة وأخوة الإنسان الشاملة. هل يخطر في بالك أي مرجع يعلّم فيه الكتاب المقدس عن أبوة الله الشاملة؟ هذا أمر يمكن استنتاجه من الخليقة، وهو ليس استنتاجًا فحسب، فالرسول بولس قال في إحدى المناسبات في آريوس باغوس، مقتبسًا من الفلاسفة العلمانيين: "كَمَا قَالَ بَعْضُ شُعَرَائِكُمْ أَيْضًا: لأَنَّنَا أَيْضًا ذُرِّيَّة الله"، ما يعني أن الله هو خالق البشر أجمعين. يوجد هذا المعنى غير المباشر حيث يقول الكتاب المقدس بشكل استدلالي إن الله هو خالق البشر أجمعين، إذًا، هذا يعني أنه أب البشر أجمعين. لكن هذه دلالة نادرة جدًا، وكنت لتظن أنها إن كانت جوهر المسيحية فلا بد أن تكون واردة فعليًا على كل صفحة.

لكن قبل أن أدرس ذلك تفصيلًا، دعوني أنتقل إلى المرحلة الثانية: أخوة البشر الشاملة. أين نقرأ ذلك في الكتاب المقدس؟ لا يعلّم الكتاب المقدس عن أخوة البشر الشاملة، ما يعلّمه الكتاب المقدس هو قرابة البشر الشاملة. يسوع يوضح أن جميع البشر هم أقاربي، وهناك واجبات يجب أن أتممها تجاه أقاربي. أنا مدعو لأحب قريبي بقدر ما أحب نفسي. أنت تقول "ربما هذه لعبة دلالات ألفاظ، حيث نميز بين الأقارب والإخوة"، لكني أفعل ذلك لسبب. في العهد الجديد، مفهوم الأخوة عبارة عن نوع مميز جدًا من الشركة بين البشر، أقصد أنه في محور العقيدة المسيحية، كما سنرى بعد قليل، يسوع هو ابن الله الوحيد. إذًا، بأسلوب فريد، يسوع هو ابن الله، ما يجعل الله أب يسوع بشكل فريد. ونحن ننضم إلى عائلة الله، ليس بحكم الطبيعة، وليس ببساطة حين نولد كبشر؛ في الواقع، يقول الكتاب المقدس أننا أبناء الغضب، أليس كذلك؟ لكن لكي نصبح أولاد الله، يجب أن يتم تبنينا في عائلة الآب، بفضل علاقتنا بالابن الوحيد، وهو يسوع.

في مكان آخر يقول الكتاب المقدس "لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ، فَأُولَئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ"، أو أولاد الله. بتعبير آخر، بلغة الكتاب المقدس، وخصوصًا في التقليد اليهودي، هناك خصوصية مميزة مرتبطة بهذه العلاقة البنوية – الأبوية والبنوية، وبالتالي الأخوية. لقد تم تبنينا في عائلة الله بفضل الإيمان بالمسيح، ومن خلال التجدد بالروح القدس. إذًا، إن تكلمنا عن أخوة شاملة وأبوة شاملة فإننا نعتّم على تلك العلاقة المميزة جدًا التي أتاحها المسيح لكلّ من يؤمن به.

سريعًا، في العهد القديم، أحيانًا تمت الإشارة إلى الله على أنه الآب، لكن لدى تعليم الولد اليهود الصلاة، كان يُعطى ثلاثين أو أربعين صيغة مختلفة مناسبة لمخاطبة الله. إذًا، إن أراد أن يصلي، كان يقول من اللائق مخاطبة الله بهذه الطريقة، لا يليق مخاطبة الله بطريقة أخرى؛ كما نعلّم أولادنا "لا تُهن والديك، لا تكن غير مهذّب"، وتعلّمنا كيفية مناداة الخادم "أيها القس"، والبروفيسور "أيها الدكتور"، إلى آخره. إذًا، كان هناك ألقاب محددة وصيغ لائقة لمخاطبة الله. الصيغة المباشرة الشخصية لمناداة الله "أيها الآب" غائبة بشكل ملحوظ من تلك القوائم اليهودية. سنتناول الأمر بشكل أكثر تفصيلًا ضمن سلسلتنا حول الكريستولوجيا، لكني سأذكر الأمر مجددًا هنا، وهو واقع لم يدركه معظم الناس، وهو أنه لا يوجد مكان في العهد القديم أو في أي وثيقة عبرية موجودة، نجد فيه شخصًا يهوديًا يخاطب الله مباشرة بصيغة شخصية كأب؛ إلا في القرن العاشر بعد الميلاد، حتى ألف سنة بعد المسيح، في إيطاليا ومع استثناء واحد بارز فقط، هناك معلّم يهودي من الجليل في القرن الأول تم سرد قصة حياته في التاريخ، وقد تم تدوين عدد كبير من صلواته العامة والخاصة. وفي كل صلاة صلّاها هذا المعلّم، باستثناء واحدة، خاطب الله مباشرة كأب. من هو هذا المعلّم الجليلي الغريب؟ إنه يسوع.

سبب قولي ذلك هو أن معاصري يسوع صُعقوا، حين جال يسوع مناديًا الله بالآب بشكل مباشر. في الواقع، اعتبر بعض أعدائه ذلك سببًا كافيًا لاتهامه بالتجديف. لكن إن استمعت إلى مؤمنين يصلّون ضمن جماعة، وصلّى كل واحد صلاته الخاصة، تأكد أن تسعين بالمئة منهم أو أكثر سيستهلون صلاتهم بالقول "أبانا". إذًا، إنه أمر شائع جدًا بيننا اليوم، إنه أمر مألوف أن نميل إلى اعتبار الأمر تحصيلًا حاصلًا، فتفوتنا الأهمية الكبرى لمناداة يسوع الله كأب له؛ كما تفوتنا أيضًا أهمية الصلاة الربانية في هذا الصدد. قال يسوع "متى صليتم، صلّوا بهذه الطريقة"، ماذا؟ "أَبَانَا". يقول يسوع "ما فعلته، أنا أول يهودي يفعله، لقد فعلت أمرًا جذريًا، ابتكارًا كبيرًا، والآن أدعوكم إلى المشاركة في هذه العلاقة البنوية الشخصية التي تربطني بالآب. يمكنكم مخاطبته كأب أيضًا". لكن إن كان يتم الاعتبار أن الأمر يترافق مع كونك إنسانًا، وأنه بحكم الطبيعة جوهر الديانة هو أبوة الله الشاملة وأخوة الإنسان الشاملة، يفوتك معنى تلك الدعوة للمثول في محضر الله، والقول له "أبا الآب".

إذًا، بمعنى معين، يشير الآب إلى الثالوث وأبعاده الأخرى، وهو أمر لا نريد تفويته، عبر العلاقة البنوية المميزة والشخصية. المسيحية تؤكد وجود إله شخصي، تربطنا به علاقة شخصية وبنوية. نحن لا نرفع صلواتنا إلى لغز الغبار الكوني العظيم. أكرر، هذا أمر أولي جدًا، لدرجة أنه غالبًا ما يتم التغاضي عنه، وهو أن الإله الذي نعبده هو إله له اسم، ولديه تاريخ شخصي. لكن إن جلنا في مجتمعنا وسألنا أحدهم إن كان يؤمن بالله، نحن نعلم أنه منذ عشر سنوات كانت استطلاعات الرأي تبيّن أن 98 بالمئة من الأميركيين الذين تم إدراجهم في الاستطلاع، يؤكدون أنهم يؤمنون بإله ما. الآن انخفضت النسبة إلى 95 بالمئة. ما زالت تشكّل الأغلبية الساحقة، لكننا خسرنا 3 بالمئة من المؤمنين في العقد الأخير. لكن كيفية طرح السؤال تحدد كيفية إعطاء الجواب. إن قلت "هل تؤمن بكائن أعلى؟" فهذا أمر، أو "هل تؤمن بوجود قوة أعلى – قوة أعلى، غبار كوني، طاقة سماوية، نوع من الضباب البدائي انبثق منه كل شيء؟" فهذا نوع من الأسئلة. والسؤال الآخر هو "هل تؤمن بالله الآب الذي هو إله شخصي؟ هل تؤمن بيهوه، الإله الذي له اسم وله تاريخ شخصي؟" يوجد فرق كبير في الأمر. أعتقد أننا إن درسنا الأنماط السلوكية الفعلية لمجتمعنا، فإننا نرى مجتمعًا يعتنق إيمانًا نظريًا – 95 بالمئة يؤمنون بقوة أعلى – لكن الإلحاد العملي. الإلحاد العملي يعني أن تعيش كما لو أن الله لم يكن موجودًا، وأن تعيش كما لو أن الله ليس موجودًا. حين يقوم المؤمن بإعلان إيمانه الأولي، فهو يؤكد بحزم إيمانه بإله شخصي، هو أبونا، وكونه أبي يعني أن لديه علاقة حميمة بي وبحياتي.

من بين جميع النعوت والمصطلحات الوصفية المنسوبة إلى الله في العهد القديم وفي عقائد الإيمان اللاحقة – أبدي، غير منظور، لا يتغير، كلي العلم، كلي الوجود، إلى آخره – حين نتطرق إلى الاعتراف الأساسي لقانون الإيمان، فإننا نرى أنه يتم وصف الله – وأكرر، في العقيدة الرومانية القديمة – "أؤمن بالله الآب القادر على كل شيء". من بين جميع المصطلحات الوصفية التي كان يمكن نسبها إلى الله، أتساءل لماذا تم اختيار هذه للصياغة الأولى: الله الآب القادر على كل شيء. تذكروا أنه في عهد آباء الإيمان في العهد القديم، في تقاليد إسرائيل القديمة، عُرف الله بأسماء عديدة وبألقاب عديدة. الاسم الأسمى طبعًا هو "يهوه"، أنا هو الذي هو؛ لكنه كان يُعرف أيضًا بأسماء أخرى: "إلوهيم" مثلًا. والاسم الذي كان مهمًا جدًا في العصور القديمة هو اسم "إيل شاداي". مجددًا، نجده في عهد آباء الإيمان، في عهد إبراهيم، ونجده أيضًا في سفر أيوب الذي ينتمي إلى الفترة الزمنية لآباء الإيمان – زمن إبراهيم وإسحق ويعقوب. واسم الله هذا أو لقبه، يعني "الذي يغلب"، "من يملك كل القدرة والقوة".

هنا في العالم القديم، نوعًا ما عبارة "قادر على كل شيء" تلفت الانتباه إلى الإيمان بإله واحد. ما الذي يجعل عبارة "قادر على كل شيء" تُعتبر اعترافًا بالإيمان بإله واحد؟ صحيح، لا نظير له. أوجد النقاد في القرن التاسع عشر ما كان يُعرف بالمدرسة التاريخية الدينية، وطبقوا مبدأ علميًا كان منتشرًا ومؤثرًا جدًا في المجتمع، في الحضارة الغربية في القرن التاسع عشر، وهو مفهوم الارتقاء. غالبًا ما يعتقد الناس أن الجدال بين المسيحية والعلم العلماني يشدد على مسائل بيولوجية متعلقة بالارتقاء، لكن في القرن التاسع عشر في العالم الفكري، أصبحت كلمة "ارتقاء" كلمة طنانة، ولم تكن محصورة بمسائل التطور البيولوجي، لكن كانت تنشأ شتى أنواع النظريات الارتقائية، المنبثقة من النظام الفلسفي المعقّد لفريديريك هاغل مثلًا. نرى ذلك في الداروينية الاجتماعية لسبينسير، ونظرته للنظرية السياسية والحكومة وغير ذلك. وأيضًا تم تطبيق ذلك على الديانات. والفرضية الأساسية كانت الآتية، وهي أن كل شيء، كل أنماط الحياة، كل أشكال الثقافة، كل أوجه المجتمع سواء كانت بيولوجية، أو نفسية، أو حكومية، أو اقتصادية، أو مهما كانت، تتبع كلها النمط نفسه: حركة تصاعدية لطبيعة الأشياء، من النمو البسيط إلى المعقّد. والنظرية هي أن الأمر نفسه ينطبق على تطور الديانة، بحيث أن كل ديانة بدأت بمُثُل الله البسيطة جدًا. وكانت النظرية كالآتي، وهي أن الديانة تبدأ بمذهب حيوية المادة، ثم ترتقي إلى الإيمان بعدة آلهة، ثم ترتقي إلى الهينوثية، ثم ترتقي إلى الإيمان بإله واحد. إذًا، النظرية تفيد بأن التوحيد، الإيمان بإله واحد، هي أمر يأتي في وقت متأخر جدًا في تاريخ العالم. حتى إن النقاد قالوا إنها وصلت متأخرة في التاريخ اليهودي، لم تظهر إلا مع أنبياء إسرائيل في القرنين الثامن والسابع. لا يؤمنون بأن موسى كان يؤمن بإله واحد، ولا يؤمنون بأن إبراهيم كان يؤمن بإله واحد، لكنهم يقولون إنها خضعت للتدرج نفسه.

ما هي الأرواحية؟ أين تجدون الأرواحية اليوم؟ في المجتمع القبلي البدائي. تؤمن الأرواحية بأن الأشياء الجامدة، مثل الأشجار أو السلاحف، السلاحف متحركة بأسلوب معين، لكن الأشجار والصخور وغيرها، مسكونة بأرواح لها ميول سلبية عادة، وبأرواح شريرة. وبالتالي الطبيعة كلها مفعمة بالحياة. إذًا، أنت تصلي للحجارة، وتصلي للشجرة، وتصلي للقمر – هذا هو الشكل الأكثر بدائية. ثم تدرّج ذلك إلى مستوى أكثر تطورًا، وبدلًا من وجود الكثير من الأرواح الصغيرة المنفصلة تسكن الأشياء، تؤمن بعدة آلهة، كما كانت الحال في العالم القديم. وكان يوجد في كل بلد إله مستقل يؤدي وظيفة مستقلة لتتميم مهمة خاصة. مثلًا، كان يوجد إله الحرب، وكان يوجد إله الخصوبة، وكان يوجد إله الموقد والبيت، وكان يوجد إله الحكمة، وكان يوجد إله القوة، وإله السرعة وغيرهما – آلهة مختلفة: الآلهة اليونانية، والآلهة الرومانية، إله لكل شيء. ثم تنتقل من الإيمان بعدة آلهة إلى الهينوثية. ما هي الهينوثية؟ قد تكون هذه كلمة جديدة بالنسبة إلى البعض منكم، أليس كذلك؟

الهينوثية عبارة عن مرحلة انتقالية بين الإيمان بعدة آلهة والإيمان بإله واحد. الهينوثية تعلّم أنه يوجد إله واحد لكل شعب، يتمتع بالسيادة على مجال جغرافي أو عرقي معين. إذًا، لدى اليهود إله واحد، وهذا الإله الواحد يهتم بكل شيء – حرب وسلام وخصوبة وموقد وبيت وحكمة – لكنه إله اليهود فحسب؛ وإلى جانبهم، لدى الفلسطينيين إلههم، وهو إله الجوار الفلسطيني. لكن يوجد إله واحد للفلسطينيين، إله واحد... البعل لدى الكنعانيين، لدى الفلسطينيين ديجون، ولدى اليهود يهوه. إذًا، الفكرة هي أنه يوجد إله واحد لكل شعب؛ إلى أن تصل أخيرًا إلى مفهوم وجود إله قادر على كل شيء، الله المتسلط على كل شيء. لكن منذ الأزمنة الأولى في الديانة العبرية، ما يتناقض مع هذه العملية الارتقائية، يوجد مثال التوحيد، لكننا لا نجد فحسب في مخطوطات آباء الإيمان اسم الله "إيل شداي"، الله القدير، لكنك تجد مفهوم الله الخالق، ليس فقط فادي إسرائيل، بل خالق السماء والأرض. إذًا، ما هو مجال سلطانه؟ كلمة "قدير" متأصلة وراسخة في مفهوم كون الله سيدًا على العالم كله. هذا تأكيد واضح على الإيمان بإله واحد.

ذكرت سابقًا أنه في العقيدة الرومانية القديمة، كان يوجد أولًا في أسئلة التعليم الديني السؤال "هل تؤمن بالله الآب القدير"، علامة استفهام؛ ثم تحوّل ذلك إلى عقيدة إيجابية في العقيدة الرومانية القديمة. كانت العقيدة الرومانية القديمة تقول ببساطة "أؤمن بالله الآب القدير"، نقطة، "وبيسوع المسيح"، إلى آخره. لم ترد عبارة "خالق السماء والأرض"، من المحتمل أن هذه ظهرت في القرن الثاني. سبق أن تكلمنا عن أزمة القرن الثاني التي حتّمت على الكنيسة ضرورة إصدار عقائد بسبب تأثير الغنوسطية، ونذكر أحد أهم الأسباب التي جعلت الكنيسة تعلن لائحة الأسفار المقدسة الكتاب المقدس، وذلك بسبب عمل مارقيان. أول مجموعة من أسفار العهد الجديد أعدّها مارقيان، لكنه كان مهرطقًا. ماذا كانت هرطقته؟ ماذا فعل بمخطوطات العهد الجديد؟ هل يعرف أحد؟ ابتكر مارقيان نسخة ناقصة ومنقّحة من العهد الجديد، فحذف إنجيل متى، ومحا أي إشارة إلى إله العهد القديم، فحاول خلق خط فاصل بين يسوع وإله العهد القديم. وما زلت تصادف هذا الميل اليوم. سيقول الناس "يسوع يروق لي، لكني لا أتحمّل إله العهد القديم".

الغنوسطيون في القرن الثاني، حاول البعض منهم أن يثبت أن أب يسوع كان الإله الحقيقي، لكنه لم يكن الخالق، لأن خالق العالم كان يُدعى خالق الكون المادي، وهو نوع من إله نائب مبتدئ. وهذا الخالق الذي خلق

السماء والأرض، كان رجلًا سيئًا، كان رجلًا وحشيًا، لعب دورًا في سقوط الإنسان. وما يفعله يسوع هو أنه ينبثق من الله الخالق – آسف، أنا أشوّش على الجميع. خالق الكون المادي، خلق السماء والأرض في النظرة الغنوسطية؛ والإله الحقيقي، الله القادر على كل شيء، لم يلعب أي دور في خلق السماء والأرض، إنه فوق في نطاق روحي ما؛ ويسوع ينبثق من الله الأسمى، وهو ينزل ويهزم خالق الكون المادي ويرد الإنسان إلى الإله الحقيقي. في تلك المرحلة، أضافت الكنيسة إلى عقيدتها "أؤمن بالله الآب القدير"، فاصلة، "خالق السماء والأرض"؛ بغية دحض فكرة التمييز بين الله والخالق. أب يسوع المسيح، وفق المسيحية، هو خالق السماء والأرض. تم فداؤنا من خلال عمل خالقنا. ويوجد إله واحد فقط، لا وجود لخالق الكون المادي، ولا يوجد فصل بين إله العهد الجديد وإله العهد القديم. في محاضرتنا المقبلة، سنخصّص محاضرتين لتناول التأكيدات الكريستولوجية في العقيدة، وسنتطرق إلى أول جزء من ذلك في المرة المقبلة.