إقرار الإيمان البلجيكي


المقدمة

الخلفيَّة التاريخيَّة:

كُتب إقرار الإيمان البلجيكي في الأصل بيد جيدو دو بريه (Guido de Brès)، الذي كان راعي كنيسة مُصلَح، متحدثًا باللغة الفرنسيَّة، وتلميذًا لكالفن في جنيف. ومع أن دو بريه كان الكاتب الأساسي لهذا الإقرار، لكن ساهم رعاة كنائس ولاهوتيُّون مُصلَحون آخرون في الشكل النهائي والمُستلَم لهذا الإقرار، منهم فرانسيس جونيوس (Francis Junius)، الذي صار لاحقًا أستاذًا مُصلَحًا شهيرًا في جامعة ليدن.

كُتب هذا الإقرار في عام 1561، ثم أرسِلت نسخ منه إلى جنيف وإلى كنائس مُصلَحة أخرى للتصديق عليه. ظهر الشكل الحالي للإقرار في وقت انعقاد سنودس دورت العظيم، أي في عام 1618-1619، حيث تمت مراجعة النص، والموافقة عليه رسميًّا في أربع لغات (اللغة الفرنسيَّة الأصلية، واللغة اللاتينيَّة، واللغة الهولنديَّة، واللغة الألمانيَّة). ثم بعد وقت قليل من كتابة إقرار الإيمان البلجيكي، عُرِض على الملك فيليب الثاني، ملك أسبانيا، الذي كان يحكم هولندا آنذاك، على أمل عقيم بأن يحظى الإيمان المُصلَح بالقبول. ومنذ البداية، تمتَّع هذا الإقرار بقبولٍ شديد بين الكنائس المُصلَحة في هولندا.

ثمة أهمية خاصة للغرض من إعداد إقرار الإيمان البلجيكي، وعرضه على الملك فيليب الثاني. ففي وجه الاضطهاد العنيف الذي مارسه هذا الملك التابع لكنيسة روما الكاثوليكيَّة، وحُكَّامه، انصب اهتمام جيدو دو بريه ومؤمني هولندا المُصلَحين على إثبات أن إيمانهم كان بحسب تعليم الكتاب المقدس، والإجماع القديم للكنيسة الجامعة المقدَّسة ومجامعها. وبالتالي، يحمل إقرار الإيمان البلجيكي نبرة نازعة إلى السلام، ولا سيما في إثباته لالتزام الإيمان المُصلَح بالتعاليم الكتابيَّة العظيمة عن الثالوث، وعن شخص المسيح وعمله. تم شجب تعليم كنيسة روما الكاثوليكيَّة في نقاط محوريَّة، لكن كان الهدف من الإقرار هو إقناع قارئيه بأن الإيمان المُصلَح ليس أكثر من كونه إيمان الكنيسة المسيحيَّة عبر التاريخ.

من الأغراض الأخرى لهذا الإقرار، والذي يميِّزه عن إقرار إيمان فرنسا أو بلاد الغال الذي صدر في عام 1559، والذي يشترك معه إقرار الإيمان البلجيكي في العديد من أوجه التشابه المذهلة، هو إثبات تميُّز الإيمان المُصلَح عن إيمان "مجدِّدي المعموديَّة" (Anabaptists). فمن بين مجددي المعموديَّة، الذين كان لهم تأثير كبير في هولندا في الفترة الأولى من الإصلاح، كان هناك مَنْ لم يكتفوا برفض ممارسة معموديَّة الأطفال، بل رفضوا أيضًا شرعيَّة الحاكم المدني كخادم لله، وكأداة لممارسة سلطانه. فرَّق مجددو المعموديَّة بشكل قاطع بين مملكة المسيح الروحيَّة، أي الكنيسة، والنظام المدني، ونادوا بانفصالٍ صارم عن العالم، الأمر الذي تطلَّب رفض الخدمة العسكريَّة، وأداء القسم، وتسديد الضرائب. تبيِّن السمات المميَّزة لإقرار الإيمان البلجيكي أنه كُتب للدفاع عن الإيمان المُصلَح ضد الافتراض بأنه كان يشترك مع إيمان مجددي المعموديَّة في هذه السمات المتطرِّفة.

 

محتوى إقرار الإيمان البلجيكي:

ليس إقرار الإيمان البلجيكي شبيهًا بإقرارات سنودس دورت الذي كُتِبت لمواجهة خطأ عقائدي مُحدَّد. لكنه، نظير الإقرارات التي سبقته، أي إقرار إيمان جنيف لكالفن، وإقرار إيمان بلاد الغال (اللذين اكتمل كلاهما في عام 1559)، يقدِّم بيانًا شاملًا عن الإيمان المسيحي والمُصلَح.

وبوجه عام، قُسِّمت محتويات البنود السبعة والثلاثين التي يتكوَّن منها الإقرار بحسب البنود الثلاثة لقانون إيمان الرسل. فبعد العديد من البنود التمهيديَّة التي تعرض وجهة نظر فكر الإصلاح عن الوحي وسلطة الأسفار القانونيَّة للكتاب المقدس (البنود 1-7)، يؤكِّد الإقرار أولًا حقيقة الثالوث، وأعمال الله في الخلق والعناية (البنود 8-13). ثم يعرض المقطع المركزي من الإقرار التعليم الكتابي عن شخص المسيح وعمله، مُفرِّقًا بين فهم الإصلاح عن الخلاص بالنعمة وحدها بواسطة الإيمان وضلالات تعليم كنيسة روما الكاثوليكيَّة في العصور الوسطى (البنود 14-23). ثم يعرض المقطع الختامي من الإقرار بيانًا موجَزًا عن شخص الروح القدس وعمله، يتضمَّن عدة بنود عن الكنيسة والفرائض المقدسة، بالإضافة إلى بندٍ خاص عن التعيين الإلهي، وخدمة الحاكم المدني.

ومع أن إقرار الإيمان البلجيكي يُظهِر ملامح واضحة تشير إلى البيئة التاريخيَّة التي كُتب فيها في الأصل، لكنه يظل واحدًا من أفضل إقرارات إيمان كنائس الإصلاح عبر التاريخ.

 

البند 1
يوجد إله واحد وحيد

نؤمن جميعًا بقلوبنا، ونعترف بأفواهنا، بأنه لا يوجد سوى كائن بسيط وروحي واحد وحيد، ندعوه الله؛ وبأنه سرمدي، ويفوق الإدراك، وغير منظور، وغير متغير، وغير محدود، وقدير، وكلي الحكمة، والعدل، والصلاح، وهو النبع الفائض لكل صلاح.

 

البند 2
ما الوسائل التي نعرف بها الله

نحن نعرفه عن طريق وسيلتين: الأولي، عن طريق خلق الكون، وحفظه، وإدارته؛ الشيء الذي يبدو أمام عيوننا وكأنه كتاب فائق الروعة، فيه تُشبِه جميع المخلوقات، الكبيرة منها والصغيرة، أحرفًا كثيرة تقتادنا إلى التأمل في أمور الله غَيْرَ الْمَنْظُورَةِ، أي قُدْرَتَهُ السَّرْمَدِيَّةَ وَلَاهُوتَهُ، كما يقول الرسول بولس (رومية 1: 20). جميع هذه الأشياء كافية لإدانة البشر، وجعلهم بلا عُذر.

ثانيًا، يعرِّفنا الله بذاته على نحو أكثر وضوحًا واكتمالاً عن طريق كلمته المقدسة والإلهيَّة؛ هذا يعني، بقدر ما نحتاج أن نعرف في هذه الحياة، لمجده ولأجل خلاصنا.

 

البند 3
كلمة الله المكتوبة

نعترف بأن كلمة الله هذه لم تُعطَ أو تُسلَّم بمشيئة إنسان، بل تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، كما يقول الرسول بطرس. كما نعترف بأن الله، بعد ذلك، وبدافع اهتمام خاص منه بنا وبخلاصنا، قد أمر خُدَّامه، من الأنبياء والرسل، بتدوين كلمته المُعلنة؛ كما كتب هو نفسه بإصبعه لوحي الشريعة. ولذلك، نطلق على هذه الكتابات الأسفار المقدسة والإلهيَّة.

 

البند 4
الأسفار القانونيَّة للكتاب المقدس

نؤمن بأن الأسفار المقدسة مُتضمَّنة في كتابين، هما كتاب العهد القديم وكتاب العهد الجديد، القانونيان، واللذان لا يمكن ادِّعاء أي شيء ضدهما. وفيما يلي أسماء الأسفار كما تُسمَّى في كنيسة الله:

أسفار العهد القديم هي: أسفار موسى الخمسة، التي هي: سفر التكوين، وسفر الخروج، وسفر اللاويين، وسفر العدد، وسفر التثنية؛ ثم سفر يشوع، وسفر القضاة، وسفر راعوث، وسفرا صموئيل، وسفرا الملوك، وسفرا أخبار الأيام؛ ثم سفر عزرا، وسفر نحميا، وسفر أستير، وسفر أيوب، ومزامير داود، وأسفار سُليمان الثلاثة، التي هي سفر الأمثال، وسفر الجامعة، وسفر نشيد الأنشاد؛ وأربعة أسفار للأنبياء الكبار، وهي: سفر إشعياء، وسفر إرميا ومراثي إرميا، وسفر حزقيال، وسفر دانيال؛ واثنا عشر سفرًا للأنبياء الصغار، وهي: سفر هوشع، وسفر يوئيل، وسفر عاموس، وسفر عوبديا، وسفر يونان، وسفر ميخا، وسفر ناحوم، وسفر حبقوق، وسفر صفنيا، وسفر حجي، وسفر زكريا، وسفر ملاخي.

وأسفار العهد الجديد هي: الأناجيل الأربعة، التي هي: إنجيل متى، وإنجيل مرقس، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا؛ وسفر أعمال الرسل؛ ورسائل الرسول بولس الأربعة عشر، وهي: رسالة إلى أهل رومية، ورسالتان إلى أهل كورنثوس، ورسالة إلى أهل غلاطية، ورسالة إلى أهل أفسس، ورسالة إلى أهل فيلبي، ورسالة إلى أهل كولوسي، ورسالتان إلى أهل تسالونيكي، ورسالتان إلى تيموثاوس، ورسالة إلى تيطس، ورسالة إلى فليمون، ورسالة إلى العبرانيين؛ ثم الرسائل السبعة للرسل الآخرين، وهي: رسالة يعقوب، ورسالتان لبطرس، وثلاث رسائل ليوحنا، ورسالة ليهوذا؛ ثم سفر الرؤيا ليوحنا الرسول.

 

البند 5
من أين تستمد الأسفار المقدسة منزلتها وسلطانها

نحن نَقبَل جميع هذه الأسفار، وهذه الأسفار وحدها، باعتبارها مُقدَّسة وقانونيَّة، لأجل ضبط إيماننا، وتأسيسه، وتثبيته؛ مصدِّقين كل ما تحويه دون أدنى شك، ليس بسبب قبول الكنيسة لها ومصادقتها على كونها كذلك، بل بالأخص بسبب شهادة الروح القدس في قلوبنا بأنها من الله، حيث تحمل البرهان في داخلها. فحتى العُمي أنفسهم يستطيعون إدراك أن الأشياء التي تم التنبُّؤ بها في هذه الأسفار تتحقَّق.

 

البند 6
الفرق بين الأسفار القانونيَّة وأسفار الأبوكريفا

نحن نفرِّق بين هذه الأسفار المقدسة وأسفار الأبوكريفا، التي هي: سفرا إسدراس الثالث والرابع، وسفر طوبيا، وسفر يهوديت، وسفر الحكمة، وسفر يشوع بن سيراخ، وسفر باروخ، وتتمة سفر أستير، وتسبحة الفتية الثلاثة من داخل الأتون، وقصة سوسنة، وقصة بل والتنين، وصلاة منسَّى، وسفرا المكابيين. يمكن للكنيسة قراءة جميع هذه الأسفار والتعلُّم منها، فقط بقدر اتفاقها مع الأسفار القانونيَّة؛ لكن هذه الأسفار أبعد ما يكون عن أن تمتلك السلطة والفاعليَّة التي تجعلنا نستخدم شهادتها للتأكيد على أي بند في الإيمان أو في الديانة المسيحيَّة؛ ناهيك عن أن تنتقص من سلطة الأسفار المقدسة الأخرى.

 

البند 7
كفاية الأسفار المقدسة أن تكون الدستور الوحيد للإيمان

نؤمن بأن هذه الأسفار المقدسة تحوي بالكامل مشيئة الله، وبأنها تُعلِّم على نحوٍ كافٍ كل ما على الإنسان أن يؤمن به للخلاص. وبما أن النظام التام للعبادة التي يطالبنا بها الله مدوَّن فيها على نطاق واسع، يحظر على أي إنسان، ولو كان رسولًا، أن يُعلِّم شيئًا آخر غير ما نتعلَّمه اليوم في الأسفار المقدسة: وإن كان مَلَاكٌ مِنَ السَّمَاءِ، كما يقول الرسول بولس. وبما أنه من المحظور زيادة أي شيء إلى كلمة الله أو الانتقاص منها، يتبيَّن لنا إذن بوضوح أن التعليم الموجود فيها كامل ومتكامل تمامًا من كافة النواحي. إننا لا نعتبر أيّة كتابات للبشر، مهما كانت قداستهم، مساوية في القيمة لتلك الأسفار الإلهيَّة؛ كما ينبغي ألا نعتبر أن العُرف السائد، أو الحشد الكبير، أو القِدَم، أو تعاقب الأزمنة والأشخاص، أو المجامع، أو المراسيم، أو التشريعات، على قدم المساواة في القيمة مع الحق الإلهي، لأن الحق فوق الكل؛ لأن جميع البشر هم بطبيعتهم كذَّابون، وأكثر بُطلًا من البُطل ذاته. ولذلك، نحن نرفض من كل قلوبنا كل ما لا يتفق مع هذا الدستور المعصوم من الخطأ الذي علَّمه لنا الرُسل، قائلين: امْتَحِنُوا الْأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟ وكذلك أيضًا: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِيكُمْ، وَلَا يَجِيءُ بِهَذَا التَّعْلِيمِ، فَلَا تَقْبَلُوهُ فِي الْبَيْتِ، وَلَا تَقُولُوا لَهُ سَلَامٌ.

 

البند 8
الله واحد في الجوهر، ولكنه متمايز في ثلاثة أقانيم

وفقًا لهذا الحق وبحسب كلمة الله هذه، نحن نؤمن بإله واحد وحيد، هو واحد في الجوهر، وفيه ثلاثة أقانيم متمايزون تمايزًا فعليًّا، وحقيقيًّا، وسرمديًّا، بحسب خصائصهم غير القابلة للمشاركة؛ وهم: الآب، والابن، والروح القدس. الآب هو علَّة، وأصل، وبداءة كل الأشياء، المنظورة وغير المنظورة؛ والابن هو كلمة الآب، وحكمته، وصورته؛ والروح القدس هو القوة والقدرة السرمديَّة، المنبثق من الآب والابن. لكن، هذا التمايز لا يجعل الله منقسمًا إلى ثلاثة، وهذا لأن الأسفار المقدسة تُعلِّمنا بأن لكلٍّ من الآب، والابن، والروح القدس شخصيته الخاصة، والمميَّزة بحسب خصائصهم، لكن ليست هذه الأقانيم الثلاثة سوى إلهًا واحدًا وحيدًا. ومن ثَمَّ إذن، يبدو واضحًا أن الآب ليس هو الابن، ولا الابن هو الآب، وكذلك الروح القدس ليس هو الآب ولا الابن. ولكن هذه الأقانيم المتمايزة بهذا الشكل غير منقسمة أو ممتزجة؛ فإن الآب لم يتَّخذ جسدًا، ولا الروح القدس أيضًا، بل الابن وحده. كما لم يوجد الآب قط دون ابنه، أو دون روحه القدوس. لأن ثلاثتهم جميعًا سرمديون معًا، وواحدٌ في الجوهر. ليس فيهم مَنْ هو أول أو أخير؛ لأن ثلاثتهم جميعًا واحد في الحق، والسلطان، والصلاح، والرحمة.

 

البند 9
الدليل على البند السابق بشأن
الأقانيم الثلاثة في إله واحد

نحن نعرف كل هذا من خلال شهادات الكتاب المقدس، كما من خلال أعمال هؤلاء الأقانيم، ولا سيما تلك الأعمال التي نشعر بها في داخلنا. ترد شهادات الأسفار المقدسة التي تُعلِّمنا بأن نؤمن بهذا الثالوث القدُّوس في مواضع عدة من العهد القديم، ليس من الضروري أن نعدِّدها، لكننا سننتقي منها بحسب تقديرنا وحُكمنا. في تكوين 1: 26-27، قال الله: "نَعْمَلُ الْإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا ... فَخَلَقَ اللهُ الْإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ". وفي تكوين 3: 22 يقول: "هُوَذَا الْإِنْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا"؛ من خلال هذه الكلمات: "نَعْمَلُ الْإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا"، يتبيَّن لنا أن هناك أكثر من أقنوم واحد في الذات الإلهيَّة؛ ثم عندما قال: "فَخَلَقَ اللهُ"، فهو يشير إلى الوحدانيَّة. صحيح أنه لم يَذكُر عدد الأقانيم، لكن ما يبدو لنا غامضًا نوعًا ما في العهد القديم واضح جليًّا في العهد الجديد.

فحين اعتمد ربُّنا في نهر الأردن، سُمع صوت الآب يقول "هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ": وكان الابن في الماء، وظهر الروح القدس في هيئة حمامة. أيضًا أسَّس المسيح الصيغة التالية لمعمودية جميع المؤمنين: "عَمِّدُوهُمْ [جميع الأمم] بِاسْمِ الْآبِ وَالِابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ". وفي إنجيل لوقا، خاطب الملاك جبرائيل العذراء مريم، والدة ربِّنا، قائلًا: "اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذَلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ". وكذلك أيضًا: "نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَمَحَبَّةُ اللهِ، وَشَرِكَةُ الرُّوحِ الْقُدُسِ مَعَ جَمِيعِكُمْ". وأيضًا: "فَإِنَّ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي السَّمَاءِ هُمْ ثَلَاثَةٌ: الْآبُ، وَالْكَلِمَةُ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ. وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ هُمْ وَاحِدٌ". نتعلم من جميع هذه النصوص أن هناك ثلاثة أقانيم في جوهر إلهي واحد وحيد. ومع أن هذه العقيدة تفوق كثيرًا كلَّ إدراك بشري، إلا أننا نؤمن بها اليوم من خلال كلمة الله، لكننا ننتظر أن نستمتع فيما بعد في السماء بالمعرفة الكاملة لها وبالاستفادة التامة منها.

علاوة على ذلك، علينا أن نلاحظ الوظائف والأعمال الخاصة التي يؤدِّيها كل أقنوم من نحونا. فإن الآب هو خالقنا بقدرته؛ والابن هو مخلصنا وفادينا بدمه؛ والروح القدس هو مُقدِّسنا بسُكناه داخل قلوبنا.

لطالما دافعت الكنيسة الحقيقيَّة عن عقيدة الثالوث القدُّوس هذه وتمسَّكت بها منذ عصر الرسل وحتى يومنا هذا، ضد اليهود، والمسلمين، وبعض المسيحيين الكذبة والهراطقة مثل مارسيون، وماني، وبراكسياس، وسابليوس، وبولس الساموساطي، وأريوس، وما شابه، مِمَّن أدينوا بعدلٍ من الآباء أتباع الإيمان القويم.

ومن ثمَّ، نحن نقبل في هذا الأمر عن طيب خاطر قوانين الإيمان الثلاثة، التي هي: قانون إيمان الرسل، وقانون إيمان مجمع نيقية، وقانون إيمان أثناسيوس؛ وكذلك كل ما يتفق معها ويحظى بموافقة الآباء القدامى.

 

البند 10
يسوع المسيح هو الله الحقيقي والسرمدي

نؤمن بأن يسوع المسيح، بحسب طبيعته الإلهيَّة، هو ابن الله الوحيد، المولود من الأزل، غير مصنوع ولا مخلوق (وإلا سيكون بهذا أحد المخلوقات)، لكنه مساوي للآب في الجوهر وفي السرمديَّة، الذي هو رسم جوهره، وبَهاءُ مَجدِهِ، ومساوٍ له في كل شيء. هو ابن الله، ليس فقط منذ أن أخد طبيعتنا، بل منذ الأزل، كما تعلِّمنا الشهادات التالية حين تُجمَع معًا. يقول موسى إن الله خَلَقَ العالم؛ ويقول يوحنا إن كُلَّ شَيءٍ كانَ بذلك الكلمة الذي يدعوه الله. كما يقول الرسول إن الله قد عَمِلَ العالَمينَ بابنه، وكذلك أيضًا إن الله قد خلقَ الكُلَّ في يسوع المسيح. ولذلك، لا بد أن يترتب على هذا أن ذاك — الذي يُدعَى الله، والكلمة، والابن، ويسوع المسيح — كان موجودًا حين خُلق كل شيء به. ولهذا يقول ميخا النبي: مَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ، مُنْذُ أَيَّامِ الْأَزَلِ. ويقول الرسول لَا بَدَاءَةَ أَيَّامٍ لَهُ وَلَا نِهَايَةَ حَيَاةٍ. ومن ثَمَّ، فهو ذلك الإله الحقيقي، والسرمدي، والقدير، الذي نلجأ إليه، ونعبده، ونخدمه.

 

البند 11
الروح القدس هو الله الحقيقي السرمدي

نؤمن ونعترف أيضًا بأن الروح القدس منبثق منذ الأزل من الآب والابن، ومن ثَمَّ فهو غير مصنوع، وغير مخلوق، وغير مولود، بل فقط ينبثق من كليهما؛ وهو بحسب الترتيب الأقنوم الثالث في الثالوث القدوس، وواحد ومساوٍ للآب والابن في الجوهر، والعظمة، والمجد؛ ومن ثَمَّ فهو الله الحقيقي والسرمدي، كما نتعلَّم من الأسفار المقدسة.

 

البند 12
الخلق

نؤمن بأن الآب، بواسطة الكلمة، أي بواسطة ابنه، قد خلق السماء والأرض وجميع المخلوقات من العدم، بحسب مسرته، معطيًا كل مخلوق كينونته، وشكله، وصورته، ووظائف عديدة يخدم بها خالقه؛ ونؤمن أيضًا بأنه لا يزال يضبط ويدير هذه المخلوقات بعنايته السرمديَّة، وقدرته غير المحدودة لخدمة الجنس البشري، حتى يخدم الإنسان إلهه.

أيضًا خلق الله الملائكة صالحين، كي يكونوا رُسله وكي يخدموا مختاريه؛ ثم سقط بعضهم من تلك المكانة السامية التي خلقهم الله عليها إلى هلاك أبدي، بينما ظل الآخرون، بنعمة الله، ثابتين، في حالتهم الأولى. إن الشياطين والأرواح الشريرة فاسدون لدرجة أنهم أعداء لله ولكل خير وصلاح، بكل ما عندهم من قوة، وهم كقتلة يراقبون منتظرين أن يخربوا الكنيسة وكل عضو بها، ويقضوا على كل شيء عن طريق حيلهم الشريرة؛ ومن ثمَّ، وبسبب شرهم، هم محكوم عليهم بالهلاك الأبدي، متوقعين كل يوم مجيء عذابهم المروِّع. لذلك، نحن نرفض ونمقت ضلال الصدوقيين الذين ينكرون وجود الأرواح والملائكة، وكذلك ضلال المانويين الذين يؤكِّدون على أن الشياطين قد جاؤوا من أنفسهم، وأنهم أشرار بطبيعتهم، ولم يفسدوا.

 

البند 13
العناية الإلهيَّة

نؤمن بأن الإله ذاته، بعد أن خلق كل الأشياء، لم يتركها أو يسلمها للحظ أو الصُدفة، بل هو يحكمها ويديرها بحسب مشيئته المقدسة، حتى أنه لا شيء يحدث في هذا العالم دون تعيينه؛ ومع ذلك، ليس الله هو مصدر الخطايا التي تُرتَكَب، ولا يُمكن إلقاء مسؤوليتها عليه. فإن سلطانه وصلاحه شديدان ويفوقان الإدراك، حتى أنه يدير عمله وينفذه بأفضل وأعدل الطرق، حتى حين يرتكب الشياطين والبشر الأشرار الظلم والشر. ومن جهة ما يفعله الله، والذي يفوق الإدراك البشري، لن نحاول أن نتقصَّى هذا الأمر في فضول يتجاوز ما تسمح به إمكانياتنا؛ لكننا بكل اتضاع وتوقير نعتز بأحكام الله العادلة المُخفاة عنا، قانعين بكوننا تلاميذ المسيح الذين ينبغي ألا يعرفوا سوى تلك الأمور التي أعلنها لنا في كلمته، دون تجاوُز هذه الحدود.

تمدُّنا هذه العقيدة بتعزية لا يُنطق بها، لأنها تعلِّمنا أن لا شيء يمكن أن يحدث لنا بمحض الصدفة، بل الكل يحدث بتوجيه من أبينا السماوي كلي الرحمة، الذي يحرسنا بعناية أبوية، مبقيًا جميع المخلوقات تحت سلطانه حتى أن شعرة واحدة لا تسقط منهم (لأن جميعها مُحصاة)، وعصفور صغير لا يسقط على الأرض إلا بمشيئة أبينا، الذي نثق به كلية؛ ونحن على قناعة بأنه يكبح الشيطان وجميع أعدائنا حتى أنهم لا يستطيعون أن يصيبونا بأي ضرر دون مشيئته وإذنه. ومن ثَمَّ نحن نرفض هذا الضلال الملعون للأبيقوريين، الذين يقولون إن الله لا يحفظ شيئًا، بل يترك كل شيء للصدفة.

 

البند 14
خلق الإنسان وسقوطه، وعجزه عن فعل ما هو حقًا صالح

نؤمن بأن الله قد خلق الإنسان من تراب الأرض، وصنعه وجبله على صورته وكشبهه، صالحًا، وبارًا، ومقدَّسًا، وقادرًا على أن يريد كلَّ ما يتفق مع مشيئة الله. لكنه لم يدرك الكرامة التي كان فيها، ولم يعرف مقدار تميُّزه، بل أخضع نفسه عمدًا للخطية، ومن ثَمَّ للموت واللعنة، حين أصغى إلى كلمات الشيطان. فقد كسر وصية الحياة التي أعطيت له؛ وبالخطية فصل نفسه عن الله الذي كان حياته الحقيقية، مفسدًا بهذا طبيعته بأكملها، وجاعلًا نفسه عرضة للموت الجسدي والروحي. وإذ صار شريرًا، ومنحرفًا، وفاسدًا في كل طرقه، خسر جميع مواهبه الفائقة التي كان قد أخذها من الله، ولم يحتفظ سوى ببقايا قليلة منها، لكنها كافية أن تجعل الإنسان بلا عذر؛ فإن كل النور الذي فينا قد صار ظُلمة، كما يعلِّمنا الكتاب المقدس بقوله: وَالنُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ، وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ؛ حيث يسمي القديس يوحنا البشر ظُلمة.

ولذلك نحن نرفض كل تعليم يتعارض مع هذا فيما يتعلَّق بحرية إرادة الإنسان، لأن الإنسان ليس سوى عبدًا للخطية، وليس لديه شيء في ذاته ما لم يُعطَ من السماء. فمن يستطيع أن يفتخر بأنه قادر من ذاته على أن يفعل صلاحًا، بينما يقول المسيح: لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُقْبِلَ إِلَيَّ إِنْ لَمْ يَجْتَذِبْهُ الْآبُ الَّذِي أَرْسَلَنِي؟ ومن يستطيع أن يفتخر بإرادته، بينما يدرك أن اهتِمامَ الجَسَدِ هو عَداوَةٌ للهِ؟ ومن يستطيع التحدُّث عن معرفته بينما الْإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ لَا يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ؟ وباختصارٍ، من يجرؤ على أن يقترح أيَّة فكرة، بينما يعلم أننا لسنا كُفَاةٌ مِنْ أَنْفُسِنَا أَنْ نَفْتَكِرَ شَيْئًا كَأَنَّهُ مِنْ أَنْفُسِنَا، بَلْ كِفَايَتُنَا مِنَ اللهِ؟ ومن ثَمَّ، ينبغي أن نتمسك في ثباتٍ ويقين بما يقوله الرسول، إن اللهَ هُوَ الْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ. فإنه لا يمكن لأيَّة إرادة أو فهم أن يتفق مع المشيئة الإلهيَّة والفهم الإلهي عدا ما أنشأه المسيح في الإنسان، الشيء الذي علمنا إيَّاه بقوله لِأَنَّكُمْ بِدُونِي لَا تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا.

 

البند 15
الخطية الأصليَّة

نؤمن بأنه من خلال عصيان آدم امتدت الخطية الأصليَّة إلى كل الجنس البشري، وهي فسادٌ للطبيعة بأكملها، ومرض وراثي، يُصاب به الأطفال حتى وهم داخل رحم أمهاتهم، وهي تُنتِج من داخل الإنسان كافة أنواع الخطايا، إذ هي بداخله مثل أصل يثمرها؛ ومن ثمَّ فهي نجسة وكريهة في عيني الله حتى أنها كافية لإدانة كل الجنس البشري. كما أنها لا تُبطَل أو تُمحَى بالمعموديَّة بأي حالٍ من الأحوال؛ لأن الخطية تخرج دائمًا من هذا المصدر المشؤوم، كما يخرج الماء من الينبوع؛ ومع ذلك هي لا تُحسَب على أبناء الله للدينونة، بل تُغفر لهم بنعمته ورحمته. لا يعني هذا أنهم يستطيعون البقاء في الخطية دون خوف، بل إن الوعي بهذا الفساد ينبغي أن يجعل المؤمنين يئنِّون كثيرًا، مشتاقين أن يُنقَذوا من جسد هذا الموت. ولهذا، نحن نرفض ضلال البيلاجيين الذين يؤكِّدون على أن الخطية لا تأتي إلا بالاكتساب.

 

البند 16
الاختيار الأزلي

نؤمن بأن كلَّ نسل آدم قد سقط في الهلاك والخراب بسبب خطية أبوينا الأولين، لكن بعد هذا أعلن الله ذاته على حقيقته؛ أي بأنه رحيم وعادل: فهو رحيم لأنه يعتق ويحفظ من هذا الهلاك جميع أولئك الذين قد اختارهم في المسيح يسوع ربنا، بحسب مشورته الأزليَّة وغير المتغيِّرة، وبدافع صلاح تام، دون أدنى اعتبار لأعمالهم؛ وهو عادل لأنه ترك آخرين في حالة السقوط والهلاك التي قد ورَّطوا أنفسهم فيها.

 

البند 17
إصلاح الإنسان الساقط

نؤمن بأن إلهنا كلي الرأفة، إذ رأى أن الإنسان قد ألقى بنفسه في الموت الجسدي والروحي، وتسبَّب لنفسه في الشقاء التام، سُرَّ، في حكمته وصلاحه المذهلين، بأن يطلبه ويعزيه، في الوقت الذي فيه قد هرب هو في رعدة من محضره، واعدًا إيَّاه بأنه سيبذل ابنه، الذي لا بد أن يأتي من امرأة، كي يسحق رأس الحية، ويجلب له الفرح.

 

البند 18
عن تجسد يسوع المسيح

نعترف، إذن، بأن الله قد حقَّق هذا الوعد الذي قطعه للآباء بفم أنبيائه القديسين حين أرسل إلى العالم، في الوقت الذي عيَّنه، ابنه الأزلي وحيده، الذي أخذ صورَةَ عَبدٍ، صائرًا في شِبهِ النّاسِ، متخذًا بالحقيقة الطبيعة البشريَّة، بكل ضعفاتها، ما خلا الخطية؛ إذ حُبل به في رحم العذراء المُطوَّبة مريم، بقوة الروح القدس، دون تدخُّل من رجل. وهو لم يتَّخذ طبيعة بشريَّة من جهة الجسد فحسب، بل اتخذ أيضًا نَفْسًا بشريَّة حقيقيَّة، حتى يكون إنسانًا حقيقيًّا. فبما أن النفس قد هلكت وضلَّت كالجسد، كان يلزمه أن يتَّخذ كليهما، حتى يخلِّصهما كليهما. لذلك نحن نعترف (خلافًا لهرطقة معيدو المعمودية، الذين ينكرون اتخاذ المسيح جسدًا بشريًّا من والدته) بأن المسيح قد اشتَرَكَ في لحم ودم الأولاد؛ وأنه مِنْ ثَمَرَةِ صُلب داود حَسَبَ الْجَسَدِ، وأنه صَارَ مِنْ نَسْلِ دَاوُدَ مِنْ جِهَةِ الْجَسَدِ؛ وأنه ثمرة بطن العذراء مريم؛ مَوْلودًا مِنِ امرأةٍ؛ وأنه غصن من داوُدَ، وقَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى؛ وأنه قد خرج مِنْ سِبطِ يَهوذا؛ وتحدَّر من اليهود من جهة الجسد: من نسل إبراهيم، لأنه أمسك نسل إبراهيم، وشابه إخوَتَهُ في كُلِّ شَيءٍ، ما خلا الخطية؛ بحيث يكون هو بالحقيقة عمانوئيل، الّذي تفسيرُهُ: اللهُ معنا.

 

البند 19
اتحاد الطبيعتين في شخص المسيح وتمايزهما

نؤمن بأنه وفقًا لهذا المفهوم، يُعَد أقنوم الابن متحدًا ومتصلًا بالطبيعة البشريَّة دون انفصام، بحيث لا يكون هناك ابنان لله، أو شخصان، بل طبيعتان متحدتان في شخصٍ واحد؛ ومع ذلك تظل كل طبيعة محتفظة بخواصها المميزة. وبذلك، ظلَّت الطبيعة الإلهيَّة دائمًا غير مخلوقة، لا بداءة أيام أو نهاية حياة لها، تملأ السماوات والأرض، كما لم تفقد الطبيعة البشريَّة خواصها، بل ظلت كائنًا مخلوقًا، لها بداءة أيام، ومحدودة، وتحتفظ بجميع خواص الجسد الحقيقي. ومع أنه بقيامته قد منح الخلود لهذه الطبيعة نفسها، لكنه مع ذلك لم يغير من حقيقة طبيعته البشريَّة، لأن خلاصنا وقيامتنا معتمدان أيضًا على حقيقة جسده.

لكن هاتين الطبيعتين متحدتين بشدةٍ في شخصٍ واحد لدرجة أنهما لم ينفصلا حتى عند موته. ومن ثمَّ، كان ما استودعه الابن، عند موته، في يدي أبيه هي روح بشريَّة حقيقيَّة، غادرت جسده. لكن في الوقت ذاته، ظلَّت الطبيعة الإلهيَّة على اتحاد دائم بالطبيعة البشريَّة، حتى حين كان راقدًا داخل القبر؛ فإن اللاهوت لم يتوقَّف عن أن يكون فيه، كما كان الحال تمامًا حين كان رضيعًا، مع أنه لم يظهر بوضوح لبعضِ الوقت. لذلك، نحن نعترف بأنه إله كامل وإنسان كامل: إله كامل بقدرته على هزيمة الموت، وإنسان كامل حتى يموت من أجلنا بحسب ضعف جسده.

 

البند 20
أظهر الله عدله ورحمته في المسيح

نؤمن بأن الله، كليَّ الرحمة والعدل، قد أرسل ابنه ليتَّخذ تلك الطبيعة التي اُرتُكِبَ فيها العصيان، حتى يصنع كفارة في هذه الطبيعة نفسها ويحمل عقوبة الخطية من خلال آلامه المريرة وموته. ومن ثَمَّ أظهر الله عدله ضد ابنه حين وضع آثامنا عليه وسكب رحمته وصلاحه علينا، نحن الذين كنَّا مذنبين ومستحقين اللعنة، بدافع محبة خالصة وتامة، باذلاً ابنه للموت من أجلنا ومقيمًا إيَّاه لأجل تبريرنا، حتى ننال من خلاله الخلود والحياة الأبدية.

 

البند 21
كفارة المسيح، رئيس كهنتنا الوحيد، لأجلنا

نؤمن بأن يسوع المسيح قد عُيِّن بواسطة قَسَم رئيس كهنة إلى الأبد على رتبة ملكي صادق، وبأنه قد قدم نفسه نيابة عنَّا أمام الآب لتسكين غضبه عن طريق كفارته الكاملة، بتقديم نفسه على خشبة الصليب، وسفك دمه الثمين حتى يطهِّر خطايانا، كما قد تنبأ الأنبياء. لأنه مكتوب: وَهُوَ مَجْرُوحٌ لِأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لِأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلَامِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ؛ وقد أُدين كمذنبٍ من قبل بيلاطُس البُنطي، بالرغم من إعلانه لبراءته في البداية. ومن ثمَّ، فقد ردَّ ما لم يخطفه، وتَأَلَّمَ الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الْأَثَمَةِ، في جسده كما في نفسه أيضًا، شاعرًا بالعقوبة الرهيبة التي استحقتها خطايانا؛ حتى صَارَ عَرَقُهُ كَقَطَرَاتِ دَمٍ نَازِلَةٍ عَلَى الْأَرْضِ. صَرَخَ، إِلَهِي، إِلَهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟ فقد قاسى كل هذا لأجل غفران خطايانا.

من أجل ذلك نحن نقول بحق مع الرسول بولس، إننا لا نعزم أن نعرف شيئًا إلَّا يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوبًا؛ وإننا نحسب كُلَّ شَيءٍ أيضًا خَسارَةً مِنْ أجلِ فضلِ مَعرِفَةِ المَسيحِ يَسوعَ ربِّنا، الذي في جراحاته نجد كل أنواع العزاء. كما لا يلزمنا أن نسعى وراء أيّة وسيلة أخرى للمصالحة مع الله، أو أن نخترع أيّة وسيلة أخرى، غير هذا القربان الوحيد، الذي قُدِّم مرة واحدة، فأَكمَل المؤمنين إلى الأبد. ولهذا السبب أيضًا دعاه ملاك الله يسوعَ، أي المخلِّص، لأنَّهُ يُخَلِّصُ شَعبَهُ مِنْ خطاياهُمْ.

 

البند 22
تبريرنا بالإيمان بيسوع المسيح

نؤمن بأننا كي نصل إلى المعرفة الصحيحة والحقيقيَّة بهذا السر العظيم ينشئ الروح القدس داخل قلوبنا إيمانًا مستقيمًا، يقبل يسوع المسيح بجميع استحقاقاته، ويقتنيه لنفسه، ولا يطلب شيئًا آخر معه. فإنه يجب أن يتبع ذلك، إما أنه لا يوجد في يسوع المسيح كلُّ ما يلزم لخلاصنا، أو أن فيه كل الأشياء؛ وبالتالي فإن من يمتلكون يسوع المسيح بالإيمان ينالون فيه خلاصًا كاملًا. ولذلك، فإن تأكيد أي إنسان على أن المسيح غير كافٍ، بل يلزم شيء إضافي معه، هو تجديف شديد؛ إذ سيترتب على ذلك أن المسيح لم يكن سوى نصف مخلص.

لذلك نقول بحق مع بولس، إننا نتبرر بالإيمانِ وحده، أو بِالْإِيمَانِ بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ. ولكن، كي نكون أكثر وضوحًا، نحن لا نقصد بهذا أن الإيمان نفسه هو الذي يُبرِّرنا، بل هو مجرد أداة بها نقبل المسيح برَّنا. لكن يسوع المسيح، الذي يحتسب لنا كافة استحقاقاته والكثير من أعمال القداسة التي عملها عنَّا وبدلًا منَّا، هو برُّنا. والإيمان هو أداة تُبقِي علينا في شركة معه في كافة بركاته، التي، حين تصير لنا، تكون أكثر من كافية لتبرئتنا من خطايانا.

 

البند 23
فيمَ يتمثَّل تبريرنا أمام الله؟

نؤمن بأن خلاصنا يتمثَّل في غفران خطايانا بفضل يسوع المسيح، وأن هذا يحوي ضمنًا تبريرنا أمام الله؛ كما يعلِّمنا داود وبولس، اللذان صرَّحا بأن ذلك الإنسان الذي يَحْسِبُ لَهُ اللهُ بِرًّا بِدُونِ أَعْمَالٍ مطوَّب. ويقول الرسول نفسه مُتَبَرِّرينَ مَجّانًا بنِعمَتِهِ بالفِداءِ الّذي بيَسوعَ المَسيحِ.

ولذلك، نحن نتمسَّك دائمًا بهذا الأساس، مقدمين كلَّ المجد لله، ومتضعين أمامه، ومقرِّين بحقيقتنا، دون أن نتجرَّأ على الاتكال على أي شيء فينا أو أي استحقاق لنا، بل متكلين ومستندين على طاعة المسيح المصلوب وحده، التي تصبح لنا حين نؤمن به. هذا كافٍ لستر جميع آثامنا ولإمدادنا بالثقة لنتقدَّم إلى الله؛ مُحررًا الضمير من الخوف والرعب، والفزع، فلا نقتدي بآدم أبينا الأول، الذي حاول في رعدةٍ ستر نفسه بأوراق التين. وفي حقيقة الأمر، إن حدث ووقفنا أمام الله متكلين على أنفسنا أو على أي مخلوق آخر، حتى ولو قليلًا جدًا، فإننا حتمًا، وبكل أسف، سنهلك. ولذلك على كل إنسان أن يصلي مع داود قائلًا: وَلَا تَدْخُلْ فِي الْمُحَاكَمَةِ مَعَ عَبْدِكَ، فَإِنَّهُ لَنْ يَتَبَرَّرَ قُدَّامَكَ حَيٌّ.

 

البند 24
تقديس الإنسان والأعمال الصالحة

نؤمن بأن هذا الإيمان الحقيقي، الذي ينشأ داخل الإنسان عن طريق الاستماع إلى كلمة الله وبعمل الروح القدس، يلده ثانية ويجعله إنسانًا جديدًا، مما يجعله يحيا حياة جديدة ويحرره من عبودية الخطية. لذلك، ليس من الصحيح إطلاقًا أن هذا الإيمان المُبرِّر يجعل البشرَ يغفلون السلوك بالتقوى والقداسة، بل على النقيض، دون هذا الإيمان لما تمكنوا من فعل أي شيء بدافع المحبة لله، بل فقط بدافع محبة للذات أو خوف من الهلاك. ولذلك، يستحيل ألا يثمر هذا الإيمان المقدَّس داخل الإنسان؛ لأننا لا نتحدث عن إيمان باطل، بل عن إيمانٍ عامل بالمحبة كما يسميه الكتاب المقدس، الذي يحفز الإنسان على ممارسة تلك الأعمال التي أوصى بها الله في كلمته. وإذ تنبع هذه الأعمال من الأصل الصالح للإيمان، فهي حسنة ومقبولة في نظر الله، لأنها تتقدس جميعها بنعمته؛ غير أنها لا قيمة لها من جهة تبريرنا. لأننا نتبرر بالإيمان بالمسيح، حتى قبل أن نصنع أعمالًا صالحة؛ دون ذلك، لن يكون هناك أعمالًا صالحة، كما أن ثمار الشجرة لا يمكن أن تكون صالحة إلا حين تكون الشجرة نفسها صالحة.

لذلك نحن نعمل أعمالًا صالحة، لكن ليس كي نستحق بها (فماذا يمكن أن نستحق؟) — كلا، فنحن ممتنون لله لأجل الأعمال الصالحة التي نعملها، وليس هو الممتن لنا، بما أنه هُوَ الْعَامِلُ فينا أَنْ نريد وَأَنْ نعمل مِنْ أَجْلِ الْمَسَرَّةِ. دعونا إذن نستمع جيدًا إلى الكلمات القائلة: مَتَى فَعَلْتُمْ كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ، لِأَنَّنَا إِنَّمَا عَمِلْنَا مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْنَا.

في الوقت ذاته، لسنا ننكر أن الله يكافئ أعمالنا الصالحة، لكن هو بنعمته يكلل عطاياه. علاوة على ذلك، مع أننا نعمل أعمالًا صالحة، لكننا لا نؤسِّس خلاصنا عليها؛ لأننا لا نقدر أن نعمل أي عمل إلا وكان ملوثًا بجسدنا، وأيضًا مستحقًا للعقاب؛ وحتى إن استطعنا القيام بهذه الأعمال، ستكفي ذكرى خطية واحدة حتى يرفضها الله. وبالتالي، إذن، فإننا سنعاني دائمًا من الشك، وسنظل مضطربين ومحمولين دون أي يقين، وستظل ضمائرنا المسكينة في حيرة دائمة إن لم تتكل على استحقاقات آلام مخلصنا وموته.

 

البند 25
إبطال الناموس الطقسي

نؤمن بأن طقوس الناموس ورموزه قد توقفت بمجيء المسيح وبأن جميع الظلال قد تحققت، بحيث يلزم إبطال ممارستها بين المسيحيين؛ إلا أن الحق الكامن فيها وجوهرها يظل باقيًا في يسوع المسيح، الذي فيه تتميمها. لكننا لا زلنا، في الآن ذاته، نستعين بالشهادات المأخوذة من الناموس والأنبياء، لأجل تثبيتنا في تعليم الإنجيل، وتنظيم حياتنا بكل أمانة لمجد الله، وبحسب مشيئته.

 

البند 26
شفاعة المسيح

نؤمن بأننا لا نستطيع دخول محضر الله إلا من خلال الوسيط والشفيع الوحيد، يسوع المسيح البار، الذي لهذا صار إنسانًا، إذ وحَّد الطبيعتين الإلهيَّة والبشريَّة في شخصٍ واحد، حتى يتسنَّى لنا نحن البشر الدخول إلى الله العظيم، ولولا هذا لصار هذا الدخول محظورًا علينا. لكن هذا الوسيط، الذي عيَّنه الآب بينه وبيننا، ينبغي ألا يخيفنا بعظمته بأي حال من الأحوال، أو يدفعنا إلى طلب شخص آخر على هوانا. فإنه ما من مخلوق، في السماء أو على الأرض، يحبنا أكثر من يسوع المسيح؛ الذي مع أنه كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ، وشابه إخوَتَهُ في كُلِّ شَيءٍ. وبالتالي، فإن أردنا وسيطًا يكون شديد الولع بنا، فمن عسانا نجد مَنْ يحبنا أكثر من ذاك الذي وضع حياته لأجلنا، حتى ونحن بعد أعداؤه؟ وإذا أردنا شخصًا يمتلك قوة وعظمة، فمَنْ يمكن أن يكون لديه قدر كبير من كليهما أكثر من ذاك الجالس عن يمين أبيه، الذي دُفِعَ إلَيَّه كُلُّ سُلطانٍ في السماءِ وعلَى الأرضِ؟ أيضًا من يمكن أن يُستجاب له على نحو أسرع أكثر من الابن المحبوب لله؟

لذلك، فقط بسبب اتكال ليس في محله أدخِلت ممارسة إهانة وليس إكرام القديسين، من خلال فعل ما لم يفعلوه هم أنفسهم قط أو يطالبوا به، بل على النقيض، رفضوه بإصرار، بحسب واجبهم الإلزامي، كما يظهر من كتاباتهم. كما ينبغي ألا نتشفع أيضًا بعدم استحقاقنا؛ إذ ليس الغرض هو أن نقدم لله صلواتنا بناء على استحقاقنا، بل فقط بناء على تميز واستحقاق الرب يسوع المسيح، الذي يصير بره لنا بالإيمان.

لذلك بحق قال الرسول، حتى يبيد من داخلنا هذا الخوف الأحمق أو بالأحرى هذا الاتكال الذي ليس في محله، إن يسوع المسيح كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشْبِهَ إِخْوَتَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لِكَيْ يَكُونَ رَحِيمًا، وَرَئِيسَ كَهَنَةٍ أَمِينًا فِي مَا لِلهِ حَتَّى يُكَفِّرَ خَطَايَا الشَّعْبِ. لِأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ الْمُجَرَّبِينَ. وللمزيد من التشجيع أضاف: فَإِذْ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ عَظِيمٌ قَدِ اجْتَازَ السَّمَاوَاتِ، يَسُوعُ ابْنُ اللهِ، فَلْنَتَمَسَّكْ بِالْإِقْرَارِ. لِأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلَا خَطِيَّةٍ. فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ إِلَى عَرْشِ النِّعْمَةِ لِكَيْ نَنَالَ رَحْمَةً وَنَجِدَ نِعْمَةً عَوْنًا فِي حِينِهِ. ويقول الرسول نفسه أيضًا: فَإِذْ لَنَا أَيُّهَا الْإِخْوَةُ ثِقَةٌ بِالدُّخُولِ إِلَى الْأَقْدَاسِ بِدَمِ يَسُوعَ، لِنَتَقَدَّمْ بِقَلْبٍ صَادِقٍ فِي يَقِينِ الْإِيمَانِ. كذلك أيضًا إن المسيح لَهُ كَهَنُوتٌ لَا يَزُولُ. فَمِنْ ثَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَ أَيْضًا إِلَى التَّمَامِ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ بِهِ إِلَى اللهِ، إِذْ هُوَ حَيٌّ فِي كُلِّ حِينٍ لِيَشْفَعَ فِيهِمْ.

ما الذي يمكن أن نطلبه أيضًا؟ فقد قال المسيح نفسه: أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الْآبِ إِلَّا بِي. بأي غرض إذن نطلب شفيعًا آخر، بينما قد سُرَّ الله بأن يعطينا ابنه شفيعًا لنا؟ دعونا لا نتركه كي نحصل على آخر، أو بالأحرى كي نسعى وراء آخر دون أن نتمكن البتة من إيجاده؛ لأن الله كان يعلم جيدًا حين أعطاه لنا أننا خطاة.

لذلك، بحسب وصية المسيح، نحن ندعو الآب السماوي بواسطة يسوع المسيح وسيطنا الوحيد، كما تعلِّمنا الصلاة الربانيَّة؛ متيقِّنين من أن كل ما نطلبه من الآب باسمه سيُعطَى لنا.

 

البند 27
الكنيسة المسيحيَّة الجامعة

نؤمن ونعترف بكنيسة واحدة جامعة أو مسكونيَّة، التي هي جماعة مقدَّسة من مؤمنين مسيحيِّين حقيقيِّين، ينتظرون جميعًا خلاصهم في يسوع المسيح، إذ قد غُسِّلوا بدمه، وتقدسوا، وخُتموا بالروح القدس.

كانت هذه الكنيسة موجودة منذ بدء العالم وستظل موجودة حتى نهايته، يتأكد هذا بسبب أن المسيح ملك سرمدي، ومن ثَمَّ، فهو لا يمكنه أن يكون كذلك دون رعايا. هذه الكنيسة المقدسة محفوظة ومؤيدة من قبل الله ضد سخط العالم أجمع؛ مع أنها قد تبدو أحيانًا (ولبعض الوقت) في شدة الضعف، وقد تُختزَل في نظر البشر إلى لا شيء، كما في فترة حُكم آخاب المحفوفة بالمخاطر؛ لكن مع ذلك أبقى الرب في إسرائيلَ سبعَةَ آلافٍ، كُلَّ الرُّكَبِ الّتي لَمْ تجثُ للبَعلِ.

فضلًا عن هذا، هذه الكنيسة المقدسة ليست قاصرة، أو مقيَّدة، أو محدودة بمكان معين أو بأشخاص معينين، بل هي منتشرة وممتدة في العالم أجمع؛ لكنها مع ذلك مرتبطة ومتحدة بالقلب والإرادة، عن طريق قوة الإيمان، في نفس الروح الواحد.

 

البند 28
كل إنسان ملزم بالانضمام إلى الكنيسة الحقيقيَّة

بما أن هذه الجماعة المقدَّسة هي اجتماع الذين خلصوا ولا يوجد خلاص خارجها، فنحن نؤمن إذن بأنه ينبغي على أي إنسان مهما كانت مكانته أو حالته ألا ينسحب كي يحيا في حالة منفصلة عنها؛ بل إن الجميع ملزَمون بالانضمام إليها والاتحاد بها، محافظين على وحدة الكنيسة؛ وخاضعين لتعليمها وتأديبها؛ وواضعين أعناقهم تحت نير يسوع المسيح؛ وكأعضاء مشتركين في الجسد الواحد، لا بد أن يخدموا لأجل بنيان الإخوة، حسب المواهب الممنوحة لهم من الله.

ولأجل تنفيذ هذا على نحو أكثر فاعليَّة، على جميع المؤمنين، بحسب كلمة الله، أن يعزلوا أنفسهم عن أولئك غير المنتمين للكنيسة، وأن ينضموا إلى هذه الجماعة، أينما أسَّسها الله، حتى وإن قاومها الحُكَّام ومراسيم الأمراء؛ بل ولو لزم أن يقاسوا الموت أو أي نوع آخر من العقاب الجسدي. لذلك، فإن جميع من يعزلون أنفسهم عن هذه الجماعة أو مَنْ لا ينضمون إليها هم يخالفون أمر الله.

 

البند 29
علامات الكنيسة الحقيقيَّة، وأوجه اختلافها عن الكنيسة الزائفة

نؤمن بأننا يجب أن نميِّز من كلمة الله باجتهاد وحذر ما هي الكنيسة الحقيقيَّة، إذ تنسب اليوم كل الطوائف الموجودة في العالم لنفسها اسم كنيسة. لكننا لسنا نتحدث هنا عن المرائين، الذين يختلطون مع الصالحين داخل الكنيسة، بينما هم ليسوا من الكنيسة، مع أنهم فيها بحسب الظاهر؛ بل إننا نقول إن جسد وشركة الكنيسة الحقيقيَّة لا بد أن يُميَّز من بين جميع الطوائف التي تدعو نفسها كنيسة.

تُعرَف الكنيسة الحقيقيَّة عن طريق العلامات الآتية: إن كان يُكرَز فيها بتعليم الإنجيل النقي؛ وإن كانت تحافظ على الممارسة النقيَّة للفرائض المقدسة كما أسسها المسيح؛ وإن كان التأديب الكنسي يُمارَس فيها لمعاقبة الخطية؛ باختصار، إن كان كل شيء فيها يُدار وفقًا لكلمة الله النقيَّة، وكل شيء مخالف لها يُرفض؛ وأيضًا إن كان يُعترَف فيها بأن يسوع المسيح هو الرأس الوحيد للكنيسة. بهذا تُعرَف عن يقينٍ الكنيسة الحقيقيَّة التي ليس من حق أي إنسان أن يعزل نفسه عنها.

من جهة أعضاء الكنيسة، فإنهم يُعرَفون عن طريق علامات المؤمنين، أي عن طريق الإيمان؛ فإنهم بعد قبولهم ليسوع المسيح بصفته المخلص الوحيد، يتجنبون الخطايا، ويتبعون البر، ويحبون الإله الحقيقي وقريبهم، ولا يحيدون يمينًا أو يسارًا، ويصلبون الجسد مع أعماله. لكن ينبغي ألا يُفهَم من هذا أنه لن تبقى فيهم نقائص ضخمة؛ لكنهم يقاومون هذه النقائص بالروح كل أيام حياتهم، ويحتمون باستمرار في دم ربنا يسوع المسيح، وموته، وآلامه، وطاعته، الذي فيه ينالون غفران الخطايا بالإيمان به.

أما من جهة الكنيسة الزائفة، فهي التي تنسب لنفسها ولفرائضها نفوذًا وسلطانًا أكثر مما لكلمة الله، ولا تخضع تحت نير المسيح. كما أنها لا تمارس الفرائض المقدسة كما عيَّنها المسيح في كلمته، بل تضيف إليها وتحذف منها كما يحسن في عينيها؛ وهي تتكل على البشر أكثر من اتكالها على المسيح؛ وتضطهد من يسلكون بالقداسة بحسب كلمة الله، ويوبخونها على ضلالاتها، وأطماعها، وعبادتها للأوثان. يسهل معرفة هاتين الكنيستين وتمييزهما عن بعضهما البعض.

 

البند 30
إدارة الكنيسة، والوظائف الموجودة فيها

نؤمن بأنه لا بد من إدارة هذه الكنيسة الحقيقيَّة عن طريق الترتيب الروحي الذي علَّمه لنا الرب في كلمته — وهو أنه لا بد من وجود قسوس أو رعاة يعظون بكلمة الله، ويقيموا الفرائض المقدسة؛ وأيضًا لا بد من وجود شيوخ وشمامسة، يشكِّلون مع الرعاة مجلس الكنيسة؛ فبهذه الوسائل تُحفظ الديانة الحقيقيَّة، وينتشر التعليم الصحيح في كل مكان، وكذلك يُعاقب المتعدُّون ويُكبَحون بوسائل روحيَّة؛ وأيضًا يجد المساكين والمتضايقون الراحة والعزاء بحسب احتياجاتهم. من خلال هذه الوسائل، سيُدار كل شيء في الكنيسة في لياقةٍ وترتيب، حين يتم اختيار رجال أمناء بحسب القواعد التي نص عليها القديس بولس في رسالته إلى تيموثاوس.

 

البند 31
القسوس، والشيوخ، والشمامسة

نؤمن بأنه ينبغي اختيار القسوس خدام كلمة الله، والشيوخ والشمامسة، لوظائفهم الخاصة بهم عن طريق انتخابات شرعيَّة للكنيسة، مع الصلاة باسم الرب، وباتباع النظام الذي تعلمه كلمة الله. لذلك، ينبغي أن يحذر كل شخص من أن يفرض نفسه على هذه الوظائف بأساليب غير لائقة، بل هو مُلزَم بالانتظار حتى يُسَر الله بأن يدعوه، حتى تكون لديه شهادة يدلي بها عن دعوته، وحتى يتحلَّى بالثقة واليقين في كونها من الرب.

يتساوى القسوس خدام كلمة الله في النفوذ والسلطان عينه أينما كانوا، لأنهم جميعًا خدام المسيح، الأسقف العام الوحيد، والرأس الوحيد للكنيسة. علاوة على ذلك، وحتى لا يُنتهَك هذا التعيين الإلهي المقدس أو يُستهان به، نقول إنه ينبغي أن يُكرِم الجميعُ القسوس خدام كلمة الله وشيوخ الكنيسة بشدة من أجل عملهم، وأن يُسالموهم دون دمدمة، أو خصومات، أو نزاع، قدر المستطاع.

 

البند 32
ترتيب الكنيسة وتأديبها

نؤمن، في الآن ذاته، بأنه على الرغم من فائدة أن يضع مَنْ يديرون مؤسسة الكنيسة بعض النُظم فيما بينهم من أجل الحفاظ على جسد الكنيسة؛ ولكن، عليهم أن يحترسوا جيدًا من أن يحيدوا عن تلك الأشياء التي أسسها المسيح، سيدنا الوحيد. ولذلك، نحن نرفض جميع الاختراعات البشريَّة، وجميع القوانين التي قد يُدخِلها الإنسان على عبادة الله، وبها يُلزِم ويقيِّد الضمير بأيَّة وسيلة كانت.

لذلك نحن لا نقر سوى بما يدعم ويحفظ الوئام والوحدة، ويحفظ الجميع في طاعة لله. ولهذا الغرض، يعد العزل أو التأديب الكنسي مطلبًا أساسيًّا، مع الظروف العديدة المصاحبة له، حسب كلمة الله.

 

البند 33
الفرائض المقدسة

نؤمن بأن ربنا الرؤوف قد وضع لنا، بسبب ضعفنا ونقائصنا، الفرائض المقدسة، بها يختم لنا وعوده، وهي بمثابة ضمان لرضاه عنا ونعمته من نحونا، وهي أيضًا تدعم إيماننا وتشدده؛ وقد ضم هذه الفرائض إلى كلمة الإنجيل، كي يعرض أمام حواسنا على نحو أفضل ما حدَّثنا عنه في كلمته، وما يعمله داخل قلوبنا، حتى يؤكد ويثبت بها الخلاص الذي يعطيه لنا. يعود هذا إلى كونها رموزًا وعلامات منظورة تعبر عن شيء داخلي وغير منظور، بواسطتها يعمل الله فينا بقوة الروح القدس. لذلك، ليست الرموز عديمة الجدوى أو الأهمية، مضللة إيَّانا. لأن يسوع المسيح هو الحقيقة التي تمثِّلها هذه الأشياء، والذي دونه تصبح بلا قيمة.

علاوة على ذلك، نحن نكتفي بعدد الفرائض المقدَّسة التي أسَّسها المسيح ربنا، وهما فريضتان فحسب، أي، فريضة المعموديَّة، وفريضة العشاء المقدَّس لربنا يسوع المسيح.

 

البند 34
المعموديَّة المقدسة

نؤمن ونعترف بأن يسوع المسيح، الذي هو غاية الناموس، قد وضع نهاية، بسفك دمه، لأي سفك دم آخر يمكن للبشر أن يصنعوه كاسترضاء أو كفارة عن الخطية؛ وأنه، إذ أبطل الختان، الذي كان يُصنَع بالدم، أسس بدلًا منه فريضة المعموديَّة، التي بها نُقبل داخل كنيسة الله، وننفصل عن جميع البشر الآخرين وعن الديانات الغريبة، حتى ننتمي كليَّة إلى ذاك الذي نحمل ختمه ورايته، التي هي بمثابة شهادة لنا على أنه سيظل إلهنا وأبانا الرؤوف إلى الأبد.

لذلك، هو قد أوصى كل مَنْ هم له بأن يعتمدوا بماء نقي، باسمِ الآبِ والِابنِ والرّوحِ القُدُسِ، موضحًا لنا بذلك أنه كما يزيل الماء وسخ الجسد حين يُسكَب عليه، فيُرَى الماء حين يُرَش على جسد المُعتمد، هكذا أيضًا دم المسيح، بقوة الروح القدس، يرش النفس من الداخل، مُطهرًا إيَّاها من خطاياها، فيجددنا مغيرًا إيَّانا من أبناء الغضب إلى أبناء الله. لا يحدث هذا بالماء الخارجي، بل برش الدم الثمين الذي لابن الله، الذي هو لنا البحر الأحمر، الذي لا بد أن نعبر في وسطه حتى نهرب من طغيان فرعون، الذي هو إبليس، وندخل إلى أرض كنعان الروحيَّة.

لذلك يقيم القسوس من جانبهم الفريضة والشيء المنظور، لكن ربَّنا هو مَنْ يعطي المرموز إليه بالفريضة، أي المواهب والنعمة غير المنظورة؛ غاسلًا، ومنقيًّا، ومطهرًا نفوسنا من كل نجاسة وإثم؛ ومجددًا قلوبنا ومالئًا إيَّاها بكل عزاء؛ ومانحًا لنا يقينًا حقيقيًّا في صلاحه الأبوي؛ ومُلبسًا إيَّانا الإنسان الجديد، وخالعًا عنَّا الإنسان العتيق مع أعماله.

لذلك، نؤمن بأن كل من يحرص بإخلاص على نوال الحياة الأبديَّة يجب ألا يعتمد سوى مرة واحدة فحسب بهذه المعموديَّة الوحيدة، دون أي تكرار لها، لأننا لا يمكن أن نُولَد مرتين. كما أننا لا نستفيد من هذه المعمودية فقط في لحظة سكب الماء علينا وقبولنا له، لكن طوال حياتنا أيضًا.

لذلك نحن نمقت ضلال مجددي المعموديَّة، الذين لا يكتفون بالمعموديَّة الواحدة الوحيدة التي نالوها من قبل، والذين أيضًا يدينون معموديَّة أطفال المؤمنين، الذين نؤمن بضرورة أن يعتمدوا ويُختَموا بعلامة العهد، كما كان الأطفال سابقًا في إسرائيل يُختَتَنون بناء على الوعود ذاتها التي قُطعت لأبنائنا. فبالحقيقة، سفك المسيح دمه لغسل أبناء المؤمنين تمامًا كما لغسل البالغين؛ ومن ثَمَّ، ينبغي أن يحصلوا على علامة ورمز ما فعله المسيح من أجلهم؛ كما أمر الرب في الناموس، بأنهم لا بد أن يصيروا شركاء في رمز آلام المسيح وموته عقب ميلادهم بفترة قصيرة، وهذا عن طريق تقديم حمل عنهم، الذي هو رمزٌ ليسوع المسيح. علاوة على ذلك، يمثِّل الختان لليهود ما تمثِّله المعموديَّة لأبنائنا. ولهذا السبب يقول بولس عن المعمودية إنها خِتَان الْمَسِيحِ.

 

البند 35
العشاء المقدس لربنا يسوع المسيح

نؤمن ونعترف بأن مخلصنا يسوع المسيح قد وضع وأسَّس فريضة العشاء المقدس حتى يدعم ويشدد مَنْ قد ولدهم ثانية بالفعل وضمهم إلى عائلته، التي هي كنيسته.

إذن، بداخل أولئك الذين وُلدوا ثانية حياة ثنائيَّة: الواحدة جسديَّة وزائلة، وهي التي أخذوها من الولادة الأولى والتي يشترك فيها جميع البشر؛ والأخرى روحيَّة وسماويَّة، تُعطَى لهم في ميلادهم الثاني، والتي تحدث بواسطة كلمة الإنجيل في شركة جسد المسيح؛ وهذه الحياة ليست عامة، بل تخص مختاري الله. على المنوال ذاته، كي يدعم الله الحياة الجسديَّة والأرضيَّة، أعطانا خبزًا أرضيًّا وعاديًّا هو نافع لها ويشترك فيه جميع البشر، كاشتراكهم في الحياة نفسها. لكنه أرسل، لدعم الحياة الروحيَّة والسماويَّة التي ينالها المؤمنون، خبزًا حيًا نزل من السماء، أي، يسوع المسيح، الذي يدعم ويشدِّد حياة المؤمنين الروحيَّة حين يأكلونه، أي حين يطلبونه ويقبلونه بواسطة الإيمان بالروح القدس.

حتى يوضح لنا المسيح طبيعة هذا الخبز الروحي والسماوي، أسَّس خبزًا أرضيًّا ومنظورًا كرمزٍ لجسده، وخمرًا كرمزٍ لدمه، كي يشهد لنا من خلالهما أننا كما نأخذ ونمسك في يقين بهذا الرمز بين أيدينا، ونأكله ونشربه بأفواهنا، وبه تتغذَّى حياتنا، هكذا نأخذ في يقين بالإيمان (الذي هو يد نفوسنا وفمها) الجسد والدم الحقيقي الذي للمسيح مخلصنا الوحيد في نفوسنا، لدعم حياتنا الروحيَّة.

إذن، كما قد صار مُؤكَّدًا وبعيدًا عن كل شك أن يسوع المسيح لم يوصنا بممارسة فرائضه عبثًا، هكذا أيضًا هو يجري في داخلنا كلَّ ما يوضحه لنا من خلال هذه الرموز المقدسة، لكن بطريقة تفوق إدراكنا ونعجز عن فهمها، لأن أعمال الروح القدس خفيَّة وغير مُدرَكة. في الآن ذاته، نحن لا نخطئ حين نقول إن ما نأكله ونشربه هو الجسد الحقيقي والطبيعي للمسيح والدم الحقيقي للمسيح. لكن طريقة اشتراكنا فيهما ليست عن طريق الفم، بل عن طريق الروح القدس بالإيمان. ومن ثَمَّ، إذن، فمع أن المسيح يظل جالسًا إلى الأبد عن يمين أبيه في السماوات، إلا أنه لا يكف عن جعلنا شركاء فيه بالإيمان. تُعَد هذه الوليمة مائدة روحيَّة فيها يقدم المسيح لنا ذاته بكافة بركاته، وفيها يتيح لنا أن نستمتع به وباستحقاقات آلامه وموته، داعمًا، ومشدِّدًا، ومعزيًّا نفوسنا المسكينة المعذبة عن طريق الأكل من جسده، ومنعشًا ومحفزًا إيَّاها عن طريق شرب دمه.

أيضًا، مع أن الفرائض المقدسة متصلة بالشيء المرموز إليه، لكن لا يأخذ الجميع الاثنين معًا؛ ففي حقيقة الأمر، يأخذ الخاطئ الرمز دينونة عليه، ولا يأخذ حقيقة الرمز. فقد أخذ كل من يهوذا وسيمون الساحر الرمز، لكنهما لم يأخذا المسيح المرموز له من خلاله، والذي يصير المؤمنون وحدهم شركاء فيه.

وأخيرًا، نحن نأخذ هذه الفريضة المقدسة داخل اجتماع شعب الله في اتضاعٍ وتبجيل، محافظين فيما بيننا على ذكرى مقدسة لموت المسيح مخلِّصنا بالشكر، ومعترفين بإيماننا وبالديانة المسيحيَّة. لذلك، لا ينبغي أن يتقدم أحد إلى هذه المائدة دون فحص نفسه جيدًا أولًا؛ لئلا بأكله من هذا الخبز وشربه من هذه الكأس يأكل ويشرب دينونة لنفسه. باختصار، تحفزنا ممارسة هذه الفريضة المقدسة على تقديم محبة شديدة من نحو الله وقريبنا.

لذلك، نحن نرفض جميع الإضافات والاختراعات الملعونة التي أضافها البشر إلى هذه الفرائض، ومزجوها معها، ونعتبرها تدنيسًا لها، مؤكدين على ضرورة أن نكتفي بالترتيب الذي علَّمه لنا المسيح ورسله، وأنه يجب أن نتحدَّث عنها بنفس الطريقة التي تحدَّثوا بها.

 

البند 36
الحُكَّام

نؤمن بأن إلهنا الرؤوف قد أقام، بسبب فساد الجنس البشري، ملوكًا، وأمراءً، وحُكَّامًا، راغبًا أن يُدار العالم بحسب قوانين وسياسات مُحددة؛ بهدف أن يتم كبح جماح البشر، ويسير كل شيء بلياقة وترتيب حسن. ولأجل هذا الغرض، أمد الحُكَّام بالسيف لِلِانْتِقَامِ مِنْ فَاعِلِي الشَّرِّ، وَلِلْمَدْحِ لِفَاعِلِي الْخَيْرِ. لا تقتصر وظيفة هؤلاء على الاهتمام بصالح الدولة المدنيَّة، بل تمتد أيضًا إلى حماية الخدمة المقدَّسة، ومن ثم إزالة ومنع كل عبادة أوثان وعبادات زائفة؛ حتى تُهدَم بهذا مملكة ضد المسيح ويتقدم ملكوت المسيح. ولذلك، عليهم أن يشجِّعوا الكرازة بكلمة الإنجيل في كل مكان، حتى يتمجَّد الله ويعبده الجميع، كما يوصي في كلمته.

علاوة على ذلك، من واجب كل إنسان، مهما كانت مكانته، أو مؤهلاته، أو حالته، أن يخضع للحُكَّام؛ ويُسدِّد الضرائب، ويظهر لهم الإكرام والاحترام الواجبين، ويطيعهم في كل ما لا يتعارض مع كلمة الله، ويتضرَّع من أجلهم في صلاته، حتى يسود عليهم الله ويرشدهم في جميع طرقهم، ولكي نَقْضي حياةً مُطمئنَّةً هادئةً في كلِّ تَقوَى ووقارٍ.

لذلك نحن نمقت ضلال مجددي المعموديَّة وآخرين من مثيري الفتن، وبوجه عام جميع من يرفضون السلطات العليا والحُكَّام، ويعيقون مجرى العدالة، ويدخِلون نظام الملكيَّة المشتركة للأشياء، ويعكِّرون صفو هذه اللياقة وهذا الترتيب الحسن الذي أسَّسه الله بين البشر.

 

البند 37
الدينونة الأخيرة

أخيرًا، نؤمن بحسب كلمة الله بأنه حين يأتي الوقت الذي عيَّنه الرب (الذي هو غير معروف لدى جميع المخلوقات)، ويكتمل عدد المختارين، سيأتي ربنا يسوع المسيح من السماء، بجسده في صورة منظورة، كما صعد إلى السماء، في مجد وجلال عظيمين كي يُظهِر نفسه ديَّانًا للأحياء والأموات، محرقًا هذا العالم العتيق بالنيران واللهيب كي يطهِّره. ثم سيقف جميع البشر بصفة شخصيَّة أمام هذا الديَّان العظيم، رجالًا ونساءً وأطفالًا على حدٍ سواء، الذين جاؤوا منذ بداية العالم وحتى نهايته، حيث يتم استدعائهم بصوت رئيس الملائكة وبصوت بوق الله. فإن جميع الأموات سيقومون من الأرض، وتعود نفوسهم لتتحد بأجسادهم الحقيقيَّة التي سكنت فيها قبلًا. أما من سيكونون على قيد الحياة آنذاك، فلن يموتوا كالآخرين، بل سيتغيَّرون في طرفة عين، ومن الفساد إلى عدم الفساد.

ثم ستُفتح الأسفار (أي الضمائر)، وسيُدان الأموات بحسب ما عملوه في العالم، خيرًا كان أم شرًا. فبالحقيقة، سيعطي جميع البشر حسابًا عن كل كلمة بطَّالة تكلَّموا بها، والتي يحسبها العالم مجرد تسلية ومزاح؛ ثم ستنكشف جميع سرائر البشر ورياءهم علنًا أمام الجميع.

ومن ثَمَّ، فإن التفكير في هذه الدينونة هو بالحقيقة شيء مروع ومُخيف للأشرار والأثمة، لكنه مرغوب فيه جدًا ومعزِّيًا للأبرار والمختارين؛ إذ حينئذ سيكتمل خلاصهم تمامًا، وسينالون ثمار تعبهم وضيقهم الذي احتملوه. ستظهر براءتهم أمام الجميع، وسيرون النقمة الرهيبة التي سينزلها الله بالأشرار، الذين اضطهدوهم، وأقمعوهم، وعذبوهم بأشد قسوة في هذا العالم؛ والذين سيُدانون بحسب شهادة ضمائرهم عليهم؛ وإذ هم خالدون، سيُعذَّبون في تلك النار الأبديَّة المُعدة لإبليس وملائكته. لكن على النقيض، سيُكلَّل الأمناء والمختارون بالمجد والكرامة؛ وسيعترف ابن الله بأسمائهم أمام الله أبيه وملائكته المختارين؛ وستُمسح كل دمعة من عيونهم؛ وسيُعلَن آنذاك أن دعواهم، التي يحكم عليها اليوم الكثير من القضاة والحُكَّام على أنها هرطقة وإثم، هي قضية ابن الله. وكمكافأة سخيَّة، سيعطيهم الرب مجدًا لم يخطر قط على بال إنسان.

لذلك، نحن ننتظر هذا اليوم العظيم بكل لهفة واشتهاء، حتى نستمتع تمامًا بوعود الله في المسيح يسوع ربنا. آمين.

آمين، تعالَ أيُّها الرَّبُّ يَسوعُ (رؤيا 22: 20).