المحاضرة 6: هل يمكن مقاومة النعمة؟

بعد تسوية النزاع بين أوغسطينوس وبيلاجيوس، وبعد أن تم الحكم على بيلاجيوس بأنه مهرطق، تبعت هذا القرار بعض المضاعفات، بعد أن بدأ أناس في شمال أفريقيا – وفي فرنسا بشكل أساسي – بالاعتراض على نظرة أوغسطينوس للخطية الأصلية، لا سيما نظرته للتعيين المسبق التي كانت مرتبطة بها ارتباطًا وثيقًا. وردّ الفعل الذي نشأ نتيجة ذلك كان مركزه في جنوب فرنسا، مع نشوء ما يُعرف بالنصف – وكما ذكرنا سابقًا – النصف بيلاجيوسية. وقد اشترك الكثير من الأشخاص في هذه الحركة. أما قائدها، فكان رئيس دير للرهبان في فرنسا – يُدعى جون كاسيان: ك-ا-س-ي-ا-ن. وكان اسمه الروماني كاسيانوس. وأحيانًا تُسمى النصف بيلاجيوسة الكاسيانوسية، رغم أنك قلما تسمع هذا المصطلح اليوم بسبب دفاع جون كاسياس عن هذه النقطة.

ألّف كاسيانوس إثني عشر كتابًا ردًا واعتراضًا على لاهوت أوغسطينوس. والأمر الذي أثار قلقه في لاهوت أوغسطينوس، فهو نظرة هذا الأخير للتعيين المسبق، لأن جون كاسيان أراد الدفاع عن شمولية نعمة الله، وهو يعتبر أيضًا أن الإنسان الساقط يُحاسَب معنويًا لأنه لا يزال يتمتع ببعض آثار القدرة المعنوية على إطاعة شريعة الله أو عصيانها. في هذه المناقشة التي نشأت بين أوغسطينوس وأتباع كاسيان، كانت وتيرة الجدال أقل حدة. وقد قيل عن الكنيسة على لسان علماء تاريخ الكنيسة، إنه عندما تفاعل أوغسطينوس مع هؤلاء الأشخاص الذين كانوا يعترضون على فكره، كانت نبرته الكلامية أكثر لطفًا مما كانت عليه عندما تفاعل مع أتباع بيلاجيوس. والسبب، وكما ذكرت منذ قليل، هو أن الفئات الرئيسية الثلاث للفكر المسيحي المنظوم، أي البيلاجيوسية والأوغسطينية والنصف بيلاجيوسية – وسأكتفي بذكر الخطوط العريضة – هو أنه على مر التاريخ، البيلاجيوسية البحتة والبسيطة اعتبرتها المسيحية الأرثوذكسية لاهوتًا غير مسيحي بل ضد المسيح، لأنها ترفض فكرة السقوط برمتها. ومن لم يسقط لا يحتاج إلى فداء. وبالتالي، فإن هذا الخطأ العقائدي هو طعنة في قلب اللاهوت المسيحي. وكافة أنواع البيلاجيوسية البحتة تم اعتبارها بشكل أساسي على مر التاريخ خارجة عن إطار الإيمان المسيحي. في حين أن الجدل بين أوغسطينوس وكاسيان كان يُعتبر جدلًا قائمًا ضمن نطاق المسيحية، لأنه على مر تاريخ الكنيسة لطالما شهدنا قيام جدل مستمر بين البيلاجيوسية والنصف بيلاجيوسية، والكالفينية والأرمينية وغيرها؛ وهي تركز على المسائل الأساسية نفسها، وتملك نظرات مختلفة للسقوط، ونظرات مختلفة لحرية الإنسان، ونظرات مختلفة للاختيار الإلهي والتعيين المسبق. لكنها نظرات عبّر عنها بكل جدية وصدق مسيحيون صادقون. إذًا، هذا جدل ضمن العائلة بين النصف بيلاجيوسية والأوغسطينية، على الرغم من أن – وسأعطيكم نظرة عامة تمهيدية – على الرغم من أن كاسيانوس وأتباعه حكمت عليهم الكنيسة الأولى بأنهم مهرطقون. لكن هذا الجدل لم ينتهِ مع موت كاسيان وأوغسطينوس، بل هو مستمر حتى يومنا هذا.

حين ينشأ جدال أو اختلاف في الرأي حول المسائل اللاهوتية، أيًا تكن نقطة الخلاف، أجد أنه من المفيد أن نبتعد قليلًا عن الجدال ونسأل الطرفين المتنازعين عن الأمور التي تثير قلقهم: "ما الذي يثير قلقك هنا؟" "ما الذي يثير قلقك هنا؟" "من المؤكد أنكما لا تتفقان في الحكم النهائي على الأمور، لكن قد تكتشفون أن لديكم المخاوف نفسها أكثر مما تظنون". فكاسيان يريد من ناحية حماية شمولية نعمة الله ومسؤولية الإنسان المعنوية، ويقول أوغسطينوس: "أنا أيضًا أريد حماية مسؤولية الإنسان المعنوية، لكني لا أشاطرك الرأي في ما يتعلق بشمولية نعمة الله الفادية". فنعمة الله شاملة، أي أن الجميع ينال جزاءً من رحمة الله ولطفه. لكن في ما يتعلق بنعمة الخلاص، فيقول أوغسطينوس إن نعمة الله انتقائية.

فلنأخذ الفصل التاسع من رسالة رومية على سبيل المثال، ونقرأ الآية العاشرة: "وَلَيْسَ ذَلِكَ فَقَطْ، بَلْ رِفْقَةُ أَيْضًا، وَهِيَ حُبْلَى مِنْ وَاحِدٍ وَهُوَ إِسْحَاقُ أَبُونَا. لِأَنَّهُ وَهُمَا لَمْ يُولَدَا بَعْدُ، وَلَا فَعَلَا خَيْرًا أَوْ شَرًّا، لِكَيْ يَثْبُتَ قَصْدُ ٱللهِ حَسَبَ ٱلِٱخْتِيَارِ، لَيْسَ مِنَ ٱلْأَعْمَالِ بَلْ مِنَ ٱلَّذِي يَدْعُو، قِيلَ لَهَا: «إِنَّ ٱلْكَبِيرَ يُسْتَعْبَدُ لِلصَّغِيرِ». كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «أَحْبَبْتُ يَعْقُوبَ وَأَبْغَضْتُ عِيسُوَ»". ثم استبق بولس احتجاجات هؤلاء الذين يقرأون هذا الكلام، وقام بالتعليق الآتي: "فَمَاذَا نَقُولُ؟ أَلَعَلَّ عِنْدَ ٱللهِ ظُلْمًا؟" هل الله غير عادل؟ هل ارتكب الله ظلمًا هنا؟ وجاء جوابه كالآتي: "حَاشَا! لِأَنَّهُ يَقُولُ لِمُوسَى: «إِنِّي أَرْحَمُ مَنْ أَرْحَمُ، وَأَتَرَاءَفُ عَلَى مَنْ أَتَرَاءَفُ». فَإِذًا لَيْسَ لِمَنْ يَشَاءُ وَلَا لِمَنْ يَسْعَى، بَلْ لِلهِ ٱلَّذِي يَرْحَمُ... فَإِذًا هُوَ يَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ، وَيُقَسِّي مَنْ يَشَاءُ".

ليس المقصود بذلك أن الله يعامل فريقًا بالعدل ويظلم فريقًا آخر، لكن باعتبار الفريقين معارضين له، والخطاة الساقطين معارضين له، فهو يعطي نعمة لفريق واحد ويحجب هذه النعمة عن الآخر لأسبابه الغامضة. فينال البعض عدلًا، وينال البعض الآخر نعمة. إذًا، اعترض أوغسطينوس على فكرة شمولية النعمة المخلّصة، لأن الكتاب المقدس يعلن بوضوح أن الله بطرقه الخاصة يعطي نعمة للبعض لكن ليس للجميع. إنه يمنح امتياز الرحمة لمن يشاء أن يرحم لكي يظهر عمق نعمته وغناها. لكن كانت هذه نقطة الخلاف آنذاك، ولا تزال موضع جدال محتدم حتى اليوم. كلما تمت مناقشة عقيدة الاختيار، فإن المشكلة التي تظهر مباشرة والسؤال الذي يُطرح على الفور هو: "ليس من العدل أن يبدي الله نعمته ورحمته لبعض الناس لا للجميع". فهذا ليس من العدل. في الواقع، إن ترأفتُ على أحدهم، فيتوجب علي أن أترأف على الجميع بالطريقة نفسها. وبالطبع، من وجهة نظر مسيحية ومن وجهة نظر الله، ليس الله مجبرًا على أن يترأف على أحد. هو ليس مجبرًا على أن يترأف على شخص واحد، فكيف سيترأف على اثنين. وإن ترأف على واحد، فهذا لا يعني أنه يجدر به أن يبدي الرأفة نفسها للآخر. لأنه إن كانت النعمة مطلبًا فهي لم تعد نعمة، بل أصبحت عدلًا.

بأي حال، المسائل التي تمت إثارتها في هذا الجدال النصف البيلاجيوسي ركزت على عقيدة التعيين المسبق وارتباطها بالإرادة الحرة والخطية الأصلية. فبالنسبة إلى أتباع كاسيانوس، إن تعليم أوغسطينوس عن التعيين المسبق يشلّ قوة الوعظ والكرازة، ويؤدّي إلى نوع من الإيمان بالقضاء والقدر. كل من علّم اللاهوت الأوغسطيني سمع هذا الاعتراض مرارًا وتكرارًا: إن كان الله منذ الأزل قد أمر بأن يخلّص البعض دون سواهم، أفلا يقضي ذلك على الوعظ والهدف منه؟

أذكر أني كنت في صف في معهد اللاهوت منذ سنوات حين كان الأستاذ يعلّم عن عقيدة التعيين المسبق، وقال: "إن كانت نظرية التعيين المسبق صحيحة، فلماذا نقوم بالكرازة؟" ثم طرح هذا السؤال على جميع الحاضرين في المكان، ولم يعرف أحد الجواب. أخيرًا، جاء إلي وأنا كنت أرتجف على الكرسي، فقلت: "أنا لا أعرف"، وقلت: "السبب البسيط الوحيد الذي يدعونا إلى المواظبة على الكرازة هو أن المسيح أمرنا بذلك". فجاء رد فعل الأستاذ مرعبًا جدًا وقال لي "نعم. وأي سبب عديم الأهمية قد يدعونا إلى القيام بالكرازة أكثر من أمر الرب الكلي الوجود ومخلص نفوسنا! فما من سبب آخر يدعونا إلى القيام بذلك". فأنبني تأنيبًا رسميًا ولن أنسى ذلك أبدًا. لكن الفكرة هي أننا نلنا هذه المأمورية، وأيًا تكن عقيدة التعيين المسبق التي نتبناها، لا يجدر بها أبدًا أن تُضعف من عزم الكنيسة على إطاعة المأمورية العظمى وإعلان الإنجيل المقدس لكل الخليقة. في الواقع، أنا متشجع على القيام بالأمر عالمًا أن الله وعد بأن كلمته لن ترجع إليه فارغة، ويسرّني أن أعلم أن تأثير الإنجيل في نهاية المطاف لا يتوقف علي، أو على قدرتي، أو على فصاحتي، أو على ذكائي، بل إن الله هو الذي يأتي بالحصاد. وكما قال بولس: "لَيْسَ الْغَارِسُ شَيْئًا وَلاَ السَّاقِي بَلِ اللهُ الَّذِي يُنْمِي". لكي بأي حال، هذا هو الأمر الذي أثار القلق حينئذٍ، وهو الآن يثير قلق النصف بيلاجيوسيين.

أيضًا، هم يعتبرون أن نظرة أوغسطينوس للتعيين المسبق هي نوع من المبالغة، إنها نظرة قوية أكثر من اللازم لإنكار البيلاجيوسية. وأنا أقول إن هذا صحيح، لكني أوافق أيضًا على أن نظرة أوغسطينوس صحيحة ولا أظن أنها مبالغة، لكن من المؤكد أنه ليس على أحد أن يحذو حذو أوغسطينوس ليرفض البيلاجيوسية. في الواقع، يوجد فرق بين البيلاجيوسية والنصف بيلاجيوسية. تختلف النصف البيلاجيوسية عن البيلاجيوسية في النقطة الآتية: تذكروا أن بيلاجيوس علّم أنه لم يكن لسقوط آدم أي تداعيات على الجنس البشري، وأن سقوط آدم أثر في آدم وحده، ولا وجود لانتقال الإثم أو خسارة القوة أو القدرة المعنوية، ولم تسقط مقومات الطبيعة البشرية نتيجة سقوط آدم؛ أما النصف بيلاجيوسية فتقول: "لا"، لقد تم السقوط فعلًا والإنسان أصبح فاسدًا، ونحن ولدنا في حالة من الفساد، وإرادة الإنسان ضعفت جدًا، بحيث أنه لم يعد باستطاعة أي أحد أن يصبح بارًا أو أن ينال الفداء من دون النعمة. في هذا الإطار، تختلف النصف بيلاجيوسية كل الاختلاف عن البيلاجيوسية البحتة، التي تقول إن النعمة قد تساعد لكنها ليست ضرورية للخلاص.

إذًا، تقول النصف بيلاجيوسية إن النعمة ضرورية؛ لكنها لا تؤمن بأن الإنسان مات في خطيته بحيث أنه لم يعد يملك أي قدرة معنوية. فعلى الرغم من طبيعته الساقطة هو لا يزال يملك القدرة على التعاون مع نعمة الله أو عدم التعاون مع نعمة الله. والله يهب نعمته للجميع، وهي تساعد كل إنسان على اتخاذ القرار الصائب بأن يُقبل إلى المسيح ويستجيب لدعوة الله. بحيث أن الله يريد أن يخلّص الجميع وهو يمنح إمكانية الخلاص للجميع، لكن في نهاية المطاف إن الإنسان يخلص أو لا يخلص بحسب درجة تعاون هذا الخاطئ الساقط مع ما يُعرف بنعمة الله السابقة – تلك النعمة التي تسبق القرار. إن كان الله يمنح الخلاص للجميع، فهو يقدم العون للجميع، وثمة من يقول: "نعم"، وثمة من يقول: "لا". من يقول: "نعم"، ينال الفداء؛ ومن يقول: "لا"، بناء على إرادته الضعيفة لا الميتة، فهو يهلك.

والآن دعوني أقول لكم إنه في كنيستنا ومجتمعنا اليوم، النصف بيلاجيوسية، لا البيلاجيوسية – فالبيلاجيوسة هي نظرة الثقافة العلمانية – لكن النصف بيلاجيوسية هي النظرة السائدة في الكنيسة اليوم لا النظرة الأوغسطينية. لكن النظرة الأوغسطينية تنكر النظرة البيلاجيوسية بالقول إن الجدل هنا يتمحور حول ما إذا كان الإنسان لا يزال يملك نوعًا من القوة المعنوية ليجعل نفسه يستجيب للنعمة، ليتعاون معها أو ليرفض التعاون معها.

ونقطة الخلاف بين الأوغسطينية الكلاسيكية والنصف بيلاجيوسية هي نقطة الخلاف بين ما نسميه الـ"مونيرجيزم" والـ"سينيرجيزم"، في ما يتعلق بالتجدد أو إحياء النفس والانتقال من الموت الروحي إلى الحياة الروحية. ففي كلمة "مونيرجيزم"، البادئة "مون" تعني "واحد" – مثل أحادية السطح والخط الأحادي وغيرها، ومعناها "واحد". ونحن نعرف ما هي "الأرغ"؛ الأرغ هي وحدة عمل أو طاقة، إنها جزء من كلمة "إينيرجي" أو "طاقة". إذًا كلمة "مونيرجيزم" تعني "عمل أحادي"، أي أنه في العمل المونيرجيستي يقوم شخص واحد فقط بالعمل، فلا يكون هناك عمل مشترك أو تعاوني لكنه عمل أحادي يقوم به فريق واحد – هذا هو معنى الـ"مونيرجيزم". وفي كلمة "سينيرجيزم"، البادئة "سين" تأتي من الكلمة اليونانية "سون" ومعناها "مع"؛ وهي تذكرنا بكلمة "سيناغوغ" أو "مجمع"، حيث يجتمع الناس ليكونوا سويًا. ونتكلم عن "سينكرونايزينغ"، أي مزامنة ساعاتنا لتصبح في زمن واحد؛ ونتكلم عن "سينونيمز"، أي مرادفات، أي عن كلمتين تحملان المعنى نفسه. إذًا، البادئة "سين" تعني "مع"، والجذر نفسه "أرغ" يعني "وحدة العمل أو الطاقة". إذًا، تعني الكلمة "العمل سويًا"، أو "العمل المشترك"، أو "التعاون". ما هي "الأوبرا"؟ كلمة "أوبرا" تعني "أعمال". إن شغّلت أمرًا فأنت تجعله يعمل. إذًا، الفكرة هنا هي أن الله يمنح هذه النعمة ويجعلها متاحة للجميع، والإنسان في حالة سقوطه يختار إما أن يتعاون مع هذه النعمة أو أن يرفض هذه النعمة. أما تقديم النعمة، فهو أمر يقوم به الله بنفسه، أما تأثيرها في البشرية بالنسبة إلى النصف بيلاجيوسية فيحددها استعدادك لقبولها والتعاون معها.

لكن أوغسطينوس يعترض على ذلك قائلًا إن تحرير الإنسان الساقط هو عمل يتممه الروح القدس، والروح القدس وحده. في المرحلة الأولى من إحيائنا بالمسيح نحن نكون هامدين تمامًا، والله وحده يقيمنا من الموت إلى الحياة؛ في حين أن النصف بيلاجيوسية تقول إن هذا عمل مشترك – هنا يمكن الجدال المستمر. لأن أوغسطينوس يقول إننا بالرغم من أننا نملك إرادة حرة، نحن لا نملك الحرية، وبالتالي، نحن لا نملك القدرة المعنوية على قبول عرض الله لنا بالمساعدة. في حين أن النصف بيلاجيوسي يقول: "نحن لست أمواتًا في خطايانا". في الواقع، نحن نعاني من مرض خطير ولا نزال نملك قوة بسيطة تمكّننا، على الرغم من ضعفنا، من التعاون مع النعمة التي يقدّمها الله لنا".

هذا الأمر يرتبط مباشرة بمسألة التعيين المسبق. فأوغسطينوس علّم أنه منذ تأسيس العالم، الله، وبحسب مسرة مشيئته، أمر بأن يخلّص البعض وتدخّل عبر الزمان ليمنحهم الخلاص. في حين أن نظرة كاسيان للتعيين المسبق كانت مبنية على أساس المعرفة المسبقة، فالله كان يعلم منذ الأزل أنه سيعرض نعمة الخلاص على الجميع، وكان يتوق إلى أن يتعاون الجميع معها وينالوا الفداء، لكنه علم مسبقًا أنه لن يقبل الجميع هذا العرض، وكان يعرف مسبقًا من سيقول "نعم" ومن سيقول "لا". إذًا، الله، وعلى أساس معرفته المسبقة، نظر عبر الزمن ورأى مسبقًا من سيتعاون مع النعمة ومن لن يفعل، وعلى أساس هذه المعرفة اختار أن يخلّص من سيتعاون مع هذه النعمة بدلًا من الذين لن يفعلوا. إذًا، في نهاية المطاف، رغم أن الاختيار هو عمل الله، فإن الاشتمال في هذا الاختيار في نهاية المطاف هو أمر يتوقف على المرء نفسه، بحيث أنه يمكنك قول ما تريد بما أنك أنت تقرر بشكل نهائي ما إذا كنت ستنال الفداء أم لا. لكن أوغسطينوس كان يقول إنه إن نظر الله عبر الزمن واختار من علم أنه سيستجيب لعرض النعمة فما كان الاختيار ليشمل أحدًا، لأن الله كان ليرى أن ما من أحد يتعاون مع هذه النعمة، لأنه كان ليرى حشودًا بشرية لا تتوق إلى التعاون مع تلك النعمة.

إذًا، أكرر، بالنسبة إلى كاسيان إن حرية الإنسان ضعفت بفعل السقوط، لكنه لم يخسرها نهائيًا. فتم اعتبار كاسيان والنصف بيلاجيوسية هرطقة في سينودس أورانج في العام 529. سنرى في المحاضرة المقبلة ما حدث لاحقًا في تاريخ الكنيسة. وأحد الأمور المثيرة للسخرية هو أن الكنيسة الكاثوليكية دانت البيلاجيوسية ودانت النصف بيلاجيوسية، ومع لوثر في حقبة الإصلاح دانت الأوغسطينية، ما يجعلك تتساءل عن الخيارات المتبقية. لكننا سنتكلم عن الأمر في المحاضرة المقبلة.